بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. في الدرس الماضي، في الدرس الثالث، تحدثنا في ختام الدرس عن نهي الرسول صلى الله عليه وآله وسلم زوجاته عن المنكر. هنالك خطوط حمراء يجب على كل مسلم أن لا يرضى بالتنازل عنها أبداً، سواء كان زوجاً أو زوجةً، وسواء كان المتجاوز ولده أو ابْنَتَهُ أو حميمه أو قريبه. هذه الخطوط الحمراء هي حدود الله، فلا يجوز مطلقاً أن تسكت عن المنكر وأن تهاون فيه، وإلا طُبع على قلب العبد حتى يصير قاسياً كالحجارة أو أشد قسوة.
أمُنا عائشة كانت حب النبي عليه الصلاة والسلام وهي أحب الناس إلى قلبه من النساء، ومع ذلك إن حصل منها تجاوز، كان عليه الصلاة والسلام لا يقرها عليه، بل ينكره. ذكرت ذات يوم في مجلس النبي عليه الصلاة والسلام أم المؤمنين صفية، وكانت امرأة جميلة، فكانت غارت شيئاً ما، فقالت للرسول عليه الصلاة والسلام: حسبك من صفية أنها كذا وكذا، تعني أنها قصيرة، يعني يكفيك عيباً فيها أنها قصيرة. فقال عليه الصلاة والسلام: «لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته».
يعني هذا الكلام الذي أنت قلتيه هذا أمر محرم وعظيم عند الله عز وجل، من خطورته أنه لو مزج بماء البحر لمزجه وأفسده. تقول أمنا عائشة: وحكيت له إنساناً، يعني قلّدت له إنساناً، فقال: «ما أحب أني حكيت إنساناً وأن لي كذا وكذا». حقيقة، نحن للأسف الشديد ابتعدنا عن سنة الرسول عليه الصلاة والسلام حتى وقعنا في الحرام، فما منا من أحد إلا من رحم الله إلا وهو يقلد فلاناً أو فلاناً ليضحك الناس. وهذا الذي يكثر من تقليد الناس يشار إليه بالبنان. قال عليه الصلاة والسلام: «ويل للذي يحدث الناس فيكذب ليضحكهم، ويل له، ثم ويل له».
وهذا الأمر عجيب؛ لأنه يقتضي الغيبة، فأنت تغتاب هذا الذي تقلده وتحاكيه، وربما اشتمل على شيء من البهتان. فالغيبة ذكرك أخاك بما يكره: قصير، سمين، نحيف، كذا؛ حقيقةً فيه هذه، غيبة. لكن أن تفتري عليه ما ليس فيه، هذا بهتان؛ هو بخيل ولكنه حقيقةً كريم، أنت تقول عنه بخيل، هذا بهتان. المسلمون اليوم عندهم خلل، يكفيك حديث الرسول عليه الصلاة والسلام: «لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر، وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه». اليهود والنصارى. الآن المسلمون يفعلون هذا تماماً.
يعني هل يعقل أنه من باب الترفيه كما يزعمون أن ترفه على نفسك بحرام؟ هل يفعل ذلك مسلم أن يرفه عن الآخرين بحرام؟ الآن يدفعون مئات الريالات ليحضروا ساعةً لما يسمونه باسم الستاند أب كوميدي. رجل يتق، يقف أمامهم ويلقي النكات، يتحدث عن نفسه وعن زوجته وعن أمه وأبيه وعن قبيلته، يسخر ويستهزئ. كما قال تعالى: ﴿اتخذنا هزواً﴾ قال: ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ﴾ [البقرة: 67]. القرطبي يقول: الذي يستهزئ ويسخر هذا من الجاهلين.
