تسجيل الدخول

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

النبي صلى الله عليه وسلم جاء في وصفه كما قال عز من قائل: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]، فالنبي عليه الصلاة والسلام من أبرز صفاته تلك الأخلاق العظيمة التي رباه الله تعالى عليها. ولو ذهبنا نتحدث عن أخلاقه لطال الموضوع جداً، ولكن في هذا الدرس سنركز على شيء من أخلاقه ربما له تعلق بالدرس القادم إذا لم يتسع الوقت بإذن الله عز وجل، وهذا الخلق هو خلق التواضع.

الله عز وجل يقول: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: 215]، خفض الجناح عبارة عن التواضع، عدم التكبر، عدم العلو في الأرض، عدم العجب ورؤية النفس. وكان صلى الله عليه وسلم بخلاف تلك الأخلاق الذميمة كلها، فكان سيد المتواضعين، كان يخفض جناحه للناس أجمعين؛ للقريب والبعيد، للصغير والكبير، للمرأة وللرجل، للحر وللعبد، كان يخفض جناحه لجميع المسلمين، والكل في نظره سواء، لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى وبالعمل الصالح.

أخرج الإمام مسلم في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله أوحى إلي أن تواضعوا، حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد». المسلمون بينهم وبين تعاليم النبي عليه الصلاة والسلام بون شاسع، استمع إلى الفخر واستمع إلى البغي واستمع إلى الكبر في وسائل الإعلام إذا نشبت مسألة أو قام خلاف بين بلد وبلد؛ نحن أفضل من أولئك، وهؤلاء يقولون نحن أفضل من أولئك، وهم يحتاجون ونحن نحتاجهم، وهم كذا، أعطيناهم وأعطونا، فخر وكبر وبغي، وليس ذلك من الإسلام في شيء. ولكن للأسف الناس تبع لملوكهم، فكما تقول وسائل الإعلام ترى الدهماء والعوام يتبعون ذلك.

النبي عليه الصلاة والسلام كان سيد العادلين، فكان عنده عدل وكان عنده التواضع ملازماً له في كل حال وحين. ومن تواضعه عليه الصلاة والسلام أن فراشه الذي ينام عليه كان من أدم حشوه ليف، وكذا الوسادة التي يضع رأسه عليها، وكان عليه الصلاة والسلام لا يجد أي إشكالية مطلقاً في أن ينام على فراش من جلد، أو أن ينام على الأرض، أو أن ينام على النطع، أو أن ينام على حصير، ما عنده أي مشكلة عليه الصلاة والسلام. لماذا؟ لأنه يعلم أن ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ﴾ [طه: 55]، هذه الأرض كان يجلس عليها عليه الصلاة والسلام ويشعر بقربه منها لأنه منها خلق، ينام عليها ولا يجد أي غضاضة في ذلك، وهذا قمة التواضع.

الناس اليوم الأمور المادية ترفع من شأنهم أو تنزلهم، بينما النبي عليه الصلاة والسلام ما كان ينظر إلى الأمور بمثل ذلك المنظار، إن هذا القرآن يرفع الله به أقواماً ويضع به آخرين. عمر قالها لوالي مكة عندما خرج ليستقبله وأخبره أنه ترك عليها مولى من موالي العرب نائباً عنه، فقال: كيف تضع هذا المولى؟ هذا عبد، كيف تضعه رئيساً على قريش وزعيماً عليها؟ قال: إنه يحفظ القرآن، عالم بالفرائض، فقال: إن الله يرفع أقواماً بهذا الكتاب بالقرآن، ويضع آخرين. هذا هو المقياس، الآن الإنسان إذا عنده سيارة فاخرة يتجبر ويتكبر، إن عطلت سيارته وأخذها إلى الورشة وركب سيارة مستأجرة، تجده يتلثم كي لا يراه الناس، يشعر بانكسار، سبحان الله! إن كانت هذه الأمور المادية هي التي ترفع من شأنك وتضعك فأنت لا قيمة لك البتة.

