الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون». إذاً ما من أحد إلا ولديه ذنب، وما من أحد إلا ولديه خطيئة، فنريد أن نعرف كيفية التعامل مع هذا المخطئ مع هذا المذنب، وكيف كان الرسول صلى الله عليه وسلم يتعامل مع العصاة؛ لأنه بلا شك سيأتي وقت نحتاج فيه نحن أن نتعامل مع أولئك العصاة. فهل التعامل كله واحد؟ أم هنالك أحوال وهنالك حالات تختلف من حالة إلى أخرى؟
النبي صلى الله عليه وسلم كان يبين للعاصي شناعة هذه المعصية كي يمتنع عنها وكي يتوب. أمنا عائشة رضي الله عنها في مرة من المرات وهي جالسة مع زوجها، جاء ذكر صفية بنت حيي بن أخطب رضي الله عنها، وكانت جميلة يهودية أسلمت، وابنة زعيم القبيلة، فأخذتها الغيرة فقالت: يا رسول الله، حسبك من صفية أنها كذا وكذا، تشير بيدها إلى أنها قصيرة، وصفية ليست موجودة بالمجلس. فقال عليه الصلاة والسلام: «لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته»، يبين لها شناعة الغيبة. نحن عندنا يقولون الكلام ما عليه جمرك، وهذا غير صحيح، الإنسان ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد. كم من مجالسنا التي نتحدث فيها عن بخل فلان، أو عن غبائه، أو عن دمامته، أو عن قصره، أو عن سمنته، أو أمور هكذا نصرف ونتكلم ونضحك، لو مزجت بماء البحر لمزجته.
وكان النبي عليه الصلاة والسلام يشجع على الستر، فإن جاءه العاصي وقد فعل أموراً في نظرنا شنيعة وأمراً مستهجناً وكيف يفعله مسلم، كان عليه الصلاة والسلام يخبر ذلك العاصي أن الأعمال الصالحة، أن التوبة، أن الاستغفار يكفر تلك المعصية. أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: كنت عند رسول الله عليه الصلاة والسلام، فجاءه رجل فقال: يا رسول الله إني أصبت حداً فأقمه علي، فلم يسأله عنه النبي عليه الصلاة والسلام، ولم يرد عليه، وحضرت الصلاة وصلى المسلمون، فلما قضى النبي الصلاة قام الرجل فقال مقولته مرة أخرى: إني أصبت حداً فأقم الحد علي، فسأله عليه الصلاة والسلام: «أليس قد صليت معنا؟» قال: نعم، قال: «فإن الله قد غفر لك ذنبك». الله أكبر!
في رواية أن رجلاً أتى وقال: يا رسول الله إني رأيت امرأة عند حائط عند بستان، فأصبت منها ما يصيب الرجل من زوجته إلا الجماع، فلم يرد عليه الصلاة والسلام يوماً كاملاً، صلى خمسة فروض، ثم سأل: «أين السائل؟» فأعاد الرجل مقالته، فقال عليه الصلاة والسلام: الله عز وجل قد أنزل: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ ۚ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: 114]. لا إله إلا الله، دين بشارة، دين فيه أمل، لا كما يفعل البعض عندما يغلق باب التوبة أمام النادمين، أمام أولئك الذين يرغبون في الرجوع والتوبة، أنت لك توبة؟ أعوذ بالله، أنت أول من تسعر بهم النار يوم القيامة، اغرب عن وجهي، أنت فيك ويخطئ من يفعل هذه الأمور القبيحة المستهجنة، أنت لست ببشر، أنت لست، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، خرجوا الناس من الملة وقنطوهم من رحمة الله عز وجل. قال عليه الصلاة والسلام: «واتبع السيئة الحسنة تمحها»، بشر الناس يا أخي ولا تنفرهم، هم أتوا رغبة في التوبة والندم على ما فعلوا.
ونفهم من الحديث أن الدين، أن الإسلام يشجع على الستر، الدين لا يريد الفضائح، الدين لا يريد نشر المنكرات والفواحش. وسائل التواصل الاجتماعي، الواتساب، فلان الفلاني فعل وقام، الله يفعل به، الله يخزيه، الله كذا، يا أخي استروا على الناس، هناك فرق بين إنكار المنكر وفرق بين نشر هذا المنكر، خاصة أن الكثيرين قد لا يعلمون به، فأنت تنشره وتشيعه حتى يموت الإنكار في قلوب الناس، لا، ليس هكذا تكون الدعوة، ولا هكذا يكون الإنكار.
كذلك الأصل في الإنكار استخدام اللين، فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يستخدم اللين مع العصاة، خاصة الجهل منهم. أعرابي يبول في المسجد، «لا تزرموه»، يكلمه بإحسان وبرفق، حتى أن الأعرابي لما صلى من شدة رفق الرسول عليه الصلاة والسلام وغلطة الصحابة عليه، قال: اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً. قال له: «يا ابن أخي قد حجرت واسعاً». مرة قفلتها في وجوه الناس؟ لماذا؟ لأن الرسول كان تعامله برفق وإحسان. معاوية بن الحكم عندما شمت الرجل في الصلاة، النبي عليه الصلاة والسلام علمه وتكلم معه برفق ولين لأنه عصى الله عن جهل، لم يكن ذلك عن علم. أما إن حصلت المعصية من عالم، إذا حصلت المخالفة من أحد أصحابه ويعلم أن هذا الأمر خطأ، كان يغلظ له في النصيحة والإنكار. عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أحد الصحابة وأحد علماء الصحابة، يأتيه النبي عليه الصلاة والسلام وعليه ثوبان معصفران، ونحن نعلم أن العصفر هذا من ثياب الكفار، فماذا قال له عليه الصلاة والسلام؟ أغلظ عليه، فقال: «أمك أمرتك بهذا؟» كلام شديد، الصحابي عرف فقال: أغسلهما يا رسول الله، قال: «لا بل أحرقهما».
من صمت نجا، كف عليك هذا، فليقل خيراً أو ليصمت. توجيهات نبوية كريمة بحفظ اللسان وإمساكه عن الشر والأذى، فالمسلم الحق من سلم المسلمون من لسانه ويده، لذا فإن من كمل عقله أمسك لسانه إلا من خير، فاللسان كالنفس إن لم تشغله بالحق انشغل بالباطل. فمن إشغاله بالحق أن يكون في الذكر والدعاء وتلاوة القرآن والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتعليم العلم والدعوة إلى الله تعالى، وإلا فسيشغل بالغيبة والنميمة والكذب وقول الزور ونشر الباطل والقول على الله بغير علم. ولكلا الانشغال جزاء، قال عليه الصلاة والسلام: «إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالاً يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم». فكل ما خرج منه يرصد ويكتب ويجمع ويحفظ لينشر يوم الدين، فإما خيراً يجازى عليه أجراً وثواباً، وإما شراً يجازى عليه إثماً وعذاباً. قال تعالى: ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18].
فالمسلم العاقل أشد ما يكون حذراً من زلات لسانه، فإنه مما يورث الندامة يوم القيامة. فما أعظم الحسرات حين يرى الإنسان حسناته وقد ذهبت إلى ميزان غيره. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتدرون ما المفلس؟» قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: «إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار».
السلام عليكم ورحمة الله. إذاً النبي عليه الصلاة والسلام كان له تعامل مختلف مع الجاهل، اللين والرفق والتعليم، أما مع العالم فهذا يحتاج إلى شيء من الغلظة والشدة كي لا يعود مرة أخرى. الرسول صلى الله عليه وسلم ربما بالغ في تأديب أصحابه، كعب بن مالك رضي الله عنه مع صاحبيه عندما تخلفوا عن الخروج مع النبي عليه الصلاة والسلام في غزوة تبوك بلا عذر، أمر الناس أن يقاطعوهم وأن لا يتحدثوا معهم وأن يهجروهم عقاباً لهم.
