بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين، أما بعد.
في الدرس الماضي تحدثنا عن تواضعه صلى الله عليه وآله وسلم، والنبي عليه الصلاة والسلام هو سيد المتواضعين، ولو حق لأحد أن يفخر فالفخر والسؤدد والشرف لا يكون إلا له صلى الله عليه وآله وسلم. ومع ذلك كله، مع أهليته صلى الله عليه وآله وسلم في أن يبرز نفسه لو شاء، وأن يمدح بما شاء، كان صلى الله عليه وآله وسلم سيد المتواضعين، وكان يكره أن يمدحه الناس بما ليس فيه، بل وحتى بما فيه؛ فقد كان يكره المديح والإطراء.
وكراهيته للمديح والإطراء لأمرين؛ الأمر الأول: لأن ذلك يؤذيه شخصياً، لأن المتواضع لا يحب أن يمدح، وإن كان أكثر مما يمدح، لكنه يرى نفسه دون ذلك تواضعاً وإخباتاً لله عز وجل. أما الأمر الثاني فهو لخشيته عليه الصلاة والسلام من وقوع الناس في الشرك، فإن هم غلوا في حبه ومديحه وإطرائه، ربما أوقعهم الشيطان في الغلو فيه.
ولذلك في حديث صحيح أن رجلاً قال: يا محمد، يا سيدنا وابن سيدنا، وخيرنا وابن خيرنا، وهذا حق هو سيدنا وهو خير عليه الصلاة والسلام، فقال عليه الصلاة والسلام: «يا أيها الناس، عليكم بتقواكم ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد بن عبد الله، أنا عبد الله ورسوله، ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلنيها الله». إذاً هذا نص صريح أنه لا يحب كثرة المديح عليه الصلاة والسلام.
أما حمايته لجناب التوحيد، فقد جاء عن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا عبد الله ورسوله» متفق على صحته. لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم عندما جعلوه ابناً لله عز وجل، عندما جعلوه ثالث ثلاثة، وتعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً، ولكن أنا عبد لله عز وجل، فقولوا عبد الله ورسوله؛ هذا ما أمر به النبي عليه الصلاة والسلام.
وقد يظن ظان أن هذا من المستحيلات، فكيف للمسلم أن يشرك بالله عز وجل معه رسوله صلى الله عليه وآله وسلم؟ النبي عليه الصلاة والسلام قد علم سرعة استجابة أمته لدعوة إبليس إذ يريد أن يدخلهم في الشرك بالله عز وجل. ولذلك لو أنت نظرت إلى آيات القرآن لوجدتها تتحدث حديثاً صريحاً لا مرية فيه في توحيد الله عز وجل وفي اجتناب الشرك؛ توحيد الله في أسمائه وصفاته، توحيد الله في ربوبيته، توحيد الله عز وجل في ألوهيته، كل هذا يشكل سياجاً منيعاً وسوراً عالياً حماية لجناب التوحيد.
النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا تتخذوا قبري عيداً»، ولعن اليهود والنصارى لأنهم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، فنهى عن ذلك. تقول أمنا عائشة: ولولا ذلك لأبرزنا ولرفعنا قبره. لماذا ينهى صلى الله عليه وآله وسلم عن اتخاذ قبره عيداً، يعني يزار فترة بعد فترة؟ كي لا يقع الناس في الشرك الذي نراهم فيه الآن.
الله عز وجل يقول: «أصبح اليوم بي مؤمن وكافر»، من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك مؤمن بالكواكب كافر بي، ومن قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكواكب. هو لفظ لكن اللفظ مخالف، وإن كانت النية صحيحة فهذا شرك أصغر، وإن كانت النية موافقة للفظ فهذا شرك أكبر.
نحن نرى الناس يقعون في الشرك الصريح بالنبي عليه الصلاة والسلام، لا أقول التوسل إلى الله عن طريقه صلى الله عليه وسلم كمن يقول: اللهم إني أسألك بجاه نبينا عليه الصلاة والسلام، فهذه بدعة منكرة؛ بل أقول الشرك الواقع الآن بالذي يقول: يا رسول الله أغثني، يا رسول الله المدد، يا رسول الله أعطني كذا وكذا. ونرى الشرك هذا جلياً عند الذين يذهبون إلى قبره عليه الصلاة والسلام يتمسحون به ويدعون النبي، يعطون ظهورهم للكعبة للقبلة ويستقبلون القبر، يرفعون أيديهم يجتهدون بالدعاء.