الرسول عليه الصلاه والسلام وهو سيد بني آدم كان لا يرى أي إشكالية في أن ينام على الأرض، وكان التواضع ظاهراً عليه. جاء في الحديث أن رجلاً وقف أمام النبي عليه الصلاه والسلام يوم الفتح، طبعاً الرسول فتح مكة وهو قدم بجيش كبير، فالذي يتحدث مع الرسول عليه الصلاة والسلام لا بد أن تأخذه الرعشة والرهبة، فخاف ذلك الرجل وارتعد، وهذا يحصل عند بعض ضعاف النفوس إذا وقفوا أمام عظيم أو جبار أو طاغية. فالرسول عليه الصلاة والسلام، والطغاة والجبابره يحبون ذلك، ولذلك تجد مظاهر الأبهة والفخامة تحيط بهم، النبي عليه الصلاة والسلام كان بخلاف ذلك، قال لهذا الرجل: هون عليك، فإنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد؛ ترى أنا لست بكسرى ولا قيصر، بل هو سيدهما عليه الصلاة والسلام. يهون على الرجل الذي هو في الغالب كان كافراً مشركاً، يهون عليه، وكان يكفيه عليه الصلاة والسلام يقول له: هون عليك، استريح، خذ نفساً عميقاً، لكن النبي عليه الصلاة والسلام يبين له حقيقة الوضع. وتواضعه تعليماً لأصحابه وإظهاراً لمكنون ما في قلبه، أن التواضع هذه صفة ملازمة له، قال: إنما أنا ابن امرأة كانت تأكل اللحم المجفف من قريش، يعني امرأة عادية مثل غيرها، لا تخف، لا تجعل في نفسك هذه الأفكار.

فالنبي عليه الصلاة والسلام لم يرضَ لنفسه أن يتصف بغير الوصف الذي وصفه الله به وهو وصف العبودية، ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: 1]، إذاً هو عبد الله عز وجل، وكان يفخر بذلك أنه عبد لله تعالى، ما كان يريد أمراً من أمور الدنيا مما يتطلع إليه الناس من الفخر والكبر والبغي. الناس عادة يحبوا أن يحمدوا بما ليس فيهم، كان الرسول عليه الصلاة والسلام يكره أن يحمد بما فيه، وكان لا يرضى لنفسه إلا بوصف العبودية، «إنما أنا عبد الله ورسوله»، هذا هو من أعظم الفوارق بين النبي عليه الصلاة والسلام وبين سائر البشر من الذين يحبون سماع كلمات الإطراء والتبجيل والتعظيم، الرسول لم يكن كذلك أبداً صلى الله عليه واله وسلم.

النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن مستبداً برأيه، السمة الغالبة والصفة الطاغية على الجبابرة على المتكبرين أنهم لا يسمعون إلا أصواتهم، النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن مثل ذلك أبداً صلى الله عليه واله وسلم. أخذ بمشورة سلمان في حفر الخندق، وفي بدر أخذ بمشورة الحباب بن المنذر في أن يجعل مياه بدر خلفه لئلا يستفيد منها المشركون، وكان دائماً ما يقول لأصحابه: «أشيروا علي أيها الناس، أشيروا علي»، ولذلك كانت قيادته عليه الصلاة والسلام محببة إلى العامة لأنه كان يستشير، وكان يستشير كل من له رأي سديد، وحتى إذا عارضوه في بعض آرائه فإنه كان يستمع ويختار ما هو الأنسب صلى الله عليه واله وسلم، ولا يفعل كما فعل فرعون الذي قال: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر: 29]، هذا كلام فرعون.

وكان من تواضعه عليه الصلاة والسلام أنه لا يرى أي غضاضة من العمل بيده. الجبابرة المتكبرون غالباً ما يستنكفون، ما يأنفون من أن يعملوا بأيديهم، فتجد المتكبر عادة يأمر وينهى وهو جالس على عرشه: افعل كذا، لا تفعل كذا، اقترح أنت، طيب يا أخي انزل إلى الميدان، اخدم معنا! فإن خادم القوم سيدهم، ما كان الرسول عليه الصلاة والسلام يفعل فعل المتكبرين، كان يعمل بيده ويساعد أصحابه ويشاركهم في الحلوة والمرة. جاء عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم ينقل التراب يوم الخندق حتى اغبر بطنه. سبحان الله، أنت تعمل بيدك مع أصحابك فيهم الخير والبركة! ما كان عليه الصلاة والسلام ليذرهم يعملوا بمفردهم حتى أنهم كانوا يلحون ويصرون عليه أن يرتاح وألا يشتغل، ولكن في بعض الأحيان كان لا بد لهم من أن ينزل معهم، فعندما اعترضتهم تلك الصخرة العظيمة ما استطاعوا أن يكسروها، لم يجدوا بداً من الاستعانة بالنبي عليه الصلاة والسلام فجاء فكسرها بإذن الله عز وجل.

