تسجيل الدخول

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. في درسنا التاسع من سيرة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، نتحدث عن سرعة جريان الأحداث في مكة كرمها الله عز وجل وشرفها. فبعد أن أعلنت الدعوة وأصبحت جهرية، وصرح النبي صلى الله عليه واله وسلم وجهر في الناس بالدعوة ولم يستتر بها، اشتدت أذية المشركين للمسلمين، فأذن لهم عليه الصلاة والسلام بالهجرة الأولى والثانية إلى الحبشة. ثم ازداد عز وقوة ومنعة المسلمين عندما دخل في الإسلام حمزة وعمر رضي الله عنهما، فحاولت قريش بشتى الوسائل أن تمنع هذه الدعوة وأن تكبح جماحها فما استطاعت.

فأرادوا قتل النبي عليه الصلاة والسلام، فعرضوا عليه الإغراءات، عرضوا عليه المساومات، حاولوا أن يغروه بالنساء، بالمال، بالملك، بما شاء. فلما وجدوا أنه لا فائدة من ذلك، ساوموا بني هاشم وبني عبد المطلب على أن يسلموهم النبي عليه الصلاة والسلام، ويدفعوا لهم ديته مرتين أو ثلاث أو أضعاف مضاعفة. فلما أبَت عليهم نخوتهم وقرابتهم وحميتهم، أجمعت قريش على أن يقاطعوا بني هاشم واضطروهم إلى الذهاب إلى شعب أبي طالب، فأخرجوهم من ديارهم ومن أموالهم. فذهب بنو هاشم ودخل معهم بنو عبد المطلب مؤمنهم وكافرهم، فأما المؤمنون فلا غرابه في ذلك، أما الكفار فذهبوا كما يقول أهل العلم عصبية وحمية للقرابه والرحم.

فاجتمعت قبائل قريش وكتبوا في ذلك وثيقة ظالمة جائرَة أجمعوا فيها أنهم لا يناكحون بني هاشم ولا يبيعونهم ولا يشترون منهم ولا يعينونهم ولا يقبلون منهم صلحا ولا تأخذهم بهم رأفة. كتبوا هذه الصحيفة أو الوثيقة الظالمة وعلقوها في جوف الكعبة إمعانا منهم في التوكيد. فدخل في شعب أبي طالب بنو هاشم وبنو عبد المطلب ولم يخرج منهم إلا أبو لهب لعنه الله. مكثوا في هذا الشعب ما بين السنتين والثلاث سنوات، منعوا منهم الطعام، منعوا أي أحد يريد أن يبيعهم أو يشترى منهم، كانوا يأتون إليه فيعطون أضعافا مضاعفة ولا يسمحوا بذهاب أي شيء من الطعام إلى المسلمين. أُوذوا أذية عظيمة، ليس الأمر يوما أو يومين أو حصار شهر أو شهرين، بل إنه طال ليصل إلى السنوات؛ قيل سنتين والجمهور على أنه ثلاث سنوات عجاف لقي المسلمين فيها العنت والجوع.

لكن السؤال هو: ما الذي صبر الناس على استحمال مثل تلك الأذية؟ أما مشركو بني هاشم وبني عبد المطلب فقد صبروا حمية وغيره على القبيلة ونصرة للقرابة والرحم، كما أنهم كانوا عربا أحراراً أبوا الذل والمهانة ويرضى أحدهم بالموت على أن يذل، فكيف لهم أن يخرجوا وأن يضعوا يدهم في يد من عذبوا عشيرتهم وقومهم ومن بينهم وبينهم الرحم؟ هذا حال كفار بني هاشم وبني عبد المطلب.

أما المؤمنون فقد لقوا من ذلك مشقة عظيمة، سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وأرضاه يحكي لنا شيئا من تلك الصعوبات وأنهم كانوا يجوعون حتى يأكل ورق الشجر، ويضع أحدنا يقول: كما تضع الشاة من قسوة هذا الطعام الذي يأكلونه، كما جاء عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه: كان أحدنا يضاع كما تضع الشاة من شدة الجوع وشظف العيش، وأنتم اليوم تظللون كما تظلل البقر أو البعير أو كما قال رضي الله عنه وأرضاه.

