بعد أن منّ الله عز وجل على المؤمنين بنصرهم في غزوة بدر وإلحاق الهزيمة النكراء بالمشركين القرشيين وقتلهم لسبعين من أعيانهم وأشرافهم، بعد سنة وشهر من هذه المواقعة المباركة، ذهب صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل ذهبا إلى قريش، إلى الذين نجت أموالهم وبارت سمعتهم وخسروا في بدر، ذهبوا إليهم ليأخذوا منهم الأموال ليُجهز بها جيشًا عظيماً يستنقذوا به من سمعتهم بين العرب. فبذلوا تلك الأموال لتكون عليهم حسرة، وجهزوا جيشًا من ثلاثة آلاف مقاتل، فيهم مئتا فارس أو مطا فارس، وسَبْعُمائة دارع.
هذه الواقعة سبق للنبي صلى الله عليه واله وسلم -صلى الله رُسل الأنبياء كما نعلم حقاً- فقال عليه الصلاة والسلام: «رأيت في رؤيا أني هززت سيفاً فانقطع صدره، فإذا هو ما أصيب من المؤمنين يوم أحد. ثم هززت مرة أخرى فعاد أحسن مما كان، فإذا هو ما جاء به الله عز وجل من الفتح والنصر واجتماع المؤمنين. ورأيت -يقول عليه الصلاة والسلام- بقراً والله خير، فإذا هم المؤمنون يوم أحد»، أي ما حصل من قتل وبقر ونحو ذلك.
النبي صلى الله عليه واله وسلم عندما سمع بمقدم المشركين، استشار اصحابه، وهذا من الأدلة على أن الشورى أمر محمود في الإسلام، وأمرهم شورى بينهم، فاستشار اصحابه وشاورهم. أشار عليه الحكام أو الحكماء والعقلاء وأهل الرأي من كبار السن بأن يقاتلوهم وهم في المدينة، وذلك لأنه ما هجم أحد على المدينة ونجح في هجومه قط، فهي محاطة بالآكام وبالجبنة كما يقال.
الشباب من المسلمين، خاصة أولئك الذين فاتهم الخروج مع المسلمين في يوم بدر -لأن الرسول عليه الصلاة والسلام ما كان يظن أنه يلقى قتالاً، فتخلف كثيرون لعدم إصرار النبي عليه والسلام عليهم أن يخرجوا- هؤلاء أحسوا بشيء من النقص، فأصروا على الخروج، وارتفع صوتهم بمحضر من النبي عليه الصلاة والسلام. فدخل الرسول عليه الصلاة والسلام بيته، ثم إنهم عادوا إلى أنفسهم وقالوا: لعلكم أغضبتم النبي عليه الصلاة والسلام.
فلما خرج لهم النبي عليه الصلاة والسلام، وقد لبس وتجهز للحرب، قالوا: يا رسول الله، رأينا من رأيك، فانظر فينا وقل ما شئت، يعني خلاص نحن نمكث في المدينة ونقاتل كما أحببت. فقال صلى الله عليه واله وسلم: «إنه ليس لنبي إذا وضع لأمته -أو إذا لبس لبس لأمته- أن يضعها حتى يناجز»، وهذا دليل على الإقدام وعدم التردد؛ لأنه كما فعل عليه الصلاة والسلام بأمر الله أنه شاورهم فإذا عزمت فتوكل على الله. فالآن حصلت المشورة وأشاروا بالخروج، نزل النبي صلى الله عليه وسلم على رأيهم وأراد الخروج، فإذا تجهز انتهى وقت التردد، ويجب عليه الإقدام والتوكل على الله عز وجل.
النبي صلى الله عليه واله وسلم كله مبني على الاعتماد على الله عز وجل والأخذ بالاسباب، فهذا هو التوكل الحقيقي، لذا خرج وهو يلبس درعين صلى الله عليه واله وسلم، ولم يقُل أنا متوكل على الله عز وجل ولن يصيبني شيء، بل اتخذ الأسباب واستعد لذلك.
