تسجيل الدخول

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً أما بعد. سلام الله عليكم ورحمته وبركاته أيها الأحبة الأفاضل، حياكم الله وبياكم وجعل الجنة مثوانا ومثواكم. ولقاؤنا في سير رسولنا صلى الله عليه وسلم، ولقاؤنا اليوم بإذن الله تعالى سيكون عن فتح مكة، وما أدراكم ما فتح مكة.

بعد صلح الحديبية أيها الأحبة، انضمت قبيلة بني بكر لقريش؛ طبعا بعد صلح الحديبية أصبح هناك تحالفات، هناك من القبائل من تحالف مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهناك من القبائل من تحالف مع قريش. ولذلك بنو بكر تحالفت مع قريش، وانضمت قبيلة خزاعة لحلف المسلمين. وكان بين بني بكر وخزاعة ثارات ودماء في الجاهلية، وذات يوم تعرضت قبيلة خزاعة لعدوان من قبيلة بكر الموالية لقريش، وقتلوا منهم نحو عشرين رجلا.

خرج نوفل بن معاوية الديلي من بني بكر وأغار على خزاعة عند ماء يسمى الوتير، وقتلوا منهم نحو عشرين. ومع الأسف، قريش لم تكن بذلك الذكاء، فقد ساعدت نوفل بن معاوية الديلي وأمدته بالسلاح. دخلت خزاعة الحرم للنجاة بنفسها من بني بكر، لكن بنو بكر لاحقوهم وقتلوا بعضهم في الحرم، وهذا الحرم تحت مسؤولية قريش حينئذ.

قدم عمرو بن سالم الخزاعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم يخبره بعدوان قبيلة بني بكر عليهم، وأنشد الرسول صلى الله عليه وسلم شعرا يقول فيه: يا رب إني ناشد محمدا حلف أبينا وأبيه الأتلدا، قد كنتم ولدا وكنا والدا ثم أسلمنا فلم ننزع يدا، فانصر هداك الله نصرا أعتدا، وادع عباد الله يأتوا مددا. أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم يجهز الجيش للخروج إلى مكة تلبية لدعوة عمر بن سالم، فحضرت جموع كبيرة من القبائل، كلهم يريد أن يخرج مع الرسول صلى الله عليه وسلم.

طبعا أيها الأحبة، النبي صلى الله عليه وسلم خرج في عشرة آلاف مقاتل مجاهد، وقد حرص النبي صلى الله عليه وسلم ألا يعلم بخروجه أحد؛ كان صلى الله عليه وسلم حريصا ألا يخرج الخبر إلى قريش. لكن حدثت قضية عجيبة، ما هي القضية؟ أحد الصحابه رضي الله عنهم وأرضاهم جميعا أرسل إلى قريش بخبر النبي صلى الله عليه وسلم، هذه في العرف الحربي والعسكري تعد خيانة كبرى.

لكن هل يخفى شيء على ربنا سبحانه وجل في علاه؟ فالله سبحانه وتعالى أخبر نبيه صلى الله عليه وسلم بهذا الذي حدث. حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه وأرضاه أرسل كتابا إلى قريش يخبرهم بمَسير النبي صلى الله عليه وسلم، وطبعا كما قلت أيها الأحبة هذه خيانة تعد في العرف العسكري، كيف تفشي سر أهلك وسر دولتك وسر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

فالنبي صلى الله عليه وسلم أرسل ثلاثة من الصحابه، أرسل علي بن أبي طالب والزبير والمقداد رضي الله عنهم حتى يصلوا إلى المرأة التي كانت في المكان الفلاني الذي عينه النبي صلى الله عليه وسلم، فلحقوا بها فوجدوا المرأة فقالوا: أخرجي الكتاب الذي عندك. قالت: ما عندي شيء. فقال علي رضي الله عنه وأرضاه: والله ما كذبنا ولا كُذبنا، فأما أن تخرج الكتاب وإلا فتشنا وعرينا من ملابسك، أو كما جاء. فلما رأت منهم الصدق فكت ظفائرها وأخرجت الكتاب وأعطته لعلي بن أبي طالب ورفقته، وعادوا به إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