فكان يعمل بيده، بل أخبرنا عليه الصلاة والسلام أن أفضل الكسب هو ما يأكله المرء من كسب يده، هذا الذي الآن يسخرون منهم -وزمان في الأزمنة الماضية كانوا يسمونهم بالصناع- هذا الذي يعمل بيده ويصنع للناس كالحداد أو الصباغ أو الصائغ، هؤلاء أعمالهم مستهجنة، لا تكون محترمة لأنه من الصناع، وقد أخبر عليه الصلاة والسلام أن في ديننا كسب هذا الصانع من أطيب الكسب عند الله عز وجل، وكذا كان كسب نبي الله داوود. وقد قال صلى الله عليه وسلم: «إنه ما بعث الله نبياً إلا ورعى الغنم»، فقيل له: وأنت يا رسول الله؟ قال: «نعم، كنت أرعى على قراريط لأهل مكة». فكل نبي من أنبياء الله لا بد وأن يرعى الغنم في فترة من حياته، وهذا رعي الغنم كما يقول أهل العلم من فوائده أنه يعلم النبي كيف يسوس الناس؛ لأن قيادة الناس تحتاج إلى حكمة وإلى صبر يجدها من يرعى الغنم. وكذلك كما أخبر عليه الصلاة والسلام أن رعي الغنم يورث صاحبها السكينة، فإن السكينة في الغنم، والفخر والخيلاء في الخيل والإبل؛ الذي يرعى الخيل أو الذي يرعى الإبل هذا فيه فخر وكبر وخيلاء كما أخبر عليه الصلاة والسلام.

فإذاً النبي عليه الصلاة والسلام كان يعمل وكان يتكسب، والرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن منطوياً على نفسه كما الحال معنا، كثير منا يحب الانطواء، يحب البعد عن الناس، ولا يحب الاختلاط بهم، وهذا خطأ وخلل في الشخصية. فالرسول عليه الصلاة والسلام كان يزور الأنصار ويجيب الدعوة، ويسلم على الصبيان؛ إذا رأى الصبيان سلم عليهم ومسح على رؤوسهم، من يفعل من الكبار والعظام والقادة مثل ذلك؟ قل أن تجد من يفعل مثل ذلك، وإن وجد فإنه عادة يوجد لمفهوم العلاقات العامة، لقطة في العام أو في العامين تظهر ذاك القائد أو ذاك المسؤول وهو يحنو على طفل أو على مسكين، وما هي إلا تمثيلية في الغالب. شتان ما بين ذلك وبين من ديدنه صلى الله عليه وسلم خدمة الناس والظهور لهم والاختلاط بهم وإجابة دعوتهم وزيارتهم في بيوتهم، بل كان صلى الله عليه وسلم من تواضعه أنه يزور أهل الكتاب، كما جاء في الحديث الصحيح أن غلاماً يهودياً كان للرسول عليه الصلاة والسلام، مرض فعاده الرسول في بيته. إحنا ربما يمرض إخواننا، يمرض قرابتنا ولا نزورهم، بل نكتفي بإرسال رسالة واتساب أو رسالة نصية "طهور إن شاء الله"، حتى الاتصال ما نفعله، بون شاسع بين تربية الله لنبيه عليه الصلاة والسلام وكيف كان وبين ما نحن فيه هذه الأيام.

سأل رجل أمنا عائشة: هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يعمل في بيته شيئاً؟ قالت: نعم، كان يخصف نعله ويخيط ثوبه، ويعمل في بيته كما يعمل أحدكم في بيته. قمة في التواضع، لو شاء عليه الصلاة والسلام لملأ بيته من الخدم والحشم ما شاء، ولكن انظر إلى بيته، التي من دنو سقف الحجرة ما كان يستطيع الرجل أن يقيم صلبه فيها كما جاء في بعض الروايات؛ حجرة صغيرة بالكاد تتسع للنبي صلى الله عليه وسلم وزوجه، ولو شاء لبنى وشيد القصور، لكنه ما اختار أن يكون ملكاً نبياً، اختار أن يكون عبداً رسولاً صلى الله عليه وسلم، وهذه هي حاله مع أزواجه.

وأي منصف من غير المسلمين لو نظر في سيرته عليه الصلاة والسلام لعلم أن هذا رجل مرسل من عند الله وليس بطالب للدنيا، إذ أقل القليل أن يحوز منها ما يرضي نفسه وأهله، وما كانت تلك حاله عليه الصلاة والسلام، وما كان بمتكبر أو جبار أو طاغية، بل كان هو سيد المتواضعين بأبي وأمي صلى الله عليه وسلم.

وصياغة هوية الأمة والمحافظة على ثوابت الدين. ولا زال التاريخ يذكر أم المؤمنين خديجة، وأم المؤمنين عائشة، ونسيبة بنت كعب، وأم حرام بنت ملحان، وحفصة بنت سيرين، وفاطمة بنت عبد الملك، وزبيدة بنت جعفر، وغيرهن رضي الله عنهن ورحمتهن.

ومن هنا كان للمرأة المسلمة دورها المهم والخطير في صياغة المجتمع، مما أكسبها قيمة واعتباراً واحتراماً لا مثيل له في المجتمعات الأخرى، كما اعترف بذلك المنصفون من الغربيين، وبأنهم إنما تعلموا احترام المرأة من مسلمي الأندلس. يقول المفكر الفرنسي مارسيل بزارد: إن الشعراء من المسلمين هم الذين علموا مسيحية أوروبا عبر إسبانيا احترام المرأة.

فللمرأة على ثغر الحياة الزوجية أثر خطير، وفي التربية على الدين والخلق دور كبير، وفي التعليم والدعوة والطب والرعاية مكانة ومسؤوليات. وقيام المرأة المسلمة بهذا وغيره له أثره الإيجابي في إصلاح المجتمع كله أسراً وأفراداً، وصدق عليه الصلاة والسلام حين قال: «إنما النساء شقائق الرجال».

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. النبي عليه الصلاة والسلام عندما كان يقول: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر»؛ ما كان يفتخر، بل كان يثبت حقيقة ومنحة ربانية أنه من عند الله عز وجل سيد ولد آدم. ومع ذلك ما كان يحب عليه الصلاة والسلام أن يفضله أحد على سائر الأنبياء، على الرغم من أن الله عز وجل فضل بعضهم على بعض، إذ قال: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ [البقرة: 253]. ما كان يحب أن يفضله أحد على أحد من الرسل.

ثبت في الحديث الصحيح أن رجلاً من المسلمين ورجلاً من اليهود حصل بينهم شجار وخلاف، فقال اليهودي: إن نبي الله موسى هو خير خلق الله وهو خير من محمد صلى الله عليه واله وسلم. المسلم ما استطاع أن يستحمل فلطمه. وهذه مشكلة كبيرة؛ مشكلة أن تسيطر على المسلمين العواطف والأحاسيس فلا تضبط بميزان الشرع؛ تجد إنساناً يقول كلمة فيفور الآخر ويقتله بسببها، لماذا قال هذا؟ مرتد، هذا كافر، هذا فعل. يا أخي ما يجوز لك أن تأخذ الأمر بيدك، هنالك ولي أمر، هنالك قانون، هنالك أمور لا بد أن تتبع. ما يدريك أن الشروط قد توفرت وأن الموانع قد انتفت؟ ومن أنت لتقيم حداً من حدود الله عز وجل بنفسك؟ ما يجوز لك ذلك. ومع ذلك المسلمون تسيطر عليهم عواطفهم، وهذا خطر كبير.

فرفع اليهودي أمره إلى النبي عليه الصلاة والسلام: كيف هذا المسلم يلطمني ويتعرض لي ويؤذيني؟ فعندما استدعى الرسول عليه الصلاة والسلام المسلم وقص عليه القصص، طلب النبي عليه الصلاة والسلام من أصحابه أن لا يفضلوه على موسى، مع أن الرسول أفضل عليه الصلاة والسلام من موسى، وبرر ذلك بأنه أول من تنشق عنه الأرض، فإذا بموسى قد أخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا يدري هل صعق أو هل أفاق قبله، أو أنه جزي بصعقة الطور. فالنبي عليه الصلاة والسلام وهو أفضل من موسى، إلا أنه كان لا يحب من أصحابه أن يفاضل بينه وبين أحد من الأنبياء.

أما تواضعه مع أصحابه فحدث ولا حرج، ففي ذلك أحاديث كثيرة، ومن ذلك من أقرب الأمور على تواضعه مسألة الدابة التي ذكرناها قبل، الإنسان إن خير بين سيارة فاخرة فخمة غالية وسيارة عادية، ما في إنسان عادة يقول: لا والله أنا أختار السيارة العادية. النبي صلى الله عليه واله وسلم من تواضعه أنه كان يركب الحمار، وليس ذلك فحسب بل كان يردف خلفه؛ أي يركب أصحابه، يركب جابراً، يركب ابن عباس، يركب من شاء من أصحابه خلفه صلى الله عليه واله وسلم. والأحاديث معروفة: كنت رديف النبي عليه الصلاة والسلام، فقال لي: «يا غلام إني أعلمك كلمات» الحديث: «احفظ الله يحفظك». الأحاديث كثيرة في ذلك.