خرج المسلمين في ألف من المقاتلين، وهم في منتصف الطريق، إذ بالنفاق يكشر عن أنيابه، انهزم ثلاثمائة من الجيش، ثلث الجيش عاد ونكص على عقبيه بقيادة عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين، قال: أطاع وعصاني، أنا لا أقاتل معهم. ولا شك أن هذا يؤثر على نفسية الجيش عندما ينهزم ثلث الجيش وهم لما يقابلوا عدوهم بعد. وهذا هو الدور المعتاد للمنافقين في كل زمان حتى في أيامنا هذه، وقت الأزمات تسمع تلك الصيحات وتسمع كل ناعق بما يؤثر في عضد الأمة وتماسكها واجتماعها، هؤلاء الذين يرغبون في رؤية الإسلام ينهزم والنفاق والكفر ينتصر، نسأل الله أن يعافينا وإياكم منهم.
النبي صلى الله عليه واله وسلم استعرض المسلمين: من الذي يستطيع أن يقَاتل، من الذي لا يستطيع القتال؟ فاستعرض الصغار الذين كانوا كثر وكانوا يريدون القتال في سبيل الله حباً في هذا الدين ونصرة للنبي صلى الله عليه واله وسلم، فرد صلى الله عليه واله وسلم من كان دون الخامسة عشر من العمر، واستثنى من ذلك رافع بن خديج رضي الله عنه لأنه كان رامياً مشهوراً، وأيضاً استثنى سمرة بن جندب رضي الله عنه لأنه احتج فقال: أنا أقوى من رافع، هذا الذي أجزته، فأجازه صلى الله عليه واله وسلم بعد أن أثبت ذلك.
الرسول عليه الصلاة والسلام أعد خطة محكمة، فجعل صف المسلمين صفا واحداً وفي ظهرهم جبل أحد، وعين خمسين من الرماة على جبل صغير يعرف باسم عينين وهو بجوار جبل أحد، فهم -يعني- كأنهم يقابلون المشركين وعلى شمالهم هذا التل أو الجبل الصغير الذي عليه الرماة، وأوصاهم صلى الله عليه واله وسلم بوصية، أمرهم بأمر، عين عليهم عبد الله بن جبير رضي الله عنه وأرضاه، وقال لهم: «إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم هذا، وإن رأيتمونا هزمنا القوم وأوطأناهم فلا تبرحوا مكانكم هذا»، أمر عسكري صريح أنه لا تغادر مكانكم حتى ياتيكم الأمر الثاني بخلاف ذلك، وهذا الأمر واضح لو أنهم التزموا به.
بدأ القتال وأقبلت قريش بصناديدها ورجالها وبما عندها من قوة حربية، وأظهر المسلمين شجاعة منقطعة النظير كالعادة، لأنه أمران لا ثالث لهما: إما النصر وإما الشهادة، وكلاهما من الامور التي يريدونها ولا يبغون عنها حولاً. فكدح النبي صلى الله عليه واله وسلم في إعداد الجيش وفي تشجيعهم وفي بث روح الشجاعة والإقدام فيهم، أخذ السيف سيفاً ماضياً وقال للصحابه: «أيكم يأخذ هذا بحقه؟»، فَهَابوا أن يأخذوا السيف ولا يقوموا بحقه.
فقام أبو دجانة رضي الله عنه وأرضاه، وهو ممن أثنى عليهم النبي صلى الله عليه وسلم بعد هذه الواقعه وهذه المعركة، فقال: أنا يا رسول الله. فأخذ السيف وقاتل به قتَالاً فلق به هامة المشركين، وكان أبو دجانة يعرف باسم ذي العصابة الحمراء، لأنه كان إذا حان وقت القتال عاصب رأسه بعصابة حمراء، وكان يتبختر في مشيته، والحديث وإن كان فيه شيء من الضعف لكنه مشهور في كتب السير، وكان النبي يقول عليه الصلاة والسلام: «هذه مشية يبغضها الله عز وجل إلا في هذا الموضع».
قاتل حمزة بن عبد المطلب قتال الأسود رضي الله عنه وأرضاه، تقدم سباع ابن عبد ود أو ابن عبد العزه للمبارزه فبرز له حمزة فقتله في طرفة عين. إلا أن وحشي بن حرب -وكان مولى لجبير بن مطعم بن عدي، وعده سيده بان يعتقه إذا قتل حمزة، وكان حمزة قد قتل يوم بدر طعيمة بن عدي- فتربص واختفى خلف صخرة، حتى إذا قتل حمزة رضي الله عنه سباعاً، خرج وحشي واغتاظ غيلة وخفية ودون أن يشعر به حمزة رضي الله عنه، طعنه بحربته فانفذوا سيد الشهداء رضي الله عنه وأرضاه.
