تسجيل الدخول

المحاضرة 3 - السيرة النبوية - المستوى الثالث - الشيخ عاصم الحكيم - مراعاة النبي ﷺ لمشاعر زوجاته

عاصم الحكيمالشيخ عاصم الحكيم
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان خلقه القرآن، ولذا إذا قرأت قول الله عز وجل: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: 21]، ثم نظرت إلى حياته عليه الصلاة والسلام مع أزواجه أمهات المؤمنين، لرأيت عجباً! هذه المودة ورحمة فقدها كثير من المسلمين في بيوتهم الزوجية لبعدهم عن الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم في كل أحواله. الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كان مليئاً مفعماً بالإحساس والمشاعر، بالحنان والحب والعطف لزوجاته صلى الله عليه وآله وسلم إلى درجة أنه كان لا يتجاهل مشاعرهن كما يفعل الكثير من الرجال. تقول أمنا عائشة إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لها ذات يوم: «إني لأعلم إن كنت راضية عني، وإذا كنت علي غضبي». إذاً النبي عليه الصلاة والسلام يشعر ويعلم إذا كانت زوجته راضية أو هنالك شيء من الأسى والغضب يعتري مشاعرها.

فقالت له: من أين تعرف ذلك؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «أما إذا كنت عني راضية فإنك تقولين: لا وربي محمد، وإذا كنت غضبة قلت: لا وربي إبراهيم». طبعا الله عز وجل هو رب محمد ورب إبراهيم. قالت رضي الله عنها: أجل والله يا رسول الله، ما أهجر إلا اسمك. سبحان الله! يتعجب الإنسان من تفاعل النبي عليه الصلاة والسلام ومن إحساسه بمشاعر زوجته، وهو الذي لم تشغله الدولة ولم يشغله الوحي وتعليم الناس الدين والفصل بين المتخاصمين وشن الحروب على المعتدين والدفاع عن بيضة هذا الدين؛ لم يشغله ذلك كله من أن يشعر بمشاعر أو أن يحس بعواطف زوجته.

والأعجب من ذلك هو تصرف أمنا عائشة رضي الله عنها، تلك المرأة العاقلة على صغر سنها إلا أنها إذا غضبت لم تهجر إلا اسمه عليه الصلاة والسلام. كيف نحن الآن؟ والكثير من النساء إن غضبت هجرت خدمة زوجها وأبنائه، هجرت خدمة البيت، هاجرت الحقوق الزوجية، وربما تركت البيت بمن فيه وذهبت إلى بيت أهلها! شتان ما بين بيوتنا الزوجية وبيت النبي عليه الصلاة والسلام.

أنس رضي الله عنه وأرضاه يحكي لنا أن صفية ذات يوم بكت؛ لأن حفصة بنت عمر رضي الله عنها وأرضاها أصابها شيء مما يصيب الزوجات من الغيرة، فعيرتها بأنها ابنة يهودي. وصفية هي بنت حيي بن أخطب وكانت يهودية وأسلمت. ويتعجب الإنسان من حفصة الصوامة القوامة رضي الله عنها كيف تتكلم بهذا الكلام؟ لكنها الغيرة التي تغتفر بين الزوجات.

النبي عليه الصلاة والسلام عندما رآها تبكي ما تركها ومشَى، هذه واحدة من تسع زوجات، ما قال: أنا فاضي، أنا ما عندي وقت لهذه التوافه. أبداً! الرسول عليه الصلاة والسلام لما رآها تبكي ما كان منه إلا أن يستفسر: «ما يبكيك؟». فقالت له: حفصة قالت لي: إني بنت يهودي. فالنبي عليه الصلاة والسلام وساها ودارى مشاعرها بما يطيب خاطرها، فقال: «إنك لابنة نبي، وابنة هارون بن عمران، وإن عمك لموسى بن عمران، وإنك لتحت نبي»؛ النبي صلى الله عليه وآله وسلم تقول: ففيما تفخر عليك إذن؟ حل هذه المشكلة وطيب خاطرها. ثم قال لحفصة: «اتقي الله يا حفصة». هذا الكلام ما يصلح، أنت أم المؤمنين ولا يجوز لك أن تعيريها بأنها كانت يهودية وهي الآن مسلمة.

إذاً انظر إلى طريقة حل النبي عليه الصلاة والسلام للخلافات الداخلية، ما كان يتجاهل إنما كان يواجه المشكلة. الكثير منا إن أصيب بمشكلة هرب منها، والهرب من المشاكل لا يحلها، لا بد أن تقف وتواجه تلك المشاكل وتحلها بدبلوماسية، بتعقل، بحكمة.

