بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله الأمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. مما هو معلوم من الدين بالضرورة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما أرسل إلا رحمة للعالمين، ومن تأمل سنته وسيرته لا يجدها مليئة إلا بصور الرحمة والعطف والشفقة. ولا شك أن كل مجتمعات العالم فيها شريحة قد تكون كبيرة في بعض الدول وقد تكون صغيرة، لكن لا تخلو منها دولة أو أمة أو مكان؛ هذه الشريحة هي شريحة الفقراء والمساكين والضعفاء. وكم ذكر في القرآن حق المسكين، وكم ذكر في القرآن نصيبهم من الصدقات والزكوات، وأمر الله عز وجل بالاحسان إليهم.
فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم بغض النظر عن طبيعته الإنسانية، كان يمتثل أمر الله تعالى في الإحسان إلى الفقراء، وكان يعطف عليهم ويحث الناس على الإحسان إليهم. فمن خصائصه عليه الصلاة والسلام وصفاته المعلومة المعروفة أنه كان يتأثر تأثراً عظيماً إن رأى حاجتهم وفقرهم. يقول جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في صدر النهار، فجاءه قوم حفاة عراة مجتابي النمار أو العباءة -مجتابي النمار أي أن ثيابهم مقطعة، ثيابهم فيها ما فيها، كما قال عز من قائل: ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ﴾ [الفجر: 9] أي قطعوها، ويقال للثوب جيب الثوب أي المكان الذي قطع منه- كانوا متقلدي السيوف، وعامتهم إن لم يكن كلهم من مضر، فتمعر وجه النبي عليه الصلاة والسلام وهذا الشاهد؛ وجه النبي صلى الله عليه وسلم تغير لما شاف افراد هذه القبيلة العريقة بين العرب وثيابهم رثة مقطعة، فحث الناس على الصدقة فقال: يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها... إلى آخر الآية، وذكر الآية التي في سورة الحشر: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: 18]. ثم قال: تصدق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بره، من صاع تمره؛ حتى قال: ولو بشق تمرة.
فسارع الناس إلى الصدقة بعدما قام رجل من الأنصار وجاء كومة أو بصرة كادت كفه تعجز عن حملها، فسن سنة حسنة الحديث المعروف. كان يتأثر عليه الصلاة والسلام ويتغير وجهه، لأن هذا النقص في الأمة وفي المجتمع قد يحمله الناس على الإسلام لا على شح النفوس. لذا لا ينبغي أبدا أن يكون في المسلمين من هو شديد الترف شديد الثراء بينما إخوانهم يتضورون جوعاً. هذا التبذير وهذا الإسراف وتلك المظاهر التي نراها في مجتمعاتنا بينما بين أظهرنا من هم في أمس الحاجة إلى دواء، إلى مسكن، إلى ما يسد رمقه من الطعام والشراب ولا يتفطن إليه.
النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يأنس بالفقراء والمساكين ويحب مشاركتهم الطعام والإحسان إليهم، بل كان صلى الله عليه وآله وسلم يتفطن إلى أمارات الجوع فيواسي بما استطاع. أبو هريرة رضي الله عنه وأرضاه يحكي لنا أنه مرت عليه أيام كان يعتمد بكبده على الأرض من الجوع، ويشد على بطنه الحجر من الجوع. سبحان الله! صاحب النبي عليه الصلاة والسلام وتلك حاله! يقول: فيمر علي أبو بكر فأه- أسأله عن الآية وأنا أعلم ما في هذه الآية من كتاب الله، ما سألته إلا ليشبعني، ثم يمر عمر وأسأله عن الآية وأنا أعلم بها منه، ما أسأله إلا لعله يتفطن إلي فيقول لي: أنت جائع فيطعمني.