فاذا هذا الطعام يؤثر في الإنسان، يقول سعد رضي الله عنه: ذهبت ذات يوم لكي أقضي حاجتي فسمعت قعقعة تحت بولي، يعني وهو يقضي حاجته يتبول، سمع الصوت تحت بوله فنظرت فإذا هي جلدة بعير -يعني جلده من بعير ميت- فأخذتها وغسلتها ومرقتها وسففتها فتقويت بها ثلاثة أيام. أمر عجيب، أمر لا ياكله البشر في حالاتهم العادية، ولكن عند المجاعة وعند المسغبة وعند الفاقه والحاجه يضطر الإنسان إلى ركوم أسنة الرماح إن لم يجد غيرها مركبا.

المسلمون صبروا ثلاث سنوات، فبما استعانوا كي يتصبروا على هذه اللواء وتلك المشقة؟ يقول أهل العلم إن هرقل عندما سأل أبا سفيان فقال له: هل يرتد أحد عن دينه بعد أن يدخل فيه؟ فقال أبو سفيان: لا. فقال هرقل: وكذلك الإيمان إذا خالطت بشاشته القلب. هذا الكافر هرقل يعرف أن الإيمان إذا خالطت بشاشته القلب لم يرتد عن دين الإسلام أحد. فهؤلاء الذين كانوا في الشعب امتلات قلوبهم بالإيمان وبالتوحيد وبمعرفته عز وجل فهان عليهم كل شاق.

كما أنهم وجدوا القيادة المؤمنة القدوة، وجدوا الأسوة معهم، وجدوه عليه الصلاة والسلام يشاركهم في كل صغيرة وكبيرة. وهذا أصل في القيادة، صعب انك تجد من يأمر الناس بالتقشف وبشد الحزام وبترشيد في النفقات وهو سفيه يضيع أمواله في كل ما يسخط الله ويغضب. صعب أن تجد من يأمر الناس بأن يصبروا على شظف العيش وهو يسكن في القصور وياكل أطايب الطعام، ما يصبر الناس عادة على مثل ذلك. ولذلك كان أمره عليه الصلاة والسلام لأصحابه: «انكم ستجدون أثَرَةً فاصبروا حتى تلقوني على الحوض»، يعني ستجدوا استئثاراً من ولاة الأمر الظالمين، اصبروا لا تخرجوا عن الطاعة، لا تخلعوا يدا من طاعة ولا ترفضوا بيعة، إنما اصبروا ولو وجدتم هذه الأثرة بين الناس أو في الناس. وهذا منه صلى الله عليه واله وسلم أمر لامته.

أنت إذا نظرت الآن تجد أن الذين يعظون والذين يتكلمون في الناس يخالف قولهم فعلهم، لِمَ تقولون ما لا تفعلون؟ النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن في قصره أو في بيته بمنأى عما الناس فيه، إنما كان معهم في الشعب يلقى ما يلقون، ويجوع كما يجوعون، ويؤذى كما يؤذون صلى الله عليه واله وسلم.

من الأمور التي دعت الناس إلى الصبر في ذلك الشعب أنهم كانوا يشعرون بمسؤولية الدين، وكانوا يشعرون بان ما يقومون بفعله سيؤثر إيجابا أو سلبا على من خلفهم. لذلك كانوا يشعرون بأهمية هذا الدين وكانوا يرون أنه لابد لهم من الصبر، لأنه بالصبر تنال المطالب بعد توفيق الله عز وجل. فعرفوا أنهم إذا تنازلوا، أنهم إذا وهنوا أو ضعفوا، فإن ذلك سيؤثر على شرع الله عز وجل، وعلى انتشار الدين، وعلى مستقبل الإسلام. فلذلك كان ذلك من أعظم الدوافع لهم في الصبر على ما يلقونه من مشقة.