طبعا هذه خيانة كبرى، عمر رضي الله عنه وأرضاه قال: يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق. فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: «وما يدريك يا عمر، لعل الله اطلع على أهل بدر وقال: افعلوا ما شئتم فقد غفرت لكم». فقال صلى الله عليه وسلم لحاطب رضي الله عنه وأرضاه: «ما الذي دعاك إلى هذا؟» فقال: يا رسول الله، والله إنني على الدين وعلى الإسلام، ووالست القضية قضية خيانة، ولكن أنا كنت رجلا مُلصقاً بقريش وليس لي أهل، فاردت أن أتخذ يدا عند قريش لأجل أهلي ومالي، أما الخيانة فوالله يا رسول الله ما كانت في نفسي، ولكن القضية قضية أنني أتخذ عند قريش يدا حتى يعرفوا أنني وقفت معهم في ساعة من الساعات.

طبعا هو المبدأ مبدأ جيد أن الإنسان يتخذ يدا عند القبيلة وهو ضعيف، ولكن ليست بخيانه لله ورسوله صلى الله عليه وسلم. كما قلت علي رضي الله عنه وأرضاه وعمر رضي الله عنه وأرضاه وقف موقفاً شديداً جداً، ونعرف عمر الفاروق رضي الله عنه وأرضاه فقال: مرني أن أضرب عنق هذا المنافق. قال: «لعل الله عز وجل اطلع على أهل بدر فقال: اصنعوا ما شئتم فقد غفرت لكم».

الشاهد أن كانت هذه قضية عظيمة جدا، وبسبب هذه القضية نزلت سورة الممتحنة، وكانت قصة التاريخ حفظها، ومع خطورتها وشناعتها انتهت بالعفو والصفح. وقع فتح مكة في منتصف رمضان من السنة الثامنة للهجرة، وأقول أيها الأحبة وهنا أيضا وقفة مهمة جداً، يعني معظم انتصارات المسلمين في التاريخ كانت في رمضان، بمعنى أنه شهر رمضان أيها الأحبة ليس شهر كسل ولا نوم ولا تخاذل ولا ركون إلى الدنيا. غزوة بدر في السابع عشر من رمضان، فتح مكة في اليوم العشرين من رمضان، كثير من التبوك أيضا كانت في رمضان، الغزوات الكبيرة والقتال العظيم الذي كان بين المسلمين والكفار كان في رمضان، عين جالوت كانت في رمضان، القادسية كانت في رمضان، فكثير من الفتوحات الإسلامية كانت في رمضان. وهذا يعطينا أن شهر رمضان كما قلت ليس موطنا للنوم ولا للكسل للدعة والسكون، وإنما هو قوة.

فإذاً، رمضان شهر الانتصارات أيها الأحبة، لا هو شهر النوم ولا هو شهر الكسل. في منتصف رمضان من السنة الثامنة للهجرة بلغ عدد المسلمين نحو عشرة آلاف مقاتل مع النبي صلى الله عليه وسلم. لما وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى مر الظهران -منطقة اسمها مر الظهران- التقى النبي صلى الله عليه وسلم بأبي سفيان. طبعا في هذا الموطن أيها الأحبة أمر النبي صلى الله عليه وسلم كل رجل أن يوقد نارا شعلة، فتخيلوا عشرة آلاف شعلة في الليل، كيف يصبح الليل؟ كيف يصبح الليل؟ يصبح نهاراً.

الشاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم لما كان بمر الظهران وأمر الصحابه رضوان الله عليهم في الليل أن يوقدوا عشرة آلاف شعلة، تخيل هذا العدد المهول، ولذلك كما قلت خرج أبو سفيان رضي الله عنه قبل أن يسلم، وحكيم بن حزام رضي الله عنه وبديل بن ورقاء، يريدون أن يثبتوا الأمر، فهم لما رأوا قُبض عليهم من أُعين النبي صلى الله عليه وسلم وحملوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

طبعا أسلم أبو سفيان رضي الله عنه وأرضاه في هذا الموقف وبعد أن دعاه النبي عليه الصلاة والسلام فأسلم. العباس رضي الله عنه وأرضاه أيضا التقى به النبي صلى الله عليه وسلم وهو ذاهب إلى مكة، التقى به في الطريق، هو خرج هو وأهله وأبناؤه وعبيده. العباس يعرف نفسية أبي سفيان فقال: يا رسول الله، إن أبا سفيان يحب الفخر فاجعل له شيئا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن».