والناس يضحكون! ربما سخر منهم، ربما استهزأ بقومية أو بإثنية أو بدولة أو بشعب، يسخر من كلام هذا، يسخر من طريقة مشي ذاك، أو من تعامل هذا، والناس يضحكون، يدفعون المال، مما يدلك على بعد الناس عن هدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
كذلك النبي عليه الصلاة والسلام من تمتّعه مع زوجاته، أنه كان شديد الغيرة، لكنه لم يكن يتهم ويسيء الظن. وشتان بين أن يكون الإنسان ذا غيرة، وهذا أمر محمود، أن الله يغار كما جاء في الحديث: «وإنّي لأغار»، وفي الحديث الآخر: «إنّي لأشد غيرة من سعد». سعد بن عبادة رضي الله عنه وأرضاه عندما استنكر أن يأتي بأربعة شهود وهو يرى زوجته تفعل الفاحشة، وقال: والله يا رسول الله لن أنتظر، سوف أضرب عنقه وعنقها! وتعجب الصحابه من جرأته ومن غيرته. الشاهد: النبي عليه الصلاة والسلام كان شديد الغيرة لكن في الحق، ولم يكن يسيء الظن، لم يكن يتجسس أو يتحسس. كما جاء في الحديث أنه صلى الله عليه وسلم نهى أن يطرق الرجل أهله ليلاً يتخونهم أو يلتمس عثراتهم.
أنت جاي من سفر بعيد، غبت أسبوعاً أو شهراً، تأتي مفاجأة؟ أبداًَ، ما يجوز، ما يجوز! إن كنت حسن النية، فكيف لو كنت سيئ النية؟! كيف يكون الإنسان حسن نية؟ يأتي يريد أن يفاجئهم أن يدخل عليهم السرور والسعادة. البعض يعود بعد أسبوع وإذا به يأتيهم، هذا ما يجوز، ليش؟ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أخبر أن المرأة تريد أن تحسن التبعل لزوجها، تستحد المغيبة وتمتشط الشعثة؛ امرأة شعرها منكوش وغير مرتب، تريد أن تنظف نفسها، أن تتهيا لزوجها، ياتيها فجأة مثل هذا! ما يسرها، وربما رأى ما يكره. هذا حسن النية، أما سوء النية أو فساد الطوية فهذه مشكلة، يأتي فجأة، يشوف ربما عندهم أحد، ربما تخونه، ربما تفعل شيئاً كذا وكذا، هذه ليست من أحوال المؤمنين أبداً، ولا يجوز أن يفعل ذلك، والرسول نهى عن هذا صلى الله عليه وآله وسلم؛ يتخونهم أو يلتمس عثراتهم.
أين المسلمون اليوم من مثل ذلك؟ تجد المرأة تتصل: يا شيخ، وجدت في جوال زوجي رسائل، فتحت كمبيوتره بدون ما يدري، ووجدته ينظر إلى مواقع إباحية. الزوج يتصل: استمعت إلى رسائل زوجتي ووجدتها تتكلم عن كذا وكذا، وجدت رسالة من امرأة تدعوها إلى حفلة كذا وكذا، ويا شيخ أنا أشك وأنا أفعل. كل ذلك من التجسس المحرم المبني على سوء الظن والتخوين وتلمس العثرات، وهذا السبب في كثير من حالات الطلاق والفراق بين الأزواج، وأغلبها وساوس، وساوس شيطانية.
فاصل وبعدها نواصل بإذن الله.
القدوة، الرموز، الشخصية، الأسوة، جميعها مفاهيم يمكن أن تسهم في بناء الفرد أو تدميره، وهي ذات أهمية كبرى وتأثير قوي لدى الشباب. ولا شك أن العاقل هو من يلتمس لنفسه قدوة حسنة ذات خلق عظيم ونهج قويم، تمتلك مقومات النجاح وأسباب الفلاح، فيقْتدي بها ويقتفي أثرها. ومهما التمس الشاب المسلم لنفسه قدوةً، فلن يجد خيراً من النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أصحابه الكرام رضي الله عنهم.
ومنهم زيد بن ثابت رضي الله عنه، كلفه النبي صلى الله عليه وسلم بتعلم لغة اليهود فتعلمها وأصبح ماهراً بها في خمس عشرة ليلة. عبد الله بن عباس رضي الله عنهما اجتهد حتى جمع علماً غزيراً تناقله كل من جاء بعده. مصعب بن عمير رضي الله عنه أرسله النبي صلى الله عليه وسلم سفيرةً، سفيراً إلى المدينة ففتحها بالقران. معاذ بن جبل رضي الله عنه بعثه النبي صلى الله عليه وسلم داعياً إلى اليمن. أسامة بن زيد رضي الله عنهما ولاه النبي صلى الله عليه وسلم قيادة جيش المسلمين لغزو الروم ولم يبلغ العشرين من عمره.
وهكذا كانوا على صغر سنهم يتحملون الأخطار، ويحفظون الأسرار، ويعبدون الله بالليل والنهار، فكانوا خير قدوة وأروع مثال. قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: 100].
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
التعامل بين الزوجات يحتاج إلى الكثير من اللباقة، وإلى الحلم، وإلى الصبر، وإلى الكياسة. النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان تحته تسع من النساء، ويحصل ولا شك بين النساء، بين أم المؤمنين، ما يحصل بين النساء من غيرة، من رغبة في الاستحواذ على الزوج، التملك. هذا موجود عند النساء، أمر فطري. لكن كيف كان تعامل النبي عليه الصلاة والسلام؟ هل كان شرطي الأمان والسلام؟ بمعنى إذا حصلت مشاجرة يقف عليه الصلاة والسلام ويتخذ وضعية القاضي يحكم لهذا ويمنع هذا؟ لا، هذا عذاب، وهذا ليس بالعقل؛ لأنه الإنسان يفقد أعصابه وربما أدى إلى مشاكل أكبر وأعظم.
كان عليه الصلاة والسلام لا يتدخل فيما يجري بين نسائهن إلا أن يكون هنالك ظلم وتعد وبغي، نعم، يوقفه عند حده. جاء عن أمنا عائشة رضي الله عنها أن الصحابه لمعرفتهم بحب النبي عليه الصلاة والسلام لعائشه، كانوا يتخيرون هداياهم في يومها؛ لما يكون في يوم زينب أو في يوم حفصة أو أم سلمة ما يعطوا الرسول صلى الله عليه وسلم شيئاً، فاذا ذهب في بيت عائشة أرسلوا له بهداياهم طامعين أن يهدون للنبي عليه الصلاة والسلام.
فغارت زوجات النبي عليه الصلاة والسلام، فأرسلوا فاطمة ابنة محمد صلى الله عليه وسلم رضي الله عنها. قالوا: يا فاطمة، اذهبي إلى أبيك وسليه أن يعدل في ابنة أبي قحافه (يعني في عائشة). فجاءت فاطمة واستأذنت، وكان الرسول عليه الصلاة والسلام مع عائشة في اللحاف، ملتحف سوياً. فقالت: يا رسول الله، إن أزواجك أرسلنني يسألنك العدل في ابنة أبي قحافه. عائشة موجودة تسمع وهي ساكتة! شوف الأدب؛ أي نعم، هي التي تتضرر، المفروض أنها تصرخ وتقول: لا، هذا ما يصير، وهذا ما ما يجوز، وهذا كذا وكذا. أبداً، الأدب أن تحترم النبي عليه الصلاة والسلام هو صاحب القرار.
فقال لها: «يا بنيّة، أستحبين ما أحب؟» فقالت: بلى. قال: «فأحبّي هذه». لا تكثري كلام، تحبي اللي يحبه؟ حبي أو أحببي زوجتي هذه. فرجعت إليهن وأخبرتهن، قالت لهم: والله الشغلة واضحة. قالوا: ما سويتِ شيئاً، ارجعي. فأصروا عليها وأعادوا الكلام، قالت: لا والله لا أعود إليه أبداً. ايش الكلام؟
فأرسلوا ابنة عمته زينب بنت جحش. وزينب هذه أمنا عائشة تقول: هي التي كانت تساميني منهن في المنزلة عند رسول الله عليه الصلاة والسلام، يعني ما كانت في واحدة منزلتها عالية عند الرسول مثل زينب. تقول: ولم أرى -شوف العدل، لا إله إلا الله، عائشة تتكلم عن ضرتها التي الآن أتت لتسبب المشاكل ولتكلم النبي عليه الصلاة والسلام- ولم أرى امرأة قط خيراً في الدين من زينب، وأتقى لله، وأصدق حديثاً، وأوصل للرحم، وأعظم صدقةً، وأشد ابتذالاً لنفسها في العمل الذي تصدق به وتقرب به إلى الله. ما عدا -يعني كل هذا فيها من الصفات التي ما لم أره في أحد أبداً- تقول: ما عدا سورة من حدة كانت فيها، تسرع منها بيئة. قال: العيب الوحيد أنها كانت تغضب بسرعة، ولكن على طول ترجع وتستغفر وتصلح ما أفسدت. هذا طبع قد ما يستطيع الإنسان أن يتجنبه، لكنها كانت سريعة، ما تصر على الباطل والمنكر.
فاستأذنت، وما زالت مع النبي عليه الصلاة والسلام في نفس الحالة والوضعيه التي دخلت عليهم فيها فاطمة. فقالت: يا رسول الله، زوجاتك يسألك العدل في ابنة أبي قحافه، يعني هذا اللي بتسويه يا رسول الله ما هو صحيح، إحنا زوجاتك وإحنا كذا وكذا. ثم أخذت تقع في عائشة؛ هذه اللي سوت، وهذه اللي عملت، وهذه اللي فعلت، وأنت دائماً تجيها. وجلست تنال منها كما يلقول وتستطيل، وعائشة ساكتة تنظر إلى النبي عليه الصلاة والسلام، ترقبه وترقب نظرته؛ حتى تشعر أنه الرسول يعطيها الضوء الأخضر.
شوف سبحان الله، زينب تتكلم، النبي عليه الصلاة والسلام لم يفتح فماه! إحنا لو واحدة تكلمت: استحي، ما تخافين الله، أنت ما تستحي، أهلك ما ربوك أنت وأنت وأنت؟ أبداً، ما ينتصر لامرأة على امرأة عليه الصلاة والسلام، كما يقولون: فخار يكسر بعضه بعضاً، ما لنا شغل فيه.
فتقول أمنا عائشة: فلما لمحت وبدا لي أن الرسول عليه الصلاة والسلام يعني يأذن لي في الانتصار، تقول: وقعت بها! خلاص، رديت وانتصرت. فلما وقعت بها لم أنشبها حتى أنحي عليها (يعني أعطيتها، ما خليت لها جنب طيب تتكي عليه)، رددت عليها بمثل ما تكلمت، بل أنت فيك، وأنت الذي فعلت، وأنت وأنت وأنت. وزينب مع الفجعة كما يقولون ما ردت بكلمة! فلما قضت وانتهت، تبسم عليه الصلاة والسلام وقال: «إنها ابنة أبي بكر». هذه بنت أبي بكر، وهو الذي كان ينافح عن النبي عليه الصلاة والسلام ويدافع عنه ويعرف أنساب قريش؛ كي يستل نسبه من أنسابهم، فحسان بن ثابت يهجو بما شاء دون أن يتعرض لنسب النبي عليه الصلاة والسلام.
النبي صلى الله عليه وآله وسلم حاله كحال سائر الناس، حياته لم تكن على وتيرة واحدة، لم تكن حياته سهله هينة لينة كأحوالنا. الإنسان منا تمر عليه السنين وهو على نعمة وعافيه وثراء وغنى وما فيش مشاكل، ويظن أن الحياة كلها تستمر على هذه الوتيرة. قال الشاعر:
طبعت على كدر وأنت تريدها صفواً من الأقذاء والأكدار ومكلف الأيام ضد طباعها متطلباً في الماء جذوة نار
هذا سبحان الله حال الدنيا، ما تستطيع أن تدوم لك الدنيا على حال: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 140]. حياة النبي عليه الصلاة والسلام كانت هي الأعظم في الابتلاءات وفي التغيرات؛ لأن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم. فكيف كان يتعامل عليه الصلاة والسلام مع تلك المتغيرات؟ هذا ما سوف نتعرض إليه إن شاء الله عز وجل بعد الفاصل، فانتظرنا.
الزينة في حياة المرأة حاجة فطرية جبل عليها وقد تكون مولعة بها، والاسلام لا يقاوم هذه الرغبة الفطرية ولكنه ينظمها ويضبطها، ومن ذلك نهيه المرأة عن التزين
بالوشم أو الوصل أو النمص أو فلج الأسنان؛ فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «لعنت الواصلة والمستوصلة والنامصة والمتنمصة والواشمة والمستوشمة من غير داء». وفي حديث ابن مسعود رضي الله عنه: «والمتفلجات للحسن».
والوصل: أن يوصل شعر المرأة بشعر آخر، ويدخل في ذلك الباروكة والرموش والأظافر الصناعية؛ لأنها في معنى الوصل. والنمص: هو الأخذ من شعر الحاجبين بند كان ذلك أو الحلق أو غيرهما، وأما الشعر الذي بين الحاجبين فلا باس بإزالته. والوشم: هو غرز إبرة أو نحوها في أي موضع من البدن حتى يسيل الدم، ثم يحشى ذلك الموضع بالكحل أو غيره. فيجوز إزالة الوشم إلا أن خاف منه تلفاً أو ضرراً. والفلج: أن تباعد ما بين الأسنان الثنايا والرباعيات إظهاراً لصغر العمر وحسن الأسنان.
والحرام من ذلك كله ما فعل طلباً للحسن وزيادته، وأما ما كان منه للعلاج أو إزالة عيب كإزالة الكلف وحبة الخال ونحوه فلا باس به. ويحرم التغيير الذي لا يبقى كالحناء والكحل، فليس هذا من التغيير الممنوع. قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: 7].
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. لا شك أن من أعظم المشاكل والازمات التي مرت على بيوت أزواج النبي عليه الصلاة والسلام حادثة الإفك؛ حادثة الإفك هي من الأمور التي تزلزل الدول فضلاً عن أن تزلزل بيت النبوة صلى الله عليه وآله وسلم، وهي ابتلاء من الله عز وجل حيث انقطع نزول الوحي شهراً كاملاً، والنبي عليه الصلاة والسلام ما يحكم إلا بما يرى ويسمع ما لم ياته خبر السماء. حادثة الإفك هذه تحتاج إلى فصل دراسي كامل للحديث عما فيها من فوائد ودروس وعبر، وخلاصتها كما تعرفون جميعاً ما حصل من وقوع المنافقين في عرض أمنا عائشة واتهامها بالزنا مع أحد أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام ممن لم يعرف عنه إلا كل خير.
تاخرت أمنا عائشة عن الجيش تبحث عن قلادة سقطت، لما حان وقت الرحيل حمل الرجال هودجها ووضعوه على الناقة ومشوا لأنها خفيفة الوزن فظنوا أنها فيه. عادت إلى موقع الجيش وإذا بالناس قد ذهبوا، ففعلت ما يفعله أي إنسان يضيع عن رفقته وهو الصحيح؛ من ضاع عن رفقته يمكث في مكانه ما يتحرك منه، لأنه لو تحرك رجعوا ما وجدوه، ذهبوا إلى مكان وهو يذهب إلى مكان، الصحيح أنه من ضاع من أهله أو من رفقته أنه يمكث في مكانه مهما طال الوقت إلى أن يعودوا إليه.
جاء صفوان رضي الله عنه وأرضاه وكان في مؤخرة القوم يبحث عن الشارد وعن الساقط وعن حماة دورة في مؤخرة الجيش، فراها وهي نائمة فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، وتاخر حتى ركبت على الجمل ولاح بالقوم وقد صار الوقت ظهراً. فوقع الناس أي المنافقين في عرضها واتهموها رضي الله عنها وأرضاها، وتولى كبره عبد الله بن أبي بن سلول لكن لم يفعل ذلك صراحة، إنما كان يهمز ويلمز والمنافقون يساعدونه ويعاونون. ووقع في هذا الأمر ثلاثة من خيار الصحابة: شاعر الرسول عليه الصلاة والسلام حسان بن ثابت، ابنة عمة النبي عليه الصلاة والسلام حمنة بنت جحش، وابن خالة أبي بكر أحد من شهد بدر مسطح بن أثاثة رضي الله عنهم وأرضاهم جميعاً.
هي أول ما وصلت المدينة مرضت شهراً، وكان النبي عليه الصلاة والسلام قد انقطع عنه الوحي فما يدري ماذا يصنع الآن؛ عنده مشكلة عظيمة وهذه المشكلة لا حل لها لأن الوحي لم ينزل، فالناس يتكلمون وهو يعلم براءة أم المؤمنين عائشة، ويعلم أن هذا الصحابي الذي اتهموه به هو من خيار الصحابة ولم يعلم عنه إلا كل خير، لكنه ما يستطيع أن يحكم إلا بما يرى ولذلك أخبر: «إنكم تاتون الي تختصمون، وإن أحدكم يكون ألحن بحجته من أخيه، فأقضي للذي هو ألحن»، أنا ما أدري الغيب، هذا أتى بحجه ولسانه جميل ويتكلم، وهذا الخصم ما عنده من الحجة ما يدافع بها عن نفسه، فاحكم للذي يظهر لي أنه هو على حق، وإنما أقضي له بقطعة من النار.
فحصل ما حصل وعرفت بذلك بعد شهر، وذهبت تستأذن النبي عليه الصلاة والسلام أن تمرض في بيت أبيها فأذن لها، ثم نزلت براءتها من السماء.
كيف تعامل النبي عليه الصلاة والسلام مع هذه الأزمة؟ أولاً: استخدم اسلوب التروي والتريث، سمع التهمة ما تصرف بتصرف يندم عليه فيما بعد، وكم من الرجال من إن سمع مثل هذه التهمه طلق أو شنع وشهر وهو ما تاكد، قال: يا اخي هم قالوا إنها فعلت وفعلت، طيب أنت رايت؟ قال: لا. طيب هؤلاء تضمن أنهم من العدول الذين راوا؟ ﴿إِن جاءَكُم فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنوا أَن تُصيبوا قَومًا بِجَهالَةٍ﴾ [الحجرات: 6]. النبي عليه الصلاة والسلام تريث وتروى ولم يستعجل كما يفعل البعض.
كذلك تعامل باسلوب فيه الشيء من التغير في المعاملة؛ خاصة أم عائشة تقول في الحديث الطويل حديث الإفك حادث قصة الإفك أن النبي عليه الصلاة والسلام تغير في معاملتها شيئاً قليلاً يعني ما درت هو السبب، فكان صلى الله عليه وآله وسلم ياتي ويسال: كيف اتيكم؟ يعني كيفكم انتم اليوم فقط؟ مع أنه عادة ما يحنو ويعني يظهر عطفه. فهذا التغير في المعاملة كان من الحكمة؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام على الرغم من الاشاعات لم يهجر عائشه ولم يتهمها، إنما تغير قليلا في اظهار مشاعره وعواطفه وحنانه كالعادة؛ لأنها لو كانت على خطا شعرت بذلك وربما يعني تاتي فتسأل الرسول عليه الصلاة والسلام ما عنده أي دليل فهو لم يظلمها، ياتيها في يومها ويسال عنها، لكن ما كان يظهر ذاك العطف والحنان والرحمة المعتادة علها تشعر بتغير في المعاملة فتساله ما الذي حدث وهو يخبرها، فإما أن تدافع عن نفسها أو تزيل ما في قلبه من شك وريبة. لكن هو عليه الصلاة والسلام كما يقال بالعامية عداه العيب صلى الله عليه وسلم، ما يتهم ما أبدا يتعامل لكن بدون ظلم الزيادة في الاحسان.
مما فعله جمع الاراء عليه الصلاة والسلام واستشار؛ فسأل أسامة بن زيد، أسامة بن زيد قال: والله ما علمنا عنها إلا خيراً. وسأل علي بن ابي طالب، علي بن ابي طالب قال له: النساء كثير ليش تصدع نفسك، غير إن أحببت واقطع الشك باليقين، لكن علي قال: اسال الجارية تصدقك. وسأل الثالثة وهي بريرة: ها شفت عليها شيئاً أخلاقها هكذا؟ قالت: والله امرأة طفلة صغيرة غافلة، كانت تعجن العجين وربما تنام فتاتي الداجن تاكل العجين وهي نايمة، يعني فيها غفلة لكن ما فيها شيء. ثم النبي عليه الصلاة والسلام سأل زينب بنت جحش هذه الرابعة ضرتها لكنها ابنة عمته، فقالت زينب رضي الله عنها وأرضاها -شوف هذه اللي كانت تسامي النبي عليه الصلاة والسلام- قالت: يا رسول الله، أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت إلا خيراً، شوف العدل.
واخر شيء واجه عليه الصلاة والسلام أمنا عائشة وقال لها: إن حصل منك شيء اعترفي، توبي، استغفر الله. ما اتهمها لكن أخبرها، فانزل الله براءتها من فوق سبع سماوات. وكان اخر تعامله عليه الصلاة والسلام مع هذه الأزمة أنه احتمل ما صدر منها غضباً على نفسها فقالت: لا والله لا أطلب منه العفو ولا السماح، لأن العفو ما جاءني إلا من الله عز وجل. فسكت عليه الصلاة والسلام لأنه يقدر لها ذلك الغضب.
أزمات كثيرة كانت تحصل؛ أمهات المؤمنين يطالبن النبي عليه الصلاة والسلام بالنفقه ويلحبن عليه في ذلك حتى انزل الله تعالى قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَينَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: 28]. فخير عليه الصلاة والسلام النساء يعني يطالبن بالنفقه وهم يعلمون أنه ما عنده عليه الصلاة والسلام إلا الذي يعطيه إياهم ومع ذلك يعني يكثرن في الالحاح عليه، فوجد في نفسه عليه الصلاة والسلام وتألم حتى أنه خيرهن كما قال عز وجل: ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 29]. فاخترن أمهات المؤمنين النبي عليه الصلاة والسلام والدار الآخرة.
ومن وجده ومن غضبه ومن تأثره بكثره الحاحهن هجرهن شهراً، آلى أي حلف كما قال تعالى للذين يؤلون من نسائهم؛ يحلفون حلف أن يهجرن شهراً، واعتزل في غرفة صغيرة في خيمة صغيرة حتى تناقل المسلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم طلق نساءه، ويعني حصل ما حصل من هجرانه لهن ثم رجوعه صلى الله عليه وسلم إليهن.
وهذا يدلك على أن الرجل الحصيف لابد له من أن يححسن التعامل مع زوجته؛ فان كانت من عائلة غنية لابد أن يقدر لها ترفها ودلالها وأن يعطيها ما استطاع، وهي لابد أن تقدر حال زوجها؛ فان كانت من عائلة غنية وهو دونها في المرتبة المادية لابد أن تصبر وأن لا تثقل كاهله بالطلبات. هذا والله أعلم ونسبي العلم إليه أسلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
الشيخ عاصم الحكيم