بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
تحدثنا في الدرس الماضي عن معاملة النبي عليه الصلاة والسلام للفقراء، فهل الإسلام يحبذ الفقر وقلة ذات اليد، ولو أتى خير للمسلم أن يرده وأن لا يتقبله؟ بمعنى: أيهما أفضل؟ أفقير صابر لأنه يدخل الجنة خمسمائة عام قبل الأثرياء والموسرين الذين هم على أبوابها محبوسون؟ إلا أنه قد أمر بأهل النار إلى النار، يعني ما هم محبوسون عن دخول الجنة لأنهم يعاقبون، إنما هم يحاسبون على أموالهم من أين اكتسبوها وفيما أنفقوها، فايهما أفضل: الفقير الصابر أم الغني الشاكر؟
المسألة فيها خلاف طويل عريض بين أهل العلم، والذي عليه المحققون من أهل العلم أنهما يتفاضلان بالتقوى لا بالثراء والفقر، كما قال عز من قائل: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13]. وقد مال بعض أهل العلم كالشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله وغيره إلى أن الغني الشاكر أفضل عند الله عز وجل لان نفعه متعد، كما قال الامام أحمد: طلب العلم لا يعدله شيء إن صلحت النية؛ لأن صلاح النية يقتضي أن الإنسان يعلم هذا العلم لغيره، فهو أفضل من قيامه بالليل وصيامه النوافل واشتغاله بالعبادات الفردية.
فكذلك الغني الشاكر الذي ينفق ماله في سبيل الله عز وجل أفضل عند بعض أهل العلم من الفقير الصابر؛ لأنه ليس له إلا الصبر، وأيضاً لحديث ذهب أهل الدثور بالاجور. فالصحابي لما أرشدهم النبي عليه الصلاة والسلام للتسبيح والحمد والتكبير ثلاثاً وثلاثين دبر الصلوات وختم ذلك بلا إله إلا الله وحده لا شريك له، فعلوا ذلك فترة من الزمان، ثم أتوا يشتكون الرسول عليه الصلاة والسلام فقال: سمع إخواننا الاثرياء بهذه الأذكار فأصبحوا يقولونها، فرجعنا إلى ما كنا عليه من قبل نصوم ونصلي مثلهم ويصومون ويصلون مثلنا ويتصدقون بأموالهم فلهم فضل علينا. فقال صلى الله عليه وسلم: «ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء». فلذا عند بعض أهل العلم الغني الشاكر الذي يستخدم ماله في مرضاة ربه أفضل عند الله من الفقير الصابر.
ولو تاملنا في العشرة المبشرين بالجنة أفضل أمة محمد صلى الله عليه واله وسلم، لوجدنا أن الغالبية العظمى منهم أثرياء: كأبي بكر، كعثمان، كطلحة بن عبيد الله، كَسعْد بن أبي وقاص، كعبد الرحمن بن عوف، كسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، هؤلاء كلهم من الأثرياء الاغنياء أصحاب الأراضي والاموال الكثيرة، لكنهم كانوا أيضاً خير خلق الله عز وجل، ولذلك كانوا من العشرة المبشرين بالجنة.
الأثرياء شريحة موجودة في المجتمعات لكنهم قلة، الأصل أن الناس يفتخرون بصحبتهم ويسعون جاهدين إلى الالتصاق بهم، إن لم يكن للفائدة المادية التي قد ينالوها منهم تكفي السمعه والشهره، وهذا خلل في النفوس. إذا وجدت في نفسك أنك تحب مجالسه الأثرياء والاغنياء وتستنكف الفقراء والمساكين فاعلم أن فيك خللاً وفي قلبك مرض، وهذا ما جاء عن كثير من الصالحين قولهم: صحبت الاثرياء والاغنياء فتعبت نفسي؛ أرى ثوباً خيراً من ثوبي ودابة خيراً من دابتي. هذا الحال الذي يخالط الاثرياء يحاول أن يكون مثلهم أو أفضل منهم: أنا عندي سيارة فاخرة فلان عنده سيارتان، أنا عندي خمس سيارات فاخرة فلان عنده طائرة. يقول: صحبت الاغنياء فتعبت فتركت صحبتهم، وصحبت الفقراء فارتحت؛ لأنك ترى من فضل الله تعالى عليهم في المال، فتجد دائماً أن لك نعمة من الله عز وجل لا تستطيع إلا أن تشكرها.
النبي صلى الله عليه واله وسلم لم يكن يحرص على صحبة الاغنياء كما كان يحرص على صحبة الفقراء والمساكين، ومع ذلك ما كان يظلمهم؛ يعني مع الفقراء كان يتعامل معهم بالعطف والشفقة والاحسان، ومع الاثرياء الاغنياء كان يتعامل معهم بالعدل والقسط، كان يشهد لهم بالخير والفضل تشجيعاً لهم. عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما نفعني مال قط ما نفعني مال أبي بكر». بكى أبو بكر وقال: وهل أنا ومالي إلا لك يا رسول الله؟
طيب، لماذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحديث وهذا الكلام؟ ليبين للمسلمين أن من استخدم ماله في خدمة الدين، فإن الله مع ما ادخره له من أجر يوم القيامة فإن له الأجر في الدنيا والسمعة الحسنة. كم يفخر الإنسان عندما يسمع بثري من الصالحين يلقي بالأموال يمنة ويسرة في سبيل مرضاة الله عز وجل! كم يفرح لأنه يرى في أمة محمد صلى الله عليه واله وسلم الخير، وكم يتقطع قلبه حزناً عندما يرى من السفهاء من ربما اشترى لوحة سيارة بمئات الآلاف أو بالملايين، أو اشترى نادي رياضي، أو اشترى مسرحاً، أو اشترى قناة يتم فيها نشر الخلاعة والمجون والأغاني والأفلام! من أين اكتسب ماله؟ من ربا، وفيما سينفق؟ فيما حرم الله. وكيف يكون حساب مثل هذا؟ نسال الله لنا ولكم العافية.
فاصل قصير وبعدها نواصل بإذن الله فانتظرونا.
الزواج هو الصلة التي ارتضاها الإسلام لإعفاء النساء والرجال واستمرار النسل لمواصلة إعمار الأرض وإصلاحها، وهو عقد مودة فيه سكن للنفس وارتياح للقلب. قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21].
والمراه المسلمه حين تقبل على الزواج فهي تقدم على مرحله جديده في حياتها تعد مرحله مهمه وجليله الشان، فلا بد أن تعرف متطلبات نجاحها، فإن جزءاً كبيراً من سعادة بيتها واستقراره بيديها إن هي أحسنت التهيؤ والاستعداد لهذا الأمر. ومن حسن الاستعداد: الاهتمام بححسن الاختيار على أسس صحيحه وأهمها الدين والخلق، الاستخاره والاستشاره للوصول إلى القرار الاقرب إلى الصواب، الاستفادة من فترة الخطبة في التأكد من مصداقية الخاطب وسلوكه، الاستعداد نفسياً وبدنياً لمسؤوليات وشؤون بيت الزوجيه، إثراء فهمها ووعيها بمرحلة الزواج ومتطلبات نجاحها سواء بالقراءه أو بتجارب الناجحات ووصاياهن أو بالالتحاق بدورات تثقيفيه في هذا الأمر، معرفة حقوقها وما يجب عليها تجاه زوجها وأن حسن تبعلها لزوجها ليس لنجاح زواجها فقط بل هو قربة وعبادة لله تعالى.
ولتعلم المرأة أن بيت الزوجية هو مملكتها الجميلة ومستقر سعادتها ومحضن أطفالها، وبحسن تصرفها في تدبيره ورعايته تتضاعف سعادتها وتنال رضا الله وجميل ثوابه.
السلام عليكم ورحمة الله. النبي عليه الصلاة والسلام كان يظهر فضل المال الذي خدم هذا الدين. أبو الدرداء رضي الله عنه يخبر أن أبَا بكر ذات يوم دخل على مجلس النبي عليه الصلاة والسلام وهو آخذ بطرف ثوبه حتى أبدى ركبته، فقال عليه الصلاة والسلام: «أما صاحبكم فقد غامر». فسلم أبو بكر وقال: إنه كان بيني وبين ابن الخطاب شيء فأسرعت إليه ثم ندمت، فسالته أن يغفر لي فأبى علي، فأقبلت إليك. يعني أبو بكر غلط، أخطأ على من؟ على عمر الفاروق الذي مناقبه أكثر من أن تحصى وأن تذكر في حلقة رضي الله عنهما وأرضاهما.
فاعتذر منه أبو بكر فما قبل عمر، كأنها يعني حازت في نفسه أن أخاه يفعل أو يقول مثل هذا القول، فأتى أبو بكر إلى النبي عليه الصلاة والسلام يطلب منه المعونة والحل: كيف يرضي، كيف يسترضي أخاه؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «يغفر الله لك يا أبا بكر، يغفر الله لك يا أبا بكر، يغفر الله لك يا أبا بكر»، لا حول ولا قوة إلا بالله. ففكر عمر بعد فترة ندم، فذهب إلى بيت أبي بكر كي يعني يسترضي ويقبل منه عذره فلم يجده، فأتى المسجد لأنهم قالوا له إن أبا بكر ذهب للمسجد. أول ما دخل عمر إذن بوجه النبي صلى الله عليه واله وسلم يتمعر! هذا عمر، وجه النبي تغير من الغضب. أبو بكر لما راى ذلك أشفْق على أخيه عمر، فجثا على ركبتيه يقول: يا رسول الله والله أنا كنت أظلم، والله أنا كنت أظلم! يعترف بخطئه وأن الخطأ ليس من عمر.
انظر إلى العدل والرحمة والشفقة! فقال عليه الصلاة والسلام: «إن الله بعثني إليكم فقلتم كذبت، وقال أبو بكر صدق وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركو لي صاحبي؟ فهل أنتم تاركو لي صاحبي؟» فلم يؤذه أحد بعدها قط. هذا فضل المال الذي ينفق في سبيل الله ولوجه الله عز وجل خالصاً.
الرسول صلى الله عليه واله وسلم كان يزور الاثرياء والموسرين وكان ياكل عندهم وكان يرشدهم إلى الافضل من وجوه الخير والبر والصدقات. أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالاً من نخل، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء، يعني حائط بستان اسمه بيرحاء، وكانت مستقبله القبلة أو المسجد، وكان عليه الصلاة والسلام يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب. قال أنس: فلما نزل قول الله تعالى: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: 92]. قام أبو طلحة إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام فقال: يا رسول الله، إن الله تبارك وتعالى يقول: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وإن أحب أموالي إليَّ بيرحاء، وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله.
تفاعل عجيب! يسمع آية فيبحث عن أفضل وأثمن أمواله فيتصدق بها. نحن نسمع عن المهجرين واللاجئين في سوريا أو في بورما الروهينجا أو في اليمن أو كذا، فنبحث عن الثياب البالية المقطعة التي لا نحتاجها، نريد أن نجعل مكاناً في الدواليب عندنا نتخلص من القديم البالي: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾. فقال عليه الصلاة والسلام: «بخ، ذلك مال رابح، ذلك مال رابح!». سبحان الله، يهنئه على تلك الصدقة، لكنه يدله صلى الله عليه وسلم على الوجه الأفضل، فقال: «قد سمعت ما قلت، واني أرى أن تجعلها في الاقربين، يكون لك اجر صدقة واجر البر والصله». فجعلها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه رضي الله عنه وأرضاه.
إذاً، كان عليه الصلاة والسلام يرشدهم إلى وجوه الخير. سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وأرضاه أحد العشرة المبشرين بالجنة في حجة الوداع مرض مرضاً خاف فيه على نفسه، فجاءه الرسول عليه الصلاة والسلام وهو مريض يعوده، فقال: بلغني ما ترى من الوجع يا رسول الله، وأنا ذو مال ولا يرثني إلا ابنة لي واحدة. إذاً، هذا المال إذا أنا مت سيذهب النصف للبنت والنصف الآخر يذهب على العصبة إخواني ونحوهم، ما عندي أولاد. أفاتصدق بثلثي مالي؟ قال: «لا». نصيحة من الرسول عليه الصلاة والسلام، الصدقة من يكرهها؟ لكن هذا شرع، هذا دين، يرشدهم إلى الأفضل. قال: أفاتصدق بشطره، يعني بالنصف؟ قال: «لا». قال: الثلث، والثلث كثير. لذلك ابن عباس رضي الله عنهما كان يرى أن الإنسان إذا أراد أن يوصي فليوصِ بالربع من ماله؛ لأن الرسول قال: «والثلث كثير». وأرشده عليه الصلاة والسلام إلى الأفضل في حاله فقال: «إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس» إلى آخر الحديث.
فكان يحثهم على الصدقة ويرشدهم إلى الأفضل، ولكن إذا جاءه من أصحابه من هو أعرف بحاله فأراد أن يتصدق بماله كله لم يكن يقبل منه ذلك؛ كما في قصة كعب بن مالك شاعر النبي صلى الله عليه وسلم. النبي صلى الله عليه وسلم كان له ثلاثة من الشعراء: حسان بن ثابت، كعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة. كعب بن مالك أحد الثلاثة الذين خلفوا وجاء ذكرهم في السورة التاسعة سورة التوبه، وامر الرسول عليه الصلاة والسلام المسلمين بأن يهجرهم وأن يقاطعهم إلى أن نزلت توبته قرآناً يتلى.
فجاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال: إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه واله وسلم. فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك». فهنا الرسول عليه الصلاة والسلام ما قبل منه أن يتصدق بجميع ماله. وهذا قد يشكل على البعض؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قبل من أبي بكر مثلاً.
جاء في حديث عمر أن الرسول عليه الصلاة والسلام حث ذات يوم المسلمين على الصدقة، فقال عمر في نفسه واسرها: إنه ما سابقت أبا بكر إلا وسبقني، اليوم أنا أسبقه. فجاء بنصف ماله. تخيل، إنسان يأتي بنصف ماله! كم عندك في حسابك في البنك؟ خمسمائة ألف، هل تستطيع التصدق بمئتين وخمسين ألفاً؟ ممكن. لو عندك مليون، هل تستطيع التصدق بنصف مليون؟ والله نصف مليون مبلغ جامد. لو عندك مائة مليون، هل تستطيع أن تتصدق بخمسين؟ سبحان الله! إذا قل المال كثر الكرم، وإذا كثر المال ظهر الشح، وهذا خلل.
فجاء عمر رضي الله عنه بنصف ماله، فقال له: «ما أبقيت لأهلك؟» قال: أبقيت لهم مثله يا رسول الله. فقبله ودعا له. بعد قليل وإذا بأبي بكر رضي الله عنه وأرضاه يأتي بصدقة، فقال له: «ماذا أبقيت لأهلك؟» قال: أبقيت لهم الله ورسوله، يعني هذا كل ممتلكاتي في الدنيا. عمر قال: والله لا أاسابق إلى شيء بعدها قط! أنت إنسان ما يستطيع عاد أن يجاريك رضي الله عنه وأرضاه، فخرج من ماله ثلاث مرات كما جاء في.
فكيف الجمع بين هذا وبين قول الرسول عليه الصلاة والسلام لكعب بن مالك: «أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك»؟ هذا ما سوف نتدارس إن شاء الله عز وجل بعد الفاصل، فابقوا معنا.
من صمت نجا. كف عليك هذا. فليقل خيرا أو ليصمت. توجيهات نبوية كريمة بحفظ اللسان وإمساكه عن الشر والأذى، فالمسلم الحق من سلم المسلمون من لسانه ويده. لذا فإن من كمل عقله أمسك لسانه إلا من خير، فاللسان كالنفس إن لم تشغله بالحق انشغل بالباطل، فمن أشغاله بالحق أن يكون في الذكر والدعاء وتلاوة القرآن والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتعليم العلم والدعوة إلى تعالى، وإلا فسينشغل بالغيبة والنميمة والكذب وقول الزور ونشر الباطل والقول على الله بغير علم.
ولكلا الانشغال جزاء، قال عليه الصلاة والسلام: «إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالاً يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم». فكل ما خرج منه يرصد ويكتب ويجمع ويحفظ لينشر يوم الدين؛ فإما خيراً يجازى عليه أجراً وثواباً، وإما شراً يجازى عليه إثماً وعذاباً.
قال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18]. فالمسلم العاقل أشد ما يكون حذراً من زلات لسانه، فانه مما يورث الندامة يوم القيامة، فما أعظم الحسرات حين يرى الإنسان حسناته وقد ذهبت إلى ميزان غيره. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتدرون ما المفلس؟» قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: «إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاه، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا؛ فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار».
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. قبل الفاصل كان هنالك إشكال، وهو حديث كعب بن مالك: «أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك»، وتقبل النبي عليه الصلاة والسلام لفعل أبي بكر من خروجه من ماله كله ثلاث مرات. فالعلماء قالوا: كيف الجمع؟ هل الأفضل أن يخرج من ماله كله ويتصدق بماله كله، أم أنه يمسك شيئاً من ماله؟ قالوا: قبول النبي عليه الصلاة والسلام لصدقة أبي بكر محمول على من هو في عافيته وصحته ويصبر على ضيق العيش، ويستطيع أن يكسب غير هذا المال، وأهله يصبرون معه، ويعلم منه عليه الصلاة والسلام حسن النية وقوة النفس وأنه لن يتكفف الناس. فأبو بكر رضي الله عنه وأرضاه كان من هذا النوع وهذا الجنس مثل عبد الرحمن بن عوف؛ يذهب يتكسب ويصبح أثرى أثرياء المهاجرين رضي الله عنه وأرضاه، عنده جلد وقوة وتحمل ويبارك الله عز وجل له.
أما من مثل كعب بن مالك؛ فخشي الرسول عليه الصلاة والسلام عليه أنه ربما احتاج إلى المال ولم يكن عنده من الصبر مثل ما عند أبي بكر، وقد يكون شاهداً على ذلك أنه تخلف عن غزوة تبوك وما تخلف عنها إلا بوسواس من الشيطان. فالرسول خشي عليه صلى الله عليه وسلم، خشي على كعب أن ينخلع من ماله كله لله ولرسوله عليه الصلاة والسلام، ثم يحتاج ولا يستطيع الصبر على الفقر وشظف العيش، والله أعلم.
النبي عليه الصلاة والسلام إذا راى الاثرياء والاغنياء كان يحب أن يرى أثر نعمة ربك. وأما بنعمة ربك فحدث؛ التحديث بنعمة الله عز وجل أن تظهر فضل الله تعالى عليك من غير إسراف ولا مخيلة ولا كبر. عن مالك بن نضلة رضي الله عنه قال: أتيت النبي عليه الصلاة والسلام علي أطمار، فقال لي: «ألك مال؟» قلت: نعم. قال: «من أي المال؟» قلت: من كل المال؛ قد أعطاني الله من الإبل والبقر والغنم والخيل والرقيق. قال: «فإذا آتاك الله مالاً فليرَ أثر نعمة الله عليك وكرامته». كم نسمع قصصاً من موظفي البنوك؛ يدخل عليهم عميل يقول هو أشبه بالشحاذين من ثيابه المهملة القذرة المقطعة، قال: فإذا تعاملت معه وقمت بعملية بنكية إذ بحسابه بالمليارات. هذا لا شك أنه مخالف لقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: 11]. الإنسان لا يتكبر ولا يسرف، لكن أقل القليل أن تظهر أثر النعمة على العبد.
كان عليه الصلاة والسلام يثني على الاثرياء والأغنياء كما تقدم مع أبي بكر، لكن في بعض الأحيان يثني عليهم تحفيزاً لهم لبذل المزيد، ولغيرهم أن يتبعوا سنتهم. عثمان رضي الله عنه أتى ذات يوم بألف دينار؛ مو ألف درهم، ألف دينار يعني تقريباً بمقاييس الآن بالملايين، يقول عندما جهز عليه الصلاة والسلام جيش العسرة فصب في حجر النبي عليه الصلاة والسلام، فجعل عليه الصلاة والسلام يقلبها بيده ويقول: «ما ضر ابن عفان ما عمل بعد اليوم». رضي الله عنه وأرضاه ذو النورين! ومع ذلك نجد من بعض من ينتسب إلى الإسلام من يطعن فيه بأبيه وأمه صلى الله عليه وآله وسلم الذي مدحه الرسول صلى الله عليه وسلم وأعطاه ابنتيه، وقال: «لو أن لنا ثالثة لزوجناها له».