أيها الأحبة، انظروا كيف كان صلى الله عليه وسلم يتألف الرجال؛ أبو سفيان يحب الفخر فأعطاه شيئاً، لكن لم يهضم الآخرين. لما قال: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن وسكت، كانت مشكلة كبيرة، دار أبي سفيان كم ستتحمل من الناس؟ ولكن النبي صلى الله عليه وسلم إنما هو رحمة مهداة.

أنزله هذا المنزل، وكذلك قال: من دخل المسجد فهو آمن، ومن أُقفل عليه بابه حتى في بيته فهو آمن. لكن إظهار اسم أبي سفيان في هذا الموقف هو شرف، وفعلاً التاريخ إلى الآن إلى قيام الساعة يشهد لأبي سفيان رضي الله عنه وأرضاه هذه المنقبة؛ أنه الوحيد الذي ذُكر باسمه في هذا الموقف، وهذا يدل -أيها الأحبه- أنه فعلاً أنزل الناس منازلهم، أنزلوا الناس منازلهم.

النبي صلى الله عليه وسلم فعلاً لما أسلم أبو سفيان أراد أن يتألفه أكثر وأكثر وأن يثبت على الدين فأعطاه هذه المزية العظيمة. ولذلك الجيش لما كان يمشي، كان أبو سفيان رضي الله عنه وأرضاه يقف بجانب العباس فيقول: لقد بلغ ملك ابن أخيك شيئاً عظيماً، عشرة آلاف رجل في الحديد مطرشين يتجهون إلى مكة. من كان يجرؤ في التاريخ، من كان يجرؤ في التاريخ أن يتجه إلى مكة أو أن يحارب أهل مكة؟ قريش -أيها الأحبه- كانت لها الكلمة المسموعة، العرب كلهم يهابون قريشاً، ولذلك حتى قوافل قريش لا أحد يتعدى عليها، تمشي بلا حرس! لماذا؟ لمكانة قريش عند العرب، لأن الناس لن يعدموا أن يذهبوا إلى مكة، فكيف يدخل مكة وقريش أمامه وقد اعتاد على شيء من أموالهم؟ وبالتالي كانت قريش مهابة، ولهذه أول مرة يجرؤ أحد أن يغزو قريشاً في عقر دارها وهو رسولنا صلى الله عليه وسلم.

أيها الأحبه، نتوقف ثم نعود اليكم بعد قليل، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.

يحرص كثير من الآباء والأمهات على تعليم أبنائهم شتى العلوم، ويبذلون في ذلك الغالي والنفيس من أوقاتهم وأموالهم، وهذا مما يؤجرون عليه من الله تعالى. ولكن هل اعتنوا مع ذلك بتعليمهم أدب العلم وسمته؟ فهو الذي يهذب أخلاقهم ويحسن طباعهم، فحاجة الأطفال إلى الأدب وحسن الخلق أشد من حاجتهم إلى كثير من العلم. لهذا كان السلف يحرصون على تعليم أبنائهم الأدب قبل العلم؛ قال سفيان الثوري: كانوا لا يخرجون أبناءهم لطلب العلم حتى يتأدبوا. وقال عبد الله بن المبارك: طلبت الأدب ثلاثين سنة، وطلبت العلم عشرين سنة.