في هذه الغزوة المباركة استشهد جمع من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، ومنهم رسول رسول الله صلى الله عليه واله وسلم مصعب بن عمير الذي استشهد وكان حاملاً للراية، فأخذها منه علي رضي الله عنه وحملها وقاتل حاملاً لها.
بدأت الغزوة بداية طيبة بداية قوية، وكان النصر فيها للمؤمنين، كما قال عزة من قائل: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ﴾ [آل عمران: 152] أي إذ تقتلونهم بإذنه، هذا وعد الله لهم. لكن كما قال تعالى في نفس الآية: ﴿حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ ۚ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ ۖ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 152]. ما هو تفسير هذه الآية تطبيقاً على غزوة أحد؟ هذا ما سوف نتدارسه باذن الله عز وجل بعد الفاصل.
كلمات قصيرة تحمل بين طياتها تنبيهاً وتحذيراً خطيراً، وتوجه حواسنا ومداركنا إلى دورنا الحقيقي الذي سنحاسب عليه: ﴿كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ﴾. فمن أهم أدوارنا الجديرة باهتمامنا في هذه الحياة التركيز على مسؤوليتنا تجاه رعيتنا، فالآباء الأبناء والاجيال؛ لذلك خصهم النبي صلى الله عليه وسلم بالذكر فقال: «والرجل راعٍ في أهله وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها».
إن الأبناء زهرة الحياة وقرة أعين الآباء والأمهات، وبصلاحهم ودعائهم ترفع الدرجات في الآخرة، ولكن يجب أن ندرك أن ذلك مرهون بححسن تربيتهم وصلاحهم. فهنا كان لزاما علينا البحث عن أبرع الطرقات وأفضل الأساليب في التربية والتوجيه ليكون أبناؤنا في قابل أيامهم مصدر بر وسعادة لنا، وسواعد خير وبناء للمجتمع والإنسانية.
الله عز وجل أخبر أنه حصل عصيان وحصل نوع من الفشل والتنازع، وذلك أن المعركة بدات قوية، والمسلمون قد أثخنوا في المشركين الجراح، فبدأ التققر والتراجع بل وبدأوا في الفرار من المعركة. آنذاك أراد الرماة أن ينزلوا من مواقعهم ويأخذوا الغنائم، فقال لهم قائدهم: إن النبي عليه الصلاة والسلام أمرنا بأمر فلا تخالفوا أمره.
قالوا: أنا لن نبقى، هؤلاء قد ذهبوا وفروا، وإن لم ننزل فآتنا نصيبنا من الغنيمة ونحن لنا حق في الغنيمة. فكان كما وصف الله عز وجل: ﴿حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ ۚ مِّنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾ [آل عمران: 152]. هؤلاء الرماة منهم من يريد الدنيا مع إخلاصهم وإيمانهم وحبهم للنبي عليه الصلاة والسلام، لكنهم بشر يحصل منهم التقصير والخلل.
ولذلك الله عز وجل قال: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ [آل عمران: 152]، فأولئك الذين نزلوا قد عفا الله تعالى عنهم، وأولئك كالذين تولوا وتركوا الرسول عليه الصلاة والسلام وفروا عنه عفا الله تعالى عنهم، والله ذو فضل على المؤمنين.
الآن قد فاتنا أن نقول إن النبي عليه الصلاة والسلام عند خروجه وانهزام المنافقين من الجيش؛ قال تعالى: ﴿إِذْ هَمَّت طَّائِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلَا وَلِيُّهُمَا اللَّهُ﴾ [آل عمران: 122]، هم بنو سلمة وبنو حارثة. ويقول جابر بن عبد الله رضي الله عنهما وهذه الآية جاء فيها قوله تعالى: ﴿إِذْ هَمَّت طَّائِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلَا وَلِيُّهُمَا اللَّهُ﴾، فهذا الهم كان مجرد نية، ولكنهم بفضل الله تعالى عليهم لم يذهبوا مع تلك النية وأقدموا على القتال مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
عندما نزل الرماة وخالفوا الأمر الصريح للنبي صلى الله عليه وآل وسلم، راى خالد بن الوليد وكان على رأس كتيبة الفرسان رأى في ذلك فرصة للنيل من المسلمين، فالتف من خلفهم وأتى المسلمين وهاجمهم من الموقع الذي خلى من الرماة. فأصبح المسلمون بين كماشة، ولما راى المشركون ذلك عادوا من فرارهم وكروا مرة أخرى على المسلمين وبدأوا في هجومهم.
المسلمون أصابتهم الفوضى، ولذلك إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص. إن لم يكن في المسلمين نظام، إن لم يكن فيهم انضباط وانصياع للأوامر؛ حصل هذا الفشل والتنازع والعصيان. لذا أصبح قتال المسلمين بلا تخطيط؛ حيث انهارت هذه الخطط المتينة المحكمه التي وضعها النبي عليه الصلاة والسلام.
وبدأ الخلل يظهر إلى درجة أن المسلمين في خضم هذا التخاذل أخذ يقتل بعضهم بعضاً بدون علم وبدون تبين، ومن ذلك ما حصل مع اليمان والد حذيفه رضي الله عنه؛ إذ خرج وهو مسن كبير في السن ليقاتل مع النبي عليه الصلاة والسلام، فلما حصلت الفوضى هجم عليه المسلمون وقتلوه، وحذيفه يصيح فيهم: يا قوم يا أخوتاه أبي أبي! فقتلوه وهم لا يعرفون أنه معهم وأنه من المسلمين. ولذا جاء النبي عليه الصلاة والسلام فدفع ديته إلى حذيفه إلى أبنه من بيت المسلمين، فتنازل وعفى عنهم حذيفه رضي الله عنه، وزاده ذلك قرباً ومكاناً عند النبي عليه الصلاة والسلام.
حصل شيء عظيم من الفوضى وحصل قتل في المسلمين حتى أن سبعين من المسلمين استشهدوا، وهذا عدد كبير مقارنة بققلة المسلمين، وأشيع في القوم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد قتل، وكانت هذه هي الطامة الكبرى.
إذا ذهبت تنظر إلى البطولات فإنها لا تنقضي؛ أنس بن مالك يتحدث عن عمه الذي به سمي، وهو أنس بن النضر رضي الله عنه وأرضاه، عندما رأى تراجع المسلمين وفرارهم أقبل على المشركين وهو يقول لسعد بن معاذ: وريح الجنة! والله يا سعد إني لأشمها أو لا أجدها من دون أحد. فأقبل على المشركين وقاتلهم قتال الأبطال، حتى أنهم بعد المعركه بحثوا عنه فلم يكادوا يعرفوه، إلا أن أخته عرفته بأصابعه ببنانة وبه بضع وثلاثون طعنة وضربة ورمية رضي الله عنه وأرضاه مقبل غير مدبر.
ومن الذين أبلوا بلاء حسناً سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وأرضاه وكان راميا، وكذلك أبو طلحه الذي هو زوج أم سليم أم أنس رضي الله عنها، أبو طلحة هذا الأنصاري كان رامياً، وكان النبي صلى الله عليه وسلم كلما مر أحد المسلمين قال له: «انثر كنانتك لأبي طلحة». وكان أبو طلحة يحمي النبي صلى الله عليه وسلم بجسده ويقول: نفسي دون نفسك يا رسول الله.
أبو طلحة قال فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لصوت أبي طلحة في الجيش أشد على المشركين من فئة» لشجاعته وقوته، والصوت هو الصياح، وهذا يدلك على أن قتال المشركين يستخدم فيه المسلم كلما استطاع ليوهنهم ويضعفهم، سواء كان إعلامياً، سواء كان حربياً، سواء كان سياسياً أو اجتماعياً ما دام ذلك في حدود ما شرع الله عز وجل.
من قصص البطولة قصة عبد الله بن جحش رضي الله عنه وسعد بن أبي وقاص، وذلك أنهم قبل اللقاء والتحام الجيشين قالا لبعضهما البعض: هلم بنا ندعو الله عز وجل ونحن نعلم أن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وأرضاه من صفاته أنه مستجاب الدعوة. فدعا فقال: اللهم إذا لقيت العدو غدا فلقني رجلا شديداً باسه شديداً حرده أقاتلك فيك ويقاتلني، ثم ارزقني الظفر عليه حتى أقتله وآخذ سلبه. فقال عبد الله بن جحش: آمين.
ثم جاء دور عبد الله في الدعاء فقال: اللهم إذا لقيت العدو غدا فلقني رجلا شديداً باسه شديداً حرده، ثم أقاتله فيك ويقاتلني، ثم ياخذني فيجدع أنفي وأذني، فإذا لقيتك قلت: يا عبد الله فيما جُدع أنفك وأذنك؟ فأقول: فيك وفي رسولك. فتقول: صدقت.
قال سعد: فآمنت على دعائه، ووالله إن لدعوته لخير من دعوتي؛ ذلك أنه بعد أن انقضى أو انقضت المعركة رايت أنفه وأذنه مربوطان في حبل أو في خيط؛ بمعنى أنه استشهد في سبيل الله ومثل بجسده فقطعت وجدع أنفه وأذنه وعلقت بخيط، فكانت دعوته أفضل من دعوة سعد رضي الله عنه إذ استشهد في سبيل الله عز وجل.
كذلك حنظلة الذي نعرف اسمه كلنا، وهو غير حنظلة الأسدي المذكور في حديث صحيح الإامم مسلم نافق حنظلة، لا، هذا حنظلة بن أبي عامر المعروف باسم الغسيل غسيل الملائكة، ذلك أنه خرج من بيته يوم عرسه وهو على جنابة، فرآه النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن استشهد تغسله الملائكه بين السماء والأرض.
كذلك عمرو بن أقيش، هذا الذي خرج وهو مشرك فرده قومه فقال: إني آمنت! فقاتل قتالا عظيما حتى أصيب، فسأل سعد بن معاذ أخته: أن أسأليه هل خرجت نصرة لقومك أم إيمانا بالله ورسوله؟ فقال: إيمانا بالله ورسوله واستشهد على ذلك، فهذا رجل ما ركع ولا سجد لله سجده واحده ودخل الجنة بقتاله في سبيل الله عز وجل.
قال أهل السير: إن فرار المسلمين عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبقاء عدد قليل محدود من الرجال معه دعا إلى نزول جبريل وميكائيل عليهما السلام للدفاع عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يحصل أن قاتلت الملائكة في غزوة أحد إلا في هذا الموضع. معنا فاصل وبعدها نواصل بإذن الله، فابقوا معنا.
هل أنت حريص على تصحيح عباداتك؟ هل ترجو أن يتقبلها الله؟ اطلب العلم إذ لا
تصح العُبادة إلا به، قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: 19]. وشرط قبول طلب العلم الإخلاص فيه بلا تريد به إلا وجه الله، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: 11]. وبالأخص ترزق صحة الفهم وقوة الاستنباط، قال صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين».
وبالأخلاق يذعن المتعلم للحق ويقبل النقد. قال الذهبي: علامة المخلص أنه إذا عوتب لا يبرئ نفسه، بل يعترف ويقول: رحم الله من أهدى إلي عيوبي. ويجب أن يتوفر الإخلاص في التعلم والتعليم والتأليف، قال أبو داود الطيالسي: ينبغي للعالم إذا حرر كتابه أن يكون قصده بذلك نصرة الدين لا مدحه بين الأقران لحسن التأليف. فاخلص النية واحذر من فسادها، كطلب العلم لأجل المال والثروة أو الجاه والشهرة أو المراء والجدل، فإن ذلك يفسد العمل، قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: 23].
السلام عليكم ورحمة الله. جبريل وميكائيل عليهما السلام قاتلا دفاعاً عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وخلافاً لما حصل يوم بدر من نزول الملائكة وقتالهم للمشركين، فإن هذا الأمر لم يحصل في غزوة أحد كما يقول أهل العلم. والله تعالى يقول في سورة آل عمران، وكما تقدم آل عمران هي عن غزوة أحد، بينما الأنفال هي في غزوة بدر، قال عز من قائل: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ * بَلَىٰ ۚ إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: 124-125].
فإذاً الشرط الذي وضع في هذه الآية تخلف: بل إن تصبروا وتتقوا، وهذا لم يحصل في غزوة أحد. وليس المقصود أنه لم يحصل من المسلمين ومن النبي عليه الصلاة والسلام، حاشا وكلا، بل حصل خلل من فئة قليلة أدت بهذه النكسة أن تحصل في المسلمين ككل، وهذا أمر عجيب. لأن هذا فيه درس للمسلمين على التكاتف والتماسك والانضباط والحرص أشد الحرص أن لا يدخل فيهم من ليس منهم. وأكثر ما يحصل من الهزائم بسبب خلاف الأوامر بسبب الانشقاق وشق عصا الطاعة، وهذا مشاهد عندما تجتمع جماعة من المسلمين لكنهم ليسوا على قلب رجل واحد، يحصل فيهم هذا الشقاق والتنازع الذي لا يؤثر فقط على من عصى، بل يؤثر أيضاً على من اتقى، كما حصل في غزوة أحد.
