تسجيل الدخول

هنالك الكثير من الأحداث التي حصلت في السيرة النبوية لم نتطرق إليها، وذلك لضيق الوقت ولأن المنهج للمبتدئين، وبذلك نعني أن الكثير من الحوادث قد لا تكون أساسية وإن كانت لها أهميتها ووزنها في السيرة النبوية، ومن ذلك مسألة إجلاء بني قينقاع وبني النضير، وهما قبيلتان من اليهود حصل منهما ما حصل، وبقيت القبيلة الثالثة التي ظلت على عهدها للنبي عليه الصلاة والسلام ولم تنقض المواثيق التي بينها وبينه، وهي قبيلة بني قريظة.

طبعا أولئك الذين أجلاهم النبي عليه الصلاة والسلام من بني قينقاع وبني النضير إلى خيبر ومنهم من ذهب إلى الشام، لم ترق لهم الفكرة في إخراجهم بهذه الطريقة عقوبة لهم على إساءتهم وعلى نقضهم للعهود والمواثيق وعلى غدرهم، فقاموا بحبكة للنيل من الإسلام والمسلمين، وهذا الذي تفلح فيه اليهود في كل العصور وفي أيامنا هذه؛ ليست لديهم قوة عسكرية وليست لديهم الشجاعة أو المقدرة على القتال، وهذا ثابت بالتاريخ.

اليهود هم أعداء الله عز وجل وأشد الناس عداوة للذين آمنوا، فالآن أرادوا أن يكيدوا للإسلام والمسلمين فخرجوا بفكرة وعملوا على تحقيقها، فذهب حيي بن أخطب وسلام بن أبي الحقيق وهما من بني النضير، ذهبا إلى قريش وذهبا إلى غطفان، وذهب حيي بن أخطب إلى بني قريظة، وهيجوا الناس على قتال المسلمين.

فخاطبوا أهل قريش بما يثير أشجانهم وأحزانهم على من مات منهم ومن قتل، وجعلوهم يتأملون ويفكرون بسمعتهم بين العرب، فاستنهضوهم لقتال المسلمين، وفعلوا ذلك مع غطفان وهي من قبائل نجد وعدوهم بثلث ثمار المدينة، فخرج المشركون في قرابه قيل العشرة آلاف وقيل بل أكثر من ذلك، فكان مجموع الأحزاب قرابه ما بين الخمسة عشر والعشرين ألف مقاتل خرجوا بهدف وأد الإسلام وقتله وإفنائه عن الوجود.

والامر لم يكن كذلك فحسب، بل ذهب أيضا حيي بن أخطب إلى بني قريظة وخاطب سيدهم كعب بن أسد وقال له: جئتك بخير هذه الدنيا وعزها وشرفها وجئتك بالغنائم وجئتك بالفوز. وهم يأبون أن يدخلوه إلى حصونهم لأنهم عرفوا منهم الغدر وعرفوا منهم الرغبة في الانتقام، فكانوا يخشون على أنفسهم أنهم إذا نقضوا ما بينهم وبين النبي عليه الصلاة والسلام أن يحل بهم ما أحل ببني قينقاع وبني النضير.

ما زال حيي بن أخطب يحاول في كعب بن أسد القرظي ويوسوس له وساوس الشيطان الرجيم إلى أن فتح له الباب بعد أن عيره بالبخل وانه يخشى أن يأكل معه، ثم بدا يزين له ما فعلته قريش وما أعدوا لها العدة وما فعلته غطفان، وأنهم بذلك سوف يستأصلون شأفة الإسلام ويقتلون المسلمين عن بكرة أبيهم، وتعود العزة والريادة إلى اليهود في المدينة، حتى اقتنع بنقض عهده مع النبي عليه الصلاة والسلام.

النبي صلى الله عليه واله وسلم جاءته الأخبار -وهذا أيضا إعادة للتاكيد على ضرورة وجود المعلومات الاستخبارية ومعرفة نوايا العدو قبل تنفيذها والا عاش المسلمون في عمى وفي غفله حتى يفاجئهم العدو- الرسول صلى الله عليه وسلم كانت له عيونه وكانت له أولئك الذين يأتون بالأخبار.