حتى مر النبي عليه الصلاة والسلام فتبسم حين رآني وعرف ما في نفسي وما في وجهي، فاصطحبني معه إلى بيوته بأبي هو وأمي، فسأل: هل من طعام؟ فوجد قدحاً من اللبن. فقال: من أين هذا اللبن؟ قالوا: أهداك له فلان أو من بيت فلانة. فقال: يا أبا هر. قلت: لبيك يا رسول الله -يعني استبشر أبو هريرة لأنه جائع جداً- فقال له صلى الله عليه وآله وسلم: الحق إلى أهل الصفة فادعهم لي. فسقط أو أسقط بين يدي أبي هريرة أهل الصفة؛ سبعون أو ثمانون أو تسعون رجلاً، لا أهل لهم ولا مال ولا أحد يأوون إليه؛ يعني فقراء حتى لا يجدون مكاناً يأوون إليه إلا في المسجد. وكان صلى الله عليه وسلم إذا أاتته صدقة بعث بها إليهم ولم يتناول منها شيئاً، وإذا أاتته هدية أرسل إليهم أصاب منها وأشركهم فيها، وهذا الشاهد؛ طبع النبي عليه الصلاة والسلام شفقته رحمته، ما يستطيع أن يأكل هدية أو أن يأتيه طعام إلا ويشرك هؤلاء الفقراء معه.
يقول أبو هريرة -يعني حدثته نفسه، يعني كان الأولى أني أنا أشرب، فإذا فرغت أمرني فأدعو إليه من شاء- لكن هذا أمر الله وامر رسوله عليه الصلاة والسلام، فذهب فأتى بأهل الصفة، أمره النبي عليه الصلاة والسلام بأن يسقيهم، أعطى القدح لواحد واحد يشربون حتى إذا ارتوى أعطاه للذي بعده حتى شربوا كلهم. فلما رووا كلهم ما بقي إلا النبي عليه الصلاة والسلام وأبو هريرة، فتبسم عليه الصلاة والسلام وقال: اشرب. يقول: فشربت. قال: زد. فشربت. قال: زد. فشربت حتى قلت له: لا والذي بعثك بالحق ما أجد له مسلكاً. قال: فارني. فأعطيته القدح فحمد الله وسمى وشرب الفضل. سبحان الله!
كذلك سلمان الفارسي بعد تلك الجولة والرحلة العجيبة في طلب الحق في يوم أهدى له طعاماً كي يتفطن هل هو نبي أو لا، وهو يعلم أن النبي لا يأكل الصدقة، وقدم طعاماً وقال: هذه صدقة. فأمسك عنها النبي عليه الصلاة والسلام وطلب من أصحابه أن يأكلوا، قال: هذه واحدة. اليوم الثاني أتى له بطعام وقال: قد رأيتك البارحة لا تأكل الصدقة فهذه هدية. فأكل منها عليه الصلاة والسلام ودعا أصحابه أن يشاركوه. الشاهد أنه كان يحب أن يشاركه الفقراء والمساكين الطعام بخلاف أحوالنا اليوم نسأل الله لنا ولكم العافية.
السلام عليكم ورحمة الله. النبي عليه الصلاة والسلام كان لا يحب أن يأكل منفرداً، بل دائماً ما يدعو إليه أهل الصفة الفقراء المساكين كي يشاركوه الطعام، فإن لم يكن لديه طعام وجاءه من هو محتاج ما كان النبي عليه الصلاة والسلام ليرده؛ في الغالب كان ربما اقترض، وإن لم يكن هنالك من يقترض منه بعث بهذا الفقير أو المسكين أو المحتاج إلى بعض أصحابه الموسرين.
أبو هريرة رضي الله عنه وأرضاه يخبرنا أن رجلاً أتى النبي عليه الصلاة والسلام فقال: إني مجهود أصابني الجهد، تعبت يا رسول الله من الجوع. فبعث إلى بيوته عليه الصلاة والسلام فأجابت النساء أمهات المؤمنين رضوان الله عليهن أنه لا يوجد عندنا إلا الماء؛ حقيقة لا يوجد في بيوت النبي عليه الصلاة والسلام إلا الماء صدقاً لا كما يدعي البعض. فبعث صلى الله عليه وآله وسلم وقال لأصحابه: من يضيف هذه الليلة؟ أو من يضيف هذا الليلة؟ هذا ضيف ضيف الرسول عليه الصلاة والسلام.
فقام أبو طلحة رضي الله عنه وقال: أنا يا رسول الله. وكلنا نعلم القصة حيث أخذ بضيف رسول الله عليه الصلاة والسلام وأخبر امرأته أن تعد الطعام، فقالت: إنه لا يوجد طعام إلا طعام الصبية. فأمرها أن تنومهم وأن تأخذ طعام الصبية وتجهزه وتطفئ السراج وتتظاهر أنها تأكل مع زوجها، بينما كيف يأكل الطعام كله؟ فقال عليه الصلاة والسلام بعد أن أصبح: «قد عجب الله من صنيعكما بضيفكما الليلة».
سبحان الله وتعجب الله عز وجل صفة من صفاته كسائر الصفات، لا نعلم كيفيتها ولا نسأل عن تأويلها، بل نؤمن بها كما جاءت، كسائر صفات الله عز وجل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11].
وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلين أاتيا النبي عليه الصلاة والسلام في حاجة، فتكلم أحدهما فشم النبي عليه الصلاة والسلام من فيه أخلافاً -يعني رائحة الخلوف أو الجوع- فقال عليه الصلاة والسلام: ألا تستاك؟ -أما تستخدم المسواك؟ لأنه في رائحة ما هي طيبة من فمك- فقال: إني لأفعل يا رسول الله، ولكني لم أطعم طعاماً منذ ثلاث. لا إله إلا الله! نحن فينا من من كثرة الطعام يأخذ المهضمات والملينات من كثرة ما يأكل، وهذا الصحابي الذي هو من خير خلق الله ثلاثة أيام لم يطعم طعاماً! فأمر به رجلاً فأواه وقضى له حاجته. الشاهد أنه إن وجد النبي عليه الصلاة والسلام محتاجاً إما أن يطعمه في بيته، فإن لم يكن لديه بعث به إلى من يطعم. وهذا يعني التطبيق لقوله عليه الصلاة والسلام: «من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل».
هذه الأخوة في الدين أصل متين في دين الله عز وجل، ولا تسأل عن المضطهدين المشردين المهجرين، لا تسأل عن اللاجئين، لا تسأل عن إخواننا في أنحاء العالم يتضورون جوعاً ونحن في ترف، ونحن في أموال تهدر في حاويات النفايات بعد وليمة أو بعد عرس أو بعد طعام، هذا كله سيسأل عنه ابن آدم.
النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن ملكاً ولم يكن مترفاً، بل كان يعايش أحوال الفقراء ليكون لهم قدوة وليتصبروا عندما يروه ويرون قدرته على التحمل عليه الصلاة والسلام. عمر رضي الله عنه يقول: رأيت النبي عليه الصلاة والسلام يظل اليوم يلتوي ما يجد دقلاً -يعني التمر الرديء- ما يجد دقلاً يملأ به بطنه. لا إله إلا الله! لو أراد عليه الصلاة والسلام لأحال الله له بطحاء مكة ذهباً، لكن اختار أن يكون عبداً رسولاً ولم يختر أن يكون نبياً ملكاً يتلوى من الجوع، وكان عليه الصلاة والسلام يربط على بطنه حجرين كما جاء في الحديث من شدة الجوع، بينما الصحابة يربطون حجراً حجراً.
وقال أبو هريرة رضي الله عنه: شبع آل محمد من طعام ثلاثة أيام حتى قبض. وأم عائشة تقول: يمر عليها أو على أمهات المؤمنين الشهر الهلال تلو الهلال تلو الهلال وما يوقد في بيت آل محمد نار، ما طعامهم إلا الأسودان؛ التمر والماء.
والرسول عليه الصلاة والسلام عندما يجالس الفقراء والمساكين فإنما هو يمتثل أمر الله عز وجل له إذ يقول: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ [الكهف: 28]. والى الله المشتكى لو قارنا حالنا مع أمر الله في هذه الآية لوجدنا بوناً شاسعاً بيننا وبين مراد الله تعالى منا.
النبي عليه الصلاة والسلام كان يدل الفقراء والمساكين على ما ينفعهم في أمر الدنيا وفي أمر الآخرة. أما في أمر الآخرة فكانوا أشد الناس حرصاً عليها؛ جاء الفقراء إلى النبي عليه الصلاة والسلام يشتكون ويندبون حظهم لا رغبة في الدنيا بل رغبة في الآخرة، فقالوا: يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالاجور؛ يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ولهم فضل أموالهم يتصدقون بها ولا نتصدق. إذاً المشكلة مو في أنه عنده سيارة فاخرة أو بيت جميل واسع أو أموال كثيرة أبدا، المسألة عندنا أنهم يتصدقون ونحن ما عندنا هذا الأجر.
فالنبي عليه الصلاة والسلام دلهم على ما يكسبون به الأجور، فأرشدهم إلى التسبيح والتكبير وحمد الله عز وجل ثلاثاً وثلاثين أدبار الصلوات، وأن يقولوا كمالة المئة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. فإنكم آنذاك تصيبون مثل ما أاصابوا -يعني من قوة ومن عظمة هذا الأجر- فكان يرشدهم عليه الصلاة والسلام إلى الخير ويدلهم إليه تعويضاً عن النقص الذي عندهم من الناحية المادية، أما إن كان الثري والغني ممن أيضا يستبق إلى الخيرات فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
في لبسها البدء باليمين، فإذا نزعها بدأ بالشمال وأخر اليمين. وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يمشي الرجل في نعل واحد إلا من عذر، أو أن ينتعل واقفا، وهو نهي مخصوص بما في لبسه كلفة وتعب كالخوف.
وأما ما لا مشقة في لبسه، بحيث تدخل فيه القدم وتخرج بسهولة، فانه لا يدخل في هذا، ولا بأس بالصلاة في النعال، فقد صلى عليه الصلاة والسلام في نعليه، وأمر بذلك أصحابه رضي الله عنهم فقال: «خالفوا اليهود فانهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم». وإذا صلى المرء في نعليه ثم تذكر أن فيهما نجاسة لزمه خلعهما فورا، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعهما عن يساره، فلما رأى ذلك القوم ألقوا نعالهم، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته قال: «ما حملكم على إلقاء نعالكم؟». قالوا: رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما قذرا» أو قال: «أذى». وقال: «إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر، فإن رأى في نعليه قذرا أو أذى فليمسحه وليصل فيهما». والصلاة في نعال إنما تكون في الخلاء أو في مسجد مفروش بالتراب والحصباء، فإذا كان المسجد مفروشا بالسجاد ونحوه فلا بد حينئذ من خلع النعال، حفاظا عليه من التلوث أو الاتلاف، ومنعا من إيذاء المصلين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الطبيعي أن يحسن النبي عليه الصلاة والسلام إلى الفقراء والمساكين، فهذا أمر طبيعي، كثير من الناس يفعلون ذلك، كثير من الناس فيهم تلك الرحمة وذاك العطف -أي نعم لا يقارب رحمته وعطف النبي عليه الصلاة والسلام لكن فيهم ذلك الشيء-.
لكن العجب العجاب أن يدعو النبي عليه الصلاة والسلام ربه بذلك! وقد جاء في الحديث الصحيح أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يدعو في صلاته: «اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون». يسأل الله حب المساكين! نحن الآن نرى الفقراء والمساكين كأنهم وباء، كأنهم مرض، الإنسان يبتعد عنهم ما استطاع؛ لأن صحبتهم ورفقتهم لا تشرف الجاهل منا -نسأل الله العافية والسلامة ونعوذ بالله من الكبر- رفقة هؤلاء أمر يعني ما هو بشيء يسعى إليه المسلم، النبي -اللهم صلي وسلم- يدعو الله في صلاته، يسأل الله في صلاته حب المساكين.
ليس ذلك فحسب بل كان أيضا يأمر أصحابه، كما جاء عن أبي ذر رضي الله عنه قال: أمرني النبي صلى الله عليه واله وسلم بسبع. إيش هي التي أمرك بها النبي عليه الصلاة والسلام؟ قال: «أمرني بحب المساكين والدنو منهم». عجيب! إذا الفقير المسكين في الإسلام له مكانته، له قيمته، لا كما نرى في أيامنا هذه نسأل الله العافية.
الرسول عليه الصلاة والسلام حياته كلها تدور على الاحسان إلى الفقراء والمساكين والسؤال عنهم وتفقد أحوالهم. امرأة سوداء -كما جاء في الصحيح مسكينة وجاء في روايات أنها كانت تقم المسجد- أي تكنسه وتنظفه، مرضت ذات يوم -يعني كان مرضها شديدا- فقال عليه الصلاة والسلام: «إذا ماتت فأعلموني» أو «آذنوني». فماتت بالليل، وكره الصحابة أن يوقظوا النبي عليه الصلاة والسلام فدفنوها، فلما استيقظ أخبروه فغضب وقال: «أما أمرتكم أن تؤذنوني أن تعلموني؟». فقالوا: ما اردنا أن نوقظك يا رسول الله. فخرج من بيته في ظلمة الليل حتى وقف على قبرها وصلى عليها صلاة الجنائز -صلاة الميت- ودعا لها. أي تكريم وأي إحسان للفقير كان عند النبي عليه الصلاة والسلام؟! كان النبي عليه الصلاة والسلام يصحح نظرة المسلمين لهم، وكان يشيد بقدرهم عند الله كي لا يحتقرهم أحد.
سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه يقول: كنا عند النبي عليه الصلاة والسلام فمر رجل، وقال صلى الله عليه وسلم: «ما رأيك في هذا؟». قال: هذا رجل من أشراف الناس، هذا والله حري إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفع. فسكت عليه الصلاة والسلام -وفي رواية أن قال: إن تكلم أو تحدث أن يستمع له-. فمر رجل، لكن هذا الرجل من الفقراء -الأول كان من وجهاء من الأغنياء- فقال عليه الصلاة والسلام: «ما رأيك في هذا؟». فقال: هذا من فقراء المسلمين -وفي رواية هذا صعلوك- هذا حري إن خطب ألا ينكح، وإن شفع ألا يشفع، وإن قال ألا يسمع لقوله. فقال عليه الصلاة والسلام: «هذا» -أي الفقر- «خير من ملء الأرض من هذا» أو «من مثل هذا».
بعد هذا الحديث، يفرح ثري أو غني أو مسؤول أو وزير أو أمير بمنصبه وهو يعلم أن هذا الفقير أفضل عند الله عز وجل من ملء الأرض منه! وما جاء في الحديث قوله عليه الصلاة والسلام: «رب أشعث أغبر ذي طمرين لو أقسم على الله لأبره». ومنهم البراء بن مالك؛ انسان ما تأبه له عامل، فقير، خادم، سائق، انتبه من دعوته، ربما لو أقسم على الله لأبره.
من هو البراء بن مالك؟ البراء رضي الله عنه الذي عندما دخل عليه أنس أخوه وهو ينشد الأناشيد والاشعار -يعني يغني، ما في آلات موسيقية ولا شيء، ينشد بصوته- مع ذلك أنكر عليه خادم النبي عليه الصلاة والسلام أنس، فقال: صاحب رسول الله وتفعل هذا؟! يعني تنشد؟ فقال له: أو تخشى علي يا أنس؟ فوالله لقد قتلت مائة نفس مبارزة في سبيل الله، اللي خرج تحدي مبارزة قتلت منهم مئة في سبيل الله سوى الذين قتلتهم في المعركة، أما التحابيش هذول الخمس آلاف ست آلاف اللي قتلتم في المعركة هذول ما أذكرهم، أنا أحصي لك من بارزتهم من شجعاني ومن فرسان الكفار والمشركين في سبيل الله عز وجل.