كذلك أمنا عائشة كما جاء في الحديث الصحيح، عندما خرج للحج عليه الصلاة والسلام، وإذا بها تحيض وهي فتاة صغيرة ظنت أنه ما في حج عندها، ما عليها حج، والناس كلهم يحجون وهي ترجع بدون حج فبكت. فقال عليه الصلاة والسلام مواسياً لها: «مالك؟ أنفستِ؟» وطمأن خاطرها وأمرها بأن تصنع كل ما يصنعه الحاج إلا أنها لا تطوف بالبيت.

الرسول عليه الصلاة والسلام ما كان يتجاهل أحوال زوجاته! كمثال، إذا دخل على زوجة من زوجاته ووجدها مريضة ما كان يتأفف، فضلاً عن أن يترك علاجها كما يفعل الكثيرون، فلا يأخذ زوجته إلى مستشفى ولا يهتم بها، كما يقال في المثل البلدي: زوجك يحبك عَفِيَّة. هذا لم يكن حاله عليه الصلاة والسلام، فهو يحب زوجته في السراء وفي الضراء. بعض الأخوة وهذا عجيب! إذا مرضت زوجته طلقها، يعني مرض مزمن، مو أنه زكام أو كذا، إذا علم أن فيها مساً أو أنها محسودة أو أنها كذا ينتابها شيء مما ينتاب المرضى والمبتلين طلقها! يا أخي، هذا فعل الرجال؟ كان صلى الله عليه وآله وسلم إذا مرض بعض أهله يمسح بيده اليمنى ويقول: «اللهم رب الناس، أذهب البأس، واشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقماً». ما كان عليه ليترك زوجته ويعرض عنها وهي في أمس الحاجة إلى حنانه وعطفه.

من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، والناس معادن؛ خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا. من هنا حق للمرأة أن تسعى للتفقه في الدين وتعلم الضروري من أحكامه، وتصحح عبادتها، وتقوم بمسؤوليتها تجاه زوجها وأولادها وأهل بيتها ومجتمعها. وينبغي للمرأة أن تبدأ بفروض الأعيان، وتتعلم الطهارة والصلاة والصيام وما يخصها من أحكام كالحيض والحمل والرضاعة وغير ذلك. فإذا أرادت تجارة أو معاملة وجب عليها تعلم أحكامها، كأن تريد الحج فتتعلم أحكامه، ويتوفر لها مال فتتعلم كيف تخرج زكاته.

وتاريخ الأمة زاخر بالعالمات الفقيهات، ويأتي على راسهن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها. قال عروة بن الزبير: ما رأيت أحداً أعلم بشعر ولا فريضة ولا أعلم بفقه من عائشة. ومنهن عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية. قال القاسم بن محمد للزهري: عليك بعمرة بنت عبد الرحمن، فإنها كانت في حجر عائشة. قال: فأتيتها فوجدتها بحراً لا ينزف. ومنهن فاطمة بنت علاء الدين السمرقندي؛ كانت فقيهة. وقد بلغ من فقهها أن والدها كانت لا تأتيه الفتوى إلا وعرضها عليها وسمع رأيها بها، كانت الفتوى تخرج وبها توقيعان: توقيعه وتوقيع ابنته. حفظت فاطمة كتاب أبيها المسمى «تحفة الطالب» الذي شرحه الكاساني في «بدائع الصنائع»، ففرح به علاء الدين وزوجه ابنته فاطمة؛ فقال الفقهاء: شرح تحفته وزوجه ابنته. وبعد زواجها من الكاساني استمرت الفتوى تخرج من بيت أبيها السمرقندي بتوقيعه وتوقيع ابنته فاطمة، وانضم إلى توقيعهما توقيع ثالث جديد هو توقيع زوجها.

عندما سأل الصحابة النبي عليه الصلاة والسلام عن حق المرأة على أحدنا، فجاء من جملة الحقوق: ألا تضرب الوجه وألا تقبح. ضرب الوجه خاص بالأذى الجسدي، ويحرم على الرجل أن يؤذي زوجته أذى جسدياً. وتقبيح الوجه مرده إلى الأذى النفسي، وقد يكون أبلغ وأعظم من أذى الجسد. وما يفعله البعض من تجاهل مشاعر المرأة هذا خطأ عظيم، لابد من الحنو عليها. وأعلم أنه كثير من الرجال يأتيهم الشيطان ويقول: لكن هي يا شيخ نكدية، هي فيها كذا وفيها كذا وتفعل! اخي الكريم، أدي ما عليك وسل الله ما لك. أنت لابد أن تؤدي ما أوغبه الله عز وجل عليك، وما سنه لك رسولك عليه الصلاة والسلام. المرأة تحتاج إلى مواساة ومراعاة وتذليل، لابد أن تشعر بالدلال والمحبة والعاطفة؛ لأنه ينتابها أحوال كثيرة، الله عز وجل جبلها على تغير المزاج، إما بحيض وإما لفقدان حبيب أو قريب أو لأزمات تمر بها، أحوال نفسية مختلفة، وليس الذكر كأنثى كما قال ربنا عز وجل.

إذاً لابد لها من المراعاة، لابد لها من الاحتمال. والنبي صلى الله عليه وسلم سيد البشر في كل ذلك كله كان يحتمل من نسائه ما لا نستطيع ولا نقدر نحن أن نحتمله إلا إذا اقتدينا به وجعلناه أسوتنا وحاولنا وسعنا في بذل ما نستطيع من الحلم والصبر والاحتمال. ترفع المرأة من نسائه صوتها عليه وربما هجرته امرأته إلى الليل، حتى إن أبا بكر رضي الله عنه وأرضاه دخل ذات يوم على ابنته عائشة وهي ترفع صوتها على النبي عليه الصلاة والسلام فأراد أن يعاقبها، أراد أن يضربها: ترفعين صوتك على النبي عليه الصلاة والسلام؟ أما تخشين أن يحبط الله عملك؟ فجعل الرسول عليه الصلاة والسلام يشكل سداً منيعاً بينها وبين أبيها الذي يريد أن يبطش بها، حتى أقسم عليه أن يخرج فخرج. والآن هي كانت غاضبة ثم أصبحت خائفة، ويتلطف معها النبي عليه الصلاة والسلام ويقول لها: «ألا ترين أني قد حلت بين الرجل وبينك؟» يعني أنا توسطت لك، وأنا دافعت عنك. وبسطها وضاحكها فاخذا يضحكان. رجع أبو بكر رضي الله عنه قال: كما أشركتموني في حربكما أشركوني في سلمكما. يعني زي ما دخلتوني وقت الغضب والشجار والآن أنتم في سلام ووئام أدخلوني وأشركوني معكم.

انظروا إلى تعامل النبي عليه الصلاة والسلام! كان بامكانه وهي ترفع صوتها عليه أن يسكت عن أبي بكر، أبوها يريد أن يضربها خير بركة تفضل. لكن النبي عليه الصلاة والسلام ما كان مثل أي إنسان عادي؛ كان عليه الصلاة والسلام القمة في الأخلاق، كان صلى الله عليه وسلم القمة في الرجولة، حال بين أبي بكر وابنته دفاعاً عنها.

المرأة ربما تهجره إلى الليل غضبانة منه ومع ذلك يصبر ويرفق، حتى إن عمر رضي الله عنه كاد أن يجن جنونه: كيف تهجري زوجك يا حفصة؟ وهو ليس كأي زوج، هو سيد الرجال عليه الصلاة والسلام، هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم! يعني تظنين نفسك مثل عائشة؟ أنت -انظر كيف يكلمها عمر- أنت امرأة مثل أي النساء، لا يغرنك أنه يعامل عائشة بهذه الطريقة وكذا، أنت لست كعائشة! يهجرونه إلى الليل وكان صلى الله عليه وسلم سهلاً هيناً ليناً. يقول جابر: كان صلى الله عليه وسلم رجلاً سهلاً إذا هوى الشيء تابعها عليه. إذا هوت عائشة شيئاً تابعها عليه، كما روى الإمام مسلم في صحيحه.

يعني ما كان يتشدد عليه الصلاة والسلام؛ أرادت العمرة بعد أن حجت قارنة وقال لها عمرتك مع الحج تكفيك، قالت يا رسول الله لا يرجع الناس بعمرة وأنا ما أرجع بعمرة؛ رخص لها، ما في مشكلة، وهي الوحيدة من الصحابة التي اعتمرت مع حجها أو بعد حجها لأنها كانت قارنة مثل الرسول عليه الصلاة والسلام فيكفيها ذلك، ما أحد من الصحابة اعتمر بعد حجه، لكن رخص لها ذلك.

