تسجيل الدخول

المحاضرة 24 - السيرة النبوية - المستوى الثالث - الشيخ عاصم الحكيم - مواقفه ﷺ مع الأطفال

عاصم الحكيمالشيخ عاصم الحكيم
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

تقدم معنا في الدرس الماضي شيء من تعامل النبي عليه الصلاة والسلام مع الأطفال والصغار، وكيف أنه كان يحنو عليهم ويعطف، وأنه كان يمسح على رؤوسهم، ويأمر من شكى قسوة قلبه أن يمسح على رأس اليتيم. وكان أيضاً صلى الله عليه وآله وسلم يمسح على خد الأطفال، وهذا كله من باب التحبب إليهم وإظهار العطف والشفقة.

جابر بن سمرة رضي الله عنه يقول: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الصلاة الأولى، ثم خرج إلى أهله وخرجت معه، فاستقبله ولدان، فجعل يمسح خدي أحدهم واحداً واحداً. أطفال يمسح على خد كل واحد منهم، وقال: وأما أنا فمسح خدي. قال: فوجدت ليده برداً أو ريحاً كأنما أخرجها من جونة عطار. انظر إلى العطف، قال النووي رحمه الله: وفي مسحه عليه الصلاة والسلام الصبيان بيان حسن خلقه، ورحمته للأطفال وملاطفتهم.

وأنت إذا ذهبت تحلل وتنظر في سيرة الرسول عليه الصلاة والسلام، دائماً وأبداً قارنه بمن هو في مثل حاله أو شبيهاً منه. النبي عليه الصلاة والسلام الرجل الأول في الدولة، النبي عليه الصلاة والسلام قاضٍ يفصل في الخصومات، الرسول عليه الصلاة والسلام قائد عسكري يقود الغزوات والمعارك، الرسول عليه الصلاة والسلام زوج وأب وأخ لجميع المسلمين يحل مشاكلهم. مع كل هذه المسؤوليات، لم يكن عليه الصلاة والسلام متجهم الوجه حاشا وكلا، كان دائم الابتسامة، كان يعطف على الأطفال الذين هم في الغالب عند من هم بمثل مسؤولياته عليه الصلاة والسلام تجدهم أبعد الناس عنهم. من كان في مكانته عادة يمضي الأوقات الطويلة والساعات في التقرب إلى كبار السن، إلى من هم ذوي جاه وسلطان، القيادات العسكرية وكذا، أما الأطفال فهؤلاء آخر الموجودين على القائمة، ومع ذلك صلى الله عليه وآله وسلم انظر إلى التوازن العجيب الذي أرسله الله تعالى لنا ليكون لنا قدوة وأسوة.

النبي عليه الصلاة والسلام مع حبه وعطفه وشفقتة، إلا أنه لم يكن يحول ذلك كله بينه وبين تعليم الصبيان ونهيهم عن المنكر. عمر بن أبي سلمة رضي الله عنه وأرضاه، وهو ربيب النبي عليه الصلاة والسلام بمعنى أنه تربى في حجره وفي بيته، قال: كنت غلاماً في حجر النبي عليه الصلاة والسلام، وكانت يدي تطيش في الصحفة إذا أكل. تعرفون الأطفال إذا أكلوا ربما أكل من أمام الناس، ربما طاشت يده هنا وهنا، ربما أسقط الطعام على نفسه، كيف تتعامل مع الطفل؟ هذا التعامل أساس في تكوين شخصية هذا الغلام. الرسول عليه الصلاة والسلام يقول له: «يا غلام سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك». كلمات معدودة، أوامر محددة، يتعلم منها الصبي النظام.

أما ما يفعله البعض ونحن نرى ذلك في الأسواق في المطاعم، نرى ذلك بين أقاربنا، أن الطفل إذا فعل أمراً خطأ أو سكب شيئاً من الطعام على نفسه أو على الأرض أو كذا، ما يضرب ويزجر. ما هذه بالطريقة الصحيحة في التعامل مع الأطفال. النبي عليه الصلاة والسلام يجلس مع الغلام الصغير. في كثير من البيوت إذا وضع الطعام: شيلوا الأطفال، خذوهم إلى غرفة أخرى، ضعوا لهم السفرة في مكان آخر ما يأكلون معنا، ليش؟ لا نريد الإزعاج. لا يا أخي، كيف يتربى الطفل؟ كيف تستطيع أن تراقبه وأن تصوب خطاه وزلله وتربيه على الطريقة الصحيحة إن لم تره؟ الفصل أصل هذا ما يصلح. يقول عمر بن أبي سلمة: فما زالت تلك طعمتي بعد. يعني التي رباني عليه النبي عليه الصلاة والسلام بمقولته تلك، ما زلت على الامتثال بأمره من تلك الأيام. وهذا فيه بيان حسن خلقه عليه الصلاة والسلام لأنه ما كان يأنف أو يستكبر أن يأكل مع الأطفال، وهو الرحمة المهداة عليه الصلاة والسلام.

كان النبي عليه الصلاة والسلام يظهر حبه وحنانه وعاطفته تجاه الأطفال كما تقدم، أما بمسح الرأس، أما بمسح الخد، وأما بالتقبيل. أمنا عائشة تقول: قدم أناس من الأعراب على رسول الله عليه الصلاة والسلام، وكان يقبل الحسن أو الحسين -أحد أحفاده- فقال: أتقبلون صبيانكم؟ فقال الصحابة في هذه الرواية: نعم، وفي رواية النبي عليه الصلاة والسلام قال: نعم، قالوا: لكن والله ما نقبل. بعض الناس يفتخر، يرون أن ذلك من الشدة، وأن ذلك من القوة والجسارة والشجاعة أنه ما نقبل أطفالنا لكي لا يشعروا بالضعف وبشيء من الجبن. فقال عليه الصلاة والسلام: «أو أملك إن كان الله نزع منكم الرحمة؟». فجعل النبي عليه الصلاة والسلام ترك تقبيل الأطفال نزعاً للرحمة من القلوب. أي والد هذا لا يمسك بصغيره أو بطفلته ويقبلها، يشمها، يضمها، يشعرها بالحنان؟ هذا ما يصلح.

خاصة فينا نحن الرجال، هذا الجفاء موجود. يكفي العواطف التي تبديها أمه، خلي أمه تقبله وتعانقه، طب وأنت؟ لا، أنا لابد لي الهيبة، لابد أن يخاف. ولماذا تربي طفلك على الخوف؟ لماذا نربي أطفالنا على الرعب؟ لماذا لا نستطيع أن نتواصل معهم، نظهر لهم حبنا وعاطفتنا بحيث لا يكون فيها شك، وبعد ذلك إن أردنا أن نأمرهم أو ننهاهم جاء الأمر والنهي مع الحب والعطف والشفقة.

فاصل قصير، بعدها نواصل بإذن الله، فانتظرونا.

النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «تهادوا تحابوا». وكان يحث على إعطاء الهدايا، وأمنا عائشة الأحاديث في أنها تهدي أقربهم إليها باباً معروفاً. الهدايا للصغار أمرها أهم وأعظم، لأن الهدية لها أثر طيب في النفس البشرية عامة، لكنها مع الصغار أكثر تأثيراً وأكبر وقعاً، ولذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يجتهد في إعطاء الصغار هذه الهدايا. كم منا من يذكر إحساناً أهدي له وهو صغير؟ في أمور ما تنساها. من الناس من هي عادة عنده أن يأتي بكم هائل من الحلوى ويتفقد الأطفال في المسجد فيعطيهم الحلوى بعد كل صلاة، حتى أصبح الأطفال يتسابقون إلى الصلاة من أجل الحلوى. وليس في هذا كما قد يعتقد البعض أنه أوه هذا شرك في النية، والاطفال تعودوا على أن يأتوا للصلاة من أجل حلوى، طلبنا العلم لغير الله فأبى الله إلا أن يجعله خالصاً لوجهه. هذه تأتي مع الوقت، وهؤلاء أطفال يحفزون على العبادة والطاعة بأي طريقة ممكنة وهم غير مكلفين أصلاً، لكن الهدية لها أثر عجيب.

النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، كان يؤتى بأول الثمر -يعني أهل المدينة أهل زرع، فكانوا يزرعون فإذا أنتجت الشجرة بأول ثمر لها- فيقول: «اللهم بارك لنا في مدينتنا، وفي ثمارنا، وفي مدنا، وفي صاعنا بركة مع بركة». المدينة بركة، والرسول قد دعا بالبركة لها ولأهلها، ثم يعطي أصغر من يحضره من الولدان. هم أتوا له بأول الثمر، أكل منه وأعطى لأصغر من حضره من الولدان. فماذا يكون شعور ذلك الطفل وهو يأخذ هذه الهدية النفيسة، تمر ولا رطب من يد النبي عليه الصلاة والسلام؟

وقال النووي رحمه الله: وفيه بيان ما كان عليه الصلاة والسلام من مكارم الأخلاق، وكمال الشفقة والرحمة وملاطفة الكبار والصغار، وخص بهذا الصغير لكونه أرغب فيه. الطفل لما يرى الحلوى أو يرى الثمار يتطلع إليها، وصبره أقل من غيره. وقد سبق معنا حديث أم خالد عندما أتي بثياب وفيها خميصة سوداء، فقال: «من ترون أن نكس هذه؟». فسكت القوم، فدعا بأم خالد وألبسها إياه، هذه الخميصة ألبسها إياها بيده عليه الصلاة والسلام. إذاً هدية لا تنسى، الإحسان يظل عالقاً في الذهن، مشجعاً للآخر أو للشخص أن يفعل مثل ما فعل له فيحسن ويعطي. ولذلك من كان في صغره يعطف عليه، ويقابل بمشاعر الحب والحنان، ويهدى إليه الهدايا، تجده يفعل ذلك إذا كبر. ونحن صغار، عادة كانت في العيد أن تغلف الهدايا وأن تدفع الأموال النقدية -العيديات- وينتظرها الأطفال من عام إلى عام، الهدية لها وقع جميل على النفس وخاصة عند الأطفال.

طيب، ماذا يحدث إذا أخطأ الطفل؟ ألا نربيه؟ ألا ننصحه؟ لا شك أن نصيحة الطفل على الدوام واجبة، ولكن الأسلوب يختلف. أنت لا بد أن تنظر إلى المآلات من أفعالك واختياراتك. إذا أردت أن تقوم بعمل انظر ماذا يحصل كأثر لهذا العمل، ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: 108]. سب الآلهة وإظهار أنها لا تستحق أن تعبد من دون الله وأنها لا تضر ولا تنفع أمر محمود، لكن أن يترتب على هذا أن يقوم مشرك سفيه بسب الله عز وجل، امتنع. فإنما الأمور بالمآلات. الطفل الذي يقوم بالخطأ تأديبي إياه لا بد أن يكون مضبوطاً بالشرع، ففي ناحية تجد من الناس من يقول نحن لا نربي الطفل ولا ننهره ولا نؤدبه وليفعل ما شاء، وهذا خطأ، قال عليه الصلاة والسلام: «مروهم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر»، لا بد من التربية لكن في حدود الشرع. ومنهم من لا يستخدم إلا العنف مع أولاده معتقداً أن هذه هي الطريقة المثلى للتربية.

النبي عليه الصلاة والسلام يتعامل مع المخطئ من الأطفال بأسلوب حكيم رشيد عاقل يتناسب وصغر سنه. أبو رافع بن عمرو الغفاري رضي الله عنه قال: كنت غلاماً أرمي نخل الأنصار، فأخذوني، فذهبوا بي إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: «يا غلام، لما ترمي النخل؟». قلت يا رسول الله، الجوع. قال: «فلا ترمِ النخلة، وكل مما يسقط في أسفلها»، ثم مسح رأسه فقال: «أشبعك الله وأرواك». لا إله إلا الله، صبي يرمي الثمار ليأكل منها، أصحاب الشجر أخذوه واعتقلوه وأخذوه إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، ما علوه ضرباً، ما عاقبوه هم بأنفسهم، أخذوا إلى القاضي. القاضي لم يحكم عليه بلا بينة ولا استفسار واستفصال كما يفعل في كثير من الأحيان، بل سأله دافع عن نفسك، أنت بريء حتى تثبت إدانتك، فبين له أنه ما حمله على ذلك إلا الجوع، فأرشده إلى أن الجوع يبيح لك أن تأخذ ما سقط على الأرض لا أن تتلف الثمار أو تؤذي الناس، ومع ذلك دعا له فقال: «أشبعك الله وأرواك».

قارن هذا الفعل مع ما يفعله البعض من المعلمين والمربين بل ومن القضاة ومن الدعاة من غلظة وعنف في التعامل مع المخطئ. بعض الأحيان نرى من مدرسي المراحل الأولى والابتدائية غلظة وعنف غير طبيعيين، يعني تجد أن هذا المدرس أو ذاك المربي يعاقب الطفل لا ليؤدبه بل لينتقم منه، ووالله ما هذه بأسلوب النبي عليه الصلاة والسلام. طبعاً قارن هذا بمن يقوم من الصبيان -بل إن شئت قلت من الرجال للأسف لأنهم تجاوزوا سن البلوغ فهم مكلفين- ممن يدمرون المنشآت العامة ويخربونها. هل يعقل أنك تمر في بلد كبير ولا تجد هاتفاً عمومياً على قيد الحياة؟ يأتي السفهاء ممن أخفقنا في تربيتهم بتكسيرها وإساءة استعمالها وقطعها وتدميرها. هذه العبارات السيئة التي تكتب على جدران المدارس والبيوت والأسوار العالية، هل يفعل ذلك مسلم؟ هل تربوا على الإسلام؟ الحق يقال إنهم لم يتربوا على الإسلام، والذين يصححون مسارهم ويصلحون أخطاءهم أيضاً ما تربوا على الإسلام. لو رجعنا إلى الأصلين إلى القرآن والسنة، لو تعاهدنا سنة النبي عليه الصلاة والسلام وسيرته لاختلف أمرنا وحالنا اختلافاً عظيماً. فالى الله عز وجل المشتكى.

فاصل قصير وبعدها نواصل بإذن الله.

مطالعة كتب الأدب في التراث العربي، لا سيما الكتب التي يذكر فيها الشعر والنثر، فذلك مما يقيم اللسان ويزيد الحصيلة اللغوية لدى القارئ؛ الالتزام بها في المكاتبات والحوارات والشعارات في مواقع التواصل وغيرها.

التزام التحدث بها مع الكبار والصغار ولو لفترة وجيزة كل يوم، تعليم الأبناء قواعدها، وتربيتهم على حبها وإتقانها منذ الصغر؛ إذ هي لغة القرآن الذي وصفه الله بقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: 41-42].

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. النبي عليه الصلاة والسلام يمسح على الرأس، يمسح على الخد، يقبل الصغار. لم تكن هذه فقط سبل تحبب ولطف وعطف على الصغار، بل كان أيضاً يناديهم بالأسماء الجميلة، بالأسماء الرقيقة التي تدل على التحبب، فكان يناديهم بأحسن أسمائهم، ويكنيهم بأفضل ما يكنون به أو يصفهم بشيء حسن. فتارة ينادي الصبي فيقول: «يا غلام، إني معلمك كلمات، احفظ الله يحفظك». انظر يا غلام، هذا الكلام لعبد الله بن عباس؛ اسم جميل يا غلام، كما يقول الصبي للكبير يا عماه أو يا عم. ويحدث عمر بن أبي سلمة فيقول له: «يا غلام، سمِّ الله، وكُل بيمينك، وكُل مما يليك». إذاً ما قال له يا ولد يا كذا أو شتمه، لا، أبداً، يا غلام لفظ أو اسم جميل.

وربما ينادي الصغير فيقول له: «يا بني». أنس بن مالك رضي الله عنه كان يدخل على بيت النبي عليه الصلاة والسلام ويخرج بدون استئذان، وكان يكشف على أمهات المؤمنين، فلما نزلت آيات الحجاب قال عليه الصلاة والسلام: «وراءك يا بني». يعني خلاص يا بني يا أنس، الآن انتهى الأمر، لا بد لك من الاستئذان قبل الدخول لأن الحجاب قد فرض على أمهات المؤمنين. وأيضاً عندما استشهد ابن عمه جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه في غزوة مؤتة، وكان أحد القادة الثلاثة الذين عينهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: جعفر بن أبي طالب، وزيد بن حارثة، وعبد الله بن رواحة رضي الله عنهم أجمعين؛ لما بلغه خبر استشهاده قال: «ادعوا لي بني أخي».

فإذاً التلطف مع الأطفال وتسميتهم بالأسماء المحببة؛ «يا أبا عمير، ما فعل النغير؟»، هذا الطفل في ثلاث سنوات عمره، فإذاً العلماء قالوا بجواز تكنية الصغير، وهي من السنن التي ربما نكون قد نسيناها أو فرطنا فيها. ما أجمل أن يسمي الرجل ابنه أو ابنته بكنية طيبة؛ ولده يقول له يا أبا عبد الله، يسميه أبا عبد الله، ابنته الصغيرة يقول لها مثلاً يا أم سلمة أو يا أم عبد الرحمن، يشعرها بشيء من الحنان. هذا تعامله صلى الله عليه وآله وسلم، فأين هذا التعامل السهل الهين اللين مع التعامل الغليظ والقاسي الذي يلاقيه كثير من أطفالنا اليوم؟

النبي عليه الصلاة والسلام هو القدوة والأسوة. كثير من القنوات الخبيثة تشجع المرأة على التحلل من دينها، لا أقول تطالب بحريتها، أقول تطالب المرأة بالتحلل وترك الدين ويسمونه التمكين، قالوا نريد أن نمكن للمرأة. النبي عليه الصلاة والسلام وهديه خير الهدي كان يمكن للأطفال، كان يعودهم هم تحمل المسؤولية منذ صغرهم؛ لأن هؤلاء الأطفال اليوم هم رجال الغد والمستقبل. أنس رضي الله عنه وأرضاه خادم النبي عليه الصلاة والسلام قال: أتاني النبي عليه الصلاة والسلام وأنا ألعب مع الغلمان، طفل يلعب مع الصغار فسلم علينا؛ شوف التسليم على الصغار، لا يريد أنس لكنه يسلم على الجميع. قال: فبعثني إلى حاجة، يعني أرسلني في مشوار، فأبطأت على أمي. فلما جئتها قالت: ما حبسك؟ فقلت: كانت لنبي الله صلى الله عليه وآله وسلم حاجة، يعني أرسلني في أمر. فقالت: ما حاجته؟ فقال: إنها سر.

شوف سبحان الله، النبي عليه الصلاة والسلام يستخدم أنساً ويعلمه بأن هذا الأمر أمر سري لا تخبرن به أحداً، فيحفظ أنس هذا السر ويأبى أن يخبره لأمه؛ لأن الرسول عوده على تحمل المسؤولية عليه الصلاة والسلام. فتقول أمه المرأة العاقلة الحكيمة أم سليم: لا تحدثن بسر رسول الله عليه الصلاة والسلام أحداً. أم عاقلة، اليوم لو أحد أطفالنا قال لنا هذا الأمر لاحبسناه ولا شددنا وثاقه ولا علقناه من قدميه منكوس الرأس إلى أن يعترف، هذا خلل. الأم الصالحة تربي في ولدها الحفاظ على العهد والسر. أنس رضي الله عنه قال لثابت البناني: والله لو أخبرت أحداً بسر الرسول عليه الصلاة والسلام لأخبرتك، يعني حتى بعد هذه السنين ما أخبر أحداً بالسر؛ لأن هذه تربية النبي عليه الصلاة والسلام، التمكين في محله، يمكن لهذا الصغير كي يكون من رجال المستقبل. الحافظ ابن حجر رحمه الله استنبط أن هذا السر خاص بنساء الرسول عليه الصلاة والسلام وليس من أمور العلم الشرعي الذي لا يسع أنساً أن يكتمه، إنما هو من الأمور الخاصة بالنساء والأمور الشخصية، لذلك لم يخبر به أحداً رضي الله عنه وأرضاه.

إذاً التمكين للطفل أو للصغير، تقدير الشخصية؛ هذا التقدير كثير من الناس ما يجدونه ولا يلقون أي اعتبار لشخصية الطفل. النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن كذلك؛ عن يمينه صبي وعن شماله رجال وشيوخ، يؤتى عليه الصلاة والسلام بإناء فيه لبن فيشرب منه، فيستأذن الذي عن يمينه، هذا الصبي، قال: تأذن لي أني أعطي هؤلاء من الأشياخ؟ فقال: لا والله، لا أوثر بنصيبي منك أحداً. هذه بركة يا رسول الله، أنت شربت أنا أشرب وراءك، ليش أعطي هذه البركة إلى غيري؟ فتله في يده، أعطاه إياه ليشرب؛ تقدير للشخصية. أما الآن لا، هذا صغير أخرجوه ما له حق! أما الآن ما نجده من بعض الجهل يسحبون الصبي من الصف الأول ليحل محله، وليس لك ذلك، هذا أمر محرم، من سبق هو الذي ينال الفضيلة، أما أن تسحب هذا الغلام لأنه غلام، هذا مخالف لاحترام شخصية الطفل.

الذي يبعث الاعتماد على النفس والشعور بالراحة وينمي مواهبه كما كان يفعل عليه الصلاة والسلام، عوضاً عن التعامل معه باستخفاف والتقليل من مكانته مما يؤدي إلى العقد النفسية والاضطرابات والدونية وغير ذلك. وكان عليه الصلاة والسلام يشدد على الصدق مع الأطفال حتى في عمر صغير، تلك الصحابية التي قالت لولدها عبد الله بن عامر: تعال أعطيك، فقال عليه الصلاة والسلام: وماذا تريدين أن تعطيه؟ ففتحت يداها وقالت: تمرة، فقال: أما إنك لو لم تعطيه شيئاً كتبت عليك كذبة. قارن هذا بتعاملنا مع أبنائنا، عندما يريد أحدهم أن يصطحبنا في الخروج، لا لا، اجلس، أنا ذاهب إلى الدكتور سيعطيني إبرة، يتربى الطفل في بيوتنا على الكذب. يأتي اتصال هاتفي، قل له إني لست موجوداً، قل له بابا خرج، تعلمه على الكذب، ومن تربى على الكذب عاش على الكذب، وسيكون مختلساً، وسيكون مرابياً، وسيكون ممن يتعاطون الرشوة، ولذلك الخلل مبدؤه في تربيتنا لصغارنا في الأساس.

وبهذا الدرس نكون قد ختمنا منهج الفصل الثالث من سيرته وشمائله وكيفية تعامله مع الناس بشتى أطيافهم وأنواعهم صلى الله عليه وآله وسلم. أسأل الله عز وجل أن يجعلني وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن ينفعنا بما نسمع، وأن يزيد في علمنا، وأن نستعمله فيما فيه صلاح دنيانا وآخرتنا، وأن يجعل ما تعلمناه شفيعاً لنا يوم القيامة في القرب منه صلى الله عليه وسلم، وفي أن نحشر تحت لوائه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.