تسجيل الدخول

المحاضرة 9 - السيرة النبوية - المستوى الثالث - الشيخ عاصم الحكيم - تعامله ﷺ مع الخدم

عاصم الحكيمالشيخ عاصم الحكيم
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

في درس اليوم، سنحاول أن نتعلم من هديه وسمته صلى الله عليه وآله وسلم؛ كيف كان يتعامل مع الخدم؟ وهذا أمر قد يشكل على البعض، لأننا نعلم أن حياته صلى الله عليه وآله وسلم كانت نموذجاً للزهد في الدنيا، فكيف يتأتى هذا الزهد وأن يكون له صلى الله عليه وآله وسلم الكثير من الخدم؟ هذه إشكالية قد تظهر عند البعض.

فنقول وبالله نستعين: النبي عليه الصلاة والسلام، على الرغم من كثرة الخدم عنده، إلا أنهم لم يكونوا كخدم الملوك والاثرياء والمتكبرين، لأن الخدم الذين كانوا عند النبي عليه الصلاة والسلام الغالبية العظمى منهم كانوا يفعلون ذلك حبا فيه، لا طلبا منه ابتداءً عليه الصلاة والسلام، بل هم الذين كانوا يقدمون تلك الخدمات بصدر رحب وبسر بالغ؛ لأنهم يعلمون أنهم يتقربون إلى الله عز وجل بحبه صلى الله عليه وآله وسلم.

ولم يكن هؤلاء الخدم يخدمونه في بيته كما هو الحال مع الملوك والوجهاء والأثرياء والمتكبرين، بل كانت خدمتهم له خارج المنزل، أما في داخل بيته فكان هو الذي صلى الله عليه وآله وسلم يخدم أهله، ويخصف نعله، ويرقع ثوبه، ويرحب شاته.

وهذه الخدمة نظير ما يفعله أي منا إذا أكرمه الله بلقيا عالم رباني من أهل السنة والجماعة، فإنه يشرف، والله أحدنا لا يشرف أن يحمل نعله ويضعه أمامه لا طلبا للبركة ــ فلا تكون البركة إلا من النبي عليه الصلاة والسلام ــ يشرف أحدنا بخدمته وإطعامه وتقديم الشراب والطعام له تواضعا لله، وفي الوقت ذاته خدمة للإسلام؛ لأن هذا من علماء الإسلام، فكيف بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم؟

والرسول عليه الصلاة والسلام كان له الكثير من الخدم كما يقول ابن القيم رحمه الله: فمنهم أنس بن مالك، وكان يقوم على حوائجه، وعبد الله بن مسعود المعروف بأنه صاحب نعاله وسواكه، وعقبة بن عامر الجهني صاحب البغلة الذي يقوده به في الأسفار، وأسع بن شريك وكان صاحب راحلته، وبلال بن رباح المؤذن، وسعد مولى أبي بكر رضي الله عنهم أجمعين، كما كان أبو ذر الغفاري، وأيمن بن عبيد وأمه أم أيمن موالي النبي عليه الصلاة والسلام يخدمونه عليه الصلاة والسلام، وكان أيمن على مطهرته وحاجته، كما أورد ذلك ابن القيم في زاد المعاد.

أما لو ذهبنا ننظر في تعامله مع أصحابه، فمثلاً أنس رضي الله عنه وأرضاه يقول: قدم النبي عليه الصلاة والسلام المدينة وأنا ابن ثمان سنين، فأخذت أمي بيدي فانطلقت بي إليه ــ طبعا هنالك رواية أيضاً أخرى في الصحيح أن الذي أخذ به أبو طلحة الأنصاري زوج أمه أم سليم، ولا مانع في أن يكونا قد ذهبا إلى النبي عليه الصلاة والسلام وتكلم بالكلام ذاته ــ فأخبر أنس عن هذه الحادثة وعن تلك بروايتين مختلفتين وهي الحادثة نفسها.

قالت أم سليم: يا رسول الله، لم يبق رجل من الأنصار ولا امرأة إلا وقد أتحف بتحفة، ما في احد إلا واعطاك هدية، واني لا أقدر على ما أتحف به إلا ابني هذا، فخذه فليخدمك ما بدا لك.

يعني امرأة عاقلة حصفة إلى أبعد الدرجات، أرادت الخير لها ولولدها، فقاومت فطرتها وأخذت بهذا الطفل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم سيد بني آدم ليخدمه، وهي تعلم أن هذه الخدمة لن ينال أجرا ماديا أو مالا في هذه الدنيا، بل سينال الأجر العظيم عند الله عز وجل، ويخلد التاريخ ذكره بأنه خادم النبي عليه الصلاة والسلام.

يقول أنس: فخدمته عشر سنين، فما ضربني ولا سبني ولا عبس في وجهي.

فإذاً، هذا كان تعامله عليه الصلاة والسلام مع الخدم، لم يكونوا في الغالب يخدمونه مقابل أجر مادي، بل قربة إلى الله عز وجل وحبا فيه صلى الله عليه وآله وسلم.

طيب، كيف كان يتعامل عليه الصلاة والسلام ويأمر بالتعامل مع الخدم؟ كان يأمر بإطعام من طعامنا وبكسوته والباس مما نلبس، وهذا للأسف الشديد يعني في الغالب أنه غير موجود بين كثير من العوائل بين كثير من المسلمين الآن، فالخادم خادم، لكن هذا ليس بخلق الإسلام.

جاء في صحيح الإام مسلم عن المعرور بن سويد قال: مررنا بابي ذر بالربذة، يعني أبو ذر يلبس نصف بدلة وغلامه يلبس النصف الآخر، فلو أن أبا ذر لبس القطعتين لكان شكلها، يعني منظرها أفضل، فبين لهم السبب فقال: إنه كان بيني وبين رجل من أخواني كلام ــ وجاء في بعض الروايات أن هذا الرجل هو بلال رضي الله عنه وأرضاه، قال وكانت أمه أعجمية ــ فعيّرتُه بأمه، يعني قال له يا ابن السوداء، وهي أمه سوداء ما تجاوز الحقيقة لكنه ما قالها كحقيقة، فلقيته فقال: يا أبا ذر، إنك امرؤ فيك جاهلية! فقلت: يا رسول الله، من سب الرجال سبوا أباه وأمه؟ يعني كأنه يشرح للرسول عليه الصلاة والسلام سبب هذا الغضب.

فقال له مرة أخرى: يا أبا ذر، إنك امرؤ فيك جاهلية! إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم، والشاهد: فأطعموهم مما تأكلون، وألبسوهم مما تلبسون، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفموهم فأعينوهم.

وفي رواية: إنك امرؤ فيك جاهلية، قال أبو ذر: على حالتي أو على حال ساعة من الكبر يا رسول الله؟ يعني بعد هذا السن؟ قال: نعم على حال ساعتك من الكبر.

فإذاً، أطعموهم مما تطعمون، واكسوهم مما تلبسون.

فاصل وبعدها نواصل بإذن الله فانتظرونا.

﴿وَمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: 6].

من رحمة الله تعالى بعباده الرخصة لهم في المسح على الخفين والجوارب في الوضوء بدلا من غسل الرجل، وذلك بالمسح مرة واحدة أعلى الخف الأيمن باليد اليمنى، وأعلى الخف الأيسر باليسرى مفرجا أصابعه، مبتدئا من أصابع رجليه إلى بداية ساقيه، يمسح على الخفين معا، أو يبتدئ بالخف الأيمن ثم الأيسر، فالأمر في ذلك واسع، بشرط أن يكون الخف طاهرا من النجاسة، وأن يكون ساترا للقدم مع الكعبين، وأن يلبسه على وضوء كامل، ومدته يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام بلياليها للمسافر، يبدأ احتسابها من أول مسح بعد انتقاض الوضوء، فلو توضا لصلاه الفجر مثلا ولبس الخفين ثم انتقض وضوءه الساعة التاسعة صباحا وتوضا في الساعة الثانية عشر ومسح على الخفين، فيبدأ احتساب المدة من الساعة الثانية عشر لا من الساعة التاسعة.

ويكون المسح في الحدث الأصغر، وأما الحدث الأكبر فيجب فيه الاغتسال الكامل، ومن خلع خفيه أو انتهت مدة المسح فوضوءه صحيح ما لم ينتقض بناقض آخر، فإن أراد المسح مرة أخرى وجب عليه أن يتوضا أولا وضوءا كاملا يغسل فيه قدميه ثم يلبس الخف ويراعي الشروط السابقة.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

نبي الرحمة صلى الله عليه وآله وسلم كان يتعامل بالرحمة مع الخدم، وهذا من البدهيات، بمعنى: نحن نتعامل مع الأغراب والاجانب بشاشة الوجه وبعطف وبكرم وشجاعة وصدق، لكن للأسف نتتعامل مع الأقربين منا بغير ذلك، كالزوج والأولاد والخدم، فكثير من حالات التعذيب ــ إن صحت العبارة ــ والاضطهاد وسوء الخلق تظهر مع الخادم، وإذا سمع بها الأغراب والأجانب قالوا: لا يمكن فلان يتعامل بمثل هذه الشراسه وسوء الخلق، لا يمكن ذلك نحن نعرفه دمث الأخلاق طيب السيرة وحسن السلوك.

للأسف عندنا تناقض في كيف نتعامل مع الناس، ووجه آخر عندما نتعامل مع الضعفاء والاقارب والذين هم ألصق الناس بنا.

النبي عليه الصلاة والسلام كان رحمة مهداة تعامله مع الجميع بعطف وحنان وحب ورحمة، كان لديه كما جاء في الصحيح خادم يهودي غلام صغير، وقد يتعجب الإنسان يقول: ما الذي حدى بالنبي عليه الصلاة والسلام للتعامل مع يهودي كافر؟ وهذا درس للأمة في التعامل مع الكافر، فهذا غلام يهودي الأصل، أنه احتاج للعمل وخدمة بيوت المدينة، فكان ممن يخدمهم النبي عليه الصلاة والسلام مقابل أجر، فترعرع الغلام وهو يرى السماحة والكرم والشفقة والرحمة في بيت النبوة، ثم ما لبث النبي عليه الصلاة والسلام إلا وسمع أن الغلام قد مرض وأنه يحتضر، فهرع إليه عليه الصلاة والسلام ودخل بيته وجلس عند رأسه وكان مما قاله له: أسلم.

أنت الآن على فراش الموت ولم يبق إلا القليل، الرسول عليه الصلاة والسلام لا يريد أن تضيع منه هذه الفرصة وأن يهلك هذا الغلام فيكون من أهل النار، قال له: أسلم. فنظر الغلام إلى أبيه، فقال هذا الأب: أطع أبا القاسم.

يهودي صحيح، لكنه يعلم أن النبي عليه الصلاة والسلام على حق وانه مرسل من ربه، فقال له: أطع أبا القاسم. فاسلم ثم فاضت روحه ومات، فخرج عليه الصلاة والسلام وهو يقول: الحمد لله الذي انقذه من النار.

أي رحمة هذه مع خادم هذا يخدمنا في البيت؟

ومن الجدير بالذكر أن الخادم على عهد النبي عليه الصلاة والسلام قد يكون حرا كهذا اليهودي وكأنس، وقد يكون عبدا مملوكا كما جاء في قصة أبي ذر ومعاملته لبلال، وكيف أن النبي عليه الصلاة والسلام أمره بالاحسان إلى هذا العبد المملوك، وإن كان قد حرره واعتقه أبو بكر، إلا أنه عند كثير من الناس في مؤخرة أذهانهم وفكرهم أنه عبد، وهذه الفكرة العنصرية ما زالت موجودة عند كثير من المسلمين، إذا راوا أخا لهم من ذوي البشرة الداكنة السوداء يقول: هذا عبد ولا هذا عبد ولا هذا كذا، يعني يتلفظون بالفاظ تدل على العنصرية المقيتة في قلوبهم.

وأنت عندما ولدت هل كان لك الخيار في أن تختار لونك أو تختار قبيلتك أو جنسيتك؟ هذا أمر ابتلاء من الله عز وجل، مهما كان هذا اللون أو القبيلة أو الجنسية، وكثير من المسلمين أخفق، نسأل الله العافيه في هذا الابتلاء.

النبي عليه الصلاة والسلام كان يجود بأغلى وأثمن ما يتمناه المتلقي والمستقبل منه، كان يجود بالدعاء، فكان يدعو لخدمه، وكم منا للأسف الشديد اليوم من يدعو لخدمه، يدعو على السائق يدعو على الخادمه في المنزل بانواع عجيبة من الدعاء، ليس هذا هو حال المؤمن.

انظر إلى حاله صلى الله عليه وآله وسلم وسلم، قال أنس رضي الله عنه: جاءت أم سليم رضي الله عنها وأرضاها إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقالت: يا رسول الله، هذا أنيس ابني أتيتك به يخدمك، فادعُ الله له.

هي الآن بعد أن خدم خدم خدم النبي عليه الصلاة والسلام، الآن تريد شيئا من الثمرة فتقول: يا رسول الله، ادعُ لابني. فالنبي عليه الصلاة والسلام دعا له فقال: «اللهم أكثر مالَه وولده وأطِل عمرَه».

وفي بعض الروايات يقول أنس: فوالله إن مالي لكثير، جاء في بعض الروايات أن البساتين أو الحوائط في المدينة المزارع تنتج مرة في العام، وأن حائطي لينتج مرتين في العام، هذا من بركة الدعاء، يقول: وإن ولد ولدي وولد ولدي يتعادون على نحو من مائة، اليوم أنا من أولادي من صلبي ومن أحفادي ومن أولاد أولادي يتعدون أكثر من مائة.

قال أهل السير: إن أبا حمزة أنس بن مالك رضي الله عنه كان من آخر الصحابه، لم يكن آخرهم لكن كان من آخر الصحابة وفاةً إذ عمّر رضي الله عنه وأرضاه.

الدعاء يا إخوه أمر عظيم، إذا أردت أن تعاقب ولدا أو خادما أو زوجة فلا يكن على لسـانك الدعاء؛ لأنك قد توافق ساعة استجابة فيستجيب الله لك فتندم بقية عمرك، عوض عن أن تدعو عليهم ادعُ لهم، عوض عن أن تقول: الله لا يكسبك، الله لا يربحك، إن شاء الله ما تشوف خير أمامك! يا أخي، قل: الله يهديك، الله يصلحك، الله يغفر لك. أي نعم، هي ما تنفُس عن الرغبات المكنونة من حقد ورغبة في الانتقام، لكنها أبرك والله لأجرك.

ربيعة بن كعب الأسلمي قال: كنت أبيت مع النبي عليه الصلاة والسلام، يخدم الرسول عليه الصلاة والسلام هذا في الشفت الليلي، يعني في آخر وقت يقول: فاتيته بوضوئه وحاجته، فقال لي: «سل أطلب».

هل طلب مخططا؟ هل طلب قصرا؟ هل طلب منحة؟ قال: أسألك مرافقتك في الجنة. قال: «أوغير ذلك؟» قلت: هو ذاك. قال: «فأعني على نفسك بكثرة السجود».

هذا الأمر أنك تكون معي في الجنة مقدور عليه بإذن الله، وأنا أدعو لك، لابد من العمل لذلك أعني على نفسك بأيش؟ بكثرة السجود.

وهنا الحديث هذا مفهومه أن السجود يقصد به الصلاة، أعني على نفسك بكثرة الصلاة، لا كما يظن بعض الجهله من أنه يسجد سجدة خارج الصلاة، كثيرا ما نرى في المساجد بعد انقضاء الصلاة وقراءة الأذكار من يسجد سجدة، نقول له ماذا تفعل؟ قال: أنا أسجد أشكر الله أدعو الله، لا ما يجوز هذا، هذه بدعة منكرة.

السجود إما أن يكون سجود تلاوة، وإما أن يكون سجود شكر، وسجود الشكر لا يكون في كل وقت بل على نعمة تجددت نعمة يعني جديدة ما كانت موجودة من قبل، إذا صرف الراتب ما تسجد سجود شكر؛ لأنه هذا يحدث كل شهر، لكن إذا قام أحد بعملية خطرة خطيرة وانجاه الله تعالى منها آنذاك تسجد للشكر، إذا نصر المسلمون في بلد أو فتح الله على.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. النبي عليه الصلاة والسلام مقدار الحلم والصبر والتأني عنده شيء عظيم، ونحن في أمس الحاجة إلى الاقتداء به صلى الله عليه وسلم؛ خاصة عند التعامل مع الخادم، لأن الخادم كما نقول نحن بالعامية حيطته واطية، يستطيع أي انسان أن يقفز من عليها فيظلمه؛ يعني يأكل حقه. النبي عليه الصلاة والسلام كان يحلم على الخدم وكان لا يغضب منهم على الرغم من أنهم يستحقون أن يغضب عليهم.

قال أنس رضي الله عنه: كان النبي صلى الله عليه واله وسلم من احسن الناس خلقا، فأرسلني يوما لحاجة فقلت: والله لا أذهب. وفعل ماذا يا انس؟ الظاهر انه لصغر سنه طفل صبي يعني احس بنوع من السامة، فقال: اعلن والله لا أذهب. يقول: وفي نفسي ان أذهب أنا لا بد أن أخدم الرسول عليه الصلاة والسلام، لكن أصابه ما يصيب الخدم بعض الأحيان من الضجر، من التأفف من العمل. يقول: وفي نفسي أن أذهب لما أمرني به النبي عليه الصلاة والسلام، فخرجت حتى أمر على صبيان وهم يلعبون في السوق، فاذا رسول الله عليه الصلاة والسلام قد قبض بقفاي من ورائي. يعني أنا خرجت لأقضي حاجته فمررت بصبيان يلعبون فجلست ألعب معهم، فجاء النبي عليه الصلاة والسلام فأخذ بقفاي؛ أمسك برأسه من خلفي، فنظرت إليه وهو يضحك. لا اله الا الله! غلام خادم يقول لا أذهب ويلعب مع الأطفال، والرسول يضحك في وجهه يقول: يا أنيس أذهبت حيث أمرتك؟ قال: قلت: نعم أنا أذهب يا رسول الله. يعني ما قال لا، قال: نعم الان أذهب، والرسول يرى أنه لم يذهب وأنه تأخر عن حاجته.

قال أنس: والله لقد خدمته تسع سنين ما علمته قال لشيء صنعته: لما فعلت كذا وكذا؟ أو لشيء تركته: هلا فعلت كذا وكذا؟ ما كان يلوم عليه الصلاة والسلام، ما كان يعني يغضب. نحن نتعامل مع الخدم اليوم وهم أحرار، نتعامل معهم كأنهم عبيد، ولو استطاع أحدنا لضرب ولشتم ولقذف ولفعل وفعل. سبحان الله كيف كان الرسول عليه الصلاة والسلام يتعامل مع الخدم حتى لو أخطا!

ولذلك كما في حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، كم نعفو عن الخادم؟ والخادم هنا العبد المملوك. فسكت عليه الصلاة والسلام، فأعاد الرجل مقولته: كم نعفو عن الخادم؟ فلم يرد عليه عليه الصلاة والسلام، ففي الثالثة أعاد عليه الرجل، قال: كم نعفو عن الخادم؟ قال صلى الله عليه واله وسلم: اعف عنه في كل يوم سبعين مرة. لا اله الا الله! الخادم عندنا إذا أخطأ مرة في الشهر أقمنا عليها الدنيا ولم نقعدها، وهذا الرسول يقول لنا عليه الصلاة والسلام: في اليوم اعفوا عنه سبعين مرة.

وليس ذلك فحسب، بل لابد أن تدافع عنهم إن كان الحق في جانبهم ومعهم. كم مرة المرأة تشتكي من الخادمة، أو تشتكي من السائق، أو تشتكي من العامل، وتقول: فيه وفيه وفيه، أو وفيها، وعمت سوت، والرجل ياخذ كلامها مأخذ الصدق والجد، فهو القاضي وهو الحكم وهو الجلاد، ويقوم باتخاذ العقوبات وهو لم يسمع من الطرف الثاني ولم ير بعين رأسه؟ ما يصلح هذا الكلام. كيف تتهم بريئا بدون دليل؟

أنس بن مالك رضي الله عنه قال: خدمت النبي عليه الصلاة والسلام عشر سنين، فما أمرني بأمر فتوانيت أو فرّطت ما قمت بالامر كما أمرني فلامني أبدا عليه الصلاة والسلام، ما يلوم. طيب ليس هذا فحسب، يقول أنس: فإن لامني أحد من أهل بيته، أحد من العائلة، أحد من أهل البيت، لامني على التقصير: لماذا لم تفعل ما أمرك به النبي عليه الصلاة والسلام؟ لماذا تأخرت؟ لماذا كذا؟ دافع عنه النبي عليه الصلاة والسلام فقال: دعوه، فلو قضي أو قال: لو قضي أن يكون كان. لا اله الا الله! على التوكل على الحي الذي لا يموت. يا إخوة، انظروا كيف كان توكل الرسول عليه الصلاة والسلام. الآن يأتي الرجل يقول: لماذا لم تفعل كذا؟ لو أنك فعلت كذا لصار كذا وكذا، يلوم ويقرر ويفعل، والمراة تلوم الخادمة: حرقت الطعام، لم تكنسي، لم تفعلي. يا بنت الناس، اهدي يا بنت الناس، تعقلي، لا، لماذا فعلت كذا؟ وتخبط الطاولة، وربما تغلق الباب بقوة، وربما تصيح وتتكلم بكلام يصعب الاعتذار منه. لو وجد الإيمان بتقدير الله عز وجل خلاص يهدأ الإنسان، لو قدر لحصل غير الذي حصل. الغضب والانفعال لن يغير من الأمر شيئا، فبلغ الأمر وتوكل على الحي الذي لا يموت، وقل: إن شاء الله ياتي الله عز وجل بخير منه عوضا عن الانفعال وفعل ما تحتاج إلى الاعتذار عنه.