هذا الصحابي الجليل كان الرسول عليه الصلاة والسلام يخالط الاثرياء والأغنياء في أسواقهم، ويمر عليهم خاصة أنهم قد يشتغلون بالصفقات عن حضور مجالسهم، بخلاف الفقراء والمهاجرين الذين كانوا على الدوام مع الرسول عليه الصلاة والسلام. فكان يخرج إليهم ويغشاهم في أسواقهم؛ خرج ذات يوم عليهم فناداهم: «يا معشر التجار». فلما رفعوا أبصارهم ومدوا أعناقهم قال: «إن التجار يبعثون يوم القيامة فجاراً، إلا من اتقى الله وبر وصدق». حديث مخيف؛ التاجر يبعث يوم القيامة فاجراً للحلف وللكذب وللغو ولاستخدامه الرشوة في استحصال المناقصات وترويج البضائع التي عنده، إلا من اتقى الله وبر وصدق.
كان ينهاهم عليه الصلاة والسلام عن الغش، والغش عند الأغنياء أكثر منه عند الفقراء؛ الفقراء ما عندهم شيء أصلاً، فالغني يغش لكي يزداد ثراء. مر على صاحب طعام فأدخل يده في صرة من الطعام فوجد بللاً، فقال: «يا صاحب الطعام ما هذا؟» قال: يا رسول الله اصابته السماء، يعني مطرت وابتل الطعام فقلبت فجعلت المبلول في وسطه والجاف في أعلاه. قال: «أفلا جعلته فوق الطعام كييراه الناس؟ من غش فليس مني».
كان الرسول عليه الصلاة والسلام يدعو للأثرياء بالبركة وأن يبارك الله لهم في أموالهم كي ينفعوا المسلمين، كما جاء في حديث عبد الرحمن بن عوف بعد أن اغتنى وتزوج قال: «بارك الله لك، أولم ولو بشاة». الدعاء؛ طيب، الدعاء مع الاثرياء مع الفقراء مع الناس جميعاً، عندما تدعو: اللهم اغفر له، رحم الله والديك، غفر الله لك، اللهم أدخل فلاناً الجنة؛ ينشرح صدر الإنسان بالدعاء، الكلمة الطيبة صدقة.
كان يحض على السماحة؛ الثري الغني عادة حريص على المال، قال عليه الصلاة والسلام: «أدخل الله الجنة رجلاً كان سهلاً باع، وساً، ومقتضياً، سهلاً إذا باع، سهلاً إذا اشترى، سهلاً إذا اقتضى دينه واسترد». وكلنا يعلم ذاك الثري الذي أدخله الله الجنة لأنه كان يأمر صبيانه أن يقتضوا ممن وجدوا المال عنده، وأن يتجاوزوا عن المعسر، فتجاوز الله تعالى عنهم. كم من الاثرياء من ربما حبس مديناً معسراً أو طرده من شقته لأنه ما دفع الإجار! هذا يريد أن يتجاوز الله عز وجل عنه يوم القيامة.
ينهى كان عليه الصلاة والسلام عن الكبر، ويقول: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر». فقام رجل فقال: يا رسول الله إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسنة، يعني إظهار نعمة الله عز وجل عليه، فكل واحد يحب أنه يعني يبدو بشكل مقبول. يا رسول الله فانا عندي إشكالية، هل هذا من الكبر الذي لا أدخل بسببه الجنة؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «إن الله جميل يحب الجمال. الكبر بطر الحق وغمط الناس». أنك ترفض الانصياع للحق إذا جاك من ينصحك ويأمر بالمعروف وينهاك عن منكر؛ لم تأخذك العزة بالإثم. وأن لا تزدري الناس وتنظير إليهم نظرة متعالية فوقية، ولا تزدريه لأن ذلك من الكبر.
بقي معنا نقطة أو نقطتان لعلنا إن شاء الله نستكمل دراستها في الدرس القادم. هذا والله أعلم، ونسبة العلم إليه أسلام، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد.
الشيخ عاصم الحكيم