تسجيل الدخول

المحاضرة 17 - السيرة النبوية - المستوى الثالث - الشيخ عاصم الحكيم - إرشاداته ﷺ للمسلمين الجدد

عاصم الحكيمالشيخ عاصم الحكيم
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. تقدم معنا في الدرس الماضي كيفية تعامل النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع المسلمين الجدد، ونكمل شيئاً من هذه الأمور والفوائد للناظر في سيرته صلى الله عليه وآله وسلم.

النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان لا يجعل شيئاً يتقدم على الإسلام، فأهم موضوع عند النبي عليه الصلاة والسلام أن يخرج الناس من الظلمات إلى النور، وأن يرشدهم إلى من يعبدون، وأن يجعلهم يتركون هذا الشرك ويعتنقون التوحيد بأنواعه ويخلصون العبادة لله وحده. لذلك عندما أتاه رجل مقنع بالحديد والرسول عليه الصلاة والسلام ذاهب إلى غزوة أحد، وقد رجع عبد الله بن أبي بن سلول كبير المنافقين بثلث الجيش وقال: يعصيني ويطيع أمر فتية، والرسول عليه الصلاة والسلام في أمس الحاجة إلى من يقاتل معه ويسانده؛ فلما أتاه هذا الرجل المقنع بالحديد مستعد للقتال وفارس مغوار، قال: أقاتل معك أو أسلم؟ في الأحوال الاعتيادية، الرجل منا ربما قال له: قاتل ثم أسلم إن شئت، الآن أهم شيء عندنا أن تقاتل معنا. لكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن ليتنازل عن دين الله أو في دين الله أدنى شيء، وقال له: أسلم ثم قاتل. فأسلم الرجل فقاتل فقتل، فقال عليه الصلاة والسلام: «عمل قليلاً وأجر كثيراً».

وجاء في بعض الروايات أن هذا الرجل كان أصيرم بني عبد الأشهل، واسمه عمرو بن ثابت بن وقش، كان يأبى الإسلام ويكلمه قومه في الإسلام فيأبى عليهم. حتى إذا خرج المسلمون إلى أحد، بدا له أن يقاتل، لكنه بدأ بالإسلام أولاً فأسلم، فأخذ سيفه فأثخنته الجراح. خرج بنو عبد الأشهل يتفقدون الصرعى والجرحى في معركة أحد، فوجدوه متدرجاً في دمائه، فقالوا له: ما جاء بك يا عمرو؟ أحدباء على قومك أم رغبة في الإسلام؟ قال: بل رغبة في الإسلام، أسلمت وقاتلت حتى أصابني ما ترون. فلما مات وذكروا ذلك للنبي عليه الصلاة والسلام قال: «إنه لمن أهل الجنة».

لو قارنا هذا بما يفعله بعض الدعاة لوجدنا أن هنالك خللاً، والقدوة هو النبي عليه الصلاة والسلام. يعود غلاماً يهودياً في مرض موته، فيقف عند رأسه ويقول له: «أسلم». ما أخر هذه الدعوة إلى الإسلام حتى يشفي الله هذا المريض، ما أخر الدعوة إلى الإسلام حتى نقاتل المعركة الحاضرة الآن، وبعد ذلك كما يقولون يحلها الله عز وجل من عنده. أبداً، أول شيء الإسلام. بعض الدعاة يقع في خلل عظيم وخطأ كبير جسيم؛ يأتيه رجل يريد أن يسلم، ويشرح له الإسلام ويعرض له مناقبه وفوائده والأمور الطيبة فيه، والرجل متردد، فهذا الداعي يقول له: أخي الحبيب، اذهب وفكر في الموضوع وتعال الأسبوع القادم. هذا خطأ عظيم، أبداً ما ينبغي لك أن تفعل ذلك، بل ادعه إلى الإسلام فوراً.

بعضهم يضع العراقيل؛ فتأتي المرأة تقول: الإسلام أنا مبسوطة وراضية ومعجبة به، لكن زوجي كافر وأولادي كفار ولا يريدون أن يعتنقوا الإسلام، فيقول لها: أول ما تسلمي لابد أن تفارقي زوجك، فإذا أنت متشككة ومترددة لا تسلمي الآن، انتظري، أقنعيهم لعلهم يأتوا معك مسلمين. هذا غلط؛ استغل الفرصة واجعلهم يدخلون في الإسلام، لا تضع أمامهم العراقيل، إنما ادعوهم إلى الإسلام لعل الله عز وجل أن ينفع، وبعد ذلك الله سبحانه وتعالى هو الهادي، لعل الله أن يهدي أولئك الذين هم من أهليهم، ولا تكن أنت قاضياً مانعاً حائلاً بينه وبين الإسلام، بل كن داعياً إلى الله عز وجل ولا تجعل العراقيل تحول بينهم وبين الإسلام.