ولذا كان صلى الله عليه وسلم يدافع عن الخادم ويقف بجانبه. من حقوق الخادم أن يعطى الأجر فور انتهائه من العمل. قال صلى الله عليه واله وسلم: أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه. وهذه مسألة يعني ما احتاج أن أبين للمسلمين الخلل العظيم الذي هم فيه، نسمع شكاوى العمال أنهم ما استلموا رواتب ثلاثة أو أربعة أو خمسة أشهر، صاحب العمل ثري غني يذهب للإجازات، يشتري الفاخرة من الثياب والسيارات، وإذا كلمته قال: والله يا أخي الدولة ما أعطتنا حقوقنا أو المقاول الرئيسي أو الشركة أو كذا ما سلمونا الأموال. طيب العامل ما ذنبه؟ أنت الذي تعاقدت، أنت الذي تدفع، العامل قام بعمله يأخذ حقه قبل أن يجف عرقه إن كان هنالك إيمان.

ولذا قال صلى الله عليه واله وسلم: قال الله عز وجل -إذاً الحديث قدسي-: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يعطه أجره. كم من الناس من يستعمل سباكا أو كهربائيا في البيت يعمل عنده يوما كاملا، واتفق على الأجرة، ثم بعد ذلك يغير رأيه ولم يعجبه العمل ياكل حق الرجل؟ هذا خصمه الله عز وجل يوم القيامة، ولا شك أن الله عز وجل يقتص من الظالم بحسب ظلمه وما ربك بظلام للعبيد.

استمع اخي الكريم أختي الكريمة، استمعا إلى هذا الحديث العظيم: أمنا عائشة تقول: جاء رجل فقعد بين يدي النبي عليه الصلاة والسلام فقال: يا رسول الله إن لي مملوكين -عندي عبيد أشتريهم بمالي، يعني هذا عبدي ما هو بحر- قال: يكذبونني ويخونونني ويعصونني، وأشتمهم وأضربهم، فكيف أنا منهم؟ قال عليه الصلاة والسلام: يحسب ما خانوك وعصوك وكذبوك وعقابك إياهم، فإن كان عقابك إياه بقدر ذنوبهم كان كفافا لا لك ولا عليك. وإن كان أو وإن كان عقابك إياهم دون ذنوبهم -يعني أنت عاقبتهم وشتمتهم وضربتهم لكن ذنوبهم أكثر وتقصيرهم أعظم- قال: كان ذلك فضلا لك -يعني هذا تأخذه زيادة يوم القيامة-. وإن كان عقابك إياهم فوق ذنوبهم اقتُصّ لهم منك الفضل. فتنحى الرجل فجعل يبكي ويهتف، فقال عليه الصلاة والسلام: يعني ليه زعلان؟ قال له عليه الصلاة والسلام: أما تقرا كتاب الله: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: 47]؟ فقال الرجل: والله يا رسول الله ما أجد لي وهؤلاء شيئا خيرا من مفارقتهم، أشهدكم أنهم أحرار كلهم.

سبحان الله! صحابي يخشى النار، يخاف من الظلم مع أن العبيد أهل لهذا الظلم، لأنهم يكذبون ويخونون ويقصرون ويخدعون، ولكن الله عز وجل لا يظلم أحدا. فاليوم حياة وعمل وغداً آخرة وجزاء، فليتق كل منا من تحت يده من الخدم، عسى الله عز وجل أن يرزقنا وإياكم التخلق بأخلاق النبي صلى الله عليه واله وسلم في التعامل مع الناس كافة، ومع الخدم خاصة. هذا والله أعلم، ونسبة العلم إليه أسلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد.