بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا ونبينا وحبيبنا محمد، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين، أما بعد.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وقعت المعاهدة وحصل الاتفاق، صلح الحديبية الآن قائم، والعمل ببُنُوده على قدم وساق. من فوائد هذه المعاهدة التي ما تفطن لها المسلمون أن النبي صلى الله عليه واله وسلم تفرغ الآن لما حوله من مشاكل وأمن جانب قريش، فأول ما بدأ به الانتهاء من مسألة كيد اليهود وفجره ونقضهم للعهود والمواثيق؛ فمن بني قينقاع إلى بني النضير إلى بني قريظة، ما بقي الآن إلا خيبر، وهي على بعد قرابه المئة وستين كيلو من المدينه.
خيبر هذه من الحرات العظيمة والمرتفعة، كثيرة المياه، كثيرة الخصوبة في أرضها، ففيها من الثمر وفيها من الشجر وفيها من الخير الشيء الكثير. خيبر استوطنها المشركون واليهود، وغلب اليهود عليها، وكانت لهم الكلمة والجاه والسلطان. وكما جاء في وصف خيبر أنها عبارة عن أطم وعبارة عن حصون، فيها ثمانية حصون منفصلة عن بعضها البعض، وكانوا أهل حلقة؛ يعني أهل قتال وسلاح، وعندهم مال وعندهم رجال وعندهم حصون.
خيبر الذي أفسدها هم بنو النضير بعد أن أجلاهم النبي عليه الصلاة والسلام؛ ما زالوا في أفعالهم وحيلهم حتى أَدَوُا ببني قريظة أن يفعلوا ما فعلوا، وكانت فيه هلكة ودمار، ومع ذلك ذهب من نجى منهم إلى خيبر، وما زالوا في أهلها حتى أفسدوهم وجعلوهم يكيدون وينقضون العهود والمواثيق، وعلى رأسهم سلام بن أبي الحقيق وحيي بن أخطب. النبي صلى الله عليه واله وسلم بعد الفراغ من قريش وعقد الصلح معهم تفرغ لخيبر، فخرج صلى الله عليه واله وسلم في محرم من العام السابع.
الحديبية كانت في ذي القعدة من العام السادس، يعني هي مسافة الرجوع إلى المدينة وبضع أيام، واذ بالنبي صلى الله عليه وسلم يذهب إلى خيبر في جيش تعداده ألف وستمائة رجل. خيبر محصنة تحصينا عظيما، ولكنهم كانوا في غفله. الرسول وصل عليه الصلاة والسلام بالجيش مساء في الليل، وكانت عادة النبي عليه الصلاة والسلام أنه لا يباغت الناس ولا يغدر بهم، فانتظر إلى أن طلع الصباح.
وما إن أشرقت الشمس وخرج المزارعون بفؤوس وعدة الحرث والزراعة، إذ بهم يفاجؤون بوجود النبي عليه الصلاة والسلام والجيش معه، فقالوا: محمد والخميس! هذا قد جاءكم محمد عليه الصلاة والسلام والجيش معه. فرجعوا فتحصنوا في حصونهم؛ وأول هذه الحصون هو حصن ناعم، وهنالك حصن صعب، حصن أبي، وحصن الزبير وغيرها من الحصون المعروفة.
فالنبي صلى الله عليه وسلم ومن معه حاصروا هذه الحصون فترة من الزمن، وكان ممن يحمل الراية أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه، وقيل عمر، ولم يفتح الله عز وجل على أيديهم، وطال الحصار على ما سمعتم. ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم: «لأعطين الراية غداً رجلاً يفتح الله على يديه، يحبه الله ورسوله، ويحب الله ورسوله». هذه بشارة عظيمة. عمر يقول: والله ما تمنيت الإمارة إلا في ذلك اليوم؛ لماذا؟ لأن فيها شهادة أن الله ورسوله يحب هذا الرجل، وفيه شهادة أن هذا الرجل يحب الله ورسوله صلى الله عليه واله وسلم.
فجعل الصحابة يتطاولون باعناقهم كي يراهم النبي عليه الصلاة والسلام فلربما اختار أحداً منهم، ولكنه سأل: أين علي؟ فقيل له: إن عليا يشتكي عينه. فأمر فأتي به، فجاء محمولاً رضي الله عنه وأرضاه، فتفل النبي صلى الله عليه واله وسلم في عينه فطابت كأن لم يكن بها وجع. وهذا التفل موجود في الرقية، وهو أمر مشروع، واللعاب ذاته من الأمور التي يرقى بها: بسم الله، ربنا تربة أرضنا، بريقة بعضنا، يشفى سقيمنا، أو كما جاء في الحديث. هذه من الرقية المعروفة عند المسلمين، فاللعاب والتفل هذا من الأمور التي يجعل الله فيها البركة، فكيف إذا كانت من النبي صلى الله عليه واله وسلم!
ثم إن النبي صلى الله عليه واله وسلم أعطى الراية لعلي وأمره أن ينفذ على رسله وأن يدعوهم باسم الله إلى الإسلام. فجاء في بعض الروايات أن عليا سأله، قال: يا رسول الله، على ما أقاتل الناس؟ قال: «قاتلهم على أن يؤمنوا بالله وحده لا شريك له، وبالنبي عليه الصلاة والسلام، وأن يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة». وقال له وهو يبعثه: «والله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم».
ماذا نفهم من هذه الرسائل؟ أنت الآن تحاصر اليهود وأنت تريد مقاتلتهم، ومع ذلك النبي صلى الله عليه وسلم لم يخرج لمال، لم يخرج لأرض، إنما خرج لدعوتهم لله عز وجل، وهذا هو أصل الجهاد. الآن الناس يتحدثون أن الجهاد هذا فيه همجية، فيه بربرية، وبعض المسلمين من المتخاذلين يقولون: الجهاد ما يكون إلا للدفاع عن النفس، وهو ما يعرف باسم جهاد الدفع، ولا يعلمون شيئاً عن جهاد الطلب.
وجهاد الطلب هو ما كان يفعله النبي عليه الصلاة والسلام، هو ما كان يفعله الخلفاء الراشدون من بعده، وكذا المسلمون من بداية صدر الإسلام. جهاد الطلب هو جهاد الدعوة؛ تأتي إلى بلاد وأنت تكون قوياً، وأن تكون في عزة ومنعة وسلاح وعدل وتطبيق للإسلام، فان اجتمعت فيك هذه الأمور تأتي إلى البلاد المجاورة: يا أهل الخير، إما أن تسلموا فابقوا في أراضيكم وأموالكم وخيركم ما أردتم الإسلام، هذا حق من حقوقكم، لا نكرهكم عليه، لكن تدفعوا الجزية ونحن نقوم بالدفاع عنكم إن هجم عليكم عدو، لا تقاتلون أنتم، نحن نقاتل عنكم، تدفعوا الجزية وتؤدوا خراج الأرض، فإن أبيتم فإذاً لا حل إلا القتال.
هذه الثلاث هي الأساس في جهاد الطلب، الذي تغافل عنه كثير من المسلمين في هذه الأيام لخذلان ولحل الذل بهم، غثاء كغثاء السيل. فالآن يقولون: بس كل ما عليك أن تفعله هو جهاد الدفاع أو الدفع إن هجم عليك العدو. وبعضهم من قال: لا، حتى العدو إن هجم عليك فهذا متغلب، ارم السلاح وكن في ذل وصغار وهوان، واقبل باحتلال الكافر لك، فهذا خير لك من أي شيء آخر!
فالنبي صلى الله عليه وسلم كان جهاده للدعوة إلى الله عز وجل، لإعلاء كلمة الله سبحانه وتعالى. فالذي حصل أن المسلمين حاصروا هذه الأطام وتلك الحصون أياما معلومات، قرابة الأسبوعين، وكلما فتح الله عز وجل عليهم حصنا كلما قذف في قلوب الآخرين الرعب، إلى أن استسلموا وسلموا ورفعوا الراية البيضاء معلنين استسلامهم ونزولهم على أمر النبي صلى الله عليه واله وسلم.
