تسجيل الدخول

المحاضرة 23 - عام الوفود وحجة الوداع

عاصم الحكيمالشيخ عاصم الحكيم
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. نتدارس بإذن الله عز وجل في درسنا اليوم؛ الدرس الثالث والعشرين من سير المصطفى صلى الله عليه واله وسلم؛ بعد ما حصل من الأحداث العظيمة من فتح مكة وما تلى ذلك من ترهيب جحافل الروم في شمال الجزيرة في غزوة تبوك وفرارهم.

عندما رأت القبائل في جزيرة العرب أن أمر الإسلام قد اشتد ساعده، وأن دولة هذا الدين العظيم قد قامت على أسس متينة قوية، فكرت هذه القبائل فيما ينفعها في دنياها وفي آخرتها، فأقبلت الوفود على النبي صلى الله عليه واله وسلم في المدينة في العام التاسع من الهجرة المباركة وما تلى ذلك، وعُرِف هذا العام باسم عام الوفود.

جاءت القبائل من مختلف أنحاء الجزيرة، فجاءت في كتب السير أن عدد الوفود بلغ ستين وفداً. ذكر الإامام البخاري منهم وفود بني تميم، وبني عبد القيس، ووفد بني حنيفة، ووفد نجران، وغيرهم.

فمن ذلك وفد بني حنيفة، هذا الوفد، وفد تلك القبيلة العظيمة، جاء وفيهم مسيلمه الكذاب. وتخبرنا السير كيف أنه جاء في بادئ الأمر مظهر الإسلام ومعلنًا لشأنه، ولكنه عرض على النبي صلى الله عليه واله وسلم أن يتقاسم معه الملك وأن يكون له الأمر بعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام.

وأن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال له: إنه يُخشى، وأنه لن يعدوَ قَدْرَه ولن يعدوَ أمر الله تعالى، وأنه لو سأله أن يعطيه قطعة جريد كانت في يده عليه الصلاة والسلام ما أعطاه اياها. ولم يُظهر كفرَ وارتدادَ مسيلمه إلا بعد ما عاد إلى قبيلته وتوفى الله عز وجل نبيه صلى الله عليه واله وسلم.

وأما السؤال الذي يطرح نفسه؛ لماذا لم يقتله النبي صلى الله عليه واله وسلم؟ فالجواب هو أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن يقتل الوفود؛ ويحرم في دين الإسلام أن يُقتل السفير أو الرسول الذي يأتي بالرسالة، وهذه عادة مططردة ومعروفة عند العرب وعند شعوب العالم أجمع، فما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك بمن أتاه آمنًا مستأمنًا على حياته. ثم إن مسيلمه لم يُظهر هذا الكفر وتلك الردة ويدعي النبوة على عهد النبي عليه الصلاة والسلام.

وقد ذكر لنا النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى في رؤيا أنه يلبس أُسْوُرَين من ذهب وأنه أُغُمَّتْ، فأوحي إليه أن انفخهما يقول فنفخهما فطارت، وأولها عليه الصلاة والسلام بأنها مسيلمه الكذاب وأنها الأسود العنسي. ولذا إشارة بليغة ولطيفة إلى فضل أبي بكر، فإنهما قُتِلا في عهده رضي الله عنه وأرضاه، وهو روح الرسول عليه الصلاة والسلام التي نفخ بها فطارت تلك الأسُور. ولا شك أن فتنة مسيلمه كانت عظيمة، خاصة بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام، وليس هذا وقت ذكرها.

وذكرت كذلك في السير، أو ذُكِر وفد نجران. نجران هي منطقة في جنوب الجزيرة العربية، وهذه المنطقة كان يغلب عليها النصرانية، والنبي صلى الله عليه واله وسلم بعد غزوة تبوك وإخافته لجحافل الروم في تلك المنطقة وفرارهم من جيش الإسلام والمسلمين، أتى إلى النبي عليه الصلاة والسلام في عام الوفود وفد نجران، وفيهم العاقب والسيد حاكما نجران، وهما من النصارى.

وكان من الحكمة أن يعاملهما النبي صلى الله عليه واله وسلم بالضيافة وبحسن الاستقبال، لا كما يحلو لكثير من الناس من الجهلة ممن لم يؤتوا فقهاً في السياسة الشرعية أن يقولوا: عزة الإسلام تقتضي أن نعاملهم بجلافة وبقسوة وبغلظة. ما كان هكذا يفعل الرسول عليه الصلاة والسلام مع الوفود وهم من المشركين وهم من الكفار؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم مدحه الله عز وجل بقوله: ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159].

إذاً هذه الرحمة من الله عز وجل ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ الداعية إلى الله عز وجل ما يصلح أن يكون فظاً غليظ القلب. وكذا عندما تستقبل الوجهاء والرؤساء لابد أن يحسن الإنسان وفادتهم لأن من خلفهم يتاثرون بهم، وما يدريك؛ لأن يهدي الله بك رجلاً إلى الإسلام خير لك من حمر النعم.

فأتوه ودعاهم إلى الإسلام فأبوا، وتحججوا وأتوا بكثير من الأمور العقلية الفاسدة لإثبات أنهم على الحق وأنهم هم على الإسلام. فالرسول عليه الصلاة والسلام قطع الشك باليقين ودعاهم إلى المباهلة، والمباهلة من العلم: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران: 61].

في البداية وافقوا، لكن لما رأى النبي عليه الصلاة والسلام أتى بأحفاده وبنته وصهره وكذا وأهله وأراد أن يباهِلَ، رجعوا إلى أنفسهما فقالوا: ويحكم لو كان كاذباً هذه مفروغ منه، المشكله لو كان صادقاً وتحل علينا هذه اللعنة فلا تذر فينا صغيراً ولا كبيراً ولا زوجاً ولا ولداً! فهابوا أن يلاعنوا، وهذه الملاعنة أمرها ثابت في القرآن.

فطلب من النبي صلى الله عليه واله وسلم أن يتجاوز عنهما وأن يصالحهما على الجزية، وهذا هو الإسلام؛ إما أن تسلم، وإما أن تدفع الجزية، وإما أن تقاتل. والجزية سبحان الله هذه قبيلة عظيمة، ما هي الجزية؟ كل أولئك ما يدفعوا إلا ألفي حلة، ألفي ثوب في السنة، ألفي حلة، وهذا أمر مقارنة بما ندفعه نحن من الزكاة لا يعد شيئاً إلا أنها فرصة لهم كي ينظروا إلى الإسلام ويعجبوا به، وهذا الذي حصل بفضل الله عز وجل، فأكثرهم -هذه عبارة غير دقيقة- كلهم بعد ذلك بأوام دخلوا في الإسلام وقبلوا به.

ألفا حلة تدفع من أجل أن ندافَع عنهم وأن نحميهم من أي هجوم يأتيهم من أي عدو كان، ويا لها من قيمة زهيدة، لكن عظمه الإسلام حمتهم وحفظت لهم كيانهم وأعطتهم حقوقهم. وفي القصة من الفوائد الشيء الكثير، منها أن الكافر يُقرُّ على دينه إن دفع الجزية لكنه لا يُقرُّ بإسلامه إن اعترف بالنبي عليه الصلاة والسلام ما لم يدخل في الإسلام؛ لأن هؤلاء أقروا أن الرسول نبي وهابوا أن يلاعنوا، لكن إقرارهم بأنه النبي عليه الصلاة والسلام لم يدخلهما في الإسلام.

وقد ذكر أهل السير والبخاري كما تقدم ذكر وفد الأشعريين وهم من اليمن، وكيف أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أن الإيمان يمان وأن السكينة يمانية وأنهم أرقُّ أفئدة وإلى ما في ذلك. وذكر أيضاً قدوم وفد طيء وعلى رأسهم عدي بن حاتم بعد أن فر -وحَاتِم الطائي معروف، لكن عدي ابنه فر ثم رجع- وكيف أن الرسول أكرمه وأعطاه أجلسه في بيته وأعطاه وسادة، ولكن هذا لم يمنعه من أن يدعوه إلى الإسلام فقال له: يا عدي أمط عنك هذا الوثن -وكان يلبس الصليب، وللاسف من أبناء المسلمين اليوم من تعلقوا بالغرب الكافر فترى من بعض الشباب من قد يزين له الشيطان لبس هذا الصليب ويقول: أنا لا أؤمن به لكن شكله جميل لكنه من الزينة من كذا! ولا يدري أن ذلك ناقض من نواقض الإسلام-.

كذلك جاء في السير وفد بني سعد بن بكر، وهم لم ياتوا كقبيلة إنما أرسلوا ضمام بن ثعلبة رضي الله عنه، وكان رجلاً جلداً كثير الشعر له غديرتان، أناخ البعير عند باب المسجد ودخل وسأل كعادة الأعراب: أيكم ابن عبد المطلب؟ فقال الرسول عليه الصلاة والسلام: «أنا ابن عبد المطلب»، وهذا فيه جواز أن ينتسب الإنسان إلى جده، فقد قال صلى الله عليه وسلم كما تقدم وتعرفون: «أنا ابن عبد المطلب أنا النبي لا كذب» في غزوة حنين. فقال: يا محمد إني سائلك ومغلظ عليك في المسألة فلا تجدن علي في نفسك فإني لا أجد في نفسي.

فقال عليه الصلاة والسلام: «سل عما بدلك».

وبدأ ضمام رضي الله عنه يسرد على الرسول عليه الصلاة والسلام أموراً في التوحيد، في الصلاة، في الصيام، ويذكر فرائض الإسلام فريضة فريضة. وعند كل فريضة ينشده ويسأله: الله عز وجل هو الذي أمرك بهذا؟ الله أمرك أن نعبده ولا نشرك به شيئاً، وأن نخلع هذه الأوثان والأنداد التي كان آباؤنا يعبدون؟ فيقول عليه الصلاة والسلام: «نعم». ويذكر له الصلاة ويذكر له كذا، حتى إذا فرغ قال: فإني أشهَد أن لا إله إلا الله، وأنك عبده ورسوله، وسآدي هذه الفرائض وأجتنب ما نهيتني عنه ولا أزيد ولا أنقص. ثم انصرف ضمام رضي الله عنه، فقال عليه الصلاة والسلام: «إن يصدق دخل الجنة». وهذا دليل على أن أهل القبلة ولو دخلوا النار فإن مصيرهم إلى الجنة ما لم يأتوا بناقض من نواقض الإسلام. فالذي يأتي بالأركان الخمس من أركان الإسلام هذا في جنات النعيم ولو سبق ذلك دخوله إلى النار كي ينقى مما به من شوائب وذنوب وسيئات.

رجع ضمام إلى قومه، فما إن لقيهم حتى سب اللات والعزى أول شيء! فقالوا له: وما تخشى البرص والجذام ويأتيك العمى والجنون؟ فقال لهما: ويلكما، إنهما لا يضران ولا ينفعان، إن الله قد بعث رسولاً وأخبرهم. سبحان الله، أصبح داعية من فوره! وهذه بشاشة الإيمان إذا دخلت القلوب؛ إذا الإنسان اقتنع بالدين حقيقة وأسلم فإنه يصبح داعية. ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين؟ ما يوجد أحد. ومن أحسن قولا أي لا أحد أحسن قولا، ولكن الخور والضعف فينا نحن، في هذا ليس في الدين الذي اعتنقناه، ولكن في هذا الذي اخذناه آباء عن جد تقليداً لا اعتقاداً وإيماناً. ضمام انتهى الموضوع، عرض عليهم الإسلام، دعاهم إلى الله عز وجل. تقول الرواية: فوالله ما أمسى ذلك اليوم من حاضرتته رجل ولا امرأة إلا مسلما. نفس الحال مع بني عبد الأشهل عندما رجع سعد بن معاذ ودعاهم إلى الله عز وجل.

على العموم الوفود كانت كثيرة قرابه الستين وفداً. الأصل أنه هذا العام العام التاسع كان عام خير وبركة واستقرار سياسي رأتهم جزيرة العرب لأول مرة في حياتها وتاريخها، فرغم أنه كانت هنالك حضارات ودول وسياسات كان هنالك سبأ وحمير وكندة والغساسنة والمناذرة في عمر الأمم هذه ولا شيء، لكن في أقل من عشر سنوات وإذا بالجزيرة تتوحد تحت راية لا إله إلا الله. مع على الرغم من قوة الروح الفردية وتغلغل العصبية القبلية ووجود الكبر والنزعات الجاهلية في الناس، لكن سبحان الله إن الله عز وجل إذا أراد أمراً قال له كن فيكون. هذا النبي صلى الله عليه وسلم الذي أخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور، وجمع كلمتهم، وطهرهم، وزكى نفوسهم حتى وصلوا إلى ما وصلوا إليه في أعوام معدودات.

بعد ذلك من هذا العام في العام التاسع للهجرة النبي صلى الله عليه واله وسلم في فتح مكة في السنة الثامنة لم يحج، إنما حج العام الذي بعده أبو بكر. وجاءت الرواية أن أبا بكر خرج في العام التاسع إلى مكة وقد أمره النبي صلى الله عليه واله وسلم على الحج، وكانوا قرابه 3300 رجل ومعهم 20 بدنة. ولما خرج أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه نزلت صدر سورة براءة، السورة التاسعة من القرآن سورة التوبه، ففيها من المفاصلة ما فيها. فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب ابن عمه لكي يعلنها على الناس على الحجيج في الموسم. والأصل أنه إذا كانت عند العرب عهد أو نوع من المعاهدة مع قوم لا يقوم بنقضها إلا هو أو رجل من أهل بيته، فلذلك أرسل صلى الله عليه وسلم علياً وقال: «لا يؤدي عني إلا رجل من أهل بيتي».

لما رأى أبو بكر قدوم علي ساله إن كان أميراً أم مأموراً؟ وهذا يدل على الشفافيه. علي بن أبي طالب مقارنة بأبي بكر أصغر منه بكذا عقد من السنوات، وأبو بكر هو أبو بكر، وعلي هو علي، ومع ذلك ما كان أبو بكر رضي الله عنه يريد الصدارة والإمارة، إنما يريد تنفيذ أمر الله عز وجل. رأى علياً قد قدم عليه فسأل سؤال المتثبت: أمير أم مأمور؟ فقال له: مأمور، يعني أنت الأمير وانا تابع لك تحت أمرتك. فمضى أبو بكر أميراً على الحج، وعلي يبلغ الناس رسالة النبي عليه الصلاة والسلام.

وذكر عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: بعثت بأربع؛ يعني الرسالة التي بعثه النبي صلى الله عليه وسلم بها سوى صدر سورة براءة. قال: لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة. وهذا حكم إلى قيام الساعة؛ الجنة لا يدخلها مشرك، الجنة لا يدخلها كافر، الجنة لا يدخلها إلا نفس مؤمنة. ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يحج بعد العام مشرك. الطواف بالبيت عريان هذا كان لغير أهل قريش، كل من كان من خارج قريش فانه يطوف عرياناً إلا أن يعطيه أحد من القرشيين ثوباً يكسب به عورته. ولا يحج بعد العام هذا مشرك، وهذه مفاصلة. البيت هذا ما منع عنه أحد، لكن الآن هنالك الفصل بين الحق وبين الباطل. المسألة الرابعة: ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فده إلى مدته.

سورة التوبة صدرها فيه البراءة والمفاصلة وإعلان الحرب وامهاله، عندهم عهد إلى مدة معينة أجل محدود، فمن كان لم يكن لديه من له عهد غير محدود جعل عهده إلى أربعة أشهر، ومن لم يكن له عهد فنهاية عهده الأشهر الحرم، يعني 50 يوم من نزول السورة. ولذلك قال عز من قائل في بداية السورة: ﴿بَرَاءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ * فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة: 1-2]. هذه خاص بمن كان له عهد. ثم إلى بقية هذه الآيات المباركات.

دعوة الإسلام كانت تقريبا الآن مضى عليها 22 عاماً، والنبي صلى الله عليه وسلم يدعو، والمسلمون يبذلون الجهد لاستقطاب المشركين ولهداية الناس إلى معرفة رب العالمين ولتبلغوا. ولذلك لما أصر المشركون على عبادة الأصنام والطواف بالبيت العتيق وفق طقوس الجاهلية وأبوا أن يستجيبوا لدعاء الله عز وجل، آن الأوان لمفاصلتهم ووضع لعنا وتجاهلهم للحق بأنه خلاص الآن انتهى الموضوع. وهذا يعني كانت بداية انتشار الدعوة الإسلامية والمفاصلة بين الحق والباطل، وعرف الآن الناس أن هذا الأمر الذي عاهدوه من قبل وأن البيت يأتيه المشرك والمؤمن وكذا انتهى موضوعه وأن الدين لا يكون إلا لله عز وجل.

غياب القدوة الحقيقية يهيئ النفس للتعلق بأي اسم لامع، ولو كان ممن لا يستحق الحفاوة والتكريم، لأنه صادف قلباً فارغاً فتمكنا. لذا كان السابقون يعلمون أبناءهم السيرة منذ الصغر؛ قال علي بن الحسين: كنا نعلم مغازي النبي صلى الله عليه وسلم وسراياه كما نعلم السورة من القرآن.

الآن أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه وضع الخط الفاصل، النبي صلى الله عليه واله وسلم لم يكتفي بالوفود التي أقبلت عليه مسلمة ولم يكتفي بأن جعل الحج يوم أو في السنة التاسعة للهجرة الفاصل بينما كانت تعهده العرب وبين شرع الله ودين الله عز وجل، أرسل كذلك اصحابه إلى المناطق النائيه في الجزيرة العربية. فأرسل خالد بن الوليد إلى اليمن، وأرسل عليا، وأرسل معاذ بن جبل، وأرسل أبا موسى الأشعري، كلهم يدعون أهل اليمن بشقيها لمعرفته عليه الصلاة والسلام بأهمية وثقل القبائل وقوة إيمانهم إذا آمنوا. فأرسل معاذ وأبا موسى وقال لهما: «يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا». وقال لمعاذ وهو يرسي له قواعد الدعوة: «إنك ستاتي قوماً أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوا لك ذلك فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإنهم أطاعوا لك بذلك».

فأخبرهم أن الله فرض عليهم صدقة إذا التدرج في الدعوة، وهذا موضوع يحتاج إلى ساعات أن تأتي فتتعلم المصلحة فيما تدعو إليه. كما جاء عن ابن تيمية أن الشريعة أو أن الاسلام جاء بتحصيل المصالح وتكميلها ومنع أو ودرء المفاسد وتقليلها. الأصل أن الداعي يعلم ما يدعو إليه، أما أن تذهب إلى إنسان لا يصلي ولا يصوم وهو متلبس بجميع أنواع الآثام ثم تقول له قص الأظافر من السنة لأن أظافره طويلة، لا شك أن هنالك خللاً. فالاصل أن تبدأ بالاولويات وأن تعلم المصلحة وأن تنظر في العاقبة هل من وراء هذه الدعوة أمر مفيد أو لا.

ثم دخلت السنة العاشرة وما فيها من حوادث، وعلى رأسها حجة الوداع، وهي الحجة الوحيدة التي أداها النبي صلى الله عليه واله وسلم. في هذه السنة أعلن النبي عليه الصلاة والسلام عن عزمه إلى الحج ودعا الناس ليحج معه وخرج من المدينة لخمس بقين من شهر ذي القعدة. ولما وقف في عرفة نزلت عليه الآية: ﴿ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينًا﴾ [المائدة: 3]. وكان في ذلك إرهاصاً لقرب وفاته عليه الصلاة والسلام، فإن الدين إذا كمل لم يكن هنالك بعد إلا النقصان، كما جاء عن عمر أنه بكى رضي الله عنه وأرضاه.

فالدين قد كمل والشرائع قد انتهت، ولذلك جاء عن بعض أهل التفسير أن هذه الآية هي آخر ما نزل، لكنها على الصحيح أنها آخر ما نزل في أمور الشرع، وأما في أمور الوحي فقول الله تعالى: ﴿وَٱتَّقُواْ يَوۡمٗا تُرۡجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ﴾ [البقرة: 281] من سورة البقرة، وفي المسألة أقوال. في هذه الحجة النبي صلى الله عليه وسلم أمر الناس أن يتعلموا منه فقال: «خذوا عني مناسككم». فجاءت هذه الحجة حافلة بالأحكام الشرعية وبصفة المناسك، وليس هذا الدرس درس السيرة النبوية المطهرة مكان لذكر صفة الحج، فإن ذلك مبسوط في كتب الفقه وفي المفردات التي أفردت في شرح مناسكه صلى الله عليه واله وسلم.

ثم النبي عليه الصلاة والسلام شهد معه جمع غفير من المسلمين، ولذلك كان يتخولهم بالنصيحة والموعظة. وعادته صلى الله عليه واله وسلم أنه كان إذا اجتمع المسلمون في المحافل كان يعطيهم الزاد الذي ينفع جميعهم، فلذلك كان يخطب عادة في المحافل بخطبة الحاجة: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره إلى آخرها. فهؤلاء استمعوا إلى خطبة الوداع والتي ألقاها عليه الصلاة والسلام في يوم عرفة. وكذلك ألقى أخرى في وسط أيام التشريق وجاء فيها إخباره عليه الصلاة والسلام وتعليمه لقومه أن «دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا».

هذه الدماء التي تساهل الناس فيها الآن، وما نراه من استقصاد للأبرياء، للأطفال، للنساء، الدم المسلم يراق أسهل مما يراق الماء، وما نراه من مجازر وما نراه من قتل ممنهج للمسلمين في سوريا وفي غيرها، هذا أمر لا يمكن أن يسكت عنه. وما نراه يراق على أيدي المسلمين من الخوارج ومن الجماعات المتطرفة الإرهابية الذين لا يمتون إلى الإسلام ولا يعرفونه لأنهم ما قرأوا سيرته عليه الصلاة والسلام وما تخلقوا بأخلاقه صلى الله عليه واله وسلم، وغبي على عيونهم وعلى قلوبهم حتى أنهم أصبحوا يروا المنكر حقاً، وهذه مصيبة. «إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا» كما قال عليه الصلاة والسلام. وأخبر عن أن دماء الجاهليه موضوعة، والثأر والكلام هذا لا يمكن أن يقبل وجوده بعد اليوم، وأخبر أن الربا، ربا الجاهلية موضوع، وأول ربا يضع ربا العباس لأنه كان يتعامل بالمال، وبين أن الربا محرم صلى الله عليه وسلم.

وأنت إذا نظرت في بلاد الإسلام لم تر إلا العمائر المشيدة والدور، الربا تتعالى فيها نسأل الله العافية. كما أوصى عليه الصلاة والسلام بالنساء فقال: «فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله» إلى آخرها، وأخبر عن تمام حقوقهن وأخبر عن سبل تأديبهن. ثم سأل: هلا بلغت؟ فقالوا: بلغت يا رسول الله، فقال: «اللهم اشهد، اللهم اشهد». وامر أيضاً في خطب أخرى في ذلك المحفل العظيم بأن «لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض»، وهذه كلها من وصايا النبي عليه صلى الله عليه وسلم التي طرحناها خلف ظهورنا إلا من رحم الله عز وجل.

هذه أمور عظيمة، وهذا الحج هو عبارة عن موسم عظيم تجتمع فيه أمة الإسلام من أنحاء العالم ليتقوا الله عز وجل، وليتذكروا سبحانه وتعالى ويذكر اسمه ويشكروه على نعمه عليهم، ليتألفوا فيما بينهم. هذه المواسم العظيمة للأسف الشديد يبعد عن حقيقتها، فالناس أصبحوا يخرجون -لا كما كان يقول عليه الصلاة والسلام: «اللهم حجة لا رياء فيها ولا سمعة»- بل هم يحجون، إلا من رحم الله، للرياء والسمعة، ذهبنا في مخيم بـ 500 ألف، بـ 100 ألف، جانا الشيخ الفلاني والشيخ الفلاني محاضرة جيدة، محاضرة قيمة. فإذا المرأة رجعت وإذا بها لا تلبس الحجاب ولا تلتزم بشرع الله عز وجل، تخلو بغير المحارم وتختلط مع غير المحارم وتعمل في أماكن مختلطة، الرجال يتعاملون بالربا يأكلون حقوق العاملين عندهم، الظلم منتشر، المساجد مهجورة إلا من رحم الله عز وجل. لذا دراسة السيرة ترجع الناس غالباً إلى هذا الأصل العظيم.

حجة الرسول عليه الصلاة والسلام كانت حجة واحدة، ولكنه دعا الناس إلى الاكثار من الحج، وأخبر أن الاكثار من العمره والحج ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد. فالإكثار من هاتين العبادتين شيء يرتقي بايمان العبد ويرفع من مكانته عند الله عز وجل. أما بالنسبة لعمرته صلى الله عليه وسلم فقد جاء في كتب السير أنه اعتمر أربع عمر. وفي الواقع كعمره منفصله تماماً النبي ما اعتمر عليه وسلم إلا مرتان، لكن بالجمله أو بالاجر أو بالمضمون فهو قد اعتمر أربع عمر.

العمرة الأولى هي التي رد عنها في صلح الحديبيه، فهذه منع منها صلى الله عليه وسلم كما تقدم، واتفقوا على أن يأتي من قابل صلى الله عليه وسلم وليس عليه إلا سلاح الراكب ويمكث في مكة ثلاثة أيام ثم يغادرها، فهذه العمرة الأولى، وكل عمرة كانت في شهر ذي القعدة. فالأولى كانت في صلح الحديبية في ذي القعدة، الثانية من العام القابل كانت أيضاً في ذي القعدة وهي عمرة صحيحة كاملة. الثالثة كانت عند رجوعه من الجعرانة وأيضاً كانت في ذو القعدة وهي عمرة كاملة. الرابعة دخلت في حجة، فقد كان صلى الله عليه وسلم قارناً، والحج كما لا يخفى عليكم ثلاثة أنواع هو تمتع وقران وإفراد، فالتتعتم والقران هما عبارة عن حجة وعمرة، ولكنها في التمتع عمره كاملة يتحلل بعدها الإنسان، بينما في القران دخلت العمرة إلى الحج أو في الحج إلى يوم القيامة. وأما العمرة الرابعة والأخيرة التي كانت في حجته فكانت طبعا في غير ذي القعدة، لأن الرسول عليه الصلاة والسلام حج في غير ذي القعدة. فهذه أربع عمر يذكرها أهل الفقه وأهل السير.

بعد ذلك جهز النبي صلى الله عليه واله وسلم جيشاً بقيادة أسامة بن زيد بن حارثة، ونحن نعلم أسامة بن زيد بن حارثة، زيد بن حارثة أبوه هو حب النبي عليه الصلاة والسلام وهو الوحيد الذي ذكر في القران باسمه في سورة الأحزاب، فزيد هذا الاسم الوحيد من أصحاب الرسول وسلم الذي ذكر باسمه في القران. ثم إن زيد بن حارثة رضي الله عنه وأرضاه كان ابناً للنبي صلى الله عليه واله وسلم بالتبني فكان يعرف باسم زيد بن محمد، وقد اشتراه حكيم بن حزام بن خويلد وأهداه إلى عمته خديجة، ثم بعد ذلك أهدته إلى النبي عليه الصلاة والسلام الذي أعتقه وتبناه حتى نزل النهي عن التبني فعرف باسمه زيد بن حارثة. وزوجه ابن عمته زينب بنت جحش التي ما كانت تحبه وكانت بينهم مشاكل حتى طلقها ثم تزوجها النبي عليه الصلاة والسلام وأصبحت أم المؤمنين. ثم بعد ذلك زوج زيد بن حارثة بأم أيمن حاضنة النبي صلى الله عليه واله وسلم.

الححبشية فولدت له أسامة، زيد كان أبيض، وأسامة كان أسود، وكان الناس يطعنون فيه، ويطعنون في أبيه وفي إمرته. ونعلم أن زيد بن حارثة كان من أمراء غزوة أو جيش مؤتة الذي فيها استشهد، النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخبر أنهم طعنوا في أبيه من قبل، كما طعنوا في إمرته؛ لأنه زيد طعن في إمرته من قبل، وأسامة ابنه كان ابن ثمانية عشر عاماً، أمره الرسول صلى الله عليه وسلم على جيش قوامه ثلاثة آلاف رجل، فيهم أبو بكر وعمر. يعني هذا أمر عجيب، مولى من الموالي يتأمر أو يكون أميراً على جيش فيهم أبو بكر وعمر؟ نعم، هذا أمر الرسول عليه الصلاة والسلام، وقد أخبر أنه جدير وحري ويستحق الإمارة وهو ابن ثمانية عشر سنة.

أين شبابنا في هذا العمر؟ هل قدموا لأمتهم ما يرتجى منهم؟ هل قدموا لدينهم، أم هم في ملاعب الكرة وفي الطرقات؟ الخطأ قد يكون منهم، لكنه ليس بالكامل عليهم، إنما هو منا نحن؛ نحن الذين لم نيسر لهم الأماكن التي تحتويهم، تعلمهم، تنميهم، تربيهم، نحن الذين تركنا لهم الحبل على الغارب، وطلبنا منهم أن يكونوا لبنات نافعة في المجتمع، بينما نسخر لهم أن يكونوا وسائل هدم وأمور سيئة للدين وللوطن، فنسال الله عز وجل العافية.

جهز الرسول عليه الصلاة والسلام هذا الجيش، وأمر عليهم أسامة بن زيد، لكن هذا الأمر كان قبل أيام فقط من مرضه، يعني قبل أسبوعين تقريبا إلى ثلاثة أسابيع من موته. فجهز وخرجوا، لكن لما مرض النبي صلى الله عليه وآله وسلم، استقروا خارج حدود المدينة ينتظرون أن يتعافى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأن يأتيهم الخبر بقيامه من مرضه كي يستمروا في طريقهم.

هذا هو ما اتسع له وقت هذه الحلقة، على أمل اللقاء بكم في الحلقة الخاتمة والأخيرة إن شاء الله وقدر. إلى ذلك الحين أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.