هذا الذي حصل أدى بالملائكة أن لا تقاتل وأن لا تدافع عن المؤمنين، فحصل ما حصل من أذية النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فكسرت رباعيته، وشج رأسه، ودخلت حلقتا المغفر في وجنته عليه الصلاة والسلام، وأصبح ينزف منها نزيفاً شديداً لم يتوقف الدم حتى أحرقَت فاطمة رضي الله عنها وأرضاها شيئاً من الحصير فصار رماداً وجعلته على مكان الجرح. حصل ما أصاب المسلمين بالأذى، ولكن الله عز وجل صبرهم وأخبرهم أن هذه الأذيه ليست خاصه بهم، قال سبحانه: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 140].
أشيع بين المسلمين أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد قتل، ثم قال عز من قائل ضمن الآيات المذكورة في آل عمران: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران: 144]. فإذاً هذا تحذير لهم أن الأصل هو دين الله عز وجل، وما محمد إلا رسول مثله مثل من سبقه من الرسل، ولا بد أن يأتي يوم ويموت فيه. ولذا عند الوفاة النبوية صلى الله عليه وآله وسلم وذهول الناس، وعلى رأسهم عمر، وقالوا: لا يمكن أن يموت النبي عليه الصلاة والسلام، وعمر يقول: لا، لو سمعت أحد يقول إن الرسول قد مات لقطعت لقتلته أو لضربته بالسيف ولا ياتين النبي عليه الصلاة والسلام ولا يعود كما عاد موسى من لقاء ربه. جاء أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه وقرأ هذه الآية على المسلمين، فسكن روعهم وهدات نفوسهم، وقال عمر: فوالله كأنها أول مره أسمع أو أقرأ فيها هذه الآية.
الله عز وجل وصف ما حصل يوم أحد فقال: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَىٰ أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ [آل عمران: 153]. هلم إلي، أنا رسول الله. فروا وهربوا عند حصول عندما حصلت تلك الفوضى، يقول: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ [آل عمران: 153]. وهذا من رحمة الله عز وجل بالعباد؛ إذ والمسلمون في خضم ما يبدو للناظر أنه هزيمة، ولم يكن هزيمة بل هو نصر وفتح من الله عز وجل، لما كانوا في خضم هذه الأمواج المتلاطمة، كانوا يشعرون بالكآبة والحسرة والضيق من جراء ما حصل من هزيمة وقتل للمسلمين واستشهاد وضرب للنبي عليه الصلاة والسلام وكذا، فكان هذا مما أصابهم بالهم والغم والحزن.
حتى إذا سمعوا أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل، القي في أيديهم وأصبحت الحياة لا معنى ولا قيمة لها، هذا هو الغم الثاني، الغم بأن الرسول قد قتل أنساهم كل المصائب التي حلت عليهم. فلما سري عنهم وعرفوا أن النبي صلى الله عليه وسلم على قيد الحياة لم يمت، سري عنهم وذهب الله ما بهم من غم وهم، وأصابهم فرح شديد، وهذا من فضل الله عز وجل. لذلك المصائب ربما تكون من النعم إذا أصيب بها العبد وعولج بها من مصيبة قبلها، فالإنسان لا يدري أين الخير.
يقول عز من قائل بعد ذلك: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَىٰ طَائِفَةً مِنْكُمْ﴾ [آل عمران: 154]. هذا النعاس جاء مثله في بدر وجاء في أحد، حتى أن أبا طلحة يقول: إن السيف سقط من يده مرات ومرات من جراء ذلك وهو يلتقطه.
ومن الذين قاتلوا قتال الأبطال جاء في الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم كان معه طلحة بن عبيد الله، أحد العشر المبشرين بالجنة غير أبي طلحة، وسبعة من الانصار، وأراد المشركون أن يهجموا على النبي عليه الصلاة والسلام فقال عليه الصلاة والسلام: من يردهم عنا وله الجنة أو جعله الله معي في الجنة؟ فقاتل السبعة فردا فردا حتى استشهدوا في سبيل الله، فلم يبق إلا النبي صلى الله عليه وسلم ومعه طلحة بن عبيد الله، فقام رضي الله عنه وأرضاه فقاتل قتال السبعة قتالا عظيما مستميتا حتى قال صلى الله عليه وآله وسلم: أوجب طلحه. يعني طلحه هذا أوجب الجنة، انتهى الموضوع. ورمي بسهم فشلت يده. حتى جاء عندما فاء ورجع المسلمون قال صلى الله عليه وسلم لأبي بكر ولعلي -أظنه يعني-: اصلحوا شأن أخيكم، فوالله لقد أوجب. يعني قاتل قتالا عظيما رضي الله عنه وأرضاه.
بعد أن تعب المشركون من قتالهم للمسلمين ومن جلد المسلمين عرفوا أنه لا فائدة، وأنهم لو استمروا ستكون الغلبه ويكون الفوز والنصر للمسلمين. لذلك اذهبوا وتوقفوا عن القتال ورجعوا، ونادى فيهم أبو سفيان: أفي القوم محمد؟ فقال عليه الصلاة والسلام: لا تجيبوه. أفي القوم ابن أبي قحافة؟ أفي القوم عمر؟ فلما لم يجيبوا عليه قال منتشيا مفتخرا: إن ما لم يردوا فهذا دليل على أنهم قد ماتوا وقتلوا. فصاح فيهم عمر رضي الله عنه وأرضاه وأخبره أنهم ما زالوا أحياء يرزقون. فقال أبو سفيان: لنا العزة ولا عزة لكم. فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يجيبوه وأن يقولوا: الله مولانا ولا مولى لكم. قال: أعل هبل. فقالوا: الله أعلى وأجل. فقال لهم: يوما بيوم بدر والحرب سجال.
وجاء في بعض الروايات يعني مما جاء أن هند بنت عتبه أذهبت إلى جثه حمزه فبقر بطنه وأخذت كبده ولكته ثم لفظته، وهذه روايه لا تصح وهي روايه غير صحيحه، ولكنها يعني منتشره عند الناس ولذلك يقال: تعرف هند بأكلة الاكباد، وهذا غير صحيح.
النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد انقضاء المعركة وفراغها أمر بالشهداء أن يدفنوا في مكانهم، وبعضهم قد ذهب بشهدائنا إلى المدينة فأمرهم أن يرجعوهم فدفنوا في أحد، وهم سبعون شهيداً. الرسول عليه الصلاة والسلام لم يصل عليهم ولم يغسلهم لأن الشهداء لا يُصلى عليهم.
عليهم ولا يغسلون، بل يكفنون في ثيابهم ويدفنون، وبعضهم لم يجدوا ما يكفنوه به فكانوا قد يكفن الرجلين في ثوب واحد، وكانوا يكفن الرجل فيغطوا راسه أو قدميه بشيء من الإذخر، كما جاء في حديث عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وأرضاه.
المصائب كثيرة، ولكن الله نصر عبده صلى الله عليه وسلم والمسلمين يوم أحد. امرأة قتل زوجها وأبوها وأخوها فسالت عن النبي عليه الصلاة والسلام فقالوا هو بخير، فقالت أروني؛ فلما رأته ونظرت إليه سالماً معافى قالت: كل مصيبة بعدك يا رسول الله جلل، فلم تابه لقتل أولئك الأقربين إلى نفسها ما دام النبي صلى الله عليه وسلم في عافيته وفي أمنه وسلامته.
وبعد ذلك أمر الرسول عليه الصلاة والسلام المسلمين الذين قاتلوا في أحد أن يخرجوا إلى حمراء الأسد ليقاتلوا ما بقي من فلول المشركين إذ خيل إليه وسمع أنهم يريدون أن يرجعوا للقتال، فذهب ومن معه من الصحابة وأقاموا في حمراء الأسد ثلاثة أيام، وقد خاف المشركون وأبوا أن يعودوا للقتال ورجعوا إلى ديارهم وبلادهم.
هذا ما اتسع له الوقت في ذكرنا لقصة أحد، وفيها أحكام عديدة وفيها أمور كثيرة خاصة ما بين معركة بدر وأحد وما بين أحد والأحزاب أو الخندق. ولكن هذه الدورة وهذه المادة إنما هي ابتدائية، إنما هي للمبتدئين كي يتعلموا من السيرة ما لا يسعهم الجهل به، ولذا نرجو إن شاء الله في مراحل متقدمة أن تقوم الأكاديمية بتوسيع المدارك وفتح المجال لذكر التفاصيل بشكل أكثر بإذن الله. والله أعلم ونسبة العلم إليه أسلم، صلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ عاصم الحكيم