في هذه الأيام، أيام الحصار، حصل قتال وحصلت مناوشات، ومع تلك الحصون وذاك العتاد الحربي القوي والخبرة والتمرس عند اليهود في القتال ومنعتهم في حصونهم، مع ذلك كله قتل منهم ثلاثة وتسعون رجلا، بينما المسلمون لم يستشهد منهم إلا عشرون، وقيل استشهد خمسة عشر رجلا من رجالهم رضي الله عنهم وأرضاهم. فهذا يدلك على تفوق المسلمين في ساحات القتال والوغى، على تفوقهم بإيمانهم، على تفوقهم بعقيدتهم، وعلى هزيمة من سواهم لكفرهم وذلهم وشركهم.
في هذه الفترة، بعد أن فتح الله عز وجل على المسلمين خيبر، اصطلح النبي صلى الله عليه واله وسلم مع اليهود بمبادرة من اليهود أن يبقوا في أرضهم وأن يعملوا فيها على أن يؤدوا نصف ثمرها للمسلمين، ويبقوا النصف لهم، على أن للمسلمين أن يخرجوهم منها متى شاؤوا، فوافق على ذلك النبي صلى الله عليه واله وسلم. وهذا يدلك على مرونته عليه الصلاة والسلام ولينه وعلى سماحته حتى في النقاش، حتى في المساومات، ومن وراء ذلك فوائد عظيمة. فلو أن النبي صلى الله عليه وسلم رفض وأمرهم بأن يخرجوا، هذه المدينة الكبيرة وتلك المزارع المهوله من الذي سيقوم على إصلاحها؟ نستورد عمالة خارجية! وأصلاً ما في تأشيرات، كان المسلمون هم الذين سيضطرون.
إلى البقاء فيها والعمل في مزارعها. معنى ذلك أنه لا جهاد ولا دعوة ولا دفاع عن المدينة، فالنبي صلى الله عليه وسلم كانت رؤيته بعيدة النظر رؤية ثاقبة؛ بقاؤهم في مزارعهم يعود على المدينة دخل سنوي ثابت من الثمار والمال والخير، ويتفرغ المهاجرون والأنصار للجهاد وللدعوة.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. حصلت الاتفاقية بين المسلمين وبين أهل خيبر، وابتدا الخير يهل على المسلمين. وتخيل أن ما قبل خيبر كان الجوع والحاجة والفاقة مسيطرة على المسلمين، لدرجة أن عمر رضي الله عنه قال: والله ما شبعنا حتى فتحنا خيبر، يعني الشبع امتلاء وفود ما يكفيهم من الطعام، وما وجدوا ذلك إلا بعد أن فتح الله تعالى عليهم خيبر.
وفتح خيبر كان مصيبة بالنسبة لغير المسلمين. الآن غطفان، التي هي القبيلة العربية المسيطرة وكانت خيبر ضمن حدودها وتحت رعايتها وجاورها، أرادوا أن يهبوا للنجدة لكنهم رجعوا عن ذلك خشية أن يهجم المسلمون على ديارهم، فانظر إلى كمية الهيبة التي قذف الله عز وجل بها في قلوب أعداء الإسلام. غطفان التي كانت من أشهر قليلة تحاصر المدينة مع المشركين ومع يهود بني قريظة، التي كانت تساوم النبي عليه الصلاة والسلام على ثلث ثمر المدينة كي يرجعوا، تريد أن يصطلحوا مع الرسول عليه السلام ويرجعوا بهذه الغنيمة الباردة، الآن تخاف من المسلمين وتتخلى عن حلفائها من اليهود يهود خيبر، وتتركهم يسقطون لقمة سائغة في أيدي المسلمين.
سائر العرب الآن رأت الصلح صلح الحديبية مع قريش معاملة الند للند، رأت سقوط خيبر ووفره المال في أيدي المسلمين، فعرفوا أن المسلمين قوة، أن المسلمين قوة لا يمكن التهاون والاستهانه بها أبدًا.
الآن في هذه الفترة حصلت أمور عديدة، وكما تقدم من قبل، الأصل في دروس السيرة أنها ابتدائية، وأننا لا نذكر إلا ما هو يعني مبرز في عالم أو في تاريخ السيرة مع ترك الكثير الكثير من الحوادث الأخرى. ومما حصل في فترة الصلح أن يهودية دعت النبي عليه الصلاة والسلام إلى شاة أعدتها له، فاستجاب الدعوة عليه الصلاة والسلام ووضعت في كتف الشاة الشيء الكثير من السم؛ لأنها عرفت أن النبي عليه السلام أحب قطعة من الشاة إليه الكتف. وأراد اليهود بذلك أن يظهر لهم أكان نبيًّا حقًّا أو لا، فلو كان نبيًّا لأخبره الله عز وجل وعصمه من ذلك، ولو لم يكن نبيًّا أرتاح الناس من شره.
فأكل منها عليه الصلاة والسلام لقمة ولفظها لم يستسغها، وكان معه بشر بن البراء بن معرور رضي الله عنه أكل لقمة كانت فيها وفاته رضي الله عنه وأرضاه. وأخبره عليه الصلاة والسلام أن الله أنطق الشاة فأخبرته بأنها مسمومة لذلك لفظها، وهذا فيه من المعجزات أن الرسول صلى الله عليه وسلم كانت الجمادات تكلمه. وفي القصة ما فيه من جواز أكل ذبائح أهل الكتاب، وأن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يسألها أن ذبحت هذه الشاة أو لم تذبحها، أن ذكرت اسم الله عليها أو لم تذكره؛ لأن الأصل أن كل طعام أهل الكتاب من اللحوم خلا الخنزير أنه على دينهم وعلى اصولهم فلم يسألها عليه الصلاة والسلام.
بل النبي صلى الله عليه وسلم لم يسألها إن كانت هذه الشاة من أموال السحت والربا الذي يتعامل به اليهود أم لا؛ لأن سحتهم ورباهم إثمها عليهم، ولذا كثيراً ما يسأل الناس عن آبائهم الذين يعملون في البنوك الربوية وما يأتون به من طعام وأموال، فيقول أهل العلم: لكم الغنم وعليهم الغرم، هم عليهم إثمهم يوم القيامة لأكل وتعاطيهم للحرام، أما أنتم فالمال يأتيكم حلالاً زلالاً لا شبهة فيه إن شاء الله عز وجل.
في هذا العام أو في تلك الحادثة حرم الله تعالى المتعة ولحوم الحمر الأهلية. فالمتعة زواج أو نكاح المتعه معروف، وهو ما يعني يقوم به الطرفان لوقت محدد وبعدها ينفصل عقد النكاح، وهذا كان مباحاً ثم حرم، ثم أبيح في غزوة أوطاس ثم حرم إلى يوم القيامة، وهذا باتفاق أهل السنة والجماعة أنه محرم ولا يجوز، ومن فعله فهو زان ملعون ولا يجوز له فعله. ولحوم الحمر الأهلية وعكس حمر الأهلية هو الحمار الوحشي، والحمار الأهلي وهذا ليس له علاقه بناد أو بغيره، الحمار الأهلي هو الحمار الذي يتعامل الناس به ويركبون ويحملون عليه أمتعتهم، فهذا كان حلالاً في البداية أن يؤكل منه ثم جاء النص بتحريمه وأنه رجس، وبقي الحمار الوحشي أو الزيبرا على ما هو عليه من أنه صيد حلال يجوز للمسلم أن يصطاده وأن يأكله.
في هذه الفترة قدم أهل الحبشه من المهاجرين وعلى راسهم جعفر بن أبي طالب وأسماء بنت عميس وغيرهم من مهاجري الحبشة. وكيف أن النبي صلى الله عليه وسلم رحب بهم وأشركهم في سهم خيبر واستشار المسلمين فرضو بذلك فدخلوا معهم في الغنيمة وفي هذا الخير، وفي هذه القصة المعروفة أن عمر رضي الله عنه عندما دخل على ابنته حفصة فرأى عندها امرأة فقال: من هذه؟ فقالت له: هي أسماء. قال: أسماء بنت عميس الحبشية صاحبة السفينة؟ فقالت له: نعم. فقال: نحن أولى بالنبي عليه الصلاة والسلام منكم، أنتم هاجرت وركبتم السفينة ونحن بقينا معه. فغضبت من ذلك وقالت: نحن تشردنا وذهبنا في بلاد العداوة والبغضاء، بينما أنتم مع النبي عليه السلام يطعم جائع ويعلم جاهل، والله لأخبرن النبي عليه الصلاة والسلام ولا أطعم طعاماً ولا أشرب شراباً حتى أسمع منه رداً لا أزيد ولا أنقص. فذهبت، فقال صلى الله عليه وسلم لها: أنت ولسأصحابك هجرتان وله هجرة واحدة. فما كان الصحابه بأفرح منهم من مهاجري الحبشة بمثل حديثها هذا رضي الله عنها وأرضاها، فكانوا يأتون ويسالون مراراً وتكراراً عن هذا الحديث، ويفرح بأن لهم هجرتان كما بشر عليه الصلاة والسلام.
بعد ذلك في ذي القعده من السنة السابعة، يعني بعد ست سبع ثمان أشهر تقريبا من فتح خيبر، كان الموعد لما تقاضى عليه النبي صلى الله عليه وسلم مع المشركين في صلح الحديبية. فاتفقنا أن الحديبية كانت في ذي القعدة من السنة السادسة، الآن نحن في ذي القعدة من السنة السابعة، اتفاقنا هو أن يرجع الرسول صلى الله عليه وسلم بعد عام لعمرته، وهي ما تعرف باسم عمرة القفية أو عمرة القضاء، ويخطئ من يظن أن هذه العمره هي قضاء للعمره التي لم يفعلها النبي عليه الصلاة والسلام، فعمرة التي كان من المفترض أن يقوم بها النبي عليه الصلاة والسلام في صلح الحديبية هذه كما يقول العلماء عمرة مقبولة إذ أحصر الرسول عليه السلام ومنع من إتمامها، ولذا يذكر أهل السير أن عمر النبي عليه الصلاة والسلام، يعني عدد العمرات التي قام بها عليه الصلاة والسلام أربعة؛ عمرة الحديبية يحسبونها عمره مع أنه ما قام بها حقيقة، ثم عمره القضاء التي تقاضى واتفق عليه الصلاة والسلام مع سهيل بن عمرو على أن يفعلها بالعام المقبل، هذه عمرة القضاء التي تقاضى عليه ما هي قضاء بمعنى أن شيء فاتني وأقضيه الآن، ثم عمرته من رجوعه من جعرانة، ثم عمرته التي قام بها مع حجة في حجة الوداع لأنه كان قارناً صلى الله عليه وسلم ودخلت العمرة في الحج، النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة.
ومن معه من أصحابه، ويقال إن الذين خرجوا معه تجاوزوا الألفين سوى النساء والصبيان. النبي عليه الصلاة والسلام أمر الصحابة بأن يظهروا الجلد والقوة، لأن المشركين قالوا يعني تعالوا بنا ننظر إلى أولئك الذين أوهنت حمى يثرب، الحمى التي كلمنا عنها. فالآن هؤلاء فيهم من الضعف ما فيهم، وطبعا هذا كلام فارغ، هذا الضعف الذي فيهم هو الذي أوقع فيكم الهزائم بفضل الله عز وجل وأسخن فيكم الجراح.
فالنبي عليه الصلاة والسلام وقيل إنهم صعدوا على جبل قعيقعان، وأخذوا يتربصون ويرتقبون، وهذا الجبل هو من ناحية الحجر الأسود والركن اليماني، فأمرهم عليه الصلاة والسلام بالاضطباع، وهو كشف الكتف الأيمن، وهذا الاضطباع يحصل فقط عند طواف القدوم، أول طواف يقوم به المحرم وهو الحاج، بعد ذلك يستره، فلا يقوم به كما يفعل كثير من العوام، يكشفون الكتف الأيمن طيلة إحرامهم من يوم ما يخرج من بلده إلى أن يرجع، لا هذا غير صحيح، أنت تستر كتفيك، حتى إذا جئت للطواف، الطواف الأول سواء كان طواف القدوم أو طواف العمرة، كشفت عن كتفك الأيمن وهو الاضطباع حتى تفرغ من الطواف، ثم تسترها مرة أخرى إلى بقية النسك.
وأمرهم بالرمل، وهو يعني المشي السريع الذي فيه شيء من اهتزاز الكتفين كالمارشات العسكرية التي يقوم بها الجنود لإظهار القوة والجلد، حتى إن المشركين يئسوا وقالوا هؤلاء والله يتقافزون كالغزلان، أين حمى يثرب وأين وهن فيهم؟ هذول ما شاء الله ما فيهم إلا العافية والقوة. ولذلك دعا الرسول عليه الصلاة والسلام لمن أراهم من نفسه القوة والجلد. وطاف المسلمون بالكعبة وأظهروا يعني من هذه القوة والجلد ما الله عز وجل به عليم، معنا فاصل قصير فابقوا معنا.
هل أنت حريص على تصحيح عباداتك؟ هل ترجو أن يتقبلها الله؟ اطلب العلم، إذ لا تصح العبادة إلا به. قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: 19]. وشرط قبول طلب العلم الإخلاص فيه، بأن لا تريد به إلا وجه الله. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزُمَر: 11]. وبالإخلاص ترزق صحة الفهم وقوة الاستنباط. قال صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين». وبالأخلاق يذعن المتعلم للحق ويقبل النقد. قال الذهبي: علامة المخلص أنه إذا عوتب لا يبرئ نفسه، بل يعترف ويقول: رحم الله من أهدى إلي عيوبي. ويجب أن يتوفر الإخلاص في التعلم والتعليم والتأليف. قال أبو داود الطيالسي: ينبغي للعالم إذا حرر كتابه أن يكون قصده بذلك نصرة الدين لا مدحه بين الأقراص لحسن التأليف. فاخلص النية واحذر من فسادها، كطلب العلم لأجل المال والثروة، أو الجاه والشهره، أو المراء والجدل، فإن ذلك يفسد العمل. قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: 23].
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. طاف المسلمون وسعوا واعتمروا ومكثوا في مكة ثلاثة أيام على ما اتفق عليه، ثم بعث المشركون إلى علي أن يعني قل لابن عمك بأن الوقت قد حان للانصراف على ما اتفقنا عليه. النبي صلى الله عليه واله وسلم عندما أمر أصحابه بالاضطباع والرمل، إنما أراد بذلك أن يغيظ المشركين، وهي سنة مططردة، الإغاظة للمشركين ليست تكبرا ولا بطرا ولا ظلما ولا ذلة ومهانة وطاطأة للرؤوس، إنما إسلام عزة وقوة بلا كبر، وهو إسلام رحمة بلا ضعف، وإسلام قوة بلا عنف. فالنبي عليه الصلاة والسلام كان دائما ما يحرص على إغاظة المشركين والكفار والمنافقين، كما جاء الأمر بذلك في القرآن.
النبي بعد أن قضى عمرته عليه الصلاة والسلام وأراد أن يقفل راجعا، جاءته ابنة عمه حمزة، فقال علي لفاطمة: دونك ابنة عمك، يعني خذيها معك، هذه مسلمة الآن، وما نبقيها، من تبقى مع من في مكة؟ فاختلف فيها زيد بن حارثة، واختلف فيها علي بن أبي طالب، وأخوه جعفر بن أبي طالب. فأما زيد فقال: حمزة أخي، آخى الرسول بينه وبين حمزة عند الهجرة. وقال علي: ابنة عمي. وقال جعفر: خالتها تحتي، خاله هذه البنت أظن اسمها عمارة خالتها أنا متزوج بها. فقضى الرسول عليه الصلاة والسلام بها إلى جعفر.
وفي هذه العمره المباركة، تزوج النبي صلى الله عليه وسلم بآخر نسائه، وهي ميمونة بنت الحارث، خالة عبد الله بن عباس وخالة خالد بن الوليد رضي الله عنهم اجمعين، وهي آخر زوجاته زواجا به، وأخر زوجاته وفاة، تزوجها بسرف وماتت ودفنت بسرف، وهذا من الغرائب والعجائب رضي الله عنها وأرضاها.
ثم ننتقل إلى غزوة مؤتة، هذه الغزوة التي حصلت في شهر جمادى الأولى من السنة الثامنة، وهي كانت انتقاما لاغتيال والغدر بالحارث بن عمير رسول النبي عليه الصلاة والسلام، الذي أرسله من ضمن الرسل إلى الملوك وإلى الكبار يدعوهم إلى الإسلام، فقتل صبرا، والرسل عادة لا تقتل. فالنبي صلى الله عليه واله وسلم غضب لذلك، وعين جيشا قوامه ثلاثة آلاف من المسلمين، وعين على رأس هذا الجيش زيد بن حارثة، مولى النبي عليه الصلاة والسلام من الموالي من العبيد المعتقين، لكن جعله قائدا. وأتى عليه الصلاة والسلام بأمر عجيب الآن نعرفه نحن في سبل الإدارة، والذي يعرف باسم الاحلال الوظيفي أو التعاقب، فقال: إن أصيب زيد بن حارثة فجعفر بن أبي طالب، فإن أصيب جعفر بن أبي طالب فعبد الله بن رواحة، عين تسلسلا في الأمراء صلى الله عليه واله وسلم، وهذا أمر إداري لم يعهده الناس من قبل.
خرج المسلمون لمقابلة أولئك الأعداء، أعداء الله عز وجل، من القبائل المستعربة التي قتلوا رسول رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، وإذ بهم عند اقترابهم من مؤتة مفاجؤون بكمية الجيش الذي سيقاتلون. طبعا عندما خرجوا النبي صلى الله عليه وسلم نهاهم أن يقتل امرأة أو صغيرا أو شيخا فانيا، ونهاهم عن قطع الشجر أو هدم البناء، أنتم ذاهبون للدعوة إلى الله عز وجل لا إلى الدمار والتفجير والقتل العشوائي وأذية الناس، ليس هذا هو دور المسلمين.
عندما ذهب المسلمون إلى تلك المنطقة، إذ بهم يفاجؤون بمائة ألف من جيش الروم، ومعهم مائة ألف من القبائل المستعربة من حلفاء الروم، وآذى لهم وأثنى بهم، مئتا ألف رجل يقابلونهم! مئتا ألف رجل يعني تقريبا هم ثلاثون ألف، يعني أربعون ضعفا، لا أكثر، سبعون ضعفا تقريبا، قرابه سبعون ضعف جيش المسلمين.
فتردد المسلمون في البداية وقالوا: نرسل إلى النبي عليه الصلاة والسلام في المدينه ونطلب منه المدد، قال منهم آخرون: نطلب منه المشورة، ربما يامرنا بالرجوع، لأننا نعلم أن العدد الأقصى الذي يقابله المسلمون ولا يجوز لهم الفرار هو الضعف، في البدايه كان العشرة أضعاف ثم خفف إلى الضعف، الآن نحن نقابل من هم سبعون ضعفا أكثر منا. فقال عبد الله بن رواحة وثبتهم وشد من أزرهم: للذي تفرون منه هو الذي أصلا خرجتم أنتم من أجل طلبه، ألا وهو الشهادة أو النصر. فعزموا على القتال حتى الموت. وأنشد جعفر رضي الله عنه وأرضاه: يا حبذا الجنة واقترابها طيبة وبارد شرابها، والروم روم قد دنا عذابها، كافرة بعيدة أنسابها. وقال من الشعر ما قال، وعبد الله بن رواحة يقول الشعر، وهذا يعني أشعار حماسية تبث الحماس في عروق المسلمين حتى يقابلوا هذا الجيش الذي لا قبل لأحد به، مئتا ألف، مئتا ألف من الرجال من المقاتلين.
قاتل المسلمون والتحم الجيشان الغير متكافئين، وبدا القتال، وأول من شاط في رماح الروم كان زيد بن حارثة، ما هي لحظات ولقي ربه راضيا عنه، زيد بن حارثة حب النبي عليه الصلاة والسلام، زيد بن حارثة أول من أسلم من الموالي، زيد بن حارثة الذي كان مع النبي عليه الصلاة والسلام في كل صغيرة وكبيرة، يحميه ويدافع عنه، ويتقي بجسده الرماح والسهام أن تصل إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، كان ذلك يوم استشهاده رضي الله عنه وأرضاه، انتهت مرحلة في حياته وهو حب النبي صلى الله عليه واله وسلم.
أخذ الراية منه جعفر بن أبي طالب، والراية هذه هي عنوان الجيش، لذا هجم عليه المشركون، فجاء أحدهم فضرب يمناه فقطعها، فأمسك الراية بشماله، فضرب شماله فقطعها، فأمسكها.
بعضديه بكتفيه فضربه ضربة فلقه، قيل إنه شقه نصفين وقيل إنه قضى عليه. أخذ الراية بعده عبد الله بن رواحة، فقاتل بشجاعة وبسالة حتى قتل، وقد جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم في اللحظة ذاتها في المدينة ذرفت عيناه، وقال لأصحابه بما حصل، وبقتل زيد بن حارثة واستشهاد جعفر بن أبي طالب وباستشهاد قتل عبد الله بن رواحة.
أخذ الراية ثابت بن أقم أو الأكرم رضي الله عنه وأرضاه، ورفع الراية كي لا تسقط هيبة الإسلام والمسلمين، وناشد المسلمين أن يقوم منهم رجل يأخذها فقالوا: أنت أولى بها، فقال: لا، وأبى أن يأخذها وعرضها على خالد بن الوليد. خالد بن الوليد أسلم من ثلاثة أشهر فقال باستحياء: أنت من أهل بدر، أنت خير مني، فأبى أن يبقيها عنده لأنه ليس أهلاً للقتال، ليس أهلاً للقيادة، وهذا من باب معرفة الإنسان بمقدراته ومقدرات من حوله.
فأخذها خالد رضي الله عنه وأرضاه وقاتل قتالاً شديداً أظهر بأساً عجيباً، لأن هذه هي أول واقعة يقاتل فيها في سبيل الله بعد حربه للإسلام والمسلمين. قاتل قتالاً تقطعت وتكسرت في يده تسعة أسياف، تخيل لو كان يضرب في صخر وحجر لرد يده قبل أن يكسر سيفاً، فكيف به وهو يضرب الجماجم والأجساد البشرية تتكسر في يده تسعة أسياف. يقول: فلم تنفعني إلا صحيفة يمانية؛ سيف يماني قوي أصيل، وجن الليل وهم يقاتلونهم من فجر الله عز وجل ارتاحوا وارتاح الفريقان.
وقام خالد رضي الله عنه بتبديل الرايات، فالميمنة جعلها ميسرة والمؤخرة جعلها مقدمة، حتى خيل في اليوم التالي للروم أن هذا جيش جديد ومدد عجيب، فالذين نقاتلهم غير الذين قاتلناهم بالأمس، مما قذف الرعبة في قلوب مئتي ألف، بالإضافة إلى أن من هرب منهم وفر من فيالق وعسكر الشيء الكثير. فلما رأوا ما رأوا، قام خالد رضي الله عنه بالمناورات والقتال بحيث يؤمن المسلمين الانسحاب الذي فيه حفظ ماء الوجه، والروم رضيت بذلك ورجعهم وانسحبوا أبقاء على ماء وجههم وهم أيضاً خوفاً من المسلمين.
هذا التفوق العددي كان نصراً للإسلام والمسلمين، حيث إنه ما استشهد من الثلاثة آلاف مسلم إلا ثلاثة عشر شهيداً فقط من المؤمنين كما جاء في الروايات. ولكنهم عندما عادوا إلى المدينة قابلهم أهل المدينة استقبالاً فاترا فقالوا: يا فرار، فررتم من سبيل الله، كيف ترجعون والأصل أن تستشهد كلكم ما دمتم خرجتم في سبيل الله؟ والنبي صلى الله عليه وسلم بايجابيته المعتادة إنما شجعهم وقال: «ليسوا هم بالفرار، ولكنهم الكرار إن شاء الله».
وأخبر أنه والله ما يسرهم؛ أي أولئك الذين استشهدوا، أنهم عندنا. وجاء في صحيح البخاري رواية أخرى أنه: «والله ما يسرني أنهم عندنا»، مع أنهم زيد بن حارثة ابني بالتبني قبل أن يحرم التبني، وجعفر هو من أشبه الناس بي خلقاً وخلقاً وابن عمي، وعبد الله بن رواحة هو شعري، ومع ذلك والله ما يسرني أنهم عندنا، لأن ما عند الله لهم خير وأبقى.
هذا ما اتسع له وقت هذا الدرس، على أمل اللقاء بكم في الدرس القادم إن شاء الله. إلى ذلك الحين أترككم في أمان الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
يا راغباً في كل علم نافع متطلعاً لزيادة الإيمان، وتريده سهلاً نوال ميسراً ياتيك ميسوراً بأي مكان. زاد زاد أكاديمية ينبوعها صفصاف ليروي غلة الظمآن، والسيرة العلياء وطرة الشدا طيب يفوح لأهل كل زمان. بشرى لنا زاد أكاديمية للعلم كالازهار في البستان.
الشيخ عاصم الحكيم