تسجيل الدخول

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

انتهى بنا المطاف في الدرس الماضي بالحديث عن غزوة الأحزاب وما دار فيها من أحداث، وكيف أن النبي صلى الله عليه واله وسلم أعلن حقبة جديدة بقوله: «الآن نغزوهم ولا يغزونا». وحصل من الأحزاب ما حصل كقضائه صلى الله عليه واله وسلم على الخونة من الذين كانوا يريدون إفناء الإسلام والمسلمين من يهود بني قريظة وغير ذلك من الأحداث.

وننتقل اليوم إلى مدارسة حدث عظيم وعلم من أعلام سيرة النبي صلى الله عليه واله وسلم ألا وهو ما يعرف بصلح الحديبية. والحديبية البئر التفتيش المعروفة في الثاني من ذي القعدة من السنة السادسة، أي بعد غزوة الأحزاب بسنة وشيء، رأى النبي صلى الله عليه واله وسلم أن يذهب ومن معه من المسلمين إلى مكة للعمره، وهذه خطوة شجاعة مدامة ولكنها غريبة.

أنت بينك وبين أهل مكة من الحروب ومن المعارك ما بينكما، ومع ذلك تذهب إليهم في عقر دارهم بنفسك وبمن معك من المسلمين؟ الجواب: نعم، لأن النبي صلى الله عليه واله وسلم ليس بطالب للدنيا أو للمال أو للجاه، ولو كان كذلك لأخذ كل ذلك وهو في مكة في بيته وبين أرحامه وأقربائه، لكنه طالب آخرة، فأراد أن يذهب فيعتمر أن يثبت للعالم أجمع أنه مريد للسلام محب له.

فذهب بنفسه في إحرامه هو ومن معه من المسلمين ومعهم البدن والهدي ليظهروا للعالم كله أنهم عمار وليسوا بأهل قتال ومعارك. النبي صلى الله عليه وسلم استنهض من حولها من المسلمين فهب معه ألف وأربعمائة تقريبا من المسلمين، وتخلف عنه من كان فيه نفاق وقدموا له الأعذار من أعراب جهينة ومزينة، وفيهم قال عز من قائل: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا ۚ يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتْهُم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ۚ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا إِن أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا ۚ بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا * بَلْ ظَنانتُم أَن لَّن يَنقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَىٰ أَهْلِهِمْ أَبَدًا وَزُيِّدَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنتُم قَوْمًا بُورًا﴾ [الفتح: 11-12].

فهؤلاء الذين تخلفوا عن النبي عليه الصلاة والسلام هم من المنافقين، وما أراد الله عز وجل بهم خيرا. وهذه قاعدة عظيمة ينبغي على كل مسلم أن يستحضرها: إن رأيت أن الله تعالى لم يوفقك لعمل الخير ولم يقذف في قلبك الرغبة إليه، فاعلم أن الله تعالى لم يرد الخير بك، وأن الله عز وجل هو الذي جعلك تتخلف، لأن الرغبة الأساسية في قلبك لم تكن نارا مشتعلة ومتقنة، قال عز من قائل: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَٰكِن كَرِهِ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [التوبة: 46]. نسأل الله لنا ولكم حسن الختام.

النبي صلى الله عليه واله وسلم أحرم هو ومن معه من ذي الحليفة وكانت معهم سبع من البدن مشعرة وعليها علامات أنها هدي لله عز وجل. وأرسل صلى الله عليه واله وسلم كعادتة بشر بن صفوان الخزاعي من بني خزاعة عينا يتقصى له الأخبار، وقيل إنه أرسل بسرا لأنه حديث عهد بإسلام، فما أسلم إلا في شوال وهو من بني خزاعة عيبة نصح للنبي عليه الصلاة والسلام، قبيلة على شركها وعلى كفرها لكن كانت بينهم وبين النبي عليه الصلاة والسلام مودة ونوع من الثقه على كفرهم، وسيأتي خبرها إن شاء الله عز وجل في فتح مكة وصنيع مع النبي عليه الصلاة والسلام وصنيع النبي صلى الله عليه وسلم معهم.

أرسل بشر بن صفوان كي يتقصى له اخبار قريش، وخرج عليه الصلاة والسلام النبي اللهم صل وسلم عليه لم يكن الوحيد الذي يبعث العيون ليتقفى الأخبار، فقريش كذلك كانت على حذر وحيطة من أن يحدث أمر، كذلك فلما جاءهم الخبر بأن النبي صلى الله عليه وسلم قد خرج من المدينة يريد مكة ثارت ثورتهم وطاشت عقولهم ولم يفكروا أبدا فيما هم على وشك أن يفعلوه: هؤلاء قد قدموا عمارا يريدون بيت الله الحرام، وهو ليس لكم إنما هو بيت الله عز وجل، لكنهم أبوا واستكبروا وامتنعوا فأرسلوا خالدا على خيل، خالد بن الوليد رضي الله عنه وأرضاه وكان إذ ذاك مشركا، أرسلوه على خيل ليمنع النبي عليه الصلاة والسلام ومن معه من الدخول إلى مكة.

الرسول اللهم صل وسلم عليه بلغهم الخبر، بلغه الخبر فحاد بالمسلمين إلى طريق وعرة أخرى غير التي اعتادها المشركون والتي اعتادها المسافرون وذلك لكي يتجنب اللقيا مع خالد وهم على إحرام. لما فطن خالد لذلك رجع إلى قريش، وخرجت قريش كلها لتمنع الرسول عليه الصلاة والسلام.

النبي عليه الصلاة والسلام وصل إلى الشميسي، والمشركون وصلوا إلى البئر التي فيها الماء، وإذ بناقة النبي عليه الصلاة والسلام تبرك وتمتنع عن الحراك فقال المشركون، فقال المسلمون: خلأت القصواء، يعني هذا من سوء خلق الدابة أنها تتعنت بهذه الطريقة. فقال عليه الصلاة والسلام: «ما خلأت وما ذلك لها بخلق، هذه دابتي أنا أعرفها، ولكن حبسها حابس الفيل والله لا يسألوني خطة يعظمونها فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها».

إذا عرف أن النبي صلى الله عليه والسلام أن هذا الأمر بتدبير الله عز وجل وأن الله تعالى سوف يأتي بأمر ليس في الحسبان، فقال بايجابية، وهذه حال القائد، هذه حال الإمام الداعية الإيجابية لا السلبية: «إنهم ما يسألوني خطة يعظمون فيها الله عز وجل إلا واجبتهم إليها».

النبي عليه الصلاة والسلام ما كان مستعدا لهذا اللقاء ولذلك فجئ المسلمون بنزوله عند بئر قليلة الماء ما لبث ونفد ماؤها، والمشركون عند البئر التي فيها الماء، فاشتكى المسلمون إلى النبي عليه الصلاة والسلام فأمرهم صلى الله عليه واله وسلم أن يأخذ بسهم من كنانته وأن يرموه في البئر وإذ بها تفيض بالماء حتى سقى القوم مواقرهم وأوعيتها بها ورووا، وذلك بفضل الله عز وجل سبحانه وتعالى.

النبي صلى الله عليه واله وسلم أحزنه ما فعلته قريش، وقال: «ويح قريش، أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين الناس، فإن انتصروا وظفر بي كفوني شاني، وإن استجابوا لي وآمنوا بي كانوا مع القوم». وهذه من الأمور التي كانت تحزن النبي عليه الصلاة والسلام وتثقل على كاهله، لأنه كان يريد الخير لكل الناس خاصة لقومه وقرابته ورحمة صلى الله عليه واله وسلم.

النبي عليه الصلاة والسلام كان إيجابيا فأرسل الرسل إلى قريش لكي يقنعوهم لكي يعلموهم بالنية التي جاء بها عليه الصلاة والسلام، فأرسل خراش بن أمية الخزاعي، وأرسل عثمان بن عفان، عثمان نزل عند أبان بن سعيد بن العاص من بني عمومته، وكان في الأصل يريد أن يرسل عمر بن الخطاب لكن عمر اعتذر فقال: بني عدي لن يقفوا لحمايتي ويقف بجانبي ولي لمنعة في قريش، لكن أرسل عثمان فإن عثمان لديه بنو عمومة يقفون معه ويمنعونه مما يريد به شرا أو سوء.

ذهب عثمان لكنه عندما ذهب قوبل بحفاوة وترحيب من بني عمومته بل إنهم عرضوا عليه -وأبو سفيان بن حرب من بني عمومته- عرضوا عليه أن يتطوف بالبيت فأبى رضي الله عنه وأرضاه، قال: لا أطوف بالبيت قبل النبي عليه الصلاة والسلام. ثم إن أهل قريش حبسوه منعوه من الرجوع، إما لظنهم أنه يريد أن يستقطب من أهل قريش من يرجع معه مسلما إلى المسلمين وعدوا ذلك خيانة، وإما لسبب آخر، الحاصل أنهم أخروه وأبقوه عندهم.

عندما أبطأ في الرجوع إلى النبي عليه الصلاة والسلام والمسلمين الرسول صلى الله عليه وسلم توجس شرا وظن كما تكلم الناس أنهم قد اغتالوا عثمان، فما الذي فعله النبي عليه الصلاة والسلام؟ هذا ما سوف نعرفه إن شاء الله عز وجل.

ربما تحب أحد الأبناء أو البنات أكثر من إخوته؛ أما لبره، أو أدبها، أو غير ذلك. ولكن، هل يجوز أن تفضل من تحب في العطية وتخص بالهدايا دون الآخرين؟ لنستمع إلى هذه القصة التي جرت للصحابي الجليل النعمان بن بشير. يقول رضي الله عنه: سألت أمي أبي بعض الموهبة لي من ماله، فوهبها لي، فقالت: لا أرضى حتى تشهد النبي صلى الله عليه وسلم. فأخذ بيدي، وانا غلام، فأتى بي النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: يا بشير، ألك ولد سوى هذا؟ قال: نعم. فقال: أكلهم وهبت له مثل هذا؟ قال: لا. قال: فلا تشهدني إذن، فإني لا أشهد على جور.

ففي هذا الحديث تحذير من تففضيل أحد الأبناء على إخوته، وأنه من الجور والظلم، ولم يفرق بين الذكر وأنثى؛ وذلك لما يؤدي إليه من الكراهية والنفور بينهم. ولا حرج في الميل القلبي لأحد الأولاد دون غيره؛ لأن ذلك أمر ليس في مقدور العبد، وإنما الذي يحرم أن يفضل المحبوب على غيره بالعطايا دون سبب شرعي. فإن حصل مثل هذا التفضيل، وجب رد العطية أو إعطاء الآخرين مثل أخيهم.

ويجوز التفضيل بين الأولاد إذا كانت هناك أسباب وجيهة تدعو إلى ذلك؛ كأن يخص أحد أولاده لمرض أصابه، أو فقر وحاجة ألمت به، أو لاشتغاله بطلب العلم ونحوه من الفضائل. وللوالد أن يمنع العطية عمن يستعين بها على معصية الله تعالى، ويعطيها لمن يستحقها. قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: 2].

عندما شاع في الناس أن عثمان قد قتل، غضب النبي صلى الله عليه واله وسلم لذلك، فجمع الناس تحت الشجرة تحت السمرة، وبايع وطلب منهم أن يبايعوه. فتقدموا نفرا نفرا، وبايعوا النبي عليه الصلاة والسلام، قيل إلا الجد بن قيس أو أحد المنافقين ممن تخلف، لكنهم بايعوا النبي عليه الصلاة والسلام، إما على الموت، وإما على عدم الفرار، وكلاهما واحد. بايع الرسول عليه الصلاة والسلام، وممن بايعه سلمة بن الأكوع رضي الله عنه بايع ثلاث مرات في أول القوم ووسطهم وفي آخر القوم؛ لأنهم من أشد المقاتلين ومن أقواهم ومن أشجعهم رضي الله عنه وأرضاه.

وبايع النبي صلى الله عليه واله وسلم عن عثمان بيده، فقال: هذه عن عثمان. وقال لأولئك النفر الذين بايعوه: أنتم خير أهل الأرض. وكانوا ألفاً وأربعمائة. وقال أيضا صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل النار من الذين بايعوا تحت الشجرة». وهذا دليل على أن خير صحبة هم أصحاب بيعة الرضوان أو أصحاب الشجرة.

قريش أرسلت الرسل؛ لأنها جربت المسلمين في القتال، ولا تريد أن تخوض حربا أخرى مع النبي عليه الصلاة والسلام ومع المسلمين، وقد استروانار الحرب معهم، ولمسوا من شجاعتهم وأقدامهم وقتال أقوام لا يعرفونهم وهم الملائكة الشيء الكثير، فهم مترددون، ولكن يريدون حلا يحفظ ماء الوجه، فأرسلوا رسلهم. أرسلوا ممن أرسلوا عروة بن مسعود الثقفي، الذي جاء بكبر وخيلاء وبطريقة فظة غليظة يتكلم مع النبي عليه الصلاة والسلام ويقول: إن هؤلاء الذين جئت معهم ما هم إلا أوباش، ما يلبث إذا راوا الحرب أن يفروا من حولك. وهذا يكذبه الواقع وتكذب التجارب والمعارك السابقة، ولكن هذه سبيل السياسيين، السياسيون عاده لديهم وسائل في المفاوضات ولديهم وسائل في الطرق الملتويه والخبيثه والكذب والخداع.

والنبي عليه الصلاة والسلام ما يرد عليه إلا أبو بكر، ويرد عليه بغلظة: أتظن أن هؤلاء يفرون عنه؟ فيقول: من هذا؟ يقول: أبو بكر. قال: والله لولا يد لك عندي لرددت عليك؛ يعني هذه الطريقه الغليظه التي ترد بها علي، لولا معروف سبق منك وفعلته لي لرددت عليك. ثم يمسك بلحية النبي عليه الصلاة والسلام، كلما يتحدث معه يمسك بلحيته، هذه من طرق العرب في التزلف وفي التودد. وكلما مد يده يضربه بجراب السيف رجل مقنع من الدرع التي عليه، ويقول: من هذا؟ فيقول له: المغيرة بن شعبة، وهو ابن أخيه وكان قد يعني فدى ودفع ديات اقوام قتلهم في الجاهليه.

فهؤلاء كلهم أعطوه الانطباع، فرجع إلى قريش وقال: لقد دخلت على كسرا وقيصر، ودخلت على الملوك في دواوينهم، والله ما وجدت أحدا يعظم أحدا مثل ما يعظم أصحاب محمد محمدا صلى الله عليه واله وسلم. وأرسلوا بعد ذلك الحليس بن علقمة الكناني، وهو من الأحابيش وفيه شيء من التعبد والزهد، فأمر الرسول عليه الصلاة والسلام الصحابه باظهار البدن. فلما راى البدن والهدي مشعرة، رجع إلى قومه فقال: والله ما أرى هؤلاء إلا عمارا، وما أرى أن يردوا عن البيت الحرام. وهذا فيه دليل على أن القائد يستخدم الوسائل المتاحة بلا تدليس ولا كذب ولا خداع في نصره قضيته، فالرسول عليه الصلاة والسلام أمرهم بابراز واظهار البدن لمعرفته بنفسيه ذاك الرجل.

ثم أرسلوا مكرز بن حفص وسهيل بن عمرو، وسهيل عندما راه النبي عليه الصلاة والسلام قال: سهل أمركم، وعرف أنهم ما أرسلوا سهيلا إلا للتفاوض وللصلح. وسهيل بن عمرو هو خطيب النبي عليه الصلاة والسلام في الإسلام في مكة بعد أن أسلم رضي الله عنه وأرضاه، وهو ممن ثبت المسلمين بعد موته صلى الله عليه وسلم في مكة عن الرجوع والنكوص على أعقابهم عندما ارتدت قبائل من المسلمين. سهيل بن عمرو هو الذي ثبتهم بفضل الله عز وجل بخطبته وبكلامه. سهيل تكلم كلاما كثيرا وفي النهايه اتفقوا على امور، وأمر الرسول عليه الصلاة والسلام بكتابة ما اتفق عليه.

لما أتي بالكتاب، وكان علي هو الذي يكتب، قال الرسول عليه الصلاة والسلام: اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم. قال: ما ندري من الرحمن؟ ولكن اكتب: باسمك اللهم. فمسحها النبي عليه الصلاة والسلام وكتب: باسمك اللهم. ثم قال: هذا ما تقاضى عليه محمد رسول الله. فقال: لو امنت واعتقدت وصدقت بانك رسول الله ما خالفتك، ولكن اكتب هذا ما تقاضى عليه محمد بن عبد الله. فأمر الرسول عليه الصلاة والسلام عليا بان يمحيها، فأبى علي واعتذر، وقال: يا رسول الله، أنت رسول الله حقا. فطلب منه أن يريه أين هي، فمسحها بيده عليه الصلاة والسلام.

واتفقوا على امور؛ أولها: الرجوع من قابل، يعني هذه السنة أنت لا تدخل مكة ومن معك، أنتم عمار، أنتم محرمين على العين والراس، لكن ما تدخلون الآن، فتتحدث قبائل العرب أنكم دخلتم مكة عنوة -سبحان الله دخلوا معتمرين كيف يدخلون عنوة!- ولكن هذا هو الكبر والعند والتعنت. ومما اتفقوا عليه أنهم يأتون من العام الذي بعده، وليس معهم إلا سلاح الراكب، وأنهم لا يمكثون إلا ثلاثة أيام. ومما اتفقوا عليه أنه من جاء المسلمين من قريش مسلما ردوه إلى قريش، ومن جاء من المسلمين إلى قريش مرتدأ كافرا مشركا أبقوه عنده. طبعا هذه امور للمسلمين كان فيها في ظاهرها الشيء الكثير من الاجحاف والظلم.

وأنهم مما اتفقوا عليه أن يضعوا الحرب عشر سنوات، هدنة عشر سنوات، ومنها ذهب بعض أهل العلم إلى أن الحد الأعلى للهدنة هو عشر سنوات. وأنه لا غلول ولا خداع ولا سرقة ولا خيانه. وهم يكتبون، وإذا بأبي جندل بن سهيل بن عمرو يأتي إلى المسلمين، وهو في قيوده قد هرب من المشركين، وانطرح بين يدي النبي عليه الصلاة والسلام معلنا اسلامه. قال سهيل: وهذا اول ما يطبق عليه العقد لسه ما وقعنا ما انتهينا. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: صدقت نحن اتفقنا، لكنك إن شاء الله ستجزى، إن شاء الله. وسياق القصة يقتضي أن سهيلا لم يلقي لكلام مكرز بن حفص أيه وزن، وأنه أبى في فعل ذلك.

فردوا أبا جندل، وهو يصيح: يا قوم، أتردون كي يفتنون في ديني، وأنا اريد أن أبقى بينكم مسلما؟ عمر يمشي بجانبه ويقرب له سيفه يغريه كي ياخذ السيف ويقتل أباه، لكن شاء الله عز وجل ولم يفعل ذلك. ومما اتفق عليه الطرفان أنه من أراد من الأحلاف والقبائل أن يدخل في حلف المسلمين فعل، ومن أراد أن يدخل في حلف المشركين فعل.

وأول من بدأ بذلك بنو خزاعة إذ دخلوا في حلف المسلمين، وبنو بكر إذ دخلوا في حلف المشركين. المسلمون أحسوا بالغبن وأحسوا بالظلم، ومما زادهم في هذا الإحساس أنه على غير عادة النبي عليه الصلاة والسلام أنه لم يستشيرهم الرسول اللهم صل وسلم عليه؛ كان دائماً ما يستشيرهم قبل أن يقدم على أمر في كل أموره إلا في صلح الحديبية ما استشارهم ولا طلب رأيهم، بل مضى في توقيع العقد، مما أدى بالمسلمين أن يشعروا بشيء من القهر والإحساس بالظلم، لا من الرسول قطعاً صلى الله عليه وسلم حاشى وكلا، بل من هذه الاتفاقية التي وقعناها ونحن لنا اليد العليا ونحن الذين تفوقنا عليهم عسكرياً واجتماعياً والناس يدخلون في دين الله أفواجاً.

مما أدى بعمر رضي الله عنه وأرضاه إلى الاعتراض فقال: يا رسول الله، أولسنا على الحق؟ قال: بلى. قال: أليسوا على الباطل؟ قال: بلى. قال: فلم نعطي الدنية في ديننا، أولست رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: إني رسول الله وعبده ولن أضيع، يعني هذا الكلام الذي تقوله يا عمر هذا غير مقبول، أنا رسول الله والله عز وجل يتولاني بأمره سبحانه وتعالى لن يضيعني الله عز وجل. عمر كما نقول بالعامية لسه ما هي يعني مهضومة ماكلة معه، فذهب إلى أبي بكر خليله وحبيبه وصديقه فقال له المقولة ذاتها.

أبو بكر أمره مختلف فقال له يا عمر: إنه رسول الله فالزم غرزه، إياك هذه الوساوس، إياك هذه الأفكار، هذا النبي هذا رسول الله عليه الصلاة والسلام، الزم غرزه، ما لك أن تعترض «وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم»، ما يصلح هذا يا عمر. يقول عمر: فوالله لقد تصدقت بعدها وصليت وصمت واعتقت ما الله عز وجل به عليم، يعني تكفيرا عن هذه المقولة التي ما خرجت إلا من قلب ناصح أمين مشفق على الأمة، ليست من قلب معترض أو مستكبر حاشى وكلا، لكنه ما استاستطاع أن يستوعب من هول الصدمة التي أحس بها والمسلمون معهم.

طبعا خلال هذا التوقيع كان هنالك تحرش عجيب من المشركين، ففي حادثة أمسك المسلمون بثمانين من فتيان المشركين كانوا يريدون أن يتعرضوا وأن يهجموا على المسلمين، وهم يكتبون العقد أمسكوا بثمانية آخرين، سلمة بن الأكوع أمسك بأربعة، ثم بعد العقد أمسك المسلمون بستة فعفا عنهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم. بعدها هنالك فاصل قصير فابقوا معنا.

لقد شرع الله الدين للناس رجالاً ونساءً ووعد الجميع الجنة والحياة الطيبة إذا قام بواجبه، فقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 97]. وقد جاء الإسلام فأكرم المرأة وحملها مع الرجل مسؤولية النهوض بالمجتمع وحسن الرعاية له، فقال عليه الصلاة والسلام: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته». وقد شغلت المرأة في العهد النبوي وما بعده مكاناً رفيعاً بمشاركاتها العلمية والاجتماعية والتربوية، وتصدر اسمها في قائمة المساهمين في بناء المجتمع وصياغة هوية الأمة والمحافظة على ثوابت الدين، ولا زال التاريخ يذكر أم المؤمنين خديجة وأم المؤمنين عائشة ونسيبة بنت كعب وأم حرام بنت ملحان وحفصة بنت سيرين وفاطمة بنت عبد الملك وزبيدة بنت جعفر وغيرهن رضي الله عنهن ورحمهم.

ومن هنا كان للمرأة المسلمة دورها المهم والخطير في صياغة المجتمع، مما أكسبها قيمة واعتباراً واحتراماً لا مثيل له في المجتمعات الأخرى، كما اعتراف بذلك المنصفون من الغربيين وبأنهم إنما تعلموا احترام المرأة من مسلمي الأندلس. يقول المفكر الفرنسي مارسيل بزارد: إن الشعراء من المسلمين هم الذين علموا مسيحية أوروبا عبر إسبانيا احترام المرأة. فللمرأة على ثغر الحياة الزوجية أثر خطير، وفي التربية على الدين والخلق دور كبير، وفي التعليم والدعوة والطب والرعاية مكانة ومسؤوليات، وقيام المرأة المسلمة بهذا وغيره له أثره الإيجابي في اصلاح المجتمع كله أسراً وأفراداً، وصدق عليه الصلاة والسلام حين قال: «إنما النساء شقائق الرجال».

السلام عليكم ورحمة الله. ما كان ظاهره الظلم والغبن كان في حقيقته فتحاً عظيماً، أنزل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم سورة الفتح التي قال فيها: والله نزلت علي سورة انها لأحب إلي من الدنيا وما فيها، لأن فيها بشارة للنبي عليه الصلاة والسلام ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ [الفتح: 1]. وهذه السورة هي مبشرة بالفتح لا فتح مكة كما يظن البعض، بل الفتح الحقيقي كان صلح الحديبية؛ وذلك أن الذين دخلوا في فترة الصلح ما بين الحديبية وفتح مكة أقل من سنتين دخل فيها أكثر مما دخل في الاسلام منذ بدايته، وأن الرسول عليه الصلاة والسلام تفرغ بعد أن أخلى ذهنه من قريش وهمها تفرغ للأعراب تفرغ ليهود خيبر تفرغ لنشر الدين في الجزيرة العربية ومراسلة الملوك والقياصره وغيرهم ودعوتهم إلى الدين.

النبي عليه الصلاة والسلام أمر أصحابه بالتحلل ونحر البدن فتباطؤا رغبة في أن ينزل الله عز وجل أمراً آخر، فأشارت أم سلمة على النبي عليه الصلاة والسلام أن يحلق شعره وأن يذبح هديه ولا يغضب ولا يعني يبتئس من فعل أصحابه، فففعله فامتثل أصحابه فوراً لأمر الرسول عليه الصلاة والسلام، حتى كاد أن يقتل بعضهم بعضاً وهم يحلقون لأنفسهم ولبعضهم البعض، وفيه حكم الإحصار وأن من أحصر عن إتمام عمرته أو نسكه فإن له أن يحلق شعره ويذبح هديه مكان ما هو فيه. الصحابه أقاموا بالحديبية عشرين يوماً ثم عادوا إلى المدينة. وفيه أي في القصة يعني حكم وعبر وفوائد عديدة ذكرها ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد وغيره من اهل العلم.

فتراجع هنالك عدد من المعجزات كتكثير الماء كتكثير الطعام عندما نفذ طعامهم فجعل عليه الصلاة والسلام يجمعون طعامهم ثم دعا وبرك وصدر الناس عنه وقد ملوا يعني أكياس وقراهم من الطعام وأكلوا وشبعوا وحملوا ما يكفيهم. الآن من فوائد صلح الحديبية أن قريش تعاملت مع المسلمين معاملة الند، وفيه اعتراف صريح من قريش بمكانة المسلمين، وهذا أرسل رسالة مدوية في أنحاء الجزيرة العربية وجعلت أولئك الذين كان عندهم شك جعلت شكهم يقيناً بأن الإنسان بأن الاسلام منتصر وغالب لا محالة، هذا مما دعا وحد بالكثيرين من المشركين في أن يدخلوا الإسلام.

في القصة يعني أمور معينة منها أن الله عز وجل يجعل للمؤمنين مخرجا وسبيلا وفرجا. أبو بصير الذي جاء مسلما بعد توقيع العقد فرده النبي عليه الصلاة والسلام على ما اتفق عليه مع المشركين، فقتل أحد من كان يأسر من المشركين وفر الآخر، فعاد أبو بصير إلى النبي عليه الصلاة أو أبو بصير فقال له: يا رسول الله، وأما وعدك وعهدك فقد أنفذتهما أنت كلمتك كما هي لم تغفرها، أما انا فلست ملزم بالرجوع إليهم. والرسول لم يأمره بأن يرجع، لكنه أبى أن يستقبله احتراماً للعهد والميثاق. فخرج أبو بصير أو أبو بصير ومن معه وتجمعوا في ناحية من البحر قيل هي العيص وقيل سيف البحر وقيل غيرها، وانضم إليهم أبو جندل، وكانوا في حوالي 70 أو 80 رجلاً، ما تركوا قافلة لقريش إلا وتعرضوا إليها ونهبوها، مما حدا ودعا بقريش أن تعلن للنبي عليه الصلاة والسلام أن الشرط الذي بيننا وبينك من جاءك منا مسلما أن ترده هذا خلاص كنسله هذا الغيه ما يصلح لأنه أثر في تجارتنا وأعني آذانا.

وهذا من بركة دعوة النبي عليه الصلاة والسلام عندما راى أبا بصير فقال: «ويل أمه مسعر حرب لو كان معه رجال»، ففهم المسلمون التشجيع على الانضمام إليه لمن دخل تحت بنود العقد في أن يرجعهم الرسول عليه الصلاة والسلام إلى المشركين. أسلم في هذه الفترة خالد بن الوليد وعمرو بن العاص رضي الله عنهما، والظاهر أن كثرة المسلمين يعني التحاق المشركين بالإسلام دعا بقريش أن تيأس، فلم ترسل في طلب خالد ولم ترسل في طلب عمرو الذي هو عمرو بن العاص المعروف الذي كان رسول قريش إلى النجاشي وقصتها معروفة لديكم وقد سبق وأن تدارسها وذكرناها.

طبعا في ثلاث أمور يعني بارزة حصلت بعد ذلك.

مثلاً غزوة ذي القرد وهي غزوة عجيبة قصتها ربما تستغرق حصة كاملة وهذا ليس بالإمكان للأسف الشديد. خلاصتها أن عبد الرحمن الفزاري بعث مجموعة من اللصوص فسطوا على إبل الصدقة وقتلوا الراعي وأشقوا وذهبوا، وفطن إليهم خير رجلة المسلمين؛ الرجالة الذين على رجليهم، وهو سلمة بن الأكوع فطارده طيلة اليوم من الفجر إلى المغرب على رجليه، وهو يرميهم بأسهمه، فإن تضايق بهم الوادي صعد إلى الجبال ورماهم بالحجارة حتى ألقوا كل ما في أيديهم من سرح وإبل ورماح ومتاع ليتخفوا ويهربوا.

تخيل قوة هذا الرجل البدنية وهو يركض خلفهم من الفجر إلى المغرب! أين عدائي الماراثون والأحباش كما يقولون، هم أسرع الناس في الجري وأقواهم على التحمل؟ هذا يوم كامل واستنقذ منهم كل شيء وقضى من قضى منهم وأصاب من أصاب منهم. اليوم يوم الرضع خذها وأنا ابن الأكوع، يقول يرتجز وهم يخافون ويرون ما يحصل بهم، يتعرض له أربعة ثم يخاف ويفر لأنه يعلم شدته وقوته وهو على رجليه رضي الله عنه وأرضاه.

حتى إذا استنقذ كل متاع النبي عليه الصلاة والسلام وسرحه وإبل الصدقة، وكان يضع علامة حتى يعرفها النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه إذا أتوا أن هذا مما استنقذ سلمة. فلما وصلت خيل الله وأول من كان فيهم الأكرم الأسدي أراد أن يلحق بهم فقال له سلمة: أما ترى القوم فيهم شدة؟ فطلبه أن لا يحول بينه وبين الشهادة، فذهب فاختلف هو وعبد الرحمن الفزاري وقتله عبد الرحمن، فجاء أبو قتادة ولحق بعبد الرحمن فقتل عبد الرحمن ورجع سلمة بفرس يقودهما إلى النبي عليه الصلاة والسلام والرسول يبتسم ويفرح ويبش في وجه سلمة.

وقال سلمة: يا رسول الله انتدب ثلاثين من المسلمين فنغزو على غطفان فننقض عليهم كلهم، وهو قول وفعل، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول له الكلمة المعروفة: «ملكت فأسجح». ثم قصه رجوعهم إلى المدينة في اليوم التالي وكيف أن رجلاً يقول: هل من مسابق؟ هل من منازل؟ فيتبرع سلمة الذي أمضى يومه أمس بالكامل وهو على رجليه مسافة بعيدة يسابق الخيل ويسابق الإبل فيسابق هذا الرجل ويسبقه إلى المدينة، وهذه بحد ذاتها قصة تحتاج إلى إبراز الجوانب الرياضية والشجاعة والإقدام عند ذلك الصحابي الذي كان يفتي على عهد النبي عليه الصلاة والسلام وبعده وكان من مفتي الصحابه، فسبحان الله ورضي الله عنه وأرضاه.

ومن الحوادث التي حصلت حادثة عكل وعرينة، وهما قبيلتان أتوا إلى النبي عليه الصلاه والسلام وأعلنوا إسلامهم ثم إنهم اجتووا ومرضوا وأصابتهم حمى يثرب، فأمرهم الرسول عليه الصلاه والسلام حمى المدينه، فأمرهم عليه الصلاة والسلام بأن يخرجوا إلى إبل الصدقة فيشربوا من أبوالها وألبانها، وهذا فيه دلالة على طهارة بول مأکول اللحم، وهذه مسألة إن شاء الله ستدرس في أبواب الطهارة في الفقه. وشربوا حتى تعافوا وصحت أجسادهم فغدروا بالراعي وقتلوه وسمل عينيه وصلبوه ورموه في الحرة حتى مات، فأرسل خلفهم النبي عليه الصلاة والسلام من أمسك بهم وفعل فيهم جزاء ما فعلوه في ذلك الراعي.

ومن ما حدث أيضاً ما يعرف باسم غزوة ذات الرقاع، وهي غزوة خرج فيها النبي عليه الصلاة والسلام والمسلمون، وسميت بذات الرقاع لأن كما يقول أبو موسى الأشعري رضي الله عنه وأرضاه الخفاف المسلمين انقبت وتقطعت من جراء المسافة والمشي الكثير حيث كانوا يتعاقبون ستة على إبل يأخذون أدوارهم في ركوبها والخمسة يمشون حتى يأتي دور الآخر وهكذا، فانقبت خفافهم فاضطروا أن يلفوا عليها من هذه الرقاع كي يستطيعوا مواصلة السير. ولم يكن هنالك قتال بينهم وبين غطفان إنما كانت عبارة عن تخويف، عن ترهيب، أنه ترى انتبهوا فالمسلمون ذو قوة وأنهم لن يسكتوا بعد الآن على اعتداءات كما فعلتم في الأحزاب، وقد ظهر أثر ذلك وسيظهر إن شاء الله معنا عندما ذهب النبي عليه الصلاة والسلام لفتح خيبر وكيف أن غطفان التي كانت تعتبر خيبر من صلاحياتها ومن تحت حمايتها ما استطاعت أن تفعل شيئاً وقد قذف الله الرعب في قلوبهم.

هذا ما اتسع له وقت هذا الدرس، حتى نلقاكم في درس آخر أترككم في أمان الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.