النبي عليه الصلاة والسلام كان يأمر من أسلم أن يتحولوا إلى دعاة، أن يبلغوا هذا الدين: «بلغوا عني ولو آية»، «نضر الله وجه امرئ سمع مقالتي فأداها كما سمعها». مالك بن الحويرث يخبرنا أنه وقومه أتوا النبي عليه الصلاة والسلام فأسلموا، ومكثوا عنده قرابة العشرين يوماً، فلما لمس منهم اشتياقهم إلى أهليهم رحمهم صلى الله عليه وآله وسلم وأمرهم أن يرجعوا إلى قومهم، وأمرهم أن يبلغوهم بالصلوات وبأوقاتها وبكيفية أدائها، وقال: «فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم وليؤمكم أكبركم». إذاً الدعوة إلى الله عز وجل من صلب هذا الدين، أن تأمر الناس إذا أسلموا أن يصبحوا دعاة، أن يصبحوا مبلغين، وألا يكتفي الإنسان بإسلامه؛ لأن زكاة العلم نشرها. وكثير من الناس إذا ما استخدم المعلومات التي عنده وشارك الناس بها ودعاهم إليها، يقع في خطر نسيان هذه الأمور. المسلم إذا أسلم وما دعا إلى الإسلام يخشى على إسلامه؛ لأنه يحتمل أن يأتي وقت ويتردد ويتشكك، أما هذا الذي يشارك الناس بآية، ويدعو الناس إلى سنة، ويشرح معنى حديث، ويعلم أحكاماً فقهية على قلتها، فإن هذا يؤدي إلى ازدياد وارتفاع منسوب الإيمان في قلبه؛ لأنه شارك غيره في الخير الذي عنده. فالدعوة إلى الله عز وجل من أعظم الأمور ومن أحب القربات إلى الله، ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: 33]. فاصل قصير بعدها نواصل بإذن الله.

تسهر وتتعب، تراقب وتتابع، تشكل حلقة وصل بين الطبيبات والمريضات، تقوم على المرضى قبل وبعد العمليات، إنها الممرضة؛ ذلك القلب الرحيم الساعي لتخفيف الآلام وتضميد الجراح، فلها التقدير والامتنان. وحتى تكتمل رسالتها فهذه أمور ينبغي مراعاتها في عملها: أن تستشعر مراقبة الله لها في قيامها بشؤون المرضى، فترحم ضعفهم وتعتني بمواعيد علاجهم، وتعلم أن الله تعالى مطلع عليها ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1]. أن تتمسك بعفافها وتلتزم بحجابها؛ فإنه فريضة، والتمريض ليس عذراً في تركه. أن تغض بصرها عن العورات قدر المستطاع، أن تحذر من الخلوة بطبيب أو زميل أو مريض؛ فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك بقوله: «ألا لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان». أن تعتني بواجبها مراعية قواعد العمل وتعليماته بإتقان، فقد قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه». هذا كله مع إحسان النية والإخلاص في العمل، فلها بالنية الصالحة والاحتساب نصيب من قوله تعالى.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الدعوة إلى الله عز وجل من أعظم الأمور في دين الله سبحانه وتعالى، ولذلك أرسل النبي عليه الصلاة والسلام عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح وأصحابه مع من تظاهروا بالإسلام من قبيلتي عضل وقارة من بني هذيل؛ أتوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام وأظهروا أنهم راغبون في الإسلام، وطلبوا من الرسول عليه الصلاة والسلام أن يرسل معهم من يعلمهم أمور دينهم، فأرسل معهم سبعة من أصحابه. حتى إذا كانوا بمكان يدعى الرجيع بين مكة وعسفان غدروا بهم، وخرج لهم مئتان من المشركين وحاصروهم رغبة في المال، خاصة في عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح؛ لأنه في إحدى المعارك قتل رجلين من المشركين، فجاءته أمهما سلافة وهما مدرجان بالدماء يلفظان الأنفاس الأخيرة، فسألتهما: من الذي فعل ذلك بكما؟ فقالا: سمعنا رجلاً يقول: خذها وأنا ابن الأقلح، وهو عاصم بن ثابت رضي الله عنه. فحلفت أن تشرب في قحف رأسه الخمر، ووضعت جائزة لمن يأتيها برأسه.

فعاصم بن ثابت قاتل وأبى أن يستأسر، المشركون عرضوا وقالوا: إنا ما نريد بكم شراً، لكن نريد أن نأسركم، نأخذ فدية عنكم ونبيعكم في مكة. من الصحابة من رضي ومنهم من أبى فقاتل حتى قتل. ومنهم عاصم بن ثابت، قال: اللهم كما حميت دينك أول النهار فاحمِ جسدي آخره، يعني لا تجعل مشركاً يمس جسدي. وكان مذ أسلم قد بايع الله ألا تمس يده يد مشرك، عزة في الدين عجيبة. فلما قتلوه وعلوه بالنبل حتى مات، أرادوا أن يجزوا رأسه، فسلط الله تعالى عليهم الدبر، أي الدبابير، فقالوا: ننتظر حتى تغرب الشمس، يذهب الدبر ثم نجز رأسه. فلما غربت الشمس وأرادوا أن يأخذوه، أرسل الله سيلاً فاحتمل جسده ولا يدري أين ذهب السيل به. القصة معروفة وليس هذا مكان تفصيلها، لكن الشاهد أن الرسول أرسل عليه الصلاة والسلام مع هؤلاء الذين تظاهروا بالإسلام أصحابه لكي يدعوهم إلى الإسلام.

وكذا فعل عندما أرسل سبعين من القراء من أولئك الذين يحفظون القرآن إلى نجد ليدعوا أهلها، فغدر بهم رئيسهم عامر بن الطفيل، وكان من الصحابة حرام بن ملحان وهو يدعو عامر بن الطفيل؛ أشار عامر الكافر إلى أحدهم فغدر من خلفه، فطعنه طعنة بالرمح أنفذها من صدره. فقال حرام بن ملحان رضي الله عنه لما استشعر الموت: «فزت وربي الكعبة». سبحان الله، هو يموت ويقول: فزت وربي الكعبة. فهل توقف الصحابة عن الدعوة إلى الله عز وجل بسبب هاتين الحادثتين؟ الإسلام لابد فيه من تضحيات، ولم نسمع أحداً يلوم الصحابة لأنهم ألقوا بأيديهم إلى التهلكة ولأنهم خرجوا من ديارهم؛ ومن خرج من داره قل مقداره، أو أنه ينتقد الإسلام بأنه السبب في موت هذا. هؤلاء للأسف من المنتسبين للإسلام من يفعل ذلك اليوم، يلومون الشرع، يلومون الدين، يلومون العلماء والدعاة بسبب أمور قد حصلت لا بسبب الإسلام ولا بسبب الدعاة. وما يفعلون هذا الأمر من اللوم والتقريع والانتقاد إلا لكي ينالوا من الإسلام والمسلمين، وهذا هو فعل المنافقين في كل مكان بغض النظر عن الأسماء التي يتسمون بها، ليبرالية، علمانية؛ اسمهم الشرعي المنافقون الذين تعرفهم في لحن القول.

كذلك يظهر لنا أن النبي عليه الصلاة والسلام أرسل معاذ بن جبل وأرسل أبا موسى الأشعري إلى اليمن بشقيها، لكي يدعو أهلها إلى الدين، وليكونوا حكاماً وقضاة ومعلمين. وهذا يظهر لك أن الدعوة واجب على العلماء والدعاة والقضاة وأئمة المساجد، ولكن الأمراء ومن ولاهم الله عز وجل أمر المسلمين يجب عليهم تسهيل مهام أولئك الدعاة. يجب على ولاة الأمر أن يبعثوا البعثات، يبعث العلماء والدعاة إلى أقطار الأرض ليدعوهم إلى الإسلام. هذا واجب؛ واجب الأمراء ولاة الأمر أن يفعلوا ذلك، واجبهم أن يستغلوا وسائل الإعلام في نشر كلمة الإسلام والدعوة إلى الله عز وجل، واجبهم أن يستغلوا وسائل التواصل الاجتماعي. وهذا للأسف معدوم تقريباً في دول العالم الإسلامي التي على منهج أهل السنة والجماعة، للأسف الشديد تجد هذا الأمر موجوداً عند الرافضة، تجده عند أهل البدع، تجده عند أولئك الذين ليسوا على الصراط المستقيم. ولذلك عمر رضي الله عنه كان يشتكي إلى الله جلد الفاجر وعجز التقي، هذا ما نشتكي منه في هذه الأيام؛ أن تجد أهل الباطل أقوياء، كما قال تعالى: ﴿وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَىٰ آلِهَتِكُمْ﴾ [ص: 6]، يتواصون على الباطل بالصبر، بينما أهل الحق وأهل الصدق وأهل السنة والجماعة للأسف لا تجد إلا قلة قليلة من تعينهم وتقف معهم.

كذلك نجد أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يتعامل باللين، فلا يعنف الجاهل منهم. كيف ما يعنف الجاهل منهم؟ الجاهل من المسلمين الجدد قد يفعل أمراً ما، يظهر لك إنسان مسلم يسلم حديثاً، تراه مثلاً يختلط مع النساء ويضحك ويغازل، فتغضب وتثور ثائرتك. يا أخي اصبر، هذا الرجل ما يعرف أحكام الإسلام، علمه أولاً. النبي ما كان يعنف عليه الصلاة والسلام الجاهل. يدخل أعرابي يبول في ناحية المسجد، الصحابة يريدون أن يضربوه، والرسول عليه السلام يقول: «لا تزرموه، خلوه»، حتى إذا انتهى علمه. كذلك النبي عليه الصلاة والسلام يرى من عدي بن حاتم الطائي رضي الله عنه وقد أسلم حديثاً، لما أراد أن يصوم أخبر الرسول عليه الصلاة والسلام أنه يضع على وسادته أو تحت وسادته عقالين؛ يضع عقالين، يعني خيطين، واحداً أسود وواحداً أبيض، ويجلس في ظلمة الغرفة يأكل ويشرب حتى يستطيع أن يرى الفرق بين السواد والبياض. فيقول له عليه الصلاة والسلام: «إن وسادك إذاً لعريض». الله عز وجل قال: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: 187]. بعض المفسرين قالوا إنها نزلت في مسألة تأخر نزول أن ذلك من الفجر وهذا غير صحيح، الصحيح أن الخيط الأبيض من الخيط الأسود أي تبين اللون، وهذا من الليل والنهار. أما فعل عدي بن حاتم وظنه أن هذا المقصود به العقال أو الخيط فهذا فهم خاطئ، ما عنفه الرسول عليه الصلاة والسلام، ما لامه، ما سخر منه كما يفعل بعض الدعاة إن جاءتهم مسألة يسخرون ويجعلون منها نكتة أو خطأ كبيراً. الجاهل لا يعنف، إنما يعلم. فاصل قصير وبعدها نواصل بإذن الله فانتظرونا.

ومن المهم المبادرة بعلاج هذه المشكلة بصبر وحكمة، قبل أن تتحول إلى عادة وسلوك. ويكون ذلك من خلال التجاهل وعدم إبداء انزعاج ملحوظ عند سماع كلمة نابية من الطفل لأول مرة؛ حتى لا يكون لها أهمية لديه أو تأثير.

عدم استقبال الكلمة بابتسامة أو ضحك ونحوه عند سماعها كي لا يتشجع عليها، فإنه سيتركها من تلقاء نفسه، مع إظهار الرفض التام لهذا السلوك وذم هذا اللفظ علناً إذا تكرر، ومراقبة اللغة المتداولة في محيط الطفل، ومراقبة البرامج الإعلامية التي يتابعها، ومخاطبته باللغة التي ترغب في أن يخاطبك بها، وتطوير مهارة التفكير لديه وفتح باب الحوار معه، وتعويده على الأسف والاعتذار كلما تلفظ بكلمة بذيئة. إذا لم يستجب الطفل بعد مرات من التنبيه، يُعاقب بالحرمان من شيء يحبه، مع تنبيهه إلى أن الكلمة البذيئة من وحي الشيطان، وتذكيره دوماً بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء».

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الرفق مطلوب، فإن الرفق ما كان في شيء إلا زانه. النبي عليه الصلاة والسلام مع الجاهل كان يرفق به، معاوية بن الحكم رضي الله عنه وأرضاه في وسط الصلاة والناس قائمون، واحد يعطس فيحمد الله، معاوية يقول له: يرحمكم الله، وجعل الناس ينظرون إليه في الصلاة، وكان الالتفات في تلك الأوقات لم ينسخ بعد وكان جائزاً، فقال: واثقلى أمياه، ما لكم تنظرون إلي؟ فجعلوا يضربون أفخاذهم يصمتونه فسكت.

بعد ما انتهت الصلاة، هل قام الرسول عليه الصلاة والسلام أغلظ له في القول؟ يقول معاوية رضي الله عنه وأرضاه: فوالله ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه، لا كهرني ولا ضربني ولا شتمني، وقال لي: «إن الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس». هذا أسلوب جميل وراقٍ في التعليم، ولذلك يترك أثراً إيجابياً.

النبي عليه الصلاة والسلام كان يبشر أولئك الذين أسلموا حديثاً بأن أمامهم الخير، وأن ما تركوه خلفهم فإن الله عز وجل قد تجاوز عنه من السيئات والذنوب. حكيم بن حزام يخبر عن نفسه أنه حمل في الجاهلية على مئة بعير وأعتق مئة نفس، فلما أسلم فعل مثل ذلك؛ حمل في سبيل الله على مئة بعير وأعتق مئة عبد، فسأل الرسول عليه الصلاة والسلام عن الأعمال التي فعلها: هل له فيها من أجر؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «أسلمت على ما أسلفت من خير».

طبعاً لك أجر هذا في الأمور التي ابتغي فيها وجه الله؛ مثل صلة الأرحام، إطعام المساكين، عتق الرقاب. أما ما كان من الأعمال التي هي من عبادات أخرى، كالسجود للأصنام والذبح لغير الله فهذه طبعاً لا يثاب عليها البتة، ولكنه لا يأثم عليها؛ لأن عمرو بن العاص رضي الله عنه عندما أراد أن يبايع قبض يده، فقال: يا رسول الله، أريد أن أشترط لنفسي، فقال له عليه الصلاة والسلام: «يا عمرو، أما علمت أن الإسلام يجب ما قبله؟». فإذاً لا تشغل بالك بالأمور التي سبقت من ذنوب ومعاصي ما دمت قد أسلمت فقد عفا الله عما سلف.

النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل الداخل في دين الله وفي الإسلام كان يمدحه بما فيه من خصال الخير، وهذا هو منهج العدل والإنصاف؛ يشجع ويبرز الجوانب الإيجابية ويستر الجوانب السلبية. ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأشج عبد قيس: «إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة». شوف هذا أسلم حديثاً ومع ذلك يمدحه الرسول عليه الصلاة والسلام بالأخلاق التي فيه وبخصال الخير التي عنده.

قارن هذا مع أولئك الذين ما يتركون شاذة ولا فاذة إلا وينتقدون العالم الفلاني أو الداعية الفلاني أو القاضي الفلاني أو إمام مسجد أو طالب علم، ما يدعون أحداً إلا ويقولون هذا فيه كذا وكذا، وهذا قال في مجلد في صفحة كذا؛ يتتبعون أخطاء الناس وزلاتهم وهفواتهم، أو أي اجتهاد بدر منهم فيصنفونهم ويطلقون عليهم الألقاب، فيقولون هذا من أهل الأهواء، هذا من أهل البدع، هذا فلان قطبي، هذا سروري، فيه كذا وهذا فيه كذا، ألفاظ وألقاب ما أنزل الله بها من سلطان. وسبحان الله هذا من الخلل؛ لأن الله عز وجل أرشدنا إلى منهج العدل. طيب إذا قيل لهم اذكروا ما فيهم من حسنات؟ قالوا: لا، إحنا ما نذكر إلا عيوبهم. الأصل أن الحسنات عند كل أحد، أما العيوب والزلل فلا بد أن نحذر الناس منهم. الله عز وجل قد مدح النصارى وهم كفار وهم الذين يجعلون لله ولداً، فقال: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَّا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ [آل عمران: 75]. فمدحهم الله عز وجل بأن فيهم ومنهم من يؤدي الأمانة، ولكن هؤلاء القوم سبحان الله يكتمون المحاسن والفضائل، يبرزون الأخطاء لينفروا الناس عنهم ولا يدعون إلا من يتبع سماحة العلامة فلان وفلان وفلان، ثلاثة وأربعة من مشايخهم، هؤلاء هم الذين لا يشق لهم غبار وهؤلاء الذين لا يأتيهم الباطل من بين أيديهم ولا من خلفهم، نسأل الله العافية.

فأصبحوا كالذباب ما يقع إلا على القاذورات، ما يروا المحاسن، ما يروا الأشياء الطيبة. النبي عليه الصلاة والسلام كان يتألف من أسلم من هؤلاء المسلمين الجدد بالمال والمعاملة الحسنة كي يثبتوا على الدين. سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أخبر أنه عندما أعطى النبي عليه الصلاة والسلام رهطاً من الناس وأنا جالس معه، وهنالك رجل من المسلمين لم يعطه وهو أعجبهم إليّ، فقلت: يا رسول الله، ما لك عن فلان؟ والله إني لأراه مؤمناً، وقال عليه الصلاة والسلام: «أو مسلماً». وسكت، ثم ما لبث أن أعاد عليه الجملة: ما لك عن فلان يا رسول الله؟ فإني والله لأراه مؤمناً، والرسول يقول: «أو مسلماً». ففي الثالثة قال: «أو مسلماً يا سعد، إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه، خشية أن يكب في النار على وجهه».

إذاً النبي عليه الصلاة والسلام عندما يتصرف فإنه يتصرف بحكمة وبعلم، وكثيراً ما تحصل مثل هذه الأحوال طبعاً مع الفارق الكبير، عندما يقوم مثلاً مسؤول أو أحد ولاة الأمر بعمل وننكر ذلك ونقول يا أخي كيف يفعل هذا؟ كيف يعطي البلد الفلاني مبلغاً من المال وهم فعلوا وفعلوا وفعلوا؟ وقد تكون عنده فكرة نحن لا نعلمها، قد أنه يخطط لأمر لمصلحة البلاد والعباد وللدين ولغير ذلك، ونحن لا تظهر لنا هذه المصلحة، فمن الخطأ أن يتحدث الإنسان فيما ليس من ضمن صلاحياته، شيء أعلى منه بكثير. ولذلك الرسول عليه الصلاة والسلام بين الحكمة لسعد الذي ما استطاع أن يراها أو أن يفهمها من أول مرة.

الرسول عليه الصلاة والسلام أعطى رجلاً غنماً بين جبلين يتألفه، وأعطى المؤلفة قلوبهم مائة من الإبل حتى إن الأنصار وجدوا في أنفسهم، الرسول عليه الصلاة والسلام لما أصاب الغنائم يوم حنين وقسم للمؤلفة قلوبهم من قريش وسائر العرب ما قسم، لم يكن للأنصار شيء منها أبداً، فجاء سعد بن عبادة إلى الرسول واشتكى قال: ترى القوم من الحي من الأنصار وجدوا في أنفسهم. فقال: «وأنت ماذا تجد في نفسك؟» قال: ما أنا إلا امرؤ من قومي. قال: «اجمع الأنصار ولا يكن معهم أحد في حظيرة»، وجمع الأنصار كلهم، فلما اجتمع بهم عليه الصلاة والسلام قال لهم: «يا معشر الأنصار، ألم أتكم ضلالاً فهداكم الله، وعالة فأغناكم الله، وأعداء فألف الله بين قلوبكم؟». قالوا: بلى. قال عليه الصلاة والسلام: «ألا تجيبون يا معشر الأنصار؟ ردوا، إيش عندكم؟». فقالوا: وما نقول يا رسول الله وبما نجيبك؟ المن لله ورسوله، ما نستطيع نفتح فمنا. فقال عليه الصلاة والسلام: «والله لو شئتم لقلتم فصدقتم وصدقتم: جئتنا طريداً فآويناك، وعائلاً فآسيناك، وخائفاً فآمناك، ومخذولاً فنصرناك». فقالوا: المن لله ورسوله. قال: «أوجدتم في أنفسكم يا معشر الأنصار في لعاعة من الدنيا تألفت بها قوماً أسلموا، ووكلتكم إلى ما قسم الله لكم من الإسلام، أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس إلى رحالهم بالشاة والبعير، وتذهبون برسول الله إلى رحالكم؟ فوالذي نفسي بيده، لو أن الناس سلكوا شعباً وسلكت الأنصار شعباً لسلكت شعب الأنصار، ولولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار. اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار». فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم، وقالوا: رضينا بالله رباً ورسولاً قسماً. ثم انصرف وتفرقوا، أسأل الله عز وجل أن يحشرني وإياكم في زمرتهم ومعهم يوم القيامة إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.