رخص لها في أن تنظر إلى الأحباش وهم يلعبون بالحراب في المسجد، وجعل لها عاتقه وكتفه كي تستند بذقنها عليه ويسترها بجسده عليه الصلاة والسلام ويقول: «أكفيت؟» تقول: ليس بعد، ليس بعد. رخص لها أن تنظر إلى الأحباش وهم يلعبون ويتدربون بالرماح في المسجد وهي تقول: ليس بعد، كي تغيظ زوجات النبي عليه الصلاة والسلام أمهات المؤمنين؛ إنه شوفوا كيف النبي عليه الصلاة والسلام يجعل كتفه لي وأنا أنظر وأنتم ما عندكم مثل ما عندي. يتبسط عليه الصلاة والسلام مع زوجته.

رخص لها في الاستماع إلى الغناء، طبعا المجرد من المعازف المحرمة، كل الموسيقى حرام لكن يستثنى من ذلك الدف فقط وليست طبلة هدود ربكة، الدف الذي ليست فيه الشناشن هذه النحاسية الدفة المجردة، ويستثنى هذا فقط في الأعياد وفي الأفراح وعند قدوم الغائب ذي المكانة. يوم عيد الرسول في بيته عليه الصلاة والسلام تغنيان الجاريتان بأغاني بُعَاث وهو الرسول يعطيهم ظهره ويسمح لها أن تسمع.

أمر تيسير: يسابقها صلى الله عليه وسلم فتسبقه ثم يسابقها مرة أخرى فيسبقها. هذه السهولة واللين والسماحة أين هي من رجالنا اليوم الذين يحترفون المعاندة والمشاكسة؟ الرجل تجده محترف كيف يثير المشاكل، كيف يقهر زوجته، كيف يغيظها، كيف يكسر خاطرها حتى يضن عليها، يبخل بكلمة تشجيع أو بكلمة فيها حب أو مودة.

سبحان الله، النبي عليه الصلاة والسلام في أمور الدنيا كان سهلاً هيناً ليناً، وفي أمور الآخرة كان يشجع ويحث نساءه على أبواب الطاعة. قال عليه الصلاة والسلام: «رحم الله رجلاً قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته، فإن أبَت نضح في وجهها الماء». وفي رواية قال: «إذا قام أحدكم من الليل فليوقظ أهله، فإن لم تستيقظ فلينضح على وجهها الماء». وقال في رواية: «من استيقظ وأيقظ امرأته فصلَّيا ركعتين جميعاً كُتِبا من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات». هذه نصائح، لكن النبي عليه الصلاة والسلام كان أول المطبقين لها؛ فكان إذا دخل العشر الأواخر من رمضان أيقظ أهله، وكان في كل ليلة يوتر فيها ويصلي ويقوم الليل، إذا حان وقت الوتر أيقظ عائشة كي توتر معه. فأين الرجال من محبة الخير والدلالة على المعروف وأبواب الطاعات والبر من حال النبي صلى الله عليه واله وسلم؟

وأكثر من ستمائة ألف شخص ممن يتعرضون له بشكل غير مباشر، إنه التدخين مدمر الصحة وقاتل الملايين. ووفقا لما جاء في تقارير منظمة الصحة العالمية، فإن شخصا واحدا يقضي نحبه من جراء التدخين كل ست ثوان تقريبا، مما يمثل عشر وفيات البالغين.

ونظرا للسنوات العديدة التي تفصل بين بدء الناس في تعاطي التدخين وبدء معاناتهم الصحية منه، فإن العالم قد بدأ يشهد زيادة الأمراض والوفيات ذات الصلة بالتدخين. ففي مقابل مائة مليون وفاة في القرن العشرين قد سببها تعاطي التدخين، قد تبلغ الوفيات في القرن الحادي والعشرين نحو مليار وفاة متى استمر تعاطيه بتلك الصورة المتزايدة.

هذا وقد أثبتت التجارب والأبحاث العلمية الحديثة خطر التدخين المميت على جسم الإنسان بأجهزته المختلفة، حيث يصاب المدخن بأمراض خطيرة منها: سرطان الرئة، ضعف الأعصاب، جلطات القلب وموت الفجأة، التهاب الشريان التاجي المغذي للقلب، الذبحة الصدرية، سرطان المريء، وسرطان المثانة والكلى، وصدق الله إذ يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: 29].

بشرى لنا زاد أكاديمية بالعلم كالأزهار في البستان. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الرسول عليه الصلاة والسلام كما تقدم قبل الفاصل، يشجع ويحث زوجاته على التقرب من الله عز وجل بالبر والطاعات، وكان يربي نساءه على الإخلاص. أراد أن يعتكف في رمضان، فأمر بقبائه -بمثل القبة والخيمة- في المسجد أن تنصب. استأذنته عائشة فأذن لها، أمرت بقبائها ثم استأذنت حفصة من عائشة فأذنت لها. فلما رأت زينب رضي الله عنها ما فعلت عائشة وحفصة، قامت فبنت وأمرت بوضع قبائها أيضا.

فلما خرج إلى الفجر صلى الله عليه وسلم ورأى هذه الخيام، قال: «ما هذا؟». قالوا: والله هذا لعائشة وهذا لحفصة وهذا لزينب. وقال صلى الله عليه وسلم: «أبرّاً أردن؟». يعني هذولا الآن يبغون البر والقرب من الله عز وجل أم يريدون قربي والتنافس على قلبي؟ فأمر بإزالة القباب كلها ولم يعتكف في عامه ذاك -يعني في رمضان- واعتكف بعده في شوال عشرين يوما كما جاء في بعض الروايات.

الشاهد أن النبي عليه الصلاة والسلام يربي زوجاته على الإخلاص؛ أبرّاً أردن؟ هل هذه من أفعال البر أم أنها فقط للتنافس والغيرة؟ وكان يربيهم على الاقتصاد في السنة وعدم الغلو في الدين. عن أمنا عائشة أن امرأة اسمها الحولاء مرت بها وعندها النبي عليه الصلاة والسلام، فقالت: هذه الحولاء وزعموا أنها لا تنام الليل. وقال عليه الصلاة والسلام: «لا تناموا الليل، خذوا من العمل ما تطيقون، فوالله لا يسأم الله حتى تسأموا». وفي رواية أنه دخل عليه الصلاة والسلام ورأى حبلا وقيل له: إن هذا لإحدى أمهات المؤمنين إذا عجزت عن القيام تعلقت به وقامت، فأمر بإزالته؛ هذا ليس من السنة، هذا التشديد على النفس ليس من دين الله عز وجل.

وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم حريصا على تعليم أهل بيته ما ينفعهم من الأذكار، ومن الأدعية، ومن تفسير القرآن، وغير ذلك من آيات الله والحكمة. فهذه الحكمة لولا زوجات النبي عليه الصلاة والسلام وكثرتهن ما وصلت إلينا مثل تلك السنن، كما جاءت جويرية عندما خرجت وهي تذكر الله عز وجل قبل صلاة الفجر وعادت ضحى وهي ما زالت في مصلاها تذكر الله، وأخبرها أنه قال كلمات تعدل بكل ما فعلته في وقتها ذلك، وهو أن تقول: سبحان الله وبحمدك عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته.

إذن النبي عليه الصلاة والسلام يعلم نساء بيته، يعلم زوجاته أمهات المؤمنين كيفية استغلال الوقت، ودعاء الله عز وجل وذكره بأفضل وأجمل وأكمل أنواع الذكر. وكان النبي عليه الصلاة والسلام على الرغم من قلة ذات اليد يحث نسائه على الصدقة، ونحن نعلم أنه قد يمر الهلال تلو الهلال تلو الهلال -يعني شهران كاملان- ولا يوقد في بيت آل محمد نار صلى الله عليه وسلم، ما يطبخون.

ماذا كانوا يأكلون إذا؟ ما كانوا يأكلون إلا التمر والماء لمدة شهرين، سوى ما كان يهديه إليه الناس من طعام أو يدعى إليه عليه الصلاة والسلام. ومع ذلك كان يحث نساءه على الصدقة، فبشر أمهات المؤمنين بأن أسرعكن لحاقا بي أطولكن يدا. بشرهن بأن أسرعكن لحاقا بي -يعني أول واحدة فيكم تموت بعدي هي أطولكم يدا- وكانت أكبرهن حجما أمنا سودة، لكنها ما كانت أولهن لحاقا به عليه الصلاة والسلام، إنما كانت زينب. وزينب بنت جحش ابنة عمته كانت معروفة لدى أمهات المؤمنين بأنها أكثرهن صدقة، فكانت أول أمهات المؤمنين موتا بعده عليه الصلاة والسلام.

وهذا من تشجيعه إياهن بطول اليد، أي بالبذل والنفقة. وجاء في بعض الروايات أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر بشاة فذبحت في بيوت أزواجه، ثم أمر جاء -أو جاء بعد فترة- فسأل أمنا عائشة عن الشاة، فقالت: ذهبت كلها وما بقي منها إلا كتفها، بمعنى أننا تصدقنا بكل أعضائها ولم يبق إلا الكتف الذي تحبه أنت نطبخه لك إن شاء الله أو كذا. فقال عليه الصلاة والسلام: «كلها قد بقي إلا كتفها»، بمعنى أن ما عند الله عز وجل هو الذي يبقى، وأن ما تصدقت به هو الذي يبقى لك ذخرا يوم القيامة. أما الكتف التي ستأكلينها أو نأكلها الآن، فهذه قد ذهبت لأنها تؤكل وتستنفذ، أما ما عند الله فهو باق.

حث على الصدقة وعلى البذل على قلة ذات اليد؛ إذ خير الصدقة ما أخرجه الإنسان وهو يخشى الفقر ويرجو الغنى. والرسول صلى الله عليه وآله وسلم مع حبه لزوجاته وحنوه عليهن وعطفه ورعايته، إلا أنه كان لا يرضى بالمنكر بأي حال من الأحوال، وكان ينهى نساءه عن المنكر ولو دق ذلك المنكر.

أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم قافلا من غزوة ذات يوم، فبدأ فصلى في المسجد كعادته إذا جاء من سفر ركعتين، ثم أراد أن يدخل على زوجته عائشة، فتوقف عند الباب ولم يدخل وملامح الغضب ظاهرة على وجهه. وقالت أمنا عائشة: أتوب إلى الله وأستغفره، ماذا صنعت يا رسول الله؟ يعني ليش أنت غضبان ماذا فعلت؟ أمنا عائشة استغلت الوقت في تغيير الديكور في المنزل، الغرفة الصغيرة هذه فكانت لها سهوة أو مثل الخزانة في البيت، سترته بقرام له تصاوير، وضعت عليه ستارة وهذه الستارة فيها تصاوير ذوات أرواح. وقال لها: «يا عائشة، أما علمت أن أصحاب هذه التصاوير يعذبون يوم القيامة؟».

شف سبحان الله! كان بإمكانه أن يدخل وأن يتبسط في الكلام وأن يتعشى وأن يرتاح، ثم ينكر هذا المنكر، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام ما كان ليرضى بمنكر قط. وقارن هذا مع أحوالنا؛ إلى الله نشكو حالنا من وجود الأطنان من المنكرات في بيوتنا، في أبنائنا وبناتنا في زوجاتنا، والرجل قد تبلدت مشاعره وضعف إيمانه فلا ينكر المنكر.

النبي عليه الصلاة والسلام يدخل عليه اليهود فيقولون له: السام عليكم، وهذه مشكلة، السام بمعنى الموت، هم يخفون حرف اللام، وللاسف بعض إخواننا المسلمين هذا سلامهم المعتاد السلام عليكم، يعني اللام يخفونها لا قصدا كاليهود طبعا، لكن أيضا هذا اللفظ مخالف.

أمنا عائشة ما صبرت، قالت: عليكم السام والموت واللعنة؛ السام يعني الموت، هم ينوون الموت عليكم وعلى رسول الله. والرسول لا يزيد عن قوله: «وعليكم». فعندما انفجرت رضي الله عنها وأرضاها من غيرتها وحبها للرسول عليه السلام في وجه اليهود وجابهتهم، قال لها: «مهلا يا عائشة». أنكر عليها ولم يسكت، قال: «أما تسمعين ما أقول؟ يستجاب لي فيهم»؛ يعني أنا لما أقول: وعليكم، يعني الموت عليكم، ولا يستجيب الله لهم؛ «إن المؤمن ليس بالفاحش ولا البذيء، وليس باللعان ولا الطعان».

ينكر صلى الله عليه وآله وسلم المنكر أينما كان، وهذا من تمام قوامة الرجل على أهله؛ الحب، العطف، الحنان، المشاعر، المودة، السكينة، ولكن مع إنكار المنكر وتعليم الخير والدلالة على أبواب القربات والطاعات التي تقرب الناس إلى الله عز وجل. والله أعلم ونسبة العلم إليه أسلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد.

يا راغب في كل علم نافع يأتيك ميسورا، والسيرة العلياء عطرة الشذى.