بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد؛ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
النبي صلى الله عليه واله وسلم رسولنا بأبي هو وأمي هو الرحمة المهداة، ورحمته لم تقتصر فقط على أنواع معينة من الناس، بل رحمته صلى الله عليه واله وسلم شملت الناس جميعا؛ مؤمنهم وكافرهم، شملت الصحيح والسقيم. ولذلك لو أنت نظرت إلى شريحة معينة من المجتمع، وأردت أن تعرف كيف كان تعامله صلى الله عليه واله وسلم مع تلك الشريحة، لوجدت ذلك في سيرته وسنته.
كيف كان يتعامل عليه الصلاه والسلام مع أصحاب البلاءات، ذوي العاهات، مع المعاقين، مع ذوي الاحتياجات الخاصة كما يعرف في هذه الأزمنه؟ منظمة الصحة العالمية والبنك الدولي، قدرت المعاقين بنحو ألف مليون معاق في العالم، يعني ما نسبته خمسة عشر بالمئة من تعداد السكان على الأرض. وهذا يشمل كل أنواع الإعاقات التي نعرفها، وهذه نسبة عظيمة.
لكن إن نظرنا إلى أحكام البشر الأحكام الوضعية، ونظرنا إلى أحكام رب البرية عز وجل، نجد أن حكم الله تعالى صالح لكل زمان ومكان، بينما حكم البشر يتغير بتغير أهوائهم وشهواتهم. وهذا واضح، قبل خمسين عاما، كان مثل على سبيل المثال، كان من يتعامل بالشذوذ الجنسي أو يفعل أفعال قوم لوط هذا قد ارتكب جريمة يعاقب عليها ويسجن.
في أيامنا هذه من ينتقض الشذوذ الجنسي أو من يفعل أفعال قوم لوط هذا قد ارتكب عندهم جريمة يدرس في المدارس الآن لما في قلوب الصبية والفتيات والعياذ بالله. مما يدلك على أن أفكار البشر وشهواتهم هذه وأهواهم كلها لا خير فيها لأنها تتغير، أما حكم الله عز وجل فهو صالح لكل زمان ومكان.
في الأمم الماضية كان أصحاب الابتلاءات الإعاقات يعاملون معاملة سيئة ومهينة، لماذا؟ لأنهم كانوا يعتقدون أن أصحاب العاهات والابتلاءات العقلية هؤلاء تتقمص أرواح شريرة أو مسكونون بالجن. فالأطفال المعاقين عند الولادة يعدمون، وإن كانوا قد كبروا وكانوا من ذوي الأمراض المزمنة والإعاقات فانهم يمنعون عنهم المساعدات حتى الموت لأنهم يضرون بالمجتمع ولا يشاركون في العمل ولا يشاركون في القتال.
وإلى وقت قريب كان الغرب الكافر يسخر من هؤلاء من ذوي الاحتياجات الخاصة ويتندرون بهم ويعرضون في السرك وفي المعارض للندرة والسخرية والتعجب. العرب قبل الاسلام كانوا افضل حال من العجم، الا انهم كان يتحرجون من الاكل ومخالطة ذوي الاحتياجات الخاصة، يتقزز من ذلك، لكن في الاصل المعامله افضل من العجم.
عندما جاء الإسلام جاء بكل وضوح في كيفية التعامل معهم، فبدأ القرآن بررفع الحرج الذي كان يوجد عند العرب في مؤاكلة الحرج عنهم في ترك القتال: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ﴾ [الفتح: 17]. فاذا هذه الايه نزلت في رفع الحرج عنهم في التخلف عن الخروج للجهاد، ومع ذلك ما منعهم الاسلام عن الخروج من الجهاد انما اعطاهم العذر.
ذكر ابن هشام في سيرته أن عمرو بن الجموح رضي الله عنه كان رجلا اعرج شديد العرج، وكان له اربعة من البنون مثل الاسد يشهدون مع النبي عليه الصلاه والسلام المشاهد. لما كان يوم احد هذا الصحابي الجليل اراد ان يخرج فمنعه بنوه قالوا له كيف تخرج وانت اعرج لا تستطيع المشي فضلا عن القتال؟ فذهب الى النبي عليه الصلاه والسلام يشتكي.
وكان يعطي الهدايا والمنائر النبي عليه الصلاه والسلام بماله فقال يا رسول الله إن بني يريدون ان يحبسوني عن هذا الوجه والخروج معك فيه، فوالله إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه في الجنة. رجل سام الحياة الدنيا يريد الجنة، يريد الآخرة، هذا هو هدفهم في الحياة.
فقال صلى الله عليه واله وسلم: «أما أنت فقد عذرك الله فلا جهاد عليك». يعني ما الله عز وجل ارحم الراحمين ورفع عنك هذا الجهد. وقال صلى الله عليه وسلم بعد ان التفت لبنيه: «ما عليكم الا تمنعوه لعل الله أن يرزقه الشهادة». فاعطاه الخيار صلى الله عليه واله وسلم فخرج معه فقتل يوم احد شهيدا.
فهذا وان كان الاسلام قد رفع عنه الحرج الا ان في قلبه الرغبة في الجهاد في سبيل الله، ولم يكن النبي عليه الصلاه والسلام ليحول بينه وبين الجنة، فاخفره برخصة الله له واخبرهم وابنيه انهم لا يمنعوه ان اراد الشهادة. وبالفعل فقد رضي الله عنه وارضاه استشهد في سبيل الله عز وجل، والرسول عليه الصلاه والسلام اخبر انه يطا الجنة برجله السليمة، يعني الله عز وجل حول عرجته الشديدة الى كمال والى بفضله عز وجل الى رجل سليمة يمشي بها في الجنة.
قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: 100].
الإعاقة قد تكون جسدية، كما في حالة عمرو بن الجموح رضي الله عنه وأرضه، وقد تكون عقلية، ونحن نعلم أنه كثير من الإعاقات الموجودة الآن بأسماء كمتلازمة داون. هل عوملوا بالسب والضرب والتهديد؟ هل كان هذا ديدنه عليه الصلاه والسلام؟ حاشا وكلا.
يخبر أنس بن مالك رضي الله عنه كيف كان صلى الله عليه واله وسلم يعطي رعاية خاصة لذوي الاحتياجات الخاصة. امرأة كان في عقلها شيء، إذا ليست بالسوية وليست بالعاقلة، قالت يا رسول الله إن لي اليك حاجة، يعني اريدك في مسألة. فقال: «يا أم فلان، انظري أي السكك شئت حتى أقضي لك حاجتك». فخلى معها في بعض الطرق حتى فرغت من حاجتها، رواه الامام مسلم في صحيحه.
عجيب! عقلها فيه شيء، ومع ذلك استقطع من وقته عليه الصلاه والسلام وقابلها في بعض الطرق، يعني امام الناس ولكنها كانت تسار بشيء كي لا يسمع الناس سرها وهو يسمع منها ويقضي لها حاجتها عليه الصلاه والسلام وهي ليست امراه سوية، يعني في عقلها خلل، فكيف بنا نحن وتعاملنا مع الناس؟
الإعاقة قد تكون في نظر الإنسان في بصره، فالأعمى معذور لا شك، وقد اخبر الرسول صلى الله عليه واله وسلم ان الله عز وجل إذا ابتلى العبد في عينيه في حبيبتيه في كريمتيه فصبر، فليس له جزاء الا الجنة. وأن الله يعوضه بصبره على فقدان هذه النعمة العظيمة؛ نعمة البصر التي يستخدمها الناس في معصية الله. وهذا واضح في وسائل التواصل الاجتماعي، في الانترنت، في القنوات الفضائية التي تنشر ما يغضب الله ويسقطه من مناظر محرمة ينظر اليها الانسان يتمتع ويؤذي قلبه ويزداد بعدا من ربه عز وجل. اذ ابتلى الله تعالى عبده في حبيبه او كريمتيه فصبر فليس له الا الجنة.
كيف كان يعامل النبي عليه الصلاه والسلام الأعمى؟ عتبان بن مالك رضي الله عنه كان رجلا كفيفا من الانصار، جاء ذات يوم الى الرسول عليه الصلاه والسلام فقال: وددت يا رسول الله انك تاتيني فتصلي في بيتي فاتخذه مصلى. وقال له: «سافعل ان شاء الله». شوف التواضع من النبي عليه الصلاه والسلام.
يقول عتبان: فغدا رسول الله عليه الصلاه والسلام وابو بكر حين ارتفع النهار، يعني أتوه ضحى، فاستأذن، فأذنت له، فلم يجلس حتى دخل البيت، ثم قال: «أين تحب أن أصلي من بيتك؟» فأشرت إليه، فقام فصلى وكبرنا خلفه وصلينا معه ركعتين ثم سلم. عجيب هذا الامر! النبي عليه الصلاه والسلام يقتطع من وقته الثمين ليزور هذا الاعمى ليصلي في بيته. كان بامكانه ان يقول له عليه الصلاه والسلام صلي انت حيث ما شئت من البيت، لك رخصة، لك كذا.
وكان يرشدهم لما فيه الخير لهم، يعني عندنا الان قصه عتبان بن مالك وانه صلى له في بيته قصه شبيهه عندما جاءه عبد الله بن أم مكتوم الاعمى وقال إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل الرسول عليه والسلم أن يرخص له، فسأله النبي عليه والسلم: «أتسمع النداء بالصلاة؟» فقال: نعم. قال: «فأجب». وفي رواية: «لا أجد لك رخصة».
طبعا قد يشكل على المسلم أنه عتبان اعمى وعبد الله بن ام مكتوم اعمى، طيب لماذا رخص لهذا ولم يرخص لهذا؟ قيل لأن ابن أم مكتوم رضي الله عنه كان قريبا من المسجد وكان يسمع الاذان، بينما عتبان بيته بعيد جدا عن المسجد ولا يصله الاذان. وقيل لان عتبان رضي الله عنه اراد النبي صلى الله عليه وسلم ان يصلي في بيته كي يتخذ هذا المكان مسجدا له ولقومه، بينما ابن ام مكتوم اراد ان يصلي في بيته منفردا. فهنالك فرق، عتبان سوف يصلي في مسجد ومع جماعة.
وقيل لأن عتبان كما جاء في الحديث لا يستطيع أن يقطع الوادي وفيه سيل، فإن هذا فيه هلكة واضحة لو أراد أن يأتي المسجد، بخلاف ابن أم مكتوم رضي الله عنه وأرضاه.
ابن ام مكتوم هذا اسم تكرر كثيرا في السيرة النبوية مع أنه اعمى، وهذا هو الاعمى الذي عاتب الله تعالى نبيه بشأنه، فقال عز من قائل: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ * أَن جَاءَهُ الْأَعْمَىٰ﴾ [عبس: 1-2]. عاتبه الله تعالى نبيه عتابا شديدا لأنه انشغل بدعوة وجهاء قريش من الكفار عن مقابلة الأعمى. فاذا الرسول عليه الصلاه والسلام كان عنده نية واجتهاد في دعوة وجهاء قريش، ومع ذلك عاتبه ربه عتابا شديدا.
عاتبه على أن عبس في وجه اعمى والأعمى لا يستطيع أن يراه، يعني الأعمى ما تأذى، ما تأذت مشاعره بعبوس الرسول عليه الصلاه والسلام لأنه ما يرى. لكن الله عز وجل يربي نبيه على أفضل تربية، حتى العبوس في وجه من لا يراك هذا امر ما يليق بك يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، لذلك عتبه الله عز وجل.
هل وجد في نفسه شيئا على ابن أم مكتوم؟ ابدا، إذا راه عليه الصلاه والسلام تبسم في وجهه وقال: «مرحبا بالذي عاتبني فيه ربي». هذا الأعمى كان صلى الله عليه واله وسلم يؤمره على المدينة إذا خرج للغزو، وكان يأمره أن يصلي بالناس. أمره مرتين على المدينة اعمى، يعني ما في غيره؟ لكن لمكانته ولانه اعمى اراد ان يبرز النبي صلى الله عليه واله وسلم للناس كيف نتعامل مع ذوي الاحتياجات الخاصة.
ليس ذلك فحسب، أوكل اليه الأذان الثاني، ونحن نعلم ان الفجر له أذانان، للأسف ان الناس لا يقومون بهذين الا في رمضان، والا الاصل ان يؤذن للفجر أذانان طيلة العام. فكان الاذان الاول للتنبيه من بلال رضي الله عنه، أما اذا طلع الفجر فكان يؤذن بالاذان الثاني عبد الله ابن ام مكتوم رضي الله عنه وأرضاه.
فهذا يدلك على استغلال النبي صلى الله عليه واله وسلم للطاقات الموجودة في الأمة، أعمى يؤذن ويؤم ويتولى الإمارة، وهذا اشاره منه صلى الله عليه واله وسلم إلى ضرورة استغلال الكفاءات الموجودة ولو كانت من ذوي الاحتياجات الخاصة.
القرآن كنز عامر بالفضائل والخيرات، وللوصول الى فوائد هذا الكنز لابد من استعمال مفاتيحه وهي آداب تلاوة القرآن، فمنها إخلاص النية لله تعالى فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من أوائل من تسعر بهم النار يوم القيامة قارئ للقرآن يقال له قرات القرآن ليقال هو قارئ. ومنها التسوك والتطهر من الحدث الأصغر واستقبال القبلة.
وعند البدء بالتلاوة يستعيذ بالله من الشيطان، فاذا قرات القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم. ويرتل القرآن بتمهل وتبيين للحروف، وكان ابن عباس يقول: لأن أقرأ سورة أرتلها أحب إلي من أن أقرأ القرآن كله. ويستحب تحسين الصوت بالقران، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «زينوا القرآن بأصواتكم». وإذا مر بآية رحمة أن يسأل الله تعالى من فضله، وإذا مر باية عذاب أن يستعيذ بالله من العذاب. ويستحب الاجتماع على تلاوة القرآن وتدبره وتدارسه فقد قال.
ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده.
النبي عليه الصلاة والسلام كان يرحم أولئك الذين لديهم احتياجات خاصة، ومن رحمته بهم أنه كان يدعو لهم خاصة إن أتوا وطلبوا منه الدعاء، على الرغم من أنه كان صلى الله عليه وآله وسلم يدعو للناس عامة، لكن الدعاء الخاص إذا طلب منه فعله صلى الله عليه وآله وسلم.
أتت النبي صلى الله عليه وآله وسلم امرأة تصرع. هذا الصرع للاسف إنه مرض منتشر، الصرع قد يكون من تلبس الجان بالإنسان وهذا يذهبه الله تعالى عز وجل بالرقية بإذن الله، وقد يكون لاختلال الذبذبات وتيارات كهربائية في الدماغ وهذا يذهبه الله عز وجل أيضا بالرقية ويذهب بالأدوية المعروفة.
امرأة كانت تصرع أتت إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقالت: إني أصرع وإني أتكشف فادع الله لي. سبحان الله! الصرع ما عندنا مشكلة معه يا رسول الله، المشكلة أني امرأة حييَّة أتكشف، والتكشف هذا بغير إرادة مني، ولذلك فإن الله لن يعاقبني عليه، بخلاف النساء اليوم التي تخرج من بيتها متزينة متعطرة متكشفة متبرجة سافرة بملء إرادتها وعن سبق إصرار وترصد، ولا يوجد حياء في وجهها ولا في وجه زوجها والقيم عليها.
امرأة تأتي للرسول عليه الصلاة والسلام تشتكي إلى الله حالها من الصرع الذي يؤدي إلى تكشفها، يا رسول الله فادع لي. قال صلى الله عليه وآله وسلم: «إن شئت صبرت ولك الجنة، لأن دعائي مستجاب لكني لو دعوت لك ذهب عنك الأجر والصبر على الابتلاء، فإن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك».
المرأة قارنت بين الخيارين فوجدت أن الجنة أعظم فقالت: أصبر. ثم استدركت فقالت: إني أتكشف فادع الله لي أن لا أتكشف، الصرع أنا أصبر عليه، لكن التكشف يا رسول الله ما أقدر أن أصبر عليه. فدعا لها صلى الله عليه وآله وسلم، وكان الصحابة يعلمون أنها امرأة من أهل الجنة بسبب هذه الحالة.
النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يزور المرضى وذوي الاحتياجات الخاصة بشكل عام. فالمريض زيارته من العبادات والقربات إلى الله عز وجل، يكفيه أنه إن عاد مريضا صباحا استغفر له سبعون ألف ملك حتى يمسي، ونفس الشيء إن فعل ذلك مساء حتى يصبح، وأن الذي يعود المريض لا يزال في مخرفة الجنة -يعني طيله وقت عيادته للمريض هو يخرف من ثمار وطيبات الجنة- إلى أن يرجع إلى بيته.
وكان صلى الله عليه وآله وسلم يعود المرضى حتى ولو كانوا من الكفار، كما تقدم معنا في الدرس الماضي عاد غلاما له يهوديا مرض. وكان صلى الله عليه وسلم إذا دخل على مريض يعوده كان يبشره كما يبشر الأعمى الذي فقد بصره بأن له الجنة إن صبر، فيقول: أبشر، فإن الله عز وجل يقول -أي يقول لهذا المريض الذي أصابته الحمى- قال: هي ناري أُسلطها على عبدي المؤمن في الدنيا لتكون حظه من النار يوم القيامة.
وفي مرة عاد عليه الصلاة والسلام صحابية قد وعكته: لا بارك الله في الحمى. وكم من المسلمين اليوم من إذا مرض سب المرض، والمرض هذا مثله مثل الريح مثله مثل سائر الأمور الأخرى، ليست هي مدبرة وفاعلة بنفسها إنما هي مأمورة من الله عز وجل. فأنت عندما تسب الحمى فانت تسب الذي قدرها، وأنت عندما تلعن الريح فأنت تلعن الذي أرسلها، وأنت عندما تسب الدهر والأيام -يوم أسود، يوم شفتك، يوم كذا، الله يلعن اليوم الذي، أعوذ بالله- أنت تسب مقدر الأقدار التي حصلت عليك فانت تسب الله، ولذلك قال عز من قائل: يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر أقلب الليل والنهار. أو كما قال عليه الصلاة والسلام عن ربه عز وجل.
فهذه الصحابية تقول: لا بارك الله في الحمى. تسب الحمى كما يسب بعضنا السرطان بقوله المرض الخبيث. فقال صلى الله عليه وآله وسلم: «لا تسب الحمى فإنها تذهب خطايا بني آدم كما يذهب الكير خبث الحديد».
فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم يعود المرضى ويعود ذوي الحاجات الاحتياجات الخاصة، يراف بهم، يرحمهم، يعلمهم، يبشرهم بالجنة، يصبرهم على ما أصابهم. نحن كيف نتعامل مع ذوي الاحتياجات الخاصة والمرضى ومن على شاكلتهم؟ نحن نسخر منهم، نحن نتندر بهم، نحن لا نرحم!
أما قال ربنا عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ﴾ [الحجرات: 11]؟ نهى الله عز وجل نهانا عن السخرية بمن هو مثلنا فكيف بمن هو دوننا؟ حرم الله عز وجل أذية الضعفاء كما حرص النبي عليه الصلاة والسلام حق الضعيفين المرأة واليتيم الأرملة والمسكين. ما يجوز لك أن تظلمهم أو أن تسخر منهم أو أن تضطهدهم، فكيف بذوي الاحتياجات الخاصة؟ أما قال القائل: ارحم أخاك واحمد الذي عافاك؟ كيف تؤذي هذا الأعمى أو ذاك الأعرج أو تسخر من إعاقة وقد عافاك الله عز وجل، أما تخاف أن يرحمه الله ويبتليك؟
هؤلاء هم الضعفاء الذين بهم ترزق الأمم، وهل تنصرون وهل ترزقون وهل ترحمون إلا بضعفائكم؟ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «ملعون من سب أباه، ملعون من سب أمه، ملعون من ذبح لغير الله، ملعون من غير تخوم الأرض، ملعون من كمى أعمى عن طريق، ملعون من وقع على بهيمة، ملعون من عمل بعمل قوم لوط».
ملعون من كمى أعمى عن طريق، يعني أضله عن سبيله. أعمى ماشي وأنت تضله عن سبيله، وين يا اخوان المكان الفلاني؟ عوضا عن أن يرشده إلى الشرق أرشده إلى الغرض، وإذا مشى الأعمى المسكين ضحك هو وأصحابه والله سوينا فيه مقلب، بعضهم يتظاهر بأنه يريد أن يمسك بيد الأعمى ليقطع الطريق حتى إذا توسط في الطريق ترك الأعمى وذهب والسيارات تموج من حوله يمنة ويسرى، أما يخاف الله عز وجل؟
النبي كان ييسر عليهم عليه الصلاة والسلام ويرفع الحرج عن ذوي الاحتياجات الخاصة. عندما نزل قول الله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ﴾ [النساء: 95]، قال ابن أم مكتوم: يا رسول الله لو استطعت الجهاد لجاهدت! فانزل الله تعالى قوله: غير أولي الضرر. فأصبحت الآية: لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم.
إذا هذا التعامل الراقي الرحيم مع ذوي الاحتياجات الخاصة نحن كمسلمين مطالبون به، لا من أجل حقوق الإنسان أو من أجل البنك الدولي أو من أجل المنظمات، إنما من أجل إرضاء الله رب العالمين كي ينصرنا الله عز وجل بضعفائنا.
هذا والله أعلم ونسب العلم إليه أسلام، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ عاصم الحكيم