وهذا ما جعل الآباء والأمهات قديماً يدفعون بأولادهم إلى المؤدبين والعلماء حتى يقتبسوا من أخلاقهم وآدابهم قبل علومهم. قال الإمام مالك بن انس رحمه الله تعالى: كانت أمي تعممني وتقول لي: اذهب إلى ربيعة فتعلم من أدبه قبل علمه. وذلك أن العلم لا ينتفع به إلا بطهارة القلب عن مساوئ الأخلاق. ولعل هذا الأمر هو ما دفع العلماء إلى اشتراط أن يتتلمذ طالب العلم للعلماء لا للكتب فحسب، وذلك حتى يتاكدوا من تخلقه بأخلاق العلماء وتحليه بالآداب، ويظهر عليه سمت العلم وادبه ونوره. قال عبد الله بن وهب: ما تعلمناه من أدب مالك أكثر مما تعلمناه من علمه.

ومما يدلك على منزله الأدب والأخلاق أن النبي صلى الله عليه وسلم قد جمع بين العلم والأخلاق والادب، ولما أثنى عليه ربه سبحانه وتعالى، أثنى عليه بالاخلاق والادب فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4].

اعلم أن الصبي أمانة عند والديه، وقلبه جوهرة ساذجة وهي قابلة لكل نقش، فإن عود الخير أو الشر نشا عليه، وشاركه أبواه ومؤدبه في ثوابه أو عقابه. فينبغي أن يصونه ويؤدبه، ولا يعوده التنعم وأسباب الرفاهية فيضيع عمره في طلبها إذا كبر.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد.

أيها الأحبه، جاءت هذه البشارة لأبي سفيان؛ أنه من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن. رجع أبو سفيان مسرعاً إلى مكة ونادى بأعلى صوتِهِ: يا معشر قريش، هذا محمد قد جاءكم فيما لا قبل لكم به، فمن دخل داري فهو آمن.

جاءت في بعض الروايات أن أبا سفيان رضي الله عنه وأرضاه قال هذه المقولة في البداية وسكت، لماذا؟ يريد فعلاً أن يكون له مقام عند قريش، أنه من دخل داري فهو آمن. لكن ما تتحمل دار أبي سفيان! ثم بعد قليل قال: ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن. طبعا يريد أيضاً الشرف رضي الله عنه وأرضاه بين قومه وجماعته. فهرع الناس إلى دورهم وإلى المسجد وأغلقوا الأبواب عليهم وهم ينظرون من شقوقها وثقوبها إلى جيش المسلمين.

طبعاً -أيها الأحبه- يقول صلى الله عليه وسلم: «نصرت بالرعب مسيره شهر». هم يعرفون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قادم إليهم في عشرة آلاف لكنهم ما تجروا أن يقابلوه أو أن يواجهوه، لا سيما وهذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقبائل العرب كلها تهابه عليه الصلاه والسلام، ولذلك قذف الله الرعب في قلوبهم. فمنهم من دخل داره وأقفل بابه، ومنهم من دخل المسجد، ومنهم من ذهب إلى دار أبي سفيان. صحيح، هناك كان بعض المواجهات، ولكن لم تكن ترتقي إلى أن يكون قتالا شرسا أو قويا مع الصحابه رضي الله عنهم وأرضاهم. هناك قتال حدث مع خالد رضي الله عنه وأرضاه ومن معه في أسفل مكة، لكنه لم يكن قتالا قويا.

الشاهد، دخل جيش المسلمين إلى مكة في صباح يوم الجمعة الموافق العشرين من رمضان من السنة الثامنة للهجرة. وبالمناسبة أيضاً فإن غزوة بدر كانت أيضاً في السابع عشر وكانت يوم جمعة، وهذا اليوم -أيها الأحبه- يوم مبارك؛ النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أُدخل الجنة، وفيه أُخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة». ولذلك هذا يوم عظيم جداً، يوم الجمعة يوم عظيم ويوم مبارك، وفيه عبادات تختص بهذا اليوم، وهو حقيقة هو يوم نشاط وقوة ما هو يوم كسل ونوم.