كذلك أبو ذر الغفاري رضي الله عنه، أحد أوائل من أسلم، عندما عير صحابياً بلالاً بأمه، فقال له: يا ابن السوداء، وأمه سوداء، يعني ما كذب، لكنه قالها بنوع من التعيير، قال له عليه الصلاة والسلام: «إنك امرؤ فيك جاهلية»، يعني لسه هذه الجاهلية ما تركتها، ما زال فيك شيء من آثارها، وهذا من أبلغ الإنكار والتشديد عليه.
كذلك حِبُّ النبي عليه الصلاة والسلام أسامة بن زيد بن حارثة، عندما قتل رجلاً في المعركة من المشركين، هذا الرجل قد أثخن الجراح في المسلمين، فلما أراد أن يقتله قال الرجل: أشهد أن لا إله إلا الله، قتله أسامة، الرسول غضب منه غضباً شديداً فقال له: «أقتلته وقد قال لا إله إلا الله؟» قال: إنما فعلها تعوذاً، قالها تعوذاً ما أسلم، إنما فعل ذلك لكي يعصم نفسه مني. فقال: «أشققت عن قلبه؟» يعني عرفت هذا، أكيد عندك يقين بذلك؟ أين أنت من لا إله إلا الله يوم القيامة؟ شدد عليه الإنكار، وشدد عليه أيضاً عندما أراد أن يشفع في المخزومية في قطع يدها التي كانت تجحد المتاع وتسرقه، فأمر بقطع يدها. مع ذلك، مع أنه حب الرسول عليه الصلاة والسلام، إلا أنه أغلظ له في القول: «أتشفع في حد من حدود الله؟ ويم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها». لكن انظر إلى تلطفه مع هذه المخزومية، عاصية سارقة، قطعت يمينها، ولكن بعد أن قطعت يمينها أخبرها وبشرها أن الله قد غفر لها ذنبها؛ لأن الحد إذا أقيم في الدنيا فهو كفارة، وهو ماسح لجميع المعاصي التي ارتكبت، تكفرها هذه أو يكفرها هذا الحد، فكل السرقات ما دامت أقيمت عليها قطع اليد، كفر الله عز وجل هذه السيئات ولن تحاسب بها يوم القيامة.
هدي النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان يعظ أرباب الشهوات، كان يذكرهم بالله عز وجل، وكان يستخدم معهم الحجة العقلية بعض الأحيان. إذا استخدمت القرآن والسنة بعض الناس قد تجد على قلوبهم غشاوة، وعلى أسماعهم، وعلى أبصارهم، فما يستطيعون أن يفقهوا ماذا تقول لهم، يعني سبحان الله قلوبهم قد أوصدت وأغلقت عن سماع كتاب الله أو أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام، فبعض الأحيان تضطر إلى أن تحاج بالحجة العقلانية التي يقبلها أي أحد، فلا بد أن تتنوع في العظة وفي التذكير، أن تستخدم الأسلوب الأنجع؛ لأن الحكمة التي من أوتيَها فقد أوتي خيراً كثيراً. ما هي الحكمة؟ هي وضع الشيء في مكانه، أن تضع الشيء في مكانه الصحيح، ما تستخدم أسلوب ما ينفع في هذا المكان، ما تضع رجلاً في مكان غير مناسب، لا بد أن تختار الشيء الذي يناسب هذا الأمر.
جاء شاب إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وكما يقال من باب الطافة، يا رسول الله ائذن لي بالزنا، الصحابة هاجوا وقالوا: مه مه! يعني ما تستحي؟ ما الذي تفعله؟ فالنبي عليه الصلاة والسلام قال للغلام: «ادنه»، تعال قرب، فاقترب، فجعل يردد عليه الصلاة والسلام ويسأله أسئلة منطقية: «أتحبه لأمك؟» قال: لا يا رسول الله، الزنا هذا ما أرضاه لأمي، فقال: «وكذلك الناس لا يرضونه لأمهاتهم ولا يحبونه»، «أتحبه لابنتك؟» قال: لا، قال: «وكذلك الناس لا يحبونه لبناتهم»، «أتحبه لأختك؟ أتحبه لعمتك؟ أتحبه لخالتك؟» أسلوب هادئ ورزين ومنطقي عقلاني تماماً، والرجل أو الشاب يقول: لا والله يا رسول الله لا أحبه لا لأختي ولا لعمتي ولا لخالتي، فقال صلى الله عليه واله وسلم: «وكذلك الناس». ثم وضع يده على صدره وقال: «اللهم اغفر ذنبه وطهر قلبه وحصن فرجه». أدعية جميلة من مستجاب الدعوة عليه الصلاة والسلام.
هذا غلام في عرفنا اليوم قليل حياء، ما يستحي، ما عنده دين، ما عنده إيمان، يخطئ وفيه وفيه وفيه، هذا تقييمنا للمسألة في أيامنا هذه، وهو تقييم خاطئ بالكلية. الأسلوب النبوي انظر إلى العقلانية في الحديث والمنطقية، وانظر إلى الرحمة والشفقة بالدعاء، يا أخي إن جاءك عاصٍ، إن جاءك مذنب، ذيّل كلامك بالدعاء له بأن يغفر الله ذنبه، وأن يستر عيبه، وأن يحصن فرجه، وأن يغض بصره، يا أخي هذه أشياء جميلة، الدعوة الصالحة الطيبة تدخل القلب مباشرة بلا حجاب، أما ما يفعله البعض من الغلظة ومن الشدة، ليس ذلك من الإسلام في شيء.
النبي عليه الصلاة والسلام هذا كان تعامله مع العصاة، وكان صلى الله عليه وسلم يتريث ولا يستعجل، يعني كم من مرة نرى في السنة أن النبي عليه الصلاة والسلام يستفصل، يسأل قبل أن يشرع في الكلام. نحن لا نفعل ذلك، وهذا خلل فينا، نحن عندنا العجلة، نحن عندنا أحكام جاهزة، ونحن مستعدون لإلقاء الأحكام بلا أي نوع من التفكير، هذا فلان فيه وفيه، هذا كذا، هذا خطأ، هذا مش عارف مين، هذا نيته، سبحان الله، ليس هذا من هدي النبي عليه الصلاة والسلام. حرم الإسلام التنفل بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس، الرسول يقضي صلاته يلتفت فإذا بأحد الصحابة يصلي إلى سارية، يقف بجواره ويسأله: «الفجر أربع؟» ما الذي تفعله؟ فالرجل عندما قال له يا رسول الله هذه رغيبة الفجر ما صليتها، تركه ومشى. يصلي بنا صلاة لعلها الفجر، وإذ برجلين لم يصليا، فأمر بهما، فأتي إليه، فسأله: «ألستما مسلمين؟ لماذا لم تصليا معنا؟» ما أمر بهما إلى الجلد أو إلى أن يخد لهما الأخاديد وتوقد النيران ويلقيا فيها، يستفصل يسأل، فقالوا: يا رسول الله صلينا في رحالنا ثم أتينا وإذ بالصلاة قد أقيمت، فأمرهم أنهم إذا مروا بمسجد أو بجماعة يصلون أن يدخلوا معهم، تكون لهم.
هذا أصل لدفع التهمة عن نفسك، أما أن تجلس خارج المسجد والناس يصلون، فإذا خرجوا وجدوك جالساً في السيارة قالوا: هذا إنسان فاسق لا يصلي. فاصل قصير وبعدها نواصل بإذن الله.
لا تحاسدوا، توجيه نبوي لعلاج آفة من أخطر الآفات الاجتماعية والأخلاقية. فالحسد وإن كان أصله في القلب من بغض لنعمة الله على المحسود وتمنٍ لزوالها عنه، فإنه غالباً ما تكون له امتدادات في الخارج تدفع الحاسد إلى البغي والظلم والاعتداء والإيذاء والإيقاع بالمحسود. قال ابن القيم رحمه الله: فالحاسد على معاداته والسعي في أذاه بكل ممكن مع علمه بفضله وعلمه وأنه لا شيء فيه يوجب عداوته إلا محاسنه وفضائله. ولهذا قيل: الحاسد عدو للنعم والمكارم.
وكما نهى ديننا عن الحسد فقد وجه إلى علاجه، فأمر الله تعالى بالاستعاذة به من شر الحاسدين، فقال في سورة الفلق: ﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق: 5]. وجعل الإيمان بالقضاء والرضا بما قدر من تفاوت الأرزاق والملكات ركناً من أركان الإيمان، فقال: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف: 32]. كما حظ المؤمنين على البذل والعطاء والإيثار والتراحم، وهي المعاني التي تستأصل هذا الداء من القلوب؛ فعله الحسد ترجع إلى إفراط في الأنانية وحب للذات مع ضعف في الإيمان بكمال حكمة الله تعالى في توزيع الأرزاق بين عباده.
وعلى المسلم إذا أحس في نفسه بحسد تجاه أخيه ألا يرضى بغيبته أو ظلمه، بل عليه أن يدافع عن عرضه ما استطاع وأن يكثر من الدعاء له بالخير والبركة. وإذا كان الحسد خلقاً مذموماً فإن الغبطة صفة محمودة، وهي تمني مثل ما للمغبوط من النعمة من غير أن يتمنى زوالها عنه. فإن كانت في أمور الدنيا فهي مباحة، وإن كانت في أمور الآخرة فهو مما حثنا الشرع على المنافسة فيه والمسابقة إليه، قال تعالى: ﴿وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: 26]. وقال صلى الله عليه وسلم: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار».
إذاً، هديه عليه الصلاة والسلام مع العصاة أنه يفصل ويسأل ويتأنى ولا يستعجل قبل الإنكار. جاء في السنة عن أبي سعيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه واله وسلم أتي بتمر، فسأل: ما هذا التمر من تمرنا؟ يعني عجيب هذا التمر، من أين جئتم به؟ فقال الرجل: يا رسول الله، بعنا تمرنا صاعين بصاع من هذا. ونفس الحادثة حصلت مع بلال عندما أتى بتمر جيد وأخبر الرسول عليه الصلاة والسلام أنه باع كذا بكذا تمر بتمر صاع بصاعين، فقال: «أوه أوه عين الربا». بعد أن تأكد وعرف ما المشكلة بين الحكم، وليس ذلك فحسب بل أمر بتدارك المعصية وطرق معالجتها، فقال: «هذا الربا، فردوه ثم بيعوا تمرنا واشتروا لنا من هذا»، يعني بعد أن تبيع التمر غير الجيد الذي عندك وتقبض ثمنه، اشتري بالثمن بعد أن قبضت هذا التمر الجيد بحسب ما تحصل المماكسة. إذاً، تدارك المعصية إن أمكن، هذا من هديه عليه الصلاة والسلام وإرشاده.
فمثلاً لما طلق ابن عمر رضي الله عنهما زوجته وهي حائض، هذه معصية، هذا طلاق بدعي محرم. فنحن نعرف أن الطلاق البدعي هو أن يطلق امرأته وهي حائض أو أن يطلقها في طهر قد جامعها فيه، ما يصلح، استنَّ واصبر حتى تحيض ثم تطهر، إن أردت أن تطلقها افعل قبل أن تجامعها. وأكثر الناس إن لم نقل كل الناس إن ذهبت عنهم فورة الغضب وانتظروا هذه الأيام نسوا الطلاق وما فيه، وهذا من حكمة الشارع، لكن الناس يستعجلون ويفعلون هذا الأمر المحرم. فأمره عليه الصلاة والسلام أن يراجع امرأته حتى إذا حاضت وطهرت إن أراد أن يطلقها فعل وإن أراد أن يمسكها فعل، والمسألة فيها خلاف هل يقع الطلاق أو لا، جماهير الأئمة الأربعة على أنه يقع وهو المعمول به في المحاكم. لذلك الرسول يتدارك عليه الصلاة والسلام تلك المعصية، كما قال أيضاً للمسيء صلاته، الرجل الذي صلى ركعتين فأتى النبي عليه الصلاة والسلام وسلم، فقال له: «ارجع فصلِّ فإنك لم تصلِّ» مرة واثنين وثلاث، يأمره أن يتراجع وأن يتدارك تلك المعصية بأن يحسن الصلاة، حتى إذا تعذر بأنه لا يحسن غير ذلك علمه عليه الصلاة والسلام.
طيب هذا الذي يفعل المعصية هل يصلح أن لا ننكر عليه؟ ما يصلح، «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أدنى أو أضعف الإيمان». لا بد أن تنكر المنكر وأن تحاول وأن تجتهد في أن تغيره، لكن إنكار المنكر فن، وهذا الفن مشتق ومأخوذ من السنة النبوية المطهرة لأنه أدب ولأنه علم ولأنه سنة نبوية ماضية. كيف كان ينكر النبي عليه الصلاة والسلام؟ الرسول صلى الله عليه واله وسلم يستر ولا يفضح، وكثيراً ما كان يعرض بالإنكار ولا يصرح، فيقول: «ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا».
ابن اللتبية على سبيل المثال، أحد الصحابة يستخدمه النبي عليه الصلاة والسلام ويستعمله لجباية زكاته. والرسول كان له عمال يبعثهم إلى القرى الفلانية يجبون له زكاة الزروع، زكاة بهيمة الأنعام، اللي عنده زكاة أموال ويريد أن يؤديها يفعل ذلك لأنها من الأموال الباطنة، ومن أراد أن يصرفها يصرفها من عند نفسه فهذا أمر راجع له. لكن الأموال الظاهرة، الزكاة، الخارج من الأرض، بهيمة الأنعام لا بد أن تؤدى إلى ولي الأمر، فبعث ابن اللتبية ليجب الزكاة، لما جاء قال: هذه لكم، هذه الزكاة كذا رأس كذا طن من كذا وسق من الزروع كذا، وهذه أهديت لي. كيف هذا الكلام؟ فالنبي عليه الصلاة والسلام قال له: «أفلا جلست في بيت أبيك وأمك فنظرت أُهدي لك الناس شيئاً أو لا؟». فهذا قول صريح، ثم صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي عليه الصلاة والسلام وقال: «ما بال أقوام نستخدمهم يقولون: هذه لكم وهذه أهديت لنا؟ أفلا جلسوا في بيوت آبائهم وأمهاتهم فينظرون أُهدي لهم الناس أم لا؟».
هذا المسؤول في إدارة في شركة في وزارة، يقول: والله هذه جاءتني هدية، جاءني مخطط هدية، جاءني مليون ريال هدية، هدية بمناسبة ماذا؟ سواد عيونك ولا لجمالك ودلالك؟ اجلس في بيتك لا في منصبك وانظر هل يعطوك الناس أدنى شيء؟ والله ولا يعطوك حتى فردة نعل، والعياذ بالله، إنما أعطوك لمنصبك وهذه هي الرشوة. الرسول قال ما بال أقوام ما صرح، وللأسف من فرط الحماس نجد الآن من يصرح ويعلن وفلان فعل وفلان الخبيث وفلان السارق وفلان العميل وفلان عدو الله، سبحان الله! يصرح بالأسماء، وهذا من الحماس والغيرة غير المنضبطة بضوابط الشرع، فالمسلم لا يؤجر على مثل هذه الأفعال لأنه قد يؤدي، لا أقول قد يؤدي، قطعا سيؤدي إلى نتائج عكسية. ما السبب؟ السبب الغيرة والحماس في أقوام مستقيمين ملتزمين، لكن بينهم وبين العصاة فجوة، فيظنوا ويأتيهم الشيطان فيوسوس لهم أننا أفضل من هؤلاء العصاة، وأنهم هؤلاء يغضبون الله ونحن أولياء الله، فهذا النوع من الكبر قد يؤدي بهم إلى إحباط العمل، نسأل الله العافية. وربما وسموا ووصفوا المجتمع بأنه مجتمع جاهلي، مجتمع فاجر، مجتمع فاسق، ومن قال هلك الناس كما قال عليه الصلاة والسلام فهو أهلكهم، ما يصلح لك أن تلقي بالأحكام هكذا جزافاً وأن تجعل بينك وبين الناس جداراً وحائطاً منيعاً كأنك في أبراجك العاجية.
أورد ابن المقدسي في كتابه التوابين من الإسرائيليات أن عيسى بن مريم كان يمشي مع أحد حوارييه، فنزل لص من الجبل رآهما، فقال: نبي الله وحواريُّه أمشي خلفهما لعل الله أن يغفر لي، فنظر الحواري فإذا باللص وراءهما، فوقع في قلب الحواري: أما يستحي هذا اللص أن يمشي خلف رسول الله وحواريِّه؟ فأوحى الله إلى عيسى بن مريم أن بشر اللص بأن الله قد غفر ذنبه، وقل للحواري أن يستأنف العمل فإني قد أحبطت عمله. مسألة الكبر وما يوجد في قلوب الناس وأنه يعتقد أنه أفضل من العصاة هذا خلل، الخلل أن يقع نوع من عدم التوازن، بعض الناس من لا تية ذهب إلى العصاة والفساق والفجور ويقولون: ادعوا لي فالله أعلم بما عندي من ذنب من خطايا، ما يصح هذا الكلام، تذل نفسك لهؤلاء الفساق بهذه الطريقة، فليقل كل واحد لنفسه ويصر في نفسه. وبعض الناس يحتقر العصاة ويظن أنهم في الدرك الأسفل من النار وأنه هو من أولياء الله الصالحين، هذا خلل لا بد فيه من التوازن.
يروى أن رجلاً من بني إسرائيل كان له صاحب يشرب الخمر فينهاه ولا ينتهي، حتى قال ذات يوم: والله لا يغفر الله لفلان، فقال عز من قائل: «من ذا الذي يتألى عليَّ ألا أغفر لفلان فإني قد غفرت له وأحبطت عملك». كذلك النبي عليه الصلاة والسلام كان ينهى عن سب ولعن من أقيم عليه الحد لئلا يكون للشيطان عليه عوناً، كما نهى خالد بن الوليد عندما سب الغامدية وهو يرجمها، فقال عليه الصلاة والسلام: «مهلاً يا خالد، فوالذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له». وهذا دليل على أن المكوس وهي الضرائب الجمارك الأموال التي تؤخذ من المسلمين بغير وجه حق أنها من أعظم الذنوب عند الله، لو تابها صاحب مكس، العشار هذا الذي يأخذ النسبة من المسلمين، لتاب الله عز وجل ولغفر له.
وكذلك في قصة النعمان أو النعيمان صاحب مزاح النبي الذي كان عليه صلى الله عليه وسلم، الذي كان هذا الصحابي يشرب كثيراً لكنه كان يضحك الرسول عليه الصلاة والسلام، كان يؤتى به فيجلد ويضرب بالنعال وبكل ما يوجد، فسبه أحد الصحابة ذات يوم وفي رواية لعنه، فقال: «لا تلعنوه، فوالله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله». لا إله إلا الله، رجل يشرب الخمر لكن الحب الذي وقر في قلبه الندم الذي وقع في قلبه التوبة إلى الله ما يعلمها إلا الله عز وجل، لذلك إياك أن تسيء الظن وأن تعجل الحكم على الناس وأنت لا تدري مكانتهم عند الله عز وجل. هذا والله أعلم ونسبة العلم إليه أسلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ عاصم الحكيم