بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بعد فتح مكة وقدوم الوفود على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بعد فرار جحافل الروم وعجزها وخوفها من مقابلة جيش الإسلام، كل ذلك بالإضافة إلى استسلام جزيرة العرب في أقل من عشر سنوات، ذلك كان إيذاناً بقرب أجل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإعلاناً بانتهاء مهمته صلى الله عليه وآله وسلم، وكان لذلك علامات.
فمن علاماتها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لمعاذ قبل أن يبعثه إلى اليمن: يا معاذ، لعلك لا تلقاني بعد عامي هذا، أو لعلك تمر على مسجدي وقبري. وكان معاذ يبكي رضي الله عنه وأرضاه هلْعاً من لوعة الفراق، وإن كان يعلم أن الموت حق لا ريب فيه.
كذلك من العلامات أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يعتكف في العشر الأواخر من رمضان، وكان جبريل عليه السلام يراجعه القرآن في كل عام مرة واحدة، إلا في العام الأخير فإنه اعتكف عليه الصلاة والسلام عشرين ليلة، ورجعه جبريل مرتان، رجعه القرآن مرتان.
كما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال للمسلمين الذين معه في حجة الوداع: خذوا عني مناسككم، لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا. وكان صلى الله عليه وآله وسلم في الموسم يودع الناس كما جاءت الرواية، وطفق يودع الناس، فكان هذا التوديع وهذا الكلام تعريضاً منه عليه الصلاة والسلام باقتراب أجله.
ومن العلامات نزول قول الله تعالى: ﴿ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينًا﴾ [المائدة: 3]. فاذا كان الدين قد كمل، فهذا مشعر بأن مهمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد أزفت على الانتهاء.
ومن العلامات نزول سورة إذا جاء نصر الله والفتح في ثاني أيام التشريق. وقد كان عمر رضي الله عنه وأرضاه عندما كان أمير المؤمنين، كان يجمع في مجلسه كبار الصحابة، ويدخل معهم عبد الله بن عباس بن عبد المطلب رضي الله عنهما، حبر هذه الأمة ترجمان القرآن وابن عم النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
فكان الصحابة يتذمرون، يقولون يعني يا عمر إن من أبنائنا من هم أقدم هجرة وأكبر سناً من ابن عباس. فسألهم ذات يوم: أرايتم قول الله تعالى: ﴿إِذَا جَآءَ نَصۡرُ ٱللَّهِ وَٱلۡفَتْحُ﴾ ماذا تعلمون فيها؟ قالوا: كما هو ظاهر السورة، أنه إذا جاء نصر الله والفتح، وفتح الله تعالى البلاد عليك، ورايت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً، فهذا حري بك أن تسبح الله وأن تدعوه وأن تستغفره، فإن الله كان تواباً.
فسأل عمر رضي الله عنه ابن عباس، فقال له: يا ابن عباس، ماذا تقول في هذه السورة أو في تلك الآيات؟ فقال: هذا نعي الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأنه قد دنا اقتراب أجلك، فاجتهد في التسبيح والاستغفار فإن الله عز وجل تواب رحيم. فقال عمر: والله ما أعلم منها إلا ما ذكرته يا ابن عباس. وهذا دليل على علم عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، ودليل على حكمة عمر؛ لأن بطانة عمر رضي الله عنه وأرضاه لم يكونوا من أولي الجاه والسلطان والمال، بل كانوا من أولي الرأي، من أولي الدين، من أولي العلم، فالأمير يحتاج إلى العالم كي يدله. وهؤلاء هم أولو الأمر منا، لا ينفك أحدهم عن الآخر ليعينه، إما بالسلاح والسنان، وإما بالرأي واللسان.
فهذه السورة عندما نزلت كانت إشارة وبشارة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم باقتراب أجله. وقد جاء أيضاً أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خطب أصحابه ذات يوم فقال: إن الله خير عبداً بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ذلك العبد ما عند الله عز وجل. فبكى أبو بكر، فتعجب الصحابه، يعني قالوا: انظروا لهذا الشيخ يبكي على أمر ما فيه داعي للبكاء، الله عز وجل خير عبداً من عباده بين هذه الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عند الله. النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يخبر عن نفسه، وأبو بكر علم من هذا التخيير أنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لذلك بكى.
فقال صلى الله عليه وآله وسلم: إن آمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر. فهذا اعتراف منه عليه الصلاة والسلام بفضل أبي بكر وتقديره لصحبته، فهو ثاني اثنين إذ هما في الغار، وهو رفيقه في الهجرة، وهو خليفته صلى الله عليه وآله وسلم، وما لا يدخل إلا يقول: ذهبت أنا وأبو بكر وعمر، وجئت أو رجعت أنا وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما.
وقال عليه الصلاة والسلام: ولولا أن صاحبكم خليل الرحمن لاتخذت أبا بكر خليلاً. وأمر بأن تسد كل الأبواب التي تدخل إلى المسجد إلا باب أبي بكر، وفي هذا أعظم إشارة إلى أن أبا بكر رضي الله عنه هو خليفته صلى الله عليه وآله وسلم، بالإضافة إلى ما سيأتي.
النبي صلى الله عليه وآله وسلم اشتكى من هذا المرض الذي توفاه الله تعالى فيه بعد عودته من حجة الوداع بحوالي ثلاثة أشهر، فاشتكى تقريباً ما بين الأسبوعين، تزيد يوماً أو يومين أو تنقص. ومنهم من قال إنه اشتكى عشرة أيام، وأنه صلى الله عليه وآله وسلم استغرق أياماً. نحن نعلم أنه توفاه الله عز وجل في يوم الاثنين، يوم الثاني عشر من ربيع الأول، هذا باتفاق المسلمين. العجب العجاب أن الذين يدعون محبته عليه الصلاة والسلام يحتفلون في هذا اليوم زوراً وبهتاناً بميلاده، فيجعلون يوم الثاني عشر من ربيع يوم فرح وسرور وبهجة، يأتون بأمم مبتدعة وهم يعلمون يقيناً أن الله توفاه في هذا اليوم. فهل هو يوم أحق بالحزن والشعور بالأسى، أم هو أحق بالفرح والسرور وإظهار ذلك؟
طبعاً كلا الامرين منكر، فلا يظن ظان أنه لا والله احنا ما نحتفل بالمولد يوم الثاني عشر، لكن نجعله مأتماً ونقيم سرادقاً أو يعني نوزع كذا يعني حزناً، لا، هذا أمر أيضاً منكر ومبتدع أعظم؛ لأن الخير كل الخير في اتباع ما كان عليه القرون الثلاثة المفضلة. عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي. قال عليه الصلاة والسلام: «خير القرون قرني، والذين يلونهم، والذين يلونهم». إذاً خير القرون قرن الصحابة والتابعين وتابع التابعين، وهؤلاء كلهم لم يكونوا يحتفلون لا بعيد مولده صلى الله عليه وآله وسلم، ولا بعيد وفاته صلى الله عليه وآله وسلم.
وقد توفاه الله تعالى وهو ابن ثلاث وستين سنة. وبدء مرضه عليه الصلاة والسلام فعلياً، كما يقول أهل السير، بدأ من العام السابع بعد خيبر عندما دعته زوجه سلام بن مشكم اليهودية إلى شاة، فقبل دعوتها عليه الصلاة والسلام، وهي وضعت في كتف الشاة السم الكثير، ووزعت وفرقت السم في أنحاء الشاة، لكن خصصت الكتف لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان أحب اللحم إليه من الشاة الكتف. فالرسول صلى الله عليه وآله وسلم استجاب دعوة المرأة اليهودية وأكل من تلك الشاة، ولم يسالها أهي مذبوحة أم لم تكن مذبوحة؟ لأن اليهود من أهل الكتاب، فأهل الكتاب الأصل فيهم أنهم يذبحون، وما أمرنا أن نستقصي. وما سالها أهو من مال حلال أم من مال حرام؟ لأن الأصل أن الكسب إثمه وزره على مكتسبه، فلهم أو عليهم الغرم، ولنا الغنم. ذهب وأكل عليه الصلاة والسلام لقْمَة واحدة لاكها ثم لفظها، وأخبر صلى الله عليه وآله وسلم أن الله أنطق الشاة فأخبرته أنها مسمومة.
معنا فاصل قصير، أبقوا معنا، وبعدها سنواصل باذن الله عز وجل إذا أردت أن تتعرف على دينك أكثر، أن تزداد علماً وتنهل خيراً، أن تسمع وترى ما.
أكل منها لقمة واحدة عليه الصلاة والسلام ولفظها، لكن السم الذي فيها من قوته أثر في جسده عليه الصلاة والسلام، فكان يوعك مرة بعد أخرى ويقول: هذا من أثر السم الذي وجدته في اللقمة في خيبر. وكان يتألم صلى الله عليه واله وسلم ويقول: هذا أوان انقطاع أبهرى بسبب ذلك السم. وكان معه أحد أصحابه الذي أكل من الشاة ومات بسبب هذا السم.
قتلت المرأة بعد أن عفا عنها النبي عليه الصلاة والسلام، يعني المرأة عندما سئلت لماذا فعلت ذلك قالت: أردت أن أععلم إن كان نبيا فالله سيحييه وينقذها، وإن كان دجالا أرحت الناس منه. فعفا عنها النبي عليه الصلاة والسلام فيما يتعلق بحقه، لكن أولياء الصحابي المقتول أرادوا القصاص فقتلت ببغيه أو بمن تسببت في قتله.
ثم إن النبي صلى الله عليه واله وسلم دخل ذات يوم قبيل وفاته على أمنا عائشة وكانت تشتكي من رأسها، فقالت: أو رأساه تتألم. وهذا فيه دليل على جواز الإخبار بالحال، بعض الناس ذهب إلى أن التأوه والتوجع غير مشروع، حتى إنه يروى أن الإمام أحمد رحمه الله كان في مرض موته وسأل من حوله عن التأوه فأخبروه أن طاوسا رحمه الله قد روى أن يكتب على الإنسان كل شيء حتى التأوه في مرض موته، فقالوا الرواية تقول إن الإمام أحمد لم يتاوه بعدها، إن صحت الرواية فهذا محمول على اجتهاد من الإمام رحمه الله. أما ما يفعله الناس من أمور عادية مقبولة من التأوه والتوجع من الإخبار لا حرج فيه.
أمنا عائشة تقول: ورأساه يا رسول الله. فقال عليه الصلاة والسلام: بل أنا يا عائشة ورأساه، يعني أنا الذي أجد من الصداع الشيء العظيم. كيف بك يا عائشة؟ يعني يداعبها عليه الصلاة والسلام يقول: كيف بك إذا أنت مت فغسلتك وكفنتك ودفنتك؟ فقالت: إذا يا رسول الله تذهب فتعرض عند أحد زوجاتك؟ يعني هي حتى في الموت هنالك الغيرة بين الزوجات، يعني أنت مت خلاص انتهى الموضوع، لكن مع ذلك رضي الله عنها وأرضاها لا تحمل هم الموت بقدر ما تحمل أن الرسول يذهب إلى إحدى زوجاته صلى الله عليه وسلم أو يتزوج امرأة أخرى، وعلى هذا جبلت النساء.
إن الإنسان ينبغي أن يعرف كيف يتعامل مع النساء، كيف تفكر المرأة ويقدر لها قدرها. أما أن يتعامل كأنه يتعامل مع رجل في إدارة أو في شركة ويريد المنطق ويريد الحسابات هذا ما يصلح في الأمور التي تتعلق بالغيرة. فمرض صلى الله عليه واله وسلم وبدا مرضه عند أم المؤمنين ميمونة، فأحس بصداع قوي وحس بوعكة، هذا المرض نزل به في أواخر صفر من السنة الحادية عشرة للهجرة المباركة، وثقل عليه الوجع وهو في بيت أم المؤمنين ميمونة فلم يستطع الخروج.
ولما أحس بالتعب والمرض كان يسال: أين أنا غدا، أين أنا غدا؟ فعرفن أمهات المؤمنين أحسن أن النبي صلى الله عليه وسلم يحب أن يمرض في بيت عائشة لحبه لها، وفي نفس الوقت لتفانيها في خدمته. وهذه مسألة نفسية يرتاح المريض حيث يرتاح، وفيها أن أمهات المؤمنين لم تغلب عليهن الأنانية وحب الذات بل رضيين وسمحن بذلك نفسا، لأنهن كن يحبن حب النبي صلى الله عليه وسلم بلغ في قلوبهن الشيء الكثير.
فأذن للرسول أن يمرض في بيت أمنا عائشة، فخرج من عند ميمونة وهو يتهادى بين الفضل بن العباس وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما، وهما ابنا عمه، ما يستطيع يمشي عليه الصلاة والسلام من كثرة التعب والصداع الذي أهوى قواه فلم يستطع السير على قدميه، فانتقل بينهما وقد ربط على رأسه عصابة وهي إلى أيامنا هذه تستخدم في كثير من الشعوب يربطون الرأس ويشدون العصابة كي تذهب شيئا من الصداع، يجرونه جر وتخط رجلاه في الأرض عليه أفضل الصلاة واتم السلام حتى دخل بيت أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها.
اشتدت وطأة المرض على النبي عليه الصلاة والسلام إلى درجة أنه لم يستطع أن يصلي بالمسلمين. أن تتخيل أن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يضيع فرضا قط، وبيت ملاصق للمسجد، وانه يوصي الناس بالصلاة صلاة الجماعة هاته الفريضة التي فرط فيها أكثر المسلمين. أكثرنا ينتسب إلى الإسلام، أنت مسلم وافتخر ما شاء الله، ابحث عنه في صلاه الفجر تجده متلحفا بإزاره أو بردائه أو مدثرا، والله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر: 1-2] ويقول: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: 1-2]، وهذا في سابع نوم، ثم يقول: أنا مسلم! أي إسلام أنت تدعي؟
لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم انقلب أنا ورجال معي إلى بيوت أقوام لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم البيوت، ولولا ما فيها من الرجال ولولا ما فيها من النساء والذرية لفعلت. صلاة الجماعة هذه الأصل، صعب أن تجد إنسانا يدعي الإسلام ويدعي طلب العلم، يعني تجد إنسانا في أكاديمية ما شاء الله ويتعلم العلم الشرعي ويتفقه ويكتب، ثم صلاة الفجر لا تجده، صلاة العصر نائم، صلاة العشاء مشغول، يبرر لنفسه هذه الأمور، ما هذا هو الإسلام حقيقة.
النبي عليه الصلاة والسلام ما تخلف عن الصلاة قط، لكن المرض له أحكامه، وهو من الأعذار التي تبيح للمسلم أن يترك الصلاة. فالرسول عليه الصلاة والسلام ما استطاع أن يصلي، وكان يوعك وعكا شديدا يختلف عن مرضي ومرضك. حتى إن ابن مسعود رضي الله عنه عبد الله بن مسعود خادمه الذي أخذ من فمه صلى الله عليه وسلم أكثر من بضع وسور مباشرة لا عن واسطة من الأربعة الذين قال عليه الصلاة والسلام: «خذوا القرآن من أربعة»، قال: ابن أم عبد، وهو عبد الله بن مسعود صاحب أو حامل نعل الرسول عليه الصلاة والسلام.
دخل عليه ذات يوم فوضع يده على صدره فوجده شديد الحرارة في حمى قوية، فقال: يا رسول الله، إنا لنحدث أنك توعك كما يوعك الرجلان منا؟ يعني يا رسول الله إنا نتحدث نحن والصحابه أن مرضك هذا مو مرض عادي، أنت تعاني من مشقة المرض كما يعاني الرجلان منا. فقال: نعم، اشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى المرء على حسب أو على قدر إيمانه، فإن كان في إيمانه صلبا زيد له في البلاء، وإن كان في إيمانه رقة خفف عنه البلاء.
فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يوعك وعكا ويمرض مرضا ما يشبه ما نعانيه نحن، فحرارته كانت ترتفع وجسده كان ينهار وقواه كانت تذهب وتنفذ، حتى أنه عندما اتقدت حرارة العلة في بدنه طلب صلى الله عليه وسلم بالماء يتبرد به، طلب ماء كثيرا فقال: أهريقوا علي سبع قرب من آبار شتى. فجمعوا له سبع قرب كبيرة ضخمة من الماء ومن آبار مختلفة، فأقعدوه تقول أمنا عائشة في مخضب لحفصة في مثل الطشت الكبير وأخذوا يصبون عليه الماء إلى أن قال: حسبكم حسبكم. برد جسده عليه الصلاة والسلام خفت ثورة الحر عن جسده الشريف.
فلما أحس بالخفة استدعى الفضل بن العباس رضي الله عنهما وذهب معه وهو معصوب الرأس إلى المسجد والناس يصلون، فأخذ بيده وجلس على المنبر وقال: ناد في الناس. فاجتمعوا وكانت ظهيرة من سائر الأيام، لكن الكآبة تعلوها لأن قلوب المسلمين قد ملئت بالكآبة لحال النبي صلى الله عليه واله وسلم وتغمرها الرقة لأنهم رأوا الرسول عليه الصلاة والسلام. فلما رأوه أشرابت إليه الأعناق وانشرحت له الصدور، ينتظرون النور وينتظرون الهدي منه صلى الله عليه وسلم.
الله عليه واله وسلم، فأخذ يحدثهم وأخذ يربيهم على عهدهم به كما كان يفعل صلى الله عليه وسلم. أنصتوا لكنهم هذه المرة أنصتوا إلى أمر عجيب، لما النبي صلى الله عليه وسلم أحس بدنو أجله وأس بحنه سيلقى الله ما أحب أن يلقى الله وفي البشر أحد يطلبه بشيء؛ فهو يتحرك والعدالة في شؤونه كلها صلى الله عليه وسلم، كما قال: أنا أمين من في السماء وفي الأرض، من يعدل إن لم أعدل؟ هذا كلامه عليه الصلاة والسلام.
لكن سبحان الله ربما نابه شيء مما ينوب البشر من خطأ أو سهو أو شيء من هذا القبيل، فقال يخطب الناس: أما بعد، فإاني أحمد الله عز وجل، لا إله إلا هو، من كنت جلدت له ظهراً فهذا ظهري فليستقد منه. سبحان الله ومن كنت شتمت له عرضاً فهذا عرضي فليستقد منه! هذا الرسول عليه الصلاة والسلام يتحلل من الأمة وهو رسولهم وهو حبيبهم، وهو من يفتدون صلى الله عليه وسلم بأنفسهم وأموالهم وأولادهم وأزواجهم وآبائهم وأمهاتهم، ومع ذلك الرسول عليه الصلاة والسلام العدل يطلب منهم القصاص: إن كنت أخطأت على أحد، إن كنت تجاوزت الحد مع أحد فليستقد الآن دنيا غدا آخرة، الآن لك الحق في أن تتحلل، غدا لا يوجد درهم ولا دينار، إنما هي الحسنات والسيئات. الصحابة رضوان الله عليهم تعلموا في هذه الأيام أموراً ما تعلموها في سنوات، هذا هو المعلم صلى الله عليه واله وسلم يعلمهم العدل، يعلمهم الحق، يعلمهم أن لا يأتوا على الله عز وجل وعلى أكتافهم وظهور شيء من حقوق الناس.
معنا فاصل قصير وبعدها نواصل بإذن الله عز وجل، كلمات قصيرة تحمل بين طياتها تنبيهاً وتحذيراً خطيراً، وتوجه حواسنا ومداركنا إلى دورنا الحقيقي الذي سنحاسب عليه: كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته. فمن أهم أدوارنا الجديرة باهتمامنا في هذه الحياة التركيز على مسؤوليتنا تجاه رعيتنا، فالآباء الأبناء والاجيال، لذلك خصهم النبي صلى الله عليه وسلم بالذكر، فقال: والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها.
إن الأبناء زهرة الحياة وقرة أعين الآباء والأمهات، وبصلاح ودعائهم ترفع الدرجات في الآخرة، ولكن يجب أن ندرك أن ذلك مرهون بحسن تربيتهم وصلاح نشأتهم، فهنا كان لزاما علينا البحث عن أبرع الطرقات وأفضل الأساليب في التربية والتوجيه، ليكون أبناؤنا في قابل أيامهم مصدر بر وسعاده لنا، وسواعد خير وبناء للمجتمع والإنسانية.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. النبي صلى الله عليه واله وسلم في أيامه الأخيرة، قرابة أربعة أو خمسة أيام قبل الوفاة النبوية، جمع أصحابه المقربين وقال: هلم أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده. فاختلف الصحابة، وكان من المعارضين سيدنا عمر رضي الله عنه، يقول: ما حاجتنا إلى أن يكتب النبي صلى الله عليه وسلم لنا كتاباً وعندنا كتاب الله عز وجل وعندنا سنة الرسول صلى الله عليه واله وسلم؟ فخاف عمر أن يكون هذا من أثر الحمى، وقام الفريق الآخر من الصحابة ويقولون: لا، لابد أن نأتي وننفذ أمر النبي عليه الصلاة والسلام، لعله أن ينيب أحداً أو يستخلف أحداً أو يسمي خليفته من بعده ربما سبحان الله. فاختلفوا وارتفعت أصواتهم عند النبي صلى الله عليه واله وسلم، ولا شك أن قول عمر رضي الله عنه: حسبنا كتاب الله، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكرر الطلب ولم يصر عليه، عرف أن ذلك لم يكن من أمور الشرع أو الدين؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لو كان عنده أمر من امور الدين يريد أن يبلغه لم يثنه عن ذلك شيء، ولا يمكن أن يثنه عن ذلك شيء؛ لأن الله أمره أن يبلغ ما أنزل إليه.
فالصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم كانوا يراجعون الرسول عليه الصلاة والسلام فيما لم يعزم عليه، وكان يرجع، يعني في أمور الرسول يراها عليه الصلاة والسلام ثم يحدثه الصحابة فيرى أن الشورى والرأي معهم فيرجع عن رأيه، كما أراد في غزوة الأحزاب، في غزوة الخندق، أن يصالح غطفان على شطر ثمار المدينة أو ثلث ثمار المدينة، سعد بن عبادة وسعد بن معاذ راجعا النبي عليه الصلاة والسلام وأخبراه أن غطفان لم تكن تطمح وتحلم قبل الإسلام بشيء من تمر المدينة إلا قرى الضيف، فهل هذا شرع وحي أم رأي ارتايت؟ فقال: إنما هو رأي ارتايت هو أردت أن أنفعكم به. فقالوا: لا حاجة لنا به. فنقض الرسول عليه الصلاة والسلام هذا الأمر برمته ولم يقبله ولم يمضه. فكان هذا الكتاب الذي أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يكتب بمحضره ومحضر الصحابة من باب الوصية، كان أمرا ليس من الشرع قطعا، ولذلك النبي صلى الله عليه واله وسلم يعني تركه لاختلافهم ولم يترك التبليغ؛ لأن التبليغ لا يمكن أن يترك، ولعل مما كان أراد أن يوصيهم به عليه الصلاة والسلام أن يوصيهم بإنفاذ جيش أسامة بن زيد، وأن يوصيهم بإجازة الوفود، ونحو ذلك من الأمور كما جاء في كتب السير.
على فراش الموت وفراش المرض، دعا النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة رضي الله عنها وأرضاها سيدة نساء الجنة فسارها بشيء فبكت، ثم سارها بشيء آخر فضحكت. وأخبرت بعد وفاته عليه الصلاة والسلام أن النبي صلى الله عليه واله وسلم أخبرها أنه يموت في مرضه هذا فحزنت وبكت لذلك، ثم أخبرها بأنها أول أهله لحوقا به فضحكت من ذلك، وكان هذا من علامات النبوة.
لما أثقله المرض عن الصلاه بالمسلمين -والصلاة لا شك هي أعظم موضوع أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يأمروا أبا بكر فليصلي بالناس- أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها خافت على أبيها، خافت أن رأى الناس أبا بكر يصلي بهم أن يتشاءم منه، فقالت: يا رسول الله إن أبا بكر رجل أسيف، كثير البكاء، رقيق القلب، لا يفقه الناس من قراءته إن قرأ شيئاً، فمر عمر فليصلي بالناس. فأعاد عليه الصلاة والسلام: مر أبا بكر فليصلي بالناس. فخاطبت أمنا عائشة حفصه، وقالت لها: أخبري الرسول عليه السلام أن أباك يعني يصلي بالناس. فذهبت حفصة وكلمت الرسول عليه السلام فقال عليه الصلاة والسلام: إنكن صويحبات يوسف، مروا أبا بكر بالصلاة. يأبى الله ويأبى الناس إلا أبا بكر. وهذا فيه إشارة واضحة إلى استخلاف أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه.
وكان النبي صلى الله عليه واله وسلم في مرض موته يكثر من الوصاية بالنساء والصلاة والأرقاء، فكان يكثر من قول: الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم. الإسلام يتعرض للكثير من الهجمات، خاصة عندما يأتي الأمر بالنسبة للرقيق والعبيد ومسألة ملك اليمين، لكن انظر ما أوصى به صلى الله عليه وسلم: الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم. وهذا على الإغراء أنكم حافظوا واتقوا الله وارعوهم حق الرعاية.
وفي صلاة فجر يوم وفاته، طبعا هنالك اوقات صلى فيها النبي صلى الله عليه وسلم صلاة عندما أحس بنفسه النشاط فدخل وإذا بالمسلمين في الركعة الأولى، فتأخر أبو بكر وكان الإمام، وجلس النبي صلى الله عليه واله وسلم وعلى يمينه وقف أبو بكر، فصلى النبي صلى الله عليه وسلم قاعداً وأبو بكر قائماً، والصحابة قيام من خلفه يمتون بصلاة أبي بكر. هذه صفة من صفات صلاة العاجز إن كان عاجزاً طارئاً؛ فالإمام إذا صلى بالناس قياماً وصلوا معه قياماً، وفي خلال الصلاة وأثنائها طرأ عليه طارئ فجلس، فإنهم يؤمرون بالاستمرار في صلاتهم قياماً، بخلاف لو أن الإمام بدأ صلاته قاعداً، كما حصل في إحدى الغزوات عندما الرسول عليه السلام أصيب في قدمه فصلى قاعداً، وأراد الصحابة أن يصلوا قياماً من بداية الصلاة، الرسول كان قاعداً فأشار إليهم أن اجلسوا فجلسوا وصلوا معه الصلاة كاملة وهم قعود. هذا إذا كان الإمام ابتدا الصلاة قاعداً، وقد جاء ذلك صريحاً في الحديث.
في فجر اليوم الذي هو الاثنين، والصحابة والمدينة والدنيا ملؤها الاكتئاب والضيق والهم؛ لأن روح هذه الدنيا ومصدر الهدى كان النبي صلى الله عليه واله وسلم وقد مرض في هذا اليوم وهم يصلون صلاة الفجر، كشف الرسول صلى الله عليه وسلم الستارة عن
بيته ونظر إلى المسلمين وهم في صفوف الصلاة، حيث أمرهم وعلمهم، فانشرح صدره وتبسم وضحك وكأنه يودعهم. وهمّ المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم؛ تخيل وأنت تصلي وإذا بك ترى ذاك النور يأتيك من حجرته عليه الصلاة والسلام فتختل النظر، فاذا به هو يضحك وينظر بأبي هو وأمي.
طبعا أبو بكر تأخر في الصلاة؛ يعني رجع كي يأتي الرسول صلى الله عليه وسلم ويصلي كعادته وهو قاعد، فأشار إليه عليه الصلاة والسلام أن أتموا صلاتكم ثم دخل الحجرة وأرخى الستر. يقول أنس: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أحسن هيئة منه في تلك الساعة. فرجع النبي صلى الله عليه واله وسلم إلى حجرته، وظن المسلمون أن الرسول قد أفاق من وجعه، وهذا يحصل عند قدوم الوفاة واقتراب الأجل؛ كثير من الناس تعود لهم الحياة بأقوى ما تكون إرهاصا وإيذانا بأن وقت الفراق قد اقترب، هذه من العلامات التي يراها البعض، وهذا ما رآه الناس.
طبعا أبو بكر كما ظن أنس رضي الله عنه أنه كان في هيئة ما كان في احسن منها، ظن بعد صلاة الفجر أن الرسول عليه الصلاة والسلام قد عافاه الله تعالى ورفع ما به، فخرج خارج المدينة إلى أهله بالسنح في ضواحيها، ضواحي المدينة. ودخلت عليه فاطمة وهو في مرضه فقالت: واكرباه، أو واكرب أباه! فقال لها: «ليس على أبيك كرب بعد اليوم».
قالت أمنا عائشة رضي الله عنها: عاد الرسول عليه الصلاة والسلام من المسجد واضطجع في حجري، ودخل علينا عبد الرحمن بن أبي بكر، وكان صلى الله عليه وسلم في قمة التعب وفي قمة الإرهاق. أمنا عائشة في هذه الفترة كانت ترقي الرسول عليه الصلاة والسلام، وكانت تجمع كفيه الشريفة وتقرأ فيهما بالمعوذات وتمسح على جسده بيديه رجاء بركة ما على جسده الشريف. فالرسول اضطجع في حجرها صلى الله عليه وسلم ورأسُه بين نحرها، وكما جاء في الحديث.
ودخل عبد الرحمن بن أبي بكر وفي يده سواك أخضر اللون، فنظر إليه عليه الصلاة والسلام فعرفت من نظرته إلى أنه يريده، فأخذته منه فلينته للرسول عليه الصلاة والسلام؛ يعني عضت هذا السواك ولينته ثم أعطته الرسول عليه الصلاة والسلام فاستن به أشد ما يستن؛ يعني بقوة تسوك بهذا السواك ونظف فمه، وهذا حال من يريد أن يصلي أو يلاقي من يحب. ثم وضع السواك وادخل يده في إناء وجعل يمسح على وجهه بالماء ويقول: «لا إله إلا الله، إن للموت سكرات».
تقول: ووجدت النبي صلى الله عليه وسلم يثقل في حجري، فذهبت أنظر في وجهه فإذا نظره قد شخص؛ يعني خلاص اخذ ينظر إلى السماء ويقول: «بل الرفيق الأعلى في الجنة». فعرفت أن النبي صلى الله عليه وسلم يخير، وما من نبي يقبض إلا ويخيره ملك الموت إن كان يريد الاستمرار في الدنيا أم يريد أن يقبض، فعلمت أنه يخير، وقبضت روحه صلى الله عليه واله وسلم وراسه في حجر أمنا عائشة حين اشتد الضحى، وقيل حين زوال الشمس.
دخل أبو بكر وكان غائبا، فكشف عن وجه النبي صلى الله عليه واله وسلم وقبله، وخرج إلى الناس وهم بين منكر ومصدق، فرأى عمر يكلم الناس منكرا موت النبي عليه الصلاة والسلام، فاجتمع الناس على أبي بكر. فقال: أيها الناس؛ طبعا عمر يهدد: لا ياتين الرسول عليه الصلاة والسلام من غيبته كما غاب موسى أربعين يوما وسيقع أيدي وأرجل أقوام يدعون أنه قد مات. سكت أبو بكر فلم يستمع لأنه ما كان في وعيه، فاعتل المنبر وحمد الله وثنى عليه ثم قال: أما بعد أيها الناس، من كان منكم يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت. وقرأ قول الله عز وجل: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: 144].
فسكن الناس، وجلس عمر على الأرض لا تحمله قدماه كأنهم لم يسمعوا هذه الآية إلا في تلك الساعة. وقالت فاطمة رضي الله عنها وأرضاها: يا أبتاه أجاب ربا دعاه، يا أبتاه من جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلى جبريل ننعاه.
وبذلك انتهى فصل من اعظم فصول الدنيا، انتهت حياة سيد المرسلين محمد صلى الله عليه واله وسلم على هذه الدنيا لتبدأ حياته في جنات النعيم وليل ما قدم أو جزاء ما قدم في هذه الدنيا عند الله وهو أرحم الراحمين. ومن اصابته مصيبة وأراد أن يتعزى فليتعظ بمصيبتي بالنبي عليه الصلاة والسلام، اعظم المصائب على المسلمين كانت وفاته صلى الله عليه واله وسلم وانقطاع الوحي. كما كانت تفعل أم أيمن رضي الله عنها وأرضاها عندما يلقاها أبو بكر وعمر فتبكي، فيسألانها: ماذا تبكين؟ قالت: أبكي لانقطاع الوحي من السماء.
وبهذا ناتي على ختام هذه المجموعة المباركة والدروس القيمة من سيرة عطرة لخير خلق الله عز وجل، من سيرة النبي صلى الله عليه واله وسلم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
يا راغبا في كل علم نافع متطلعا لزيادة الإيمان، وتريد سهلا النوال ميسرا يأتيك ميسورا بأي مكان.
زاد زاد أكاديمية ينبوعها صاف صاف ليروي غلة الظمآن، والسيرة العلياء عاطرة الشذا طيب يفوح لأهل كل زمان.
بشرى نازة أكاديمية للعلم كالازهار في البستان.
الشيخ عاصم الحكيم