فلما عرف باجتماع أولئك قوى الكفر والشرك والضلال على الهجوم على المدينة استشار أصحابه، فأشار عليه بأن يقاتلوهم من المدينة إذ تعلموا من الخطا الذي حصل في غزوة أحد، وأشار عليه سلمان الفارسي رضي الله عنه وأرضاه بحيله كان الفرس يفعلونها لم تألفها العرب ولم تعرفها، فاشار عليهم بان يحفروا خندقا في منطقة معينة من المدينة هي المنطقة الوحيدة التي ممكن أن يتسلل إليها الجيش الكبير والقتال في منطقة مكشوفة، أما بقية المدينة فهي محاطة إما بجبال أو ببساتين أو بمزارع أو بحرات يصعب التنقل فيها وبينها.

فأعجبت الفكرة النبي عليه الصلاة والسلام واجتهد المسلمون في حفر هذا الخندق، كل ترك الدعة والراحه والثياب الفاخرة ونزلوا بفؤوس ومعاول يحرثون الأرض ويحفرون ذلك الخندق، وفرغ من حفره في ستة أيام فقط، النبي صلى الله عليه واله وسلم بنفسه نزل معهم، ولم يكن نزوله كما يفعل الكثير من الزعماء عبارة عن تمثيلية وعبارة عن مسرحية هزلية، إنما كانت مشاركته فعلية صلى الله عليه واله وسلم حتى إن جاء في وصفه أن التراب والغبار غطت جسده صلى الله عليه وسلم وهو يحفر معهم.

الكل كان يحفر ووجوههم ناصعة مشرقة متفائلة بالحياة لأنهم يفعلون ذلك ومعهم أحب الخلق إلى قلوبهم يساعدهم ويعمل معهم ويجتهد في العمل، حتى إنه كان الصحابه يقولون شيئا من الشعر ومن الحداء الذي يسهل عليهم العمل، والرسول صلى الله عليه وسلم ربما يردد كلمة أو اثنتين معهم.

فكَانُوا مِمَّا يَقُولُونَ وَاللَّهِ لَوْلَا اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا * وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا * فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا * وَثَبِّتِ الْأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا * إِنَّ الـمُلَالَ قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا * وَإِنْ أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا، والرسول يكرر عليه الصلاة والسلام ويمدها: أبينا أبينا أبينا.

كانوا يرتجزون هذه الأشعار الجميلة وهذا من شعر عبد الله بن رواحة رضي الله عنه، والنبي صلى الله عليه وسلم كان له ثلاثة شعراء: كعب بن مالك وعبد الله بن رواحة وحسان بن ثابت رضي الله عنهم اجمعين، وكانوا يجتهدون في العمل يشتغلون وهم يعلمون أنهم ينصرون هذا الدين.

وحصل في هذه الغزوة أو الحادثة أو المعركة أمر عجيب معجزات تلو المعجزات، جابر بن عبد الله رضي الله عنهما وكان حديث عهد بعرس، وهو كما تعلمون تزوج ثيبا، وعندما قال له صلى الله عليه وسلم: ألا بكرا تلاعبها وتلاعبك، اخبره أن أباه قد استشهد وخلف له أخوات صبيات ولم يرد أن يضم إليهم فتاة أخرى مثلهم، بل أراد ثيبا تعرف كيف تصلح شأنهم وتهتم بهم.

استأذن جابر لما رأى ما في النبي عليه الصلاة والسلام من شدة وتعب وجوع -ذلك أن غزوة الأحزاب أو الحديبية حصلت في شوال على الأصح من أقوال أهل العلم في السنة الخامسة للهجرة، وكان وقت برد وشده وحاجه وفاقه في المسلمين ما كان عندهم ما يكفيهم وكان بردا شديدا- فلما رأى من النبي صلى الله عليه واله وسلم ما رأى من الجهد والمشقة والجوع والتعب، استأذن النبي عليه الصلاة والسلام في أن يرجع إلى بيته فأذن له عليه الصلاة والسلام، فماذا فعل جابر عندما رجع إلى بيته؟ هذا ما سنعرفه بعد الفاصل فابقوا معنا.

هل تحمل هم نفقات تطاردك ولا تستطيع تلبيتها؟ هل فكرت في أي حلول لسد هذه النفقات أم أن أول ما تفكر فيه هو الاستدانه؟ فتسال نفسك: هل ساقت لأمر ضروري؟ هل وقت الاقتراض مناسب؟ هل المبلغ الذي ساقته سيؤثر على ميزانية الأسرة؟ كيف سيسدد الدين وكم سيستغرق من الوقت؟

واعلم أن الدين وإن كان جائزا إلا أن أمره خطير، ولذلك استعاذ منه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم»، كما أنه صلى الله عليه وسلم لم يصلي على من مات وعليه دين، فلا ينبغي لعاقل أن يورط نفسه في الدين لأمور ترفيهية أو تكميلية، لأن الدين يصيب بالهم والغم وقد يوقع في الكذب وأخلاف الوعد والمشكلات الأسرية.

ويستحب للدائن أن يخفف عن المدين، وقد وعد الله المقرض أجرا عظيما على تفريج كربة مسلم، ولا يجوز للمدين أن يماطل في رد الحقوق مع القدرة، ولتعلم أن النية الصالحة سبب في قضاء الدين، ففي الحديث: «من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذ يريد إتلافها أتلفه الله».

السلام عليكم ورحمه الله. جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أخبر امرأته بحال الرسول عليه الصلاة والسلام وجوعه وتعب، فأمرت أن يذهب وأن يسار النبي عليه الصلاة والسلام في أذنه وأن يطلب منه أن يأتي هو ورجل أو رجلان معه.

فذهب جابر وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام سرا، فنادى الرسول عليه الصلاة والسلام في أصحاب الخندق أن هلموا إلى الطعام في بيت جابر. أسقط في يد جابر، هذه مصيبة! الطعام ما يكفي إلا رجل أو رجلين، والآن ألف رجل جاءوا مع النبي عليه الصلاة والسلام.

فأسرع وأخبر امرأته التي أغلظت عليه ثم سألته، أخبرته بالطعام وبكذا، بأنه برمة إنما هي يعني شيء قليل وشيء من الخبز في التنور، فقال: نعم. قالت: إذا لا تحمل هما.

جاء النبي عليه الصلاة والسلام دخل البيت، برك على من فيه، أمر بالبرمة فتي بها، القدر يعني، وامر بأن تخمر تغطى وكذا، بالتنور ما يخرج منه من خبز، فإنه جعل تحت غطاء، وأمر الصحابة أن يأتوا على مجموعات صغيرة جدا بحيث أنهم لا يحطمون البيت، وجعل يدخل يده تحت البرمة، تحت الخمار، وياخذ من اللحم ويجعله على كسرة من الخبز يأخذها من تحت الخمار من تحت الغطاء، وياكلون منها.

وبهذه المعجزة أكل الألف كلهم، وزاد الطعام، وهذا من فضل الله تعالى على المؤمنين. النبي صلى الله عليه وآله وسلم أتوه الصحابة وقد اعترضتهم صخرة بيضاء تكسرت عليها معاولهم، ما استطاعوا أن يزيلها، فنادوا النبي عليه الصلاة والسلام، فجاء وقد ربط بطنه بصخرتين أو بحجرين من شدة الجوع.

فضرب بمعوله الصخرة فانكسر ثلثها وأضاء وخرج منها شرر أضاء العالم، فكبر صلى الله عليه وآله وسلم تكبير الفاتح، وكبر الصحابة: الله أكبر، أريت قصور كسرى في المدائن البيضاء. ضربها ثانية وكبر: أريت قصور هرقل الحمراء. ضربها ثالثة فتفتت حتى كأنها لم تكن توجد، وهو يقول: أريت قصور اليمن. وبشرهم بأن هذه كلها ستفتح.

طبعا هذا كلام في شدة وجوع وخوف وبرد وحصار، وأنت تقول هذا الكلام؟! هذا مثل ما قال الله عز وجل: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: 12]. المنافقون قال بعضهم لبعض يبشرون بقصور كسرى وقيصر واليمن، وأحدنا لا يأمن على نفسه أن يذهب ليقضي حاجته! هذا دأب المنافقين في كل زمان ومكان، أن يفتوا في عضد الأمة، أن يوهنوها، أن يثبطوهم، وأن يعملوا جاهدين لتفريق الشمل.

النبي صلى الله عليه وسلم وهو يعمل يرى عمار بن ياسر رضي الله عنهما ويقول له: ويح ابن سمية، ويح عمار تقتله الفئة الباغية. فتنبيء صلى الله عليه وآله وسلم بما سيحصل في المستقبل من قتال المسلمين، والفئة الباغية هي التي قامت بقتل عمار في صفين ونحو ذلك.

المشركون أتوا بجيش عظيم، لكنهم تعودوا على القتال في الأماكن المكشوفة، لما بلغوا الخندق أسقط في أيديهم، ما العمل؟ هذه حيلة لم نعهدها كعرب، هذه حيلة عجيبة وترددوا، لأنهم يعلموا أنهم لو اخترقوا الخندق لصاملوهم بالنبل ولا أثخن فيهم الجراح، ولم يستطيعوا أن يتجاوزوا هذا الخندق، فلم يكن من أمر ومن بد إلا أن يحاصرهم، وقد فعلوا ذلك، حاصروا المسلمين قرابه الشهر، وهم يترقبون الفرصة السانحة للهجوم عليهم.

عمرو بن عبد ود استطاع أن يدخل ويجتاز الخندق هو ونفر معه، فاستقبلهم المسلمون وكان على رأسهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه الذي خيره بين أمرين، أما الإسلام فرد ذلك، وأما النزال، فأعرض عنه قائلا: ما أحب أن أقتلك يا ابن أخي. فقال له علي: والله إني لا أحب أن أقتلك. فغضب ونزل وبارز عليا، فكان كأمس الذاهب، قضى عليه علي رضي الله عنه وأرضاه، ولم يفرغ منه إلا وكان جثة هامدة.

مده حصل هذا الحصار، وجاء الخبر عندما أرسل النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ وسعد بن عبادة إلى بني قريظة ليتسنى للرسول عليه الصلاة والسلام أن يمروا بالكلام لكيلا يخاف ويفزع المسلمون، بل يفهم الرسول أنهم قد نقضوا العهد وغدروا. في هذه اللحظات العصيبة خاف الرسول عليه الصلاة والسلام على المسلمين، فأراد أن يقلل الخسائر، فأرسل إلى سيد غطفان يتفاوض معه في أن ينزل المسلمون عن شطر ثمار المدينة لغطفان، اليهود وعدوكم بثلث، نحن نعدكم بالنصف ولكن غادروا واتركونا آنذاك نقاتل قريش، لعل الكم والعتاد يكون أيسر علينا في المناجزة والقتال.

لما سمع السعدان، سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، بذلك، أتيا إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقالا: يا رسول الله، أهو رأي ارتايت أم أمر من الله عز وجل؟ إن كان رأيا ارتايت فوالله ما كانت تطمع غطفان منا بتمرة واحدة إلا قرى، أي ضيافة للضيف، قرى الضيف، فأما الآن في اسلامنا نعطيهم طواعية وفي هذه الظروف؟ فلا والله! فلما رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم منهم ذلك الثبات، ورای منهم الاستعداد للقتال إلى آخر رمق، قطع المفاوضات مع زعيم غطفان واستمر على ما هو عليه.

سعد بن معاذ رضي الله عنه وأرضاه ضمن بضعة من الصحابة أصيبوا واستشهدوا، والأصل أن غزوة الخندق والأحزاب ما حصل فيها قتال إنما كانت مناوشات خفيفه ورمي بالنبل، والذي حصل أن سعدا رضي الله عنه وأرضاه أصيب في كاحله بسهم لا يدرى من أطلقه، يسمونه سهما عائرا، ونزف منه نزيفا شديدا حتى أوشك على الهلاك، فدعا الله عز وجل أن يميته حتى يقر عينه بنصر المسلمين وبنصر النبي عليه الصلاة والسلام وحتى يقر عينه بمال اليهود.

سبحان الله، هذا يدلك على الأذى الذي ألحقه اليهود بالمسلمين حتى أنهم أرادوا أن يروا عجائب صنع الله عز وجل فيهم، وهذا الذي ينبغي أن يكون عند كل مسلم، أعداء الله من اليهود، أولئك الذين يحاربوننا، يقاتلون، يدبرون الأمور ويكيدون المكائد للإسلام والمسلمين، ما يمكن للمسلم أن يضع يده في يدهم، ما يمكن للمسلم أن يهادن ويوده فضلا عن أن يعينهم على قتال المسلمين في فلسطين أو في غيرها.

لا شك أن هذه من المصائب التي تخرج صاحبها من الملة، من أعان المشركين والكفار على المؤمنين رغبة في انتصار الكفار واليهود على المؤمنين، هذه ولا شك ردة عن دين الله عز وجل.

نعيم بن مسعود الغطفاني اسم ما ينبغي للمسلم أن يغفل عنه، ينبغي للمسلم أن يحفظ هذا الاسم وأن يعرف تاريخ هذا الاسم، لأن نعيم هذا رجل واحد، وهو من بني غطفان، أتى إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم خفية وخلص إليه، وقال: يا رسول الله، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك عبد الله ورسوله، مرني بما شئت الآن، أنا جندي من جنود الإسلام ولا يعلم أحد باسلامي، فمرني بما شئت.

فقال صلى الله عليه وآله وسلم: «إنما أنت رجل واحد، فخذل عنا ما استطعت». أنت رجل لن تستطيع أن تحارب جيشا بمفردك، ولكن الحرب خدعة، والحرب هي المكيدة، فخذل عنا ما استطعت.

انظر سبحان الله، هذا الرجل الذي هو بأمة، ماذا فعل للإسلام والمسلمين مما يجعلنا لا نحتقر جهودنا وأنفسنا وما بامكاننا أن نفعله للإسلام والمسلمين؟ فكم نسمع ونرى من يثبط الشيطان عن الخير وعن العمل وعن السعي في خدمة هذا الدين بقول أو بحجه إني رجل واحد، أنا ضعيف، أنا بمفردي، ما الذي استطيع أن أفعله؟

انظر ماذا فعل نعيم بن مسعود عندما أمره النبي عليه الصلاة والسلام بالتخذيل عنهم ما استطاع، ذهب إلى قريش، فقال لهم، وكان صاحبا لقريش بمعنى أن الرجل قبل إسلامه كان لعوبا فاستغل ذلك في خدمة الإسلام، فذهب إلى قريش وجلس مع كبارهم واجتمع بهم وقال لهم: قد علمتم نصحي لكم وحبي وودي لكم. فقالوا: نعم، هذا ما فيه شك عندنا.

فقال: فإني كنت في المدينة وسمعت من أن بني قريظة يزعمون أنهم يريدوا نقض العهد الذي بينهم وبينكم، وأنهم ندموا على ما فعلوه مع النبي عليه الصلاة والسلام، وأنهم تساروا فيما بينهم وعرضوا على الرسول عليه الصلاة والسلام خطة أنهم ياتونهم بنفر من أعيان قريش كنوع من المهادنة والمواددة وتكفيرا، وتعلمون أني منكم وأنتم.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. نعيم رضي الله عنه وأرضاه ذهب إلى بني قريظة، ولما دخل كالعادة ظناً منهم أنه جاء لعادته؛ فكان نديماً لهم في الجاهلية يذهب، يأتون بالنساء، يأتون بالخمر، يتسامرون معه، وهذه عادة اليهود في أنحاء العالم الترويج للمتعة المحرمة، ريادة الأعمال التي يسمونها الترفيهية؛ من موسيقى وأفلام ومسرح وفن، وهي كلها أمور محرمة لكن يقصد بها دغدغة المشاعر، إثارة الغرائز، نشر الفواحش والفتن بأنواعها.

ذهب إليهف؛ فحيوه وأتوه بالمععلوم بما كان قد اعتاده، لكنه قال: ما لهذا أتيت، إنما تعلمون نصحي وحبي لكم، واني سمعت وانا في قريش بانهم يرغبون في الذهاب وفي فض ما هم فيه من حصار للمدينه. وانتم كما تعلمون ليست لكم ديار إلا في المدينة، أما أهل قريش ما ان يسأموا من حصارهم للمدينة فانهم يعودون إلى ديارهم وأولادهم ونسائهم، وكذا غطفان إن عادوا عادوا إلى ديارهم وأولادهم ونسائهم، أما انتم فليس لكم مكان آخر تذهبون إليه، وأنا أخشى أن يطول العهد بالقرشيين وبأهل غطفان فيذهبوا ويتركوه تواجهون محمداً بمفردكم. فقالوا: هذه مصيبة، فما المشوره؟ قال: الذي يظهر لي أنكم إذا قابلتم طلبتم منهم خمسين من أعيان وأشرافه يمكثون عندكم كضمان أنهم لا يتركونكم ويرجعون إلى ديارهم حتى يفرغوا من قتال محمد صلى الله عليه وسلم ومن معه. قالوا: هذه مشورة ناصح أمين. فتركهم وغادر بني قريظة.

شاء الله عز وجل والمشركون وأهل غطفان طالت عليهم المدة واشتد عليهم البرد وقلت المؤن في أيديهم، فهم محاصرون ولا بد من طعام وماء تأتيهم وإمدادات، وإلا نفذ ما عندهم. فلما طال عليهم الأمد قالوا وكان الأمر ليلة السبت من شوال أرسلوا إلى اليهود أنه قد طال بنا المقام فأخرجوا من آطامكم ومن حصون ونقاتل محمداً ومن معه، فأرسلوا لهم، قالوا: اليوم سبت ونحن لا نعمل في السبت، أضف إلى ذلك أنا لن نخرج لنقاتل معكم حتى تعطونا خمسين أو شيء من هالقبيل من أعيان وأشراف ينزلون في ضيافتنا نطعمهم ونسقيهم ونهتم بهم حتى نفرغ من قتال المسلمين.

لما أرسلوا للمشركين ولغطفان هذا الأمر قالوا: والله هذا ما حذركم منه نعيم بن مسعود وصدق ونصح. فقالوا: أنا لن نبعث لكم برجل واحد، فإن أحببتم أن تقاتلوا معنا فافعلوا وإلا تركناكم. قالت اليهود: أيوه هذا ما وعدنا به وما حذرنا منه نعيم بن مسعود ولقد صدق. فقالوا: أنا لن نخرج ولن نقاتل. فسبحان الله مكيده رجل واحد أنظر ماذا فعلت وصنعت بفلول المشركين. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * إِذْ جَاؤُوكُم مِّنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: 9-11]. هذا الذي حصل مع المشركين ومع اليهود من بني قريظة، طبعا الله عز وجل أرسل عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها، هذه الريح كفأت القدور وطارت بالخيام.

حذيفة بن يمان رضي الله عنه وأرضاه كان ذات يوم مع أصحابه من التابعين، فقال رجل منهم: والله وددت لو أني كنت مع النبي عليه الصلاة والسلام فيرى الله عز وجل ما أضع. فقال له: يا ابن أخي لا تقل هذا، يعني أنت تتمنى أمراً ربما يظهر لك خلافه، كثير منا الآن نقول: يا الله لو أنا كنت مع النبي عليه الصلاة والسلام لفعلت ولَفعلت ولكنت من أفضل الصحابة، وأحدنا ربما يخفق أن يصلي صلاة الفجر في موعدها، ربما يخفق أن يدرك تكبيرة الإحرام شهوراً عديدة، ربما يخفق في الصلاة في الصف الأول، ثم هو يدعي ويزعم أنه سيبلي بلاء حسناً مع النبي عليه الصلاة والسلام.

حذيفة نفس المنطق قال له: لا تقل هذا، فلو رايتنا ونحن في يوم الاحزاب في ليلة شديدة الظلمة قارسة البرد والناس في خوف، إذ قام النبي عليه الصلاة والسلام فقال: «أيكم يأتيني بخبر القوم جعله الله معي في الجنة؟» فلم يقم أحد. وللرسول عليه الصلاة والسلام يقول: «جعله الله معي في الجنة» وما يقوم أحد برد خوف ظلام، أعادها مرتين ثم أعادها الثالثة ولم يقم من الصحابه أحد. فبعد ذلك قال صلى الله عليه وسلم: «يا حذيفة قم». قال حذيفة: فوالله ما كان لي من خيار بعد إذ عينني خلاص قال لي بالاسم، فقمت وأنا أمشي في شدة البرد وفي خوف شديد، فوضع علي رداءه صلى الله عليه واله وسلم وقال: «اذهب فأتني بخبر القوم ولا تصنعن أو لا تفعلن شيئاً» يعني لا تهيج القوم، لا تثير حفيظتهم، لا تفعل أي شيء سوى أن تأتيني بالمعلومات.

ودعا لي، يقول: فخرجت أمشي فكاني في حمام؛ يعني كأني في حمام الحمام التركي أو الحمام الشعبي الذي هو مياه حارة وبخار وكذا، البرد برد شديد لكني أخذت أمشي والأمر سبحان الله بدعوته صلى الله عليه وسلم كأني في حمام جو جميل. يقول: فمكثت فرأيت القوم مجتمعين على نار يتداولون، وفيهم أبو سفيان، ولو اردت ان أصيب وضعت سهمي في قوسي وأردت أن أرميه، ولو فعلت لأصابته يعني موتته، لكني تذكرت أمر الرسول عليه الصلاة والسلام، ورأيت القدور وهي تكفأ والخيام وهي تطير وأبو سفيان يامرهم بالرحيل. يقول: فرجعت إلى النبي عليه الصلاة والسلام فأخبرته خبر القوم، فهذه هي الذين ذكرهم الله عز وجل بنصر المؤمنين بالريح وبجنود.

لما رأى المشركون أنه لا فائدة في حصارهم مع عدم نزول اليهود إلى القتال على طلبهم، لملموا أمورهم وأغراضهم وحاجياتهم وعادوا وقفلوا إلى بيوتهم. أما اليهود فقد جاءهم ما كانوا يوعدون من فك الحصار، وجاء جبريل إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال له: أوضعتم لامه الحرب ودروعكم فانا لم نفعل ذلك؟ فأمر الرسول عليه الصلاة والسلام المسلمين أن لا يصلين أحد منهم العصر إلا في بني قريظة، وحصل ما حصل معهم من عقوبة وعذاب على أيدي المؤمنين لما فعلوه من نقض العهود ورغبتهم في قتل المسلمين واستئصال شافتهم.

هذا ما اتسع له الوقت، حتى نلقاكم في درس آخر أترككم في أمان الله، والسلام.

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. يا راغب في كل علم نافع، متطلعاً لزيادة الإيمان، وتريده سهلاً نوال، ميسراً يأتيك ميسوراً بأي مكان.

زاد، أكاديمية ينبوعها صاف صافي، ليروي غلة الظمآن، والسيرة العلياء وعطره الشذا، طيب يفوح لأهل كل زمان. بشرى لنا، زاد أكاديمية للعلم كالزهور في البستان.