بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
تكلمنا فيما مضى عن تعامل النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع أبنائه وبناته، وعن شدة حبه لهم، وتكلمنا عن معاملته لأحفاده صلى الله عليه وآله وسلم. واليوم في درسنا هذا سوف نحاول أن نسلط الضوء شيئًا ما على شغفه وحبه بالأطفال عموماً، لأننا كما نعلم أن النبي عليه الصلاة والسلام هو الرحمة المهداة، وأن قلبه قد مُلئ بالعطف والحنان والشفقة والرحمة. فنريد أن نستجلي بعض هذه الأمور في تعاملاته صلى الله عليه وآله وسلم؛ كي نستقي منها ما ينفعنا في هذه الحياة الدنيا، ونتخذه نبراساً نقتدي به في تعاملنا مع الصغار، خاصة أن القلوب قد علاها الصدأ والتعاملات أصبح فيها شيء من الغلظة والقسوة؛ ذلك أن هذا هو الغالب في تعاملاتنا ما لم يكن هنالك مردود مادي أو نفع ننتظره من الطرف المقابل.
النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان شديد الحب للصغار، وكان لا يكتم ذلك الحب ولا يستنكف أن يظهره كما يفعل البعض منا ظناً أن ذلك دليل على الضعف. أنس رضي الله عنه يخبرنا أن النبي عليه الصلاة والسلام رأى نسوة وصبيانًا مقبلين من عرس، فقام صلى الله عليه وآله وسلم يخاطب هؤلاء الصغار، وحبه للأنصار صلى الله عليه وآله وسلم معروف، ولكنه اختصهم بذلك فقال: «اللهم أنتم من أحب الناس إلي، اللهم أنتم من أحب الناس إلي، اللهم أنتم من أحب الناس إلي»، ثلاث مرات يكررها كما روى البخاري ومسلم. هذا الإظهار لعواطفه وحبه منه صلى الله عليه وآله وسلم ما هو إلا درس ينبغي على كل مسلم منا، وخاصة الرجال، أن يتعلموا كيف يظهروا عواطفهم.
تقدم معنا كيف كان صلى الله عليه وآله وسلم شديد الشغف والحب بالحسن والحسين، وكيف أنه قد لا يتمالك نفسه، فينزل من المنبر عند رؤيته لأحد هذين الطفلين وهو يمشي ويتعثر في ثوبه ويقول: «إني رأيت هذا الولد أو ذاك الغلام فلم أملك نفسي». وصدق الله إذ يقول: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: 15].
كان عليه الصلاة والسلام يحب الأطفال، وكان يداعبهم وكان يلاطفهم. صحابية صغيرة طفلة اسمها أم خالد بنت خالد، وكانت ممن هاجر إلى الحبشة مع أبويها أو ولدت هناك، جيء للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بثياب فيها خميصة، فقال: «من ترون نكسوها هذه الخميصة؟» -نوع من الثياب لونه أسود-، فسكت الصحابة، فقال: «ائتوني بأم خالد»، فأُتي بها عليه الصلاة والسلام فألبسنيها. تقول أم خالد: فألبسنيها بيده، فجعل ينظر إلى علم الخميصة -الرسوم والزخرفة التي فيها والنقوش- ويشير بيده إليّ ويقول: «يا أم خالد هذا سَناه، يا أم خالد هذا سَناه»، وسَناه بالحبشية معناها حَسَن أو جميل. وكان يداعبها عليه الصلاة والسلام فيقول: «أبلي وأخلقي»، وهذا نوع من الدعاء تدعوه العرب بمعنى أنه يطول العمر إن شاء الله، وهذا الثوب يبلى وترقعينه ويبلى وترقعينه، كناية عن طول العمر؛ هذا دعاء منه عليه الصلاة والسلام، ولذا يقول الإمام البخاري رحمه الله: لم تعش امرأة مثل ما عاشت هذه، طال عمرها رضي الله عنها وأرضاها.
محمود بن الربيع من أصغر الصحابة، وهو ابن خمس سنوات، يداعبه النبي عليه الصلاة والسلام فيَمُج الماء في وجهه، كما يقول ابن حجر: مَجُّ الماء هو قذفه بالفم من مسافة بعيدة، الرسول عليه الصلاة والسلام يتمضمض ويَمُج هذا الماء في وجه الصبي، أخذ الماء من دلو وهذا الصبي يقول: عقلت من النبي عليه الصلاة والسلام مَجَّةً في وجهي وأنا ابن خمس سنين من دلو. شوف سبحان الله، فيكبر هذا الرجل ولا يتذكر إلا ذكرى رؤية النبي عليه الصلاة والسلام وهو يَمُج تلك المَجَّة، عده العلماء من الصحابة ببركة هذه الذكرى. الآن ماذا يقولون؟ يقولون رش الماء عداوة! سبحان الله، لماذا؟ النبي عليه الصلاة والسلام فعل ذلك مع هذا الصحابي الصغير الطفل؛ إما ليداعبه وإما لتصيبه بركة هذا الماء الذي مَجَّه.
ونفس الحال حصل مع زينب بنت أبي سلمة، ربيبة النبي عليه الصلاة والسلام، عندما دخلت وهي طفلة صغيرة والرسول عليه الصلاة والسلام يغتسل، فَمَجَّ في وجهها الماء أو نضحه وهو يقول: «يا زينب، يا زينب»، يلعب معها. يقول ابن القيم رحمه الله: فلم يزل ماء الشباب في وجهها حتى كبرت، هذه زينب بنت أبي سلمة، ربيبة النبي عليه الصلاة والسلام، وكيف صارت ربيبة للنبي عليه الصلاة والسلام هذا ما سوف نعرج عليه بعد الفاصل، فانتظرونا.
أم سلمة هند بنت أبي أمية رضي الله عنها وأرضاها، كانت ممن هاجر إلى الحبشة ثم هاجرت إلى المدينة، زوجها أخو النبي عليه الصلاة والسلام بالرضاعة، توفاه الله عز وجل في العام الثالث للهجرة بعد معركة بدر وقبل معركة أحد، أصيب ثم مات من إصابته بعد أن انفتح عليه الجرح رضي الله عنه وأرضاه. فأرسل لخطبتها أبو بكر وعمر وهي ترفض، ثم أرسل النبي عليه الصلاة والسلام لخطبتها فتعذرت بأمور، منها أنها ذات عيال، فجاء في الحديث أن الرسول عليه الصلاة والسلام عندما أرسل إليها ليخطبها قالت: إن لي بنتاً، وهي لها ثلاثة من الولد: عمر، وسلمة، وزينب هذه التي وُلدت الذي يظهر بعد وفاة أبيها، فقالت: إني ذات عيال أو مصبية، ذات صبيان، وإني كبيرة في السن، وإني غيورة. فأرسل إليها عليه الصلاة والسلام: «أما عيالك فعندي»، وفي رواية: «أما ابنتك فندعو الله أن يغني عنها» -يعني لن تحتاج إلى عنايتك، خاصة أنها حديثة عهد بولادة-، «وأما سنك فأنا أكبر منك، وأما غيرتك فأدعو الله أن يذهبها»، فرضيت وتزوجت النبي عليه الصلاة والسلام، وكان ذلك مصداقاً لدعوتها عند وفاة زوجها أبي سلمة، إذ قالت: «إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي وأخلفني خيراً منها»، وهي تقول: من يكون خيراً من أبي سلمة؟ فأخلفها الله تعالى خيراً منه. فزينب هذه كان يداعبها النبي عليه الصلاة والسلام وهي ربيبته في حجره عليه الصلاة والسلام.
كذلك كان يداعب طفلاً، كما يقول أنس بن مالك: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم أحسن الناس خُلقاً، وكان لي أخ يقال له أبو عمير، وكان فطيماً -يعني مفطوماً ما تجاوز الثالثة من عمره أو الرابعة-، وكان له عُصفور "نُغير"، ثم إنه مات، فكان صلى الله عليه وسلم إذا جاء قال: «يا أبا عمير، ما فعل النُّغير؟» يداعبه، يلعب معه، يسليه من الحزن الذي أصابه. وهذا الحديث من الأحاديث العجيبة التي دائماً ما يرويها العلماء في النفع المتعدي؛ ذلك أنهم يروون أن الشافعي بات ليلة عند الإمام أحمد، فقال الإمام أحمد لجارِيته: ضعي عند باب غرفته الماء كي يتوضأ إذا أراد أن يقوم الليل. فلما أصبح قالت الخادمة أو الجارية: أهذا الذي تزعم أنه إمام من أئمة الإسلام؟ هذا رجل ما قام الليل حتى أصبح، ما استخدم الماء للوضوء إلى الصبح. فتبسم، ثم إنه حدَّث الشافعي بما قالته الجارية فقال: صدقت، إني أمضيت الليلة أتأمل في حديث النبي عليه الصلاة والسلام: «يا أبا عمير، ماذا فعل النُّغير؟» فخرجت منه ببضع وعشرين فائدة. شوف سبحان الله! العلماء نفعهم متعدٍ للأمة، قيامه لليل ما كان إلا لينفعه هو، بينما تأمله وتفكره في الحديث ينفع أمة الإسلام، ويخرج لنا الدرر من هذا الحديث؛ وهذا هو فائدة أو تلك هي فائدة العلم النافع، علم السلف الصالح الذين يعرفون كيف يستخرجون الفوائد واللآلئ والدرر من أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام.
كان الرسول عليه الصلاة والسلام يداعب حتى أنس بن مالك الذي جاءه وهو ابن عشر سنين ليخدم النبي عليه الصلاة والسلام. تخيل طفل صغير، أمه تأتي به إلى النبي عليه الصلاة والسلام ليخدمه بلا مقابل، كيف هي شعور ذلك الطفل في بيت غريب عنه وعما يألفه، وهو مأمور بالخدمة؟ ما كان الرسول عليه الصلاة والسلام لينهره أو ليكرهه أو ليقول له ما يؤذيه، بل كان يخفف عنه، وكان يداعبه فربما قال له صلى الله عليه وآله وسلم: «يا ذا الأذنين»، وما من أحد إلا وله أذنان، لكن هذه مداعبة؛ لأن الإنسان يظن أن بأذنيه شيئاً، كما قال ابن عمر رضي الله عنهما لصاحبه عندما كان يذهبان إلى السوق فقط ليسلم ابن عمر على من يراه من الذاهبين والعائدين، فقال له هذا التابعي: ما أراك تذهب إلى السوق لتشتري شيئاً -يعني ما تروح تأكل، ما تروح كذا-، فيقول له: «يا أبا بطين» -يعني الذي عندك بطن- وكل إنسان عنده بطن. فالرسول الشاهد كان يداعب أنساً رضي الله عنه وأرضاه، وهذا من مداعباته ولطيف خلقه صلى الله عليه وآله وسلم.
الرسول عليه الصلاة والسلام كان يشفق على الصغار، أعرف من الأقارب والأصحاب من يُصاب بحالة هستيرية ويتضايق ويشعر بمشاعر شتى إذا سمع الطفل يبكي، وخاصة كبار السن إذا سمعوا الأطفال يشاغبون أو يبكون أو يتصايحون، هم أنفسهم تضيق صدورهم وتسوء أخلاقهم ويصيح ويصرخ بالمقابل، وليس هذا من الأمور الحسنة التي تصدر من الناس. الرسول عليه الصلاة والسلام كان إذا سمع بكاء الطفل رق قلبه له ولو كان في صلاة، كما في الحديث الصحيح أنه صلى ذات يوم بأصحابه فسمع صوت طفل يبكي فعجَّل صلاته وخففها، ثم علل وبرر ذلك لأصحابه أنه سمع صوت الطفل يبكي فخشي على قلب أمه. انظر إلى الشفقة، إلى الحنان، إلى العطف، يخفف الصلاة بالمسلمين من خلفه من أجل بكاء طفل! ولم يقل كما يفعل البعض: "جنبوا صبيانكم ومجانينكم مساجدنا"، حديث لا يصح، ما قال ذلك عليه الصلاة والسلام. لماذا؟ لأن بكاء الطفل شيء طبيعي، أنت تريد أن تربي الطفل أن لا يبكي ما يصلح، وتريد تمنع الطفل من دخول المسجد أيضاً ما يصلح؛ لأنك لا تدري ما هي ظروف الناس التي قد تجبرهم على ذلك.
وأظنني ذكرت ذلك في حلقة ماضية أو في برنامج آخر والله لا أذكر، لكن في ذات يوم أو ذات ليلة بعد صلاة العشاء صلينا في مسجد، وكان هنالك طفلة تبكي مر البكاء حتى أن الناس قد تضايقوا في المسجد. بعد انتهاء الصلاة قام رجل من الشيبان -غفر الله لنا ولهم- وإذ به يصيح، فالرجل والد الفتاة لم يتحدث، وخرج وخرجت أنا من المسجد وقابلته خارج المسجد وخففت عليه وقلت له: لا عليك، هؤلاء الكبار السن عندهم هذه العادة في الصياح والتذمر والشكوى. فجعل الرجل يتحدث إلي ويبكي، يقول: أم هاتين البنتين -وكانتا في حدود الخامسة والثالثة من العمر تقريباً- يبكي يقول: أمهما تركتهما قبل أربعة أشهر، وأنا إلى الآن لم أجد من تتزوجني وتتكفل بهما، وعملي تضرر وحياتي تضررت لأني أنا الذي أصاحبهما وأعتني بهما. فسبحان الله عندما لا تقدر ظرف الآخر، ربما تقع في إشكال أكبر من هذا الإشكال الذي تسبب لك. فيا حبذا لو قدرنا للناس ظروفهم عسى أن لا يبتلينا الله عز وجل بمثل ذلك. فاصل قصير بعدها نواصل بإذن الله، فانتظرونا.
حدث عظيم وقع بعد 16 شهراً من الهجرة، تحديداً في منتصف شهر رجب من السنة الثانية للهجرة، حيث أمر الله تعالى بتحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، فاتخذ أعداء الإسلام من هذا الحدث ذريعة للطعن فيه، فقال المنافقون: ما لهم كانوا على قبلة زماناً ثم تركوها؟ وقال اليهود: لو ثبت محمد على قبلتنا لاتبعناه، وقال المشركون: رجع إلى قبلتنا ويوشك أن يرجع إلى ديننا. وهنا ظهر تسليم المؤمنين لله تعالى؛ فالعبرة بطاعته لا بالجهة، قال تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: 142]؛ إن المشرق والمغرب لله فلماذا يعترضون على توليتكم قبلة داخلة تحت ملكه؟ لقد كان هذا امتحاناً للناس ليتميز الصادق في إيمانه من الكاذب، قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: 143]، أي ليظهر حال من يتبعك ويطيعك ممن يرتد، وقد سارع الصحابة رضي الله عنهم بالاستجابة، فبعد أن أخبروا بتحويل القبلة استداروا إلى الكعبة مباشرة وهم في صلاة بعد أن كانت وجوههم إلى الشام. إن استقبال القبلة هو صورة باهرة لوحدة الأمة وتوحيدها، وفي تحويلها مخالفة لأهل الكتاب وإظهار لاستقلال الأمة الإسلامية في عقيدتها، وهو مقصد شرعي عظيم. قال تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ﴾
أمة واحدة ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ [يس: 61]. بشرى لنا زاد أكاديمية، للعلم كالأزهار في البستان.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يستغل طاقات الأطفال، كان يستغل أوقاتهم وطاقاتهم فيما ينفع، وهذه مسألة غاية في الأهمية خاصة في أيامنا هذه؛ ينبغي أن يتنبه لها الآباء والمربون، وينبغي أن تتنبه لها المؤسسات والوزارات والدولة؛ كي يتم استغلالهم فيما يرضي الله عز وجل.
النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يصُفّ عبد الله وعبيد الله وكثيراً من بني العباس أولاد عمومته، ثم يقول: «من سبق إليّ فله كذا وكذا»، إذاً يصفهم ويقيم لهم مسابقة؛ يستبقون، يركضون، يجرون، قال: فيستبقون إليه فيقعون على ظهره وصدره، فيقبلهم ويلتزمهم. يعني الرسول عليه الصلاة والسلام هو الهدف، يمشي بعيداً عنهم ثم يدعوهم، فأول من يصل إليه طبعاً يكون مندفعاً، يستقبله عليه السلام، يلتزمهم، يقبلهم، يقفزون على صدره وعلى ظهره. وفيه تشجيع روح المنافسة بين الأطفال، وفيه التربية البدنية؛ لأن هؤلاء سوف يكونون رجال المستقبل ينتفع بهم، لا بد أن يُعلّموا، لا بد أن يُهتم بهم. أما أن يتم تركيز الاهتمام على كرة يجري خلفها عشرون أو اثنان وعشرون رجلاً، وهذه هي الرياضة في العالم، فهذا من أكبر الخلل الذي تبنى عليه الأمم.
الرياضات أنواع مختلفة، تنفع الجسم، تنمي العقل والذكاء، أما أن يتم الانسياق خلف القطيع؛ العالم كله يحب كرة القدم فنحن كأغنامهم، تضيع الأوقات والسنين والأعمار، وتحدث الإصابات بلا أي فائدة؛ ركض وراء كرة! يا أخي اشتروا كرة لكل واحد وأعطوهم إياهم ولا يتضاربون عليها، أمر عجيب. الرياضة مفهومها راقي؛ رياضة بدنية، سباحة، جري، ألعاب قوى، أمور، الآن وصل الغرب إلى الكروس فيتنس؛ أنواع متقدمة من اللياقة البدنية التي تشتمل على القوة، وعلى صحة القلب، وعلى اللياقة، وعلى المرونة، وهنالك نوادٍ متخصصة. نحن أولادنا أين يلعبون؟ في أراضي آخرين ترابية، ربما جُرح بقطعة من الزجاج المكسورة، ربما حصل كذا أو فعل كذا وكذا، لا بد من الاهتمام بالأطفال.
النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يسلم على الصغار إذا مر بهم، انظر إلى التمكين، انظر إلى إعطائهم الأهمية. أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: أتى رسول الله عليه الصلاة والسلام على غلمان يلعبون فسلم عليهم. متى آخر مرة مررت على أطفال متجمعين وبابتسامة حنونة وبشفقة سلمت عليهم؟ وليش يسلم عليهم؟ عساهم ما يفلحوا! أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، نفسية مريضة عند البعض منا. يا أخي هذا فعله عليه الصلاة والسلام، يسلم على الأطفال، مررت بأطفال سلم عليهم، يشعر بشيء من الحنان، يشعر بشيء من الشفقة والعطف منك. النبي عليه الصلاة والسلام بسلامه على الأطفال كان يدخل عليهم مشاعر من السرور ومن الفرح، ويعطيهم الدفعة المعنوية؛ لأن هذا الكبير يسلم عليهم ويقيم لهم وزناً، فيردون عليه السلام، يأخذون ويعطون معه: كيف حالكم يا أولاد؟ طيبين؟ لعلكم بخير؟ الله يجزيك الخير يا عم، نسأل الله ادعُ لنا يا عم، لا تنسَ، فيه أخذ وعطاء، فيه احترام، وهذا من حكمته عليه الصلاة والسلام.
وعلى هذا تربى الجيل الأول، كما هي القصة المعروفة عندما مر عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه وكانت له هيبته، مر بغلمان يلعبون ففروا لما رأوه إلا غلاماً واحداً، فأتى إليه وسلم عليه وسأله بحنان وعطف: لمَ لم تفر كما فر أقرانك؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إني لم أذنب ذنباً فأخافك، وليست الطريق بضيقة فأفسحها لك. سبحان الله، رد عجيب من ولد معلم! ومن كان ذلك الولد؟ كان عبد الله بن الزبير بن العوام رضي الله عنه وعن أبيه وعن أمه أسماء بنت أبي بكر.
كان عليه الصلاة والسلام يمسح على رؤوس الأطفال، والمسح على رؤوس الأطفال هذا فيه دفعة وشحنة إيجابية من العطف والحنان والحب. وكان صلى الله عليه وآله وسلم يفعل ذلك مع الأنصار، فإذا جاء الصبيان يدورون حوله إذا زارهم كان يسلم عليهم ويمسح على رؤوسهم ويدعو لهم. عبد الله بن هشام أتت به أمه وهو صغير إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقالت: يا رسول الله بايعه، فقال: «إنه صغير»، هذا ليس برجل، هذا صغير طفل، فجعل يمسح على رأسه ويدعو له. ومسح الرأس فيه فوائد لا طبيعية؛ النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول لمن شكى قسوة في قلبه: «أتحب أن يلين قلبك وتدرك حاجتك؟ ارحم اليتيم، وامسح رأسه، وأطعمه من طعامك، يلن قلبك وتدرك حاجتك». إذاً مسح الرأس هذا نافع لهذا الطفل وهذا اليتيم، وهو في الدرجة الأولى نافع لي أنا؛ لأني بذلك يلين قلبي.
فإذاً إظهار العواطف والعمل بمقتضاها، وإشاعة المحبة والشفقة والرحمة، هذا له تأثير السحر، السحر الحلال على ذاك الطفل؛ لأن هذا الطفل سينمو غداً ويكبر ويصبح رجلاً، فإن تربى على الغلظة والجلافة والقسوة فإنه سوف ينشر ذلك، وسوف يعامل الأطفال كما عومل، ولا خير في مجتمع لا يوجد فيه عطف ولا شفقة ولا حنان، وسيد الرجال هو النبي المختار صلى الله عليه وآله وسلم الذي منه نقتدي ونتأسى بأفعاله ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21]. أسأل الله عز وجل أن ينفعني وإياكم بما سمعنا، وأن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ عاصم الحكيم