كذلك من أهم أسباب الصبر في شعب أبي طالب أنهم مؤمنون بموعود الله عز وجل، وهذه نقطة هامة عند الذين يشتغلون بالدعوة؛ إن لم يكن في القلب إيمان وصدق ويقين بأن موعود الله حق عز وجل لا تكاد تجد من يثبت على دين الله عز وجل. لذلك الأصل أن يكون هنالك عقيدة، هؤلاء عرفوا أنهم سيموتون إن لم يكن اليوم فربما الغد وربما بعد فترة، ولكن كما قال عز من قائل: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ [الزمر: 30]، فهذا حق لا مرية فيه. فهم يؤمنون بأن بعد الموت حساب وأنه جنة ونار وثواب وعقاب، لذا كانوا صابرين موقنين بموعود الله عز وجل، يحتسبون الأجر وينتظرون الهزيمة للكفار كما وعد الله، والنصر للإسلام كما وعد الله عز وجل.

لكن كما قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 140]، هي أيام تمضي ودقائق، ولكن من صبر نال الأجر، ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بَيِرْ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10]، فكان ذلك من أعظم الأسباب لهم في الصبر على ما يلقونه من مشقة. فاصل قصير ونواصل باذن الله عز وجل.

كثيرا ما نجد المناهي الشرعية في السنة النبوية مذيلة بالتوجيه إلى البديل المناسب، فمن السنة أن يكون مع النهي عن الخطأ إرشاد إلى البديل الشرعي إن وجد؛ لا لأن البديل شرط للكف عن المحذور، ولكن لأن النفوس ضعيفة والشيطان يكيد لها، فاذا لم يكن ثمه بديل فالآخرة سلوى المؤمن عن كل شهوة ذرها لله.

سلام عليكم ورحمة الله. قريش حاولت جهدها في أن تئد هذه الدعوة في مهدها، فلما عجزت عن ذلك حاولت إغراء النبي عليه الصلاة والسلام، حاولت شراءه صلى الله عليه وآله وسلم، فلما عجزت عن ذلك حاولت أذيته وتصفيته جسديا، فلما أبَت عليهم بنو هاشم وبنو عبد المطلب قاطعوهم وأذوه وحاصروهم ولم تأخذهم بهم رأفة. وهذه حال أعداء الله عز وجل في كل مكان، وهو أمر ليس بالمستغرب من الكفار، لكن المستغرب هو أن المسلمين لا يقومون بمثل هذه الأعمال وهو خطأ، فالمقاطعة أمر مشروع. نحن نسمع أنهم يقاطعون دولاً لا توافق سياساتهم مثل كوريا الشمالية، مثل كذا، مثل كذا، هذا حقهم، لكن المسلمين المشكلة أنهم لا يفعلون ذلك.

والمقاطعة الاقتصادية أمر قد فعله من قبلنا سيدنا ثمامة بن أثال رضي الله عنه وأرضاه، عندما منع الحنطة من أن تصل إلى قريش، فلما اشتد عليهم الأمر أرْسلت قريش إلى النبي عليه الصلاة والسلام في المدينة ترجوه وتناشده الله والرحم؛ فأمر المقاطعة الاقتصادية مقبول لكن بضوابط، لكن بأهداف سامية، أما ما فعلته قريش فكان ينافي كل ذلك. ما الذي كان يدعو إليه النبي عليه الصلاة والسلام؟ هل كان يدعو إلى قطيعة الأرحام؟ هل كان يدعو إلى عنف أو إزالة الدماء؟ هل كان يدعو إلى التخريب؟ كان يدعوهم إلى توحيد الله عز وجل، ولذلك هاجوا وماجوا وحاربوا.

وانظر في أيامنا هذه أي أحد يدعو إلى الله عز وجل، يطالب بتوحيد الله سبحانه وتعالى، يطالب بشرع الله عز وجل تحكيماً وتطبيقاً، يطالب بالأخلاق الفاضلة وبحماية السلام في الإعلام، في المجتمعات، في الأعمال، في السياسة، في الاقتصاد في كل شيء: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج: 8]. لماذا نقموا من النبي عليه الصلاة والسلام ومن معه؟ لتوحيدهم الله عز وجل. كانوا يسمعون صياح الأطفال والنساء والعجزة من الجوع والألم والقهر، ومع ذلك لم يفعلوا شيئاً، مثل ما نراه للأسف الشديد من سكوت المسلمين على ما يحصل في بلاد الإسلام والمسلمين.

نرى تضور وموت المسلمين جوعاً في سوريا وفي غيرها من المدن التي هي واقعة تحت الاحتلال الغاشم الكافر وتعاون دول الكفر عليهم، ولا نسمع من المسلمين من يتحرك أو يهب للنجدة، ولذلك هذا الأمر يدل على ضعف الإيمان ويدل على أن الدول والأمم تصعد وتهبط بسبب اختياراتها بعد قدر الله عز وجل. كَمْ من وامعتصماه انطلقت ملء أفواه الصبايا اليُتَّم لامست سما أسماعهم ولم تلامس نخوة المعتصم! سبحان الله، ما من معين ولا ناصر إلا الله رب العالمين.

هؤلاء المشركون هانت عليهم الأرحام؛ لأنه ما من بيت إلا وقد نكح من بني هاشم أو بني عبد المطلب أو أنكح إليهم، لكن هانت عليهم هذه الأمور. بعد مضي ثلاث سنوات عصيبة شديدة، قام جماعة من المشركين هَبَّت فيهم النخوة، كانوا خفاء يرسلون بعض الطعام، يهربون كما هو المصطلح المتداول ناقة عليها طعام، يهربون شيئاً من الغذاء أو الدواء، لكن الأمر ما كان يكفي. فقام جماعة منهم واتفقوا سرا، جاء في السيرة أن هشام بن عمرو بن ربيعة، وزهير بن أبي أمية، والمطعم بن عدي -هذا الذي قال النبي صلى الله عليه وسلم لولده الجبير: «لو أن أباك كان حيا وكلمني في هؤلاء النَّتْنى لأطلقتُ له فيهم»- كذلك قام أبو البختري بن هشام وزمَعَة بن الأسود.

اتفقوا سرا، لقي أحدهم الآخر فقال له: أيرضيك ما يحصل ببني هاشم وبني عبد المطلب؟ هم قرابتنا ورحمنا وجماعتنا وأهلونا؛ منهم من أمه مثلاً عاتك بنت عبد المطلب وهي معه، ومنهم من كذا، ومنهم من كذا. فقال: لا. ولكن من يعني يقوم؟ قال: نجد من يقوم. قال: إنما أنا رجل واحد، وأنا وانت اثنان فابغِ لنا ثالثا. فخاطب الثالث فقال: ابغوني، فغوثوا حتى إذا اجتمع أولئك الخمسة اتفقوا على أن يجتمعوا في مجلس من مجالس قريش ويقوموا بالاعتراض على هذه الوثيقة الجائرة الظالمة.

فاجتمعوا وكان أبو جهل في المجلس، فقام هشام بن عمرو بن ربيعة أو أحدهم فقال: هذا أمر ما يُقبل، أيعقل أن جماعتنا وقرابتنا ورحمنا يضطهدون ويجوعون بهذه الطريقة ونحن شهود؟ والله لننقضن هذه الصحيفة. فقام أبو جهل قال: اخسَس، والله لا تفعل. فقام زهير بن أبي أمية فقال: بلى والله لننفعلن. فقال: لا تستطيع أن تفعل. فقام الثالث وقام الرابع وقام الخامس، فلما تَمَالَأ القوم قال أبو جهل: هذا أمر دَبُر بليل. وهذا يدل على أن الخطط الناجحة لابد لها من استراتيجية، لابد لها من تخطيط ولابد لها من تنفيذ، فإذا نفذت على وجهها قدر الله عز وجل أن تاتي بثمارها.

أما العمل الارتجالي بلا تخطيط بلا تنظيم بلا تنفيذ كما ينبغي فيفشل، وكم من أعمال دعوية وكم من مشاريع طيبة وبنوايا صالحة فشلت بسبب سوء التخطيط والتنفيذ. فقام القوم إلى تلك الصحيفة، جاءت بعض الروايات في السير أن الله أوحى إلى نبيه عليه الصلاة والسلام فأخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أبا طالب، الذي أخبرهم بدوره أن الله عز وجل قد دَمَّر صحيفتهم.

ففتحوا باب الكعبة ودخلوا فوجدوا الصحيفة قد مُحيَ منها لفظ الجلالة -وقيل العكس، قيل إن الآكل أو الدابة الأرض أكلت كل الصحيفة ولم تُبقِ إلا لفظ الجلالة فلم يبقَ فيها أي شيء من كلام الظلم والجور الذي اتفقت عليه قريش وما فعلوه- فعرف الناس أن الله عز وجل لم يكن ليوافق على فعلهم؛ فخرج بنو هاشم وبنو عبد المطلب من شعبهم ورجعوا إلى دورهم وبيوتهم ورفع عنهم الحصار.

وهذا فيه أن الله عز وجل ينصر عباده المؤمنين ولو بعد حين، كما جاء في حديث خباب بن الأرت رضي الله عنه أنه قال: أتينا النبي صلى الله عليه واله وسلم وهو متوسد رداءه في ظِل الكعبة، فقلنا له: يا رسول الله ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو الله لنا؟ ألا ترى ما يُفعل بنا؟ فاعتدل صلى الله عليه واله وسلم وقال: «إنه كان من قبلكم ليوؤتى بالرجل فيُمشط بأمشاط من حديد ما بين اللحم والعظم على أن يرجع عن دينه فلا يرجع، ويؤتى بالرجل فيوضع المنشار على مفرق رأسه فينشر أو يشق نصفين ولا يعود عن دينه».

أنت متخيل هذا الأذى والعذاب؟ أن ينشر الرجل نصفين! أن يمشط بأمشاط من حديد ما بين اللحم والعظم بلا مخدر بلا مهدئ بلا أي شيء على أن يرجع عن دينه وهو يأبى. قال عليه الصلاة والسلام: «والله ليتمَنَّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت -أو قال: حتى تسير الظعينة من صنعاء إلى حضرموت- لا تخشى على نفسها إلا الله والذئب، ولكنكم تستعجلون».

هذه العجلة هي سبب معظم آفات الناس، وكما يقال: العجلة من الشيطان. هذا الاستعجال هو الذي يؤثر سلبا في دعوة الناس عندما لا يصبرون ولا يحلمون ولا يتلطفون، عندما يستعجل الداعي إلى الله الثمرة؛ كم من أناس زين لهم الشيطان وظنوا أنهم قد ملكوا الدنيا وإذا بهم يأتون بالويلات على أنفسهم وعلى أقوامهم، لماذا؟ لبعدهم عن الجادة.

العجلة تؤثر سلبا في اختيارات الإنسان، التريث، التأني، الحكمة، هذه أمور للأسف قد يفتقدها البعض، وقد تؤدي بالمصائب والويلات وتجر بالهزيمة على المسلمين، وكما يأتي معنا إن شاء الله عند.

خرج المسلمون من الشعب وبدأوا يحاولون الرجوع إلى وتيرة الحياة اليومية، إلا أن مر السنين على أبي طالب قد أثر فيه، والحصار قد أثر فيه؛ فبعد الخروج بستة أشهر تعب ومرض. بعد عنايته بالنبي عليه الصلاه والسلام وحماياته قرابه الإثنتين والأربعين سنة، شارف على الوفاة.

والنبي عليه الصلاه والسلام الذي هو أشد الناس حرصا على دخول الناس في الإسلام، فكيف به مع عمه وأقرب الناس إليه؟ حاول صلى الله عليه واله وسلم جاهدًا أن يدعوه إلى الإسلام، ونعلم من أشعار أبي طالب أنه كان في داخل نفسه مقرًا ومعترفًا بنبُوَّة ابن أخيه لما رآه ولمسه بنفسه من صدق وأمانة وطيب معشر وأمور وخصال لا يؤتاه إلا نبي. حاول الرسول عليه الصلاه والسلام أن يتدارك عمه ولو في اللحظات الأخيرة، فكان يقول له: يا عمَّاه قل لا إله إلا الله، كلمة أشهَد لك بها عند الله عز وجل. وأبو طالب يقول: والله لولا أن تعيرني بها قريش يقولون إنما حمله عليها الجزع لأقر بها عينك، وهو يقول يا عمّه قل.

وللاسف كان في نفس المجلس أبو جهل ورجل آخر ثنيان أبا طالب عن قول كلمة التوحيد ويعيرونه أبملة أجدادك؟ وأبو طالب متردد ينظر إلى ابن أخيه وهو يعلم أنه الحق، لكن الحمية، لكن القبلية، لكن ما توارثته الناس عن أجدادها وأسلافها يمنعه من ذلك، وهو سيد قومه الشرف والسدد في نظره ورأيه هو أن يستمر على ما كان عليه الآباء والأجداد. يا عمَّاه قل كلمة لا إله إلا الله أشهَد لك بها عند الله، أتَرغب عن ملَّة عبد المطلب؟

انظر سبحان الله ماذا يفعله صاحب السوء نافخ الكير الذي حذر منه النبي عليه الصلاة والسلام؛ الصاحب ساحب والمرء على دين خليله، هذا ما فعله أبو جهل في صاحبه وخليله حال بينه وبين الدخول في الإسلام. وكم من أبنائنا من يصاحب رفقة سيئة فاسدة تحول بينه وبين الإسلام؟ كم من وسيلة من وسائل الإعلام حات بيننا وبين الإسلام؛ أغاني، أفلام، رفقة طالح سيئة، ترك للصلاة، انغماس في أوحال الشهوات؟ كل ذلك بسبب نافخ الكير، إذ قل أن تبحث أو أن تجد من يبحث عن حامل المسك، عن الرفقة الصالحة، عمن يذكرونك بالله ويخوفونك منه ويرغبون فيما عنده من جنات النعيم، قل أن تجد ذلك؛ فكان آخر ما قال: هو على ملَّة عبد المطلب.

ومات ولا شك أن موته كان خسارة كبيرة بالنسبة للنبي عليه الصلاه والسلام؛ لأنه كان يحبه ويرغب له في الخير، ولانه كان يحميه ويدافع عنه ويمنع قريش من الوصول إليه صلى الله عليه واله وسلم. فلما مات قال: «والله يا عمَّاه لأستغفرن لك ما لم أُنه عن ذلك». وهذا كان قبل قرابه الثلاث سنوات من الهجرة المباركة، يعني في السنة العاشرة من النبوة، وثلاث سنوات قبل أن يهاجر إلى المدينه صلى الله عليه واله وسلم. فاستمر في الاستغفار لعمه إلى بعد أن هاجر إلى المدينه، إلى أن أنزل الله تعالى قوله في سورة التوبة: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَىٰ مُم بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: 113].

فانتهى عن ذلك، امتنع عليه الصلاه والسلام عن الاستغفار لعمه أبي طالب لنهي الله تعالى عز وجل له عن ذلك، ولكنه استمر في الاستغفار طيله هذه السنوات إلى أن نزل النهي. سأل العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه وأرضاه النبي عليه الصلاه والسلام ذات يوم فقال له: أرايت أبا طالب كان ينافح عنك ويدافع عنك وهو عمك، فبما نفعته؟ قال عليه الصلاه والسلام: «هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار». بمعنى أن الله عز وجل خفف عن أبي طالب العذاب بسبب ما فعله مع النبي عليه الصلاه والسلام. وجاء في بعض الروايات أن أخف الناس عذابا يوم القيامة رجل يوضع في نعله جمره من نار يغلي من حرها دماغه، نسأل الله العافيه، جسمه يصبح موصل للحرارة الجمرة في نعله لكن من شدة حرارتها أن دماغه تغلي من حرها، وهذا في حق أبي طالب.

هذا العام، أي العام العاشر من النبوة، يُعرف باسم عام الحزن، والسبب في ذلك أنه بعد موت أبي طالب قيل بشهرين وقيل بثلاثة أيام، يعني الرسول عليه الصلاه والسلام ما بردت مصيبته من عمه وإذا به يفجع في أحب الناس إلى قلبه صلى الله عليه واله وسلم، إذا به يفجع بعد ثلاثة أيام من موت عمه بموت حبه خديجة بنت خويلد سيدة نساء أهل الجنة رضي الله عنها وأرضاها، وتوفاها الله عز وجل بعد حياة حافلة، بعد محبة وعطف وحنان أعطته للنبي صلى الله عليه واله وسلم بلا حدود، تلك المرأة الصالحة تلك المرأة الكاملة توفاها الله عز وجل وهي ابنة خمس وستين عامًا، وقد أنجبت له كل أولاده باستثناء إبراهيم.

وقد واسته بمالها ونفسها وولدها رضي الله عنها وأرضاها، هيأت له البيت والمسكن المريح الذي لا صخب فيه ولا نصب، لا نكد، لا صريخ، لا إزعاج، لا هموم، لا غم، إن دخل بيته دخل جنة في الأرض ولا نصب، لم يكن تضطره إلى أن يعمل في هذا البيت مع أن النبي عليه الصلاه والسلام عندما ذهب للمدينه أم المؤمنين تحدثنا أنه كان في مهنه أهله فكان يخصف نعله ويرقع ثوبه ويحلب داجنه، هذا في المدينه، لكن في مكه حاشا وكلا أن تسمح له خديجة رضي الله عنها أن يرفع بذلك أمرًا، إذ كانت هي التي تقوم بكل الأعمال لكي يرتاح زوجها ولكي يهنأ باله.

وهذه المرأة الصالحة هي التي تهيئ للزوج أن يكون إنسانًا فعالًا في المجتمع ينتج ويبدع ويثمر، بين المرأة النكدية، المرأة التي يعلو صوتها والتي تحيل حياة زوجها إلى جحيم تؤدي إلى أن يكون زوجها غير فعال، غير منتج، لا هم له إلا الخروج من البيت والهرب والفرار. توفيت السند بعد الله عز وجل رضي الله عنها وأرضاها، فسمي ذلك العام عام الحزن؛ لأن النبي عليه الصلاه والسلام حياته كلها ابتلاءات من الله عز وجل؛ موت أبيه وهو حمل في بطن أمه، موت أمه ولم يتجاوز الست سنوات، موت جده الذي كفله وهو لم يتجاوز الثمان، ثم بعد ذلك ما حصل من نبوته صلى الله عليه وسلم في الأربعين ودعوته السرية، ثم اضطهاد المشركين له بعد دعوته الجهرية واضطهادهم لأصحابه وهجرتهم إلى الحبشة مرتين، ودخولهم الشعب ثلاث سنوات ظالمات جائرات بلا جرم ولا إثم ولا معصية، ثم بعد ذلك يموت عمه وتموت خديجة رضي الله عنها.

زوجته وحبته رضي الله عنها وأرضاه في نفس العام، هذا العام سمي عام الحزن الذي أثر تأثيرا عظيما في النبي عليه الصلاة والسلام، مما حَدَا بالله تعالى، كما يقول بعض أهل التفسير، ودعا الله عز وجل إلى أن يكافئه وأن يسليه وأن يروِّح عنه بما يعرف بالإسراء والمعراج، الذي سيأتي معنا فيما بعد إن شاء الله عز وجل.

هذا ما اتسع له درس اليوم، على أمل اللقاء بكم في الدرس القادم، فحتى ذلك الحين أترككم في أمان الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.