النبي عليه الصلاة والسلام كان يرفع معنوياتهم بذكر فضائلهم في الآخرة، فيذكر مثلا أن أكثر أهل الجنة من الفقراء، ويذكر أن الفقراء، فقراء المهاجرين، يدخلون الجنة أربعين عاما قبل الأغنياء، وفي رواية أنهم يدخلون الجنة قبل خمسمائة عام، والجمع بسيط إن شاء الله أن أول فقير من فقراء المهاجرين يدخل الجنة أربعين عاما قبل أغنياء المهاجرين وغيرهم، أما آخر الأغنياء والاثرياء دخولا بعد دخول الفقراء يكون بخمسمائة عام.
الرسول كان يأمر المسلمين احترامهم وتقديرهم فلا يعطون من الرديء من الطعام والثياب. جيء إلى النبي عليه الصلاة والسلام بطعام ضب -لحم ضب- وكلنا يعرف أن النبي عليه الصلاة والسلام لا يحب الضب وتعافه نفسه؛ لأنه لا يوجد في أرض قومه فرفضه عليه الصلاة والسلام، ما أراد أن يأخذ منه، فقالت له أمنا عائشة: أفتصدق به؟ فقال: «لا تطعموه مما لا تأكلون»، شيء أنا ما أكله كيف تتصدقين به؟ إلا أن تعلم الفقير -طبعا عوضا عن أن يرمى الطعام وتقولي له هذا الطعام ضب- وهذا مصداق قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلَّا أَن تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة: 267].
إذن الإنسان إذا تصدق يتصدق من أطيب ما عنده. ونهى الرسول عليه الصلاة والسلام عن تجاهلهم في الولائم والدعوات فقال: «شر الطعام طعام الوليمة يمنعها من يأتيها» أي فقراء. أنت إذا عزمت على فرح لولدك أو لابنتك تنظر في قائمة الاتصال أو في الذين تريد أن تتصل بهم وتتجنب الفقراء؛ لأنه مكانتهم في المجتمع ليست بعالية، ولا تختار إلا هذا ثري، هذا وجيه، هذا مسؤول، هذا وزير، هذا أمير، وهذا خلل عظيم! «شر الطعام طعام الوليمة يمنعها من يأتيها ويدعى إليها من يأباها». هؤلاء الوجهاء عندما تدعوهم عشرة أو خمسطعش في المئة يأتون، وللاسف ربما تدعو مشايخ، تدعو طلبة علم، وأيضا لا يأتون! مع أن الفرح أو الوليمة شيء مما أمر الرسول عليه الصلاة والسلام به، فقال: «ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله».
النبي عليه الصلاة والسلام كان إن لم يكن عنده مال ليحسن إلى الفقير والمسكين تعذر لهم بالقول الجميل الطيب، قال تعالى: ﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ [البقرة: 263]. وكان عليه الصلاة والسلام يعطي الأنصار والفقراء والمساكين، فإذا أعطاهم وطلبوه أعطاهم، وطلبوه أعطاهم حتى إذا نفذ ما عنده قال: «ما يكون عندي من خير فلن أدخره عنكم»، يعني يتكلم معهم بالإحسان، ويقدموا حاجة الفقراء على حاجة أهله.
رفض أن يعطي فاطمة خادما وقال لها ولعلي: «لا أطيكم وأدع أهل الصفة»، وأدعو أهل الصفة يتلوون من الجوع ونحوه. وكان يدعوهم إلى التكسب ويرشدهم إلى الاستعفاف: «ومن يتعفف يعفه الله عز وجل». فيعطي الرجل بأن يحتطب وأن يبيع وأن يحسن حاله، خير له من أن يسأل الناس.
هذه حاله صلى الله عليه واله وسلم مع الفقراء ومع المساكين، ويا ليت أفيام المسلمين، يا ريت يا ليت الوجهاء من المسلمين، يا ليتنا نحن نتأسى بفعله ونحسن إليهم كما كان يفعل عليه الصلاة والسلام، عسى الله عز وجل أن يجعلنا معه يوم القيامة، هذا الله أعلم ونسبة العلم إليه أسلام، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد.
متطلعا بزيادة الإيمان وتريد سهلا ميسرا يأتيك ميسورا، والسيرة العلياء عاطرة الشدا.
الشيخ عاصم الحكيم