الآن ملك أو رئيس جمهورية أو مسؤول في الدولة يركب على حمار؟ إن كان ولا بد على حصان أو على ناقة. النبي عليه الصلاة والسلام كان سيد المتواضعين، ولا يركب على حمار فحسب بل كان يردف خلفه. وفي هذا قال أنس رضي الله عنه وأرضاه: كان صلى الله عليه واله وسلم يردف خلفه، ويضع طعامه على الأرض، ويجيب دعوة المملوك -العبد المملوك- إذا دعاه يجيبه، ويركب الحمار.

بل كان يستشفع عليه الصلاة والسلام للعبيد، يعني يتدخل لمساعدتهم. بريرة عندما اشترت نفسها وأعتقت كان تحت مغيث وهو عبد مملوك، فلما نالت حريتها، الحرة تختار هل تبقى تحت عبء العبد أو أنها تنفصل عنه، فاختارت الانفصال، فجاء مغيث إلى النبي عليه الصلاة والسلام يستشفع، عبد يذهب إلى رأس الدولة، فخرج عليه الصلاة والسلام وذهب إلى بريرة وأشفع وتشفع لمغيث، فقال: لو أنك راجعت مغيثاً. بريرة تقول: تأمرني؟ يعني هذا أمر؟ فقال: لا، إنما أنا شافع، لا، هذا ما هو بأمر. فقالت: لا حاجة لي فيه. الرسول عليه الصلاة والسلام من تواضعه يجيب طلب ذلك العبد.

ولم يكن صلى الله عليه واله وسلم يرضى أن يعظمه أصحابه، فمن تواضعه أنه كان يكره كراهية شديدة أن يقوم له أحد من مجلسه، ولذلك السنة إذا دخلت المجلس أن لا يقوم لك أحد، لأن من هو خير منك صلى الله عليه واله وسلم كان إذا دخل المجلس لم يقم له أحد من أصحابه. انظر إلى تعظيم النبي عليه الصلاة والسلام في قلوبهم، وقارن ذلك بين من يعظمون الرسول بدعائه واتخاذه وسيلة، وتعظيمه ومدحه، بل حتى في موالدهم إذا ورد ذكر مولده عليه السلام قاموا قياماً كلهم يزعمون أن روح الرسول جاءت فيعظم بالقيام، وهو بذاته عليه الصلاة والسلام كان يكره ذلك كراهية شديدة، وينهاهم عنه، ينهاهم عن القيام على الرغم من شدة حبهم له.

والتواضع هذا ما كان مع أصحابه فحسب، بل كان أيضاً مع الأغراب. عدي بن حاتم يزوره في بيته ويسأله عن الإسلام، ترمي له الجارية للرسول عليه الصلاة والسلام وسادة كي يجلس عليها على الأرض؛ ما عندهم مراتب وكراسي. يقول عدي: فجعل الوسادة بيني وبينه، فعلمت أنه ليس بملك من الملوك. الله أكبر، وسادة ما تكفيه إلا هو، مع ذلك يجعلها بينه وبين عدي لأنه ضيف ويجلس على الأرض صلى الله عليه واله وسلم.

تأتي الجارية الصغيرة تطلب منه موعداً لتحدثه عن مشاكلها مع أهلها، فيضرب لها موعداً، فتأتيه في الموعد، فتأخذ بيده وتمشي به في طرقات المدينة، وهو يتبعها حيث أخذته، ينصت لها ويستمع عليه الصلاة والسلام. والنبي عليه الصلاة والسلام كان يجلس حيث ينتهي به المجلس، يدخل إلى القاعة ما يدخل إلى صدرها، بل أول مكان فارغ يجلس إليه، حتى إن الغريب يأتي فيدخل المجلس ولا يعرف من الرسول عليه الصلاة والسلام، يسأل من الرسول حتى يشير إليه. مما دعا بأصحابه رضوان الله عليهم أن طلبوا من النبي عليه الصلاة والسلام أن يجعلوا له دكاناً من طين، بنوا له مكاناً مرتفعاً يجلس عليه وهم يجلسون على جنباته، فإذا دخل الغريب عرف أن هذا هو النبي عليه الصلاة والسلام. أي تواضع هذا؟ أي إخبات لله هذا؟ تلك هي حاله صلى الله عليه واله وسلم حقيقة وسيرة وأخلاقاً رباه الله عز وجل عليها، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

وبهذا نأتي إلى ختام هذه الحلقة حتى نلقاكم في حلقة أخرى، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.