وقد سبق معنا حال أولئك الخرافيين عباد القبور الذين يقولون: إذا أتيت إلى القبر فقل: السلام عليك يا أول، السلام عليك يا آخر، السلام عليك يا ظاهر، السلام عليك يا باطن. هذه الثالثة من سورة الحديد، أسماء الله عز وجل يجعلونها للنبي عليه الصلاة والسلام، ولا شك أن أولئك هم من أضل الناس؛ لأنهم يتركون الآيات المحكمة والأحاديث الواضحة الصريحة للتحذير من الشرك به عز وجل، ويأتون إلى آية أساءوا فهمها، يأتون إلى حديث من آلاف الأحاديث فيجعلونه على بدعتهم وعلى ضلالتهم، وهذا من اتباع المتشابه وهو من أفعال الذين في قلوبهم زيغ.
يتركون آيات التوحيد؛ كذلك المشرك الذي يقول الكون فيه إلهان، مشرك نقول له: كيف؟ قال: هذا من القرآن، فمن قال الله عز وجل: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف: 82]. أي إنسان يعرف العربية يعلم أن معنى الآية أن الإله الذي يعبد في السماء والإله الذي يعبد في الأرض هو الله عز وجل، ما قال: وهما اللذان في السماء إله وفي الأرض إله، قال: وهو.
لكن الذي في قلبه زيغ الضال يأتي إلى هذه الآية ويترك كل الآيات التي تحذر من الشرك أو من اتخاذ الأنداد أو عبادة أحد مع الله فيغض الطرف عنها ويتمسك بهذا.
آية أخرى، قول الله عز وجل: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ [النساء: 64]. ولو أنهم إذ، هذه للماضي، ولم يقل: ولو أنهم إذا ظلموا، للحاضر والمستقبل، لكن أهل البدع يأتون فيقولون: نعم، إذ ظلمت نفسي أذهب إلى القبر فأستغفر الرسول عليه الصلاة والسلام ليستغفر الله لي، من الضلالات ولا شك.
ولذلك لو نظرت إلى عامة آيات الكتاب وأحاديث السنة المطهرة لوجدتها تحمي جناب التوحيد. أبو الهياج الأسدي رحمه الله قال: قال لي علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ أن لا تدع تمثالاً إلا طمسته، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته، كما رواه الإمام مسلم حماية لجناب التوحيد. تمثال صغير ماذا يضرك؟ البيوت المئات منها الرسول أمر طمسها عليه الصلاة والسلام وكسرها، لماذا حماية لجناب التوحيد؟ أأنت تعلم أكثر أم النبي عليه الصلاة والسلام؟ ولا تترك قبراً مشرفاً، أي مرتفعاً عن الأرض، إلا سويته به، ونحن نعلم ما يفعله عباد القبور من طوافهم بالقبور وذبحهم لها والتقرب إلى الله عن طريقها، وهذا كله من الضلالات.
النبي عليه الصلاة والسلام لذلك كان يكره أن يمدح، ويكره أن يسمع الإطراء عليه، وهو أحق الناس بالمدح والإطراء. وقد وصف الله عز وجل لنا تواضع النبي عليه الصلاة والسلام، إذ يقول: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159]. إذاً أنت لست بالفظ ولا بغليظ القلب، بل كان عليه الصلاة والسلام من أكثر الناس تواضعاً.
ولذلك خُيِّر صلى الله عليه وآله وسلم بذلك، يقول عليه الصلاة والسلام: يا عائشة لو شئت لسارت معي جبال الذهب. وقد خيره جبريل إن شاء أن يحول الله له حصباء مكة ذهباً فما رضي بذلك عليه الصلاة والسلام، لو شاء لسير الله جبال الذهب معه حيثما شاء. يقول: جاءني ملك فقال: إن ربك يقرأ عليك السلام ويقول لك: إن شئت نبياً عبداً، وإن شئت نبياً ملكاً. يعني إن أحببت أن تظل نبياً ولكنك عبد لله عز وجل، أو جعلناك مثل نبي الله سليمان، يقول: فنظرت إلى جبريل، قال: فأشار إلي أن ضع نفسك تواضعاً، قال: فقلت: نبياً عبداً.
فكان عليه الصلاة والسلام بعد ذلك لا يأكل إلا متكئاً، يقول: آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد. والرسول صلى الله عليه وآله وسلم كان متواضعاً في مسكنه، في معيشته، في لباسه، في كل أموره عليه الصلاة والسلام، حتى في حجه وعبادته. عن أنس رضي الله عنه قال: حج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على رحل رث، وعليه قطيفة لا تساوي أربعة دراهم، فقال: «اللهم اجعله حجاً لا رياء فيه ولا سمعة». الله أكبر، سيد الخلق صلى الله عليه وآله وسلم، أكرم بني آدم يحج حجة الإسلام على قطيفة لا تساوي أربعة دراهم، على رحل رث!
ونحن نرى اليوم ما يتكلفه بعض المسلمين من حج سبعة نجوم، يتخيرون فيها نوع الفرش الذي ينامون عليه والسرير والطعام، أكل بالبوفيه والقنوات الفضائية، هذا حج ولا سياحة ونزهة؟ يدفعون، لا أقول عشرة آلاف ريال، أقول عشرات الآلاف من أجل المباهاة والتفاخر، ويسأل بعضهم بعضاً: كم الحملة التي ذهبت إليها؟ يقول: بعشرين، قال: ما هو بشيء، أنا ذهبت بحملة بسبعين ألف ريال، أنا وزوجتي وحماتي وكذا، كي يثبت أنه أنفق مالاً في عبادة الله عز وجل، وليس ذلك من سنته عليه الصلاة والسلام، لكنه ابتغاء الفخر والمباهاة.
قال صلى الله عليه وآله وسلم: «وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله». ولذلك من هو أكثر رفعة في هذه الحياة الدنيا وفي الآخرة؟ العلماء قالوا: ما تواضع أحد لله إلا رفعه الله؛ معنى رفعه الله يحتمل معنيين؛ المعنى الأول: أن يرفعه الله في الدنيا بأن يجله الناس ويحترمونه وينظرون إليه ويرفعون مكانته في الدنيا. المعنى الثاني: أن الله يرفع درجته يوم القيامة في جنة النعيم. وكلا الأمرين قد تحقق مع النبي عليه الصلاة والسلام، ما يوجد أحد على وجه الأرض أجل مكانة منه عليه الصلاة والسلام، إذ إن اسمه مقرون باسم الله عز وجل؛ الأذان في كل أنحاء العالم يرفع، يذكر اسم الله ويذكر اسم نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، فما يوجد بقعة في الأرض على وجه الأرض خلال اليوم والليلة ما مرت دقيقة إلا ويذكر فيها اسمه عليه الصلاة والسلام.
هذا التواضع لم يكن فقط للأجانب، بل كان أيضاً لأهل بيته صلى الله عليه وآله وسلم، ونقصد بتواضعه لأهل بيته صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان لين الجانب، كان سهلاً ليناً هيناً، ما كان الذي يتشدد أو يصعب الأمور أو يدخل الخوف والرهبة في البيوت من الرجال؛ إذ كان مع أصحابه متبسطاً ضحوكاً مرحاً، وإذا دخل بيته إذا به يتجهم ويصبح كالوحش الكاسر يهابه أهله، تهابه زوجته، يهابه أبناؤه، يجدون الرهبة ولا يتكلمون معه كما يحبون. النبي ما كان كذلك عليه الصلاة والسلام.
أم المؤمنين عائشة سئلت كيف كان حال الرسول في بيته عليه الصلاة والسلام؟ ماذا كان يصنع؟ تقول: يكون في خدمة أهله، فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة. وتقول: كان بشراً من البشر، ينظف ثوبه، ويحلب شاته، ويخدم نفسه. وفي رواية: يخصف نعله ويفلي ثوبه. الرسول كان يعمل لنفسه، الواحد منا اليوم يجلس على أريكته فإذا هو كقيصر في مملكته: أحضروا لي ماء، اجلبوا لي الطعام، أتني بكذا، اذهب بهذا فاذهب به إلى كذا، ولا يتحرك، ثم نسأل أنفسنا لماذا أصابتنا السمنة؟ الرسول عليه الصلاة والسلام يقوم بتنظيف حاجاته بنفسه، يشارك أهله في أعمال البيت، يجلب الحاجات من السوق مع أنه خير الخلق أجمعين. متى آخر مرة وليت في بيتك طعاماً، أعنت أهلك؟ هذه أسئلة لا بد أن يسألها كل من كان متبعاً لسنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
من تواضعه عليه الصلاة والسلام أنه كان يقبل دعوة من دعاه، فإذا دعي إلى وليمة أو إلى طعام أو إلى أي شيء أجاب مهما قلت القيمة. روى البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «لو دعيت إلى ذراع أو كراع لأجبت، ولو أهدي إلي ذراع أو كراع لقبلت». الكراع هو أطراف القدمين واليدين، والذراع الكتف ونحو ذلك. فحتى تلك العظمة التي غالباً لا يوجد فيها شيء من اللحم، لكن ربما تسلق في ماء وربما يوجد شيء مما يمكن أن يؤكل منها، على حقارتها الرسول لتواضعه عليه الصلاة والسلام.
ولكارم نفسه قال: لو دعيت إلى كراع لأجبت. بل أنس يخبرنا، وقد تقدم أنه صلى الله عليه وسلم كان ربما يدعى إلى خبز الشعير وإلى الإهالة السنخة في حالة سنخة، والإهالة هي السمن المتجمد، والسنخ الذي تغيرت رائحته وأصبح طعمه كريهاً. لكن عند الفقر والحاجة الناس مضطرون يأكلون، والرسول صلى الله عليه وسلم إذا دعي إلى مثل هذا الأمر الذي نحن نراه حقيراً ولا يصلح، كان يجيب. كم من الناس من يدعى إلى طعام، فإذا وضع أمامه أرز ودجاج تذمر! قال: هذا مو من مكانتي، أنا مكانتي أن تذبح لي شاة، أن تذبح لي قعود، أن كذا. سبحان الله! هذا التذمر وهذا الاعتراض ليس من شيم الكرام ولا من أخلاق المتواضعين.
العقيقة هي الذبيحة التي تذبح عن المولود تقرباً إلى الله تعالى وشكراً على إنعامه بنعمة الولد، وجمهور أهل العلم على أنها سنة مؤكدة، وهي كما قال صلى الله عليه وسلم: «عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة». ويشترط في سنها ما يشترط في الأضحية بالضأن والمعز؛ فالضأن ما أتم ستة أشهر فأكثر، والمعز ما أتم سنة فأكثر، ولا يباع لحمها ولا جلدها ولا شيء منها. وفيها من العيوب ما يتقى في الأضحية: العوراء البين عورها، والعرجاء البين عرجها، والمريضة البين مرضها، والهزيلة.
وقت ذبح العقيقة يبدأ من تمام انفصال المولود فلا تصح عقيقة قبله، وتستحب العقيقة في اليوم السابع، فإن تعذر فيسن ذبحها في الرابع عشر، فإن تعذر انتقلت إلى اليوم الحادي والعشرين، ويوم الولادة يحسب من السبعة، ولا تحسب الليلة إن ولد ليلاً، بل يحسب اليوم الذي يليها. قال صلى الله عليه وسلم: «كل غلام رهينة بعقيقته، يذبح عنه يوم سابعه ويسمى فيه ويحلق رأسه». والعقيقة يؤكل منها ويهدى ويتصدق، ولم يرد في ذلك تحديد، فكيفما فعل فجائز، ويجوز أن يخرج اللحم نيئاً أو مطبوخاً والطبخ أفضل، فهو زيادة في الإحسان وشكر النعمة.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. تواضع النبي صلى الله عليه وسلم عند استجابته للدعوة، نحن لدينا خلل واضح وعظيم؛ إذا دعينا ننظر إلى حال الداعي، فإن كان ذا وجاهة ومكانة أجبنا، إن كان المكان مكاناً فاخراً ذا صيت وسمعة أجبنا، إن كان الطعام شهياً باذخاً أجبنا، أما إن كان الداعي من أوساط القوم أو من الطبقة الدنيا، أو كان المكان متواضعاً، أو كان الطعام متواضعاً اعتذرنا، وربما لم نعتذر ولم نأت كلية. ولذلك الرسول عليه الصلاة والسلام حذر من ذلك وقال: «شر الطعام طعام الوليمة، يدعى إليها من يأباها ويمنع عنها من يأتيها». هذا المسؤول وهذا الوجيه وذاك الثري يدعى إلى الوليمة وفي الغالب لا يأتون، أما ذاك المسكين أو ذاك الفقير أو إمام المسجد أو قريب من الأقرباء من الطبقة المتوسطة فهذا يمنعها؛ لماذا؟ لأنه ليس من مكانة أولئك وليس من طبقتهم الاجتماعية، فأنا لا أريد أن -كما يقولون- أفشل نفسي، وهذا من الخلل.
هذا خلل في النفسيات وفي الفكر، أنت تبتغي الدعوة الصالحة أن يقول لك أحدهم: أكل طعامكم الأبرار وأفطر عندكم الصائمون، لا أن تتذمر من قلة الملح أو من سوء التكييف أو من أنه المكان بعيد أو أنه ما في مواقف للسيارات. لذلك كل من تواضع لله رفعه الله عز وجل حتى في الولائم، وأما من أراد الفخر والمباهاة أذله الله عز وجل. الرسول صلى الله عليه وسلم على الرغم من أنه كان على أعلى الهرم في الدولة وكان القائد العام، وكان النبي الرسول المعلم -بأبي هو وأمي- مع ذلك ما كان يعتزل الناس، وهذا أمر يدلك على عظمته وإمامته وأنه رسول رب العالمين. الأصل أن الإنسان إذا كثرت مشاغله اعتزل الناس، إذا قويت سلطته تكبر على الناس، النبي عليه الصلاة والسلام ما زادته الرسالة والنبوة إلا تواضعاً وعزاً في الوقت ذاته.
كان صلى الله عليه وسلم يزور الأنصار، وهذا شيء عجيب، أنت القائد العام مع ذلك كان يزور الأنصار في بيوتهم! إذا مر بصبيان يسلم على صبيانهم، وليس ذلك فحسب بل يمسح على رؤوسهم ويدعو لهم، وربما داعبهم ولعب معهم -بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم-. أي تواضع وأي نفسية وأي شخصية أكبر من الجبال صلى الله عليه وسلم! كان يزور خادمه أنس بن مالك، أمه أم سليم رضي الله عنها وأرضاها زوجة أبي طلحة، وأم سليم هذه قصصها كثيرة ومواقفها المشرفة عظيمة، هي وأختها أم حرام بنت ملحان وأخوهم حرام بن ملحان كانوا كما يقول أهل العلم من محارم النبي عليه الصلاة والسلام، أما خالته أو شيء من هذا القبيل، وكان صلى الله عليه وسلم يذهب إليهم فيزورهم ويتفقدهم.
حرام بن ملحان استشهد في إحدى الغزوات غدراً بعد أن طعنه أحد الكفار من وراء ظهره برمح وهو يدعو زعيم القبيلة إلى الإسلام. وكان يرأف بحال تلك المرأتين عليه الصلاة والسلام، فكان يزور أم سليم في بيتها، وكان لها فطيم، أي صبي صغير ثلاث أو أربع سنوات قد فطم، وكان لهذا الصبي نغر، أي عصفور صغير، فكان يأتي إلى البيت ويزورهم. وفي يوم مات هذا النغر، مات هذا العصفور، والطفل صغير مسكين يبكي وحزين ومكتئب على ذلك العصفور الذي مات، فكان صلى الله عليه وسلم يأتيهم فيداعبه فيقول: «يا أبا عمير، ماذا فعل النغير؟». يسأله عن العصفور وهو يداعبه بتكنيته باسم أبا عمير وهو طفل صغير.
الشافعي رحمه الله بات ليلة عند الإمام أحمد، اشتكت الجارية أن هذا الإمام الذي تقول إنه إمام أمضى الليل ولم يقم الليل لأني تركت له الوضوء فلم يتوضأ للتهجد، وضحك الإمام أحمد. وبعد صلاة الفجر أخبر الإمام الشافعي بما قالته الجارية، قال: صدقت، ما قمت الليل لأني مكثت الليل كله أتفكر في حديث «يا أبا عمير، ماذا فعل النغير؟» فخرجت منه ببضع وثمانين فائدة. الله أكبر! أربع كلمات «يا أبا عمير، ماذا فعل النغير» أو خمس يخرج منها ببضع وثمانين فائدة، ونحن والله نقرأ كتاب الله وسنة النبي عليه الصلاة والسلام وقلوبنا لا تنتفع بفائدة واحدة منها إلا من رحم ربي عز وجل وقليل ما هم.
إذاً الرسول عليه الصلاة والسلام كان يداعبهم، يتفقد أصحابه بتواضعه حتى في الغزوات. جليبيب هذا الصحابي الذي لا يعرفه أحد، رجل مغمور ما عنده من المواقف أو من الأشياء التي قد يذكر بها لولا أن ذكرنا به نبينا عليه الصلاة والسلام. جليبيب جاء في بعض الروايات أنه كان دميم الشكل وإن كانت ليست بصحيحة وهو من العرب، جاء إلى الرسول عليه الصلاة والسلام فأخبره الرسول أنه... لماذا لم يتزوج؟ فقال: ومن يزوجني؟ فتقدم الرسول عليه الصلاة والسلام لابنة أحد أصحابه فقال: على الرحب والسعة، من أكرم من النبي عليه الصلاة والسلام؟ نزوجه؟ فقال: ليس لي، ولكن لجليبيب. الرجل ارتبك فقال: أستشير الزوجة.
فذهب فاستشار الزوجة، فقالت: لا والله لا نزوجه جليبيب، وقد جاء من هو أشرف وأغنى وأكرم منه ورفضناه! فالبنت كانت مؤمنة تقية، قالت: ترفضون من اختاره النبي عليه الصلاة والسلام؟ واقتنعوا وزوجوه. مكث أياماً وإذ بمنادي الجهاد ينادي فخرج. بعد انتهاء المعركة قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «من تفقدون؟». قالوا: ما نفقد أحداً إلا فلاناً وفلاناً وفلاناً وفلاناً. أعاد عليهم فقالوا: نفقد فلاناً وفلاناً وفلاناً وفلاناً. أعاد عليهم ثالثة، قالوا: ما نفقد أحداً. قال عليه الصلاة والسلام: «بل أنا، أو لكني أفقد جليبيباً، فاطلبوه».
بحثوا عنه في قتلى المسلمين فوجدوه شهيداً إلى جانب سبعة من الكفار قتلهم ثم مات أو استشهد عليه رضوان الله، فقال صلى الله عليه وسلم: «قتل سبعة ثم قتلوه، هذا مني وأنا منه، هذا مني وأنا منه». من هو جليبيب؟ ما يعرفه أحد، لكن انظر إلى تواضع الرسول عليه الصلاة والسلام في تفقده أصحابه حتى من لا يعرفه أحد منهم. يقول الراوي: فوضعه على ساعديه صلى الله عليه وسلم، أي حمله صلى الله عليه وسلم، ليس له إلا ساعد النبي عليه الصلاة والسلام، فحفر له ووضع في قبره، النبي الذي وضعه في قبره عليه الصلاة والسلام! هذا ينبئك ويخبرك عن تواضعه وعن مكانته صلى الله عليه وسلم وعن إخباته لربه، أنه يفعل هذه الأفعال وهو غني عن فعلها لو شاء، ولا أطاعه الناس، لكنه أراد أن يظهر لنا مكانة هذا الصحابي الجليل بوضعه له في قبره. أسأل الله عز وجل أن يجمعنا وإياكم بهم في جنات النعيم. هذا والله أعلم، ونسبة العلم إليه أسلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ عاصم الحكيم