مع الأسف، أصبح يوم الجمعة في عرف الكثيرين يوم كسل ودعَة ونوم وغفلة، لا لا لا! يوم الجمعة خير يوم طلعت عليه الشمس وهو عيد المسلمين الأسبوعي، لكن مع الأسف يعني الأمور الاجتماعية عند كثير من الناس اختلفت، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

دخل النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة، لكن يا ترى كيف دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو داخل فاتحاً لمكة؟ الذي يقرا سير الأباطرة والملوك والقادة العسكريين يجد أنهم إذا دخلوا بلاداً عنوة أول ما يبدؤون بتصفية الطبقة العالية فوق، الأمراء والوزراء والملوك وكبار القادة، لا، وأيضاً يعيثون في الأرض الفساد. دخلوا بلداً عاثوا فيها الفساد، يبدؤون بكبار القوم، بالقادة، بالملوك، بالامراء، بالوزراء، فيصفون تصفية كاملة جداً ثم يعيثون في الأرض الفساد، يقتلون ويفعلون ويفعلون؛ اقرأ التاريخ! اقرأ التاريخ القديم والحديث.

أما رسولنا صلى الله عليه وسلم الذي بعثه الله رحمة للعالمين، فلا، وإنما دخل صلى الله عليه وسلم متواضعاً متخشعاً، قد طأطأ رأسه حتى إن لحيته قد أوشكت أن تمس راحلته أو ما يجلس عليه فوق الراحلة، ودخل وهو يقرأ القرآن. لم يدخل متكبراً ولا متغطرساً أبداً، وإنما دخل متذللاً متخشعاً ويقرأ القرآن.

وهذا فيه درس مهم جداً -أيها الأحبه-؛ تذكرون رسولنا أو قصة الرسول صلى الله عليه وسلم حينما خرج مهاجراً متخفياً مع أبي بكر، ولما أدركه سراقة -أيها الأحبه- ماذا كان يفعل صلى الله عليه وسلم؟ كان يمشي وهو يقرأ القرآن ويقول لأبي بكر: امض يا أبا بكر. فانظروا -أيها الأحبه- القرآن مع رسولنا صلى الله عليه وسلم في كل أحواله، يخرج من مكة مهاجراً يقرا القرآن، يدخل مكة منتصراً وهو يقرأ القرآن. خرج في البداية وهو ضعيف طريد من مكة، مع ذلك مع القرآن، دخل مكة منتصراً ومعه جيش قوي، القرآن معه.

ولذلك -أيها الأحبه- نحن أمة القرآن، ينبغي ويجب علينا -أيها الأحبه- أن يكون القرآن معنا في كل أحوالنا، المعجزة الخالدة. مع الأسف، مع الأسف غيب القرآن عن كثير من الناس، أصبح القرآن إما في المآتم أو في المناسبات وافتتاح بعض الأمور، أو يوم الجمعة سورة الكهف، أو في رمضان! لا، أيها الأحبه، القرآن ينبغي أن يكون معنا في ليلنا وفي نهارنا وفي سرنا وجهرنا. ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا﴾ [الحشر: 21].

متصدعًا من خشية الله. إذا القرآن أيها الأحبة قوة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُم فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأنفال: 45]. انظروا أعظم الذكر أيها الأحبة؛ القرآن. ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة يقرأ القرآن: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ [الفتح: 1]. هذه السورة التي أنزلت في الحديبية والصحابة لما غضبوا من ذلك الصلح وعادوا، والله عز وجل يبشر رسوله صلى الله عليه وسلم بهذا الفتح من قبل ذلك بسنتين أو نحوهما. فبالتالي أيها الأحبة يدخل صلى الله عليه وسلم مكة من أعلاها وهو يقرأ قول الله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ [الفتح: 1].

أقول أيها الأحبة: ينبغي القرآن يكون معنا، لذلك لما العلماء ذكروا الهجر؛ هجر القرآن، قالوا: هجر في تلاوته، هجر في تدبره، هجر في حفظه، هجر في الاستشفاء به، هجر في تحكيمه. والله الخير كل الخير أيها الأحبة في القرآن الكريم. إن هذا القرآن له طرفان؛ طرف بيد الله وطرف بأيديكم. يقول صلى الله عليه وسلم: «إن لله أهلين من الناس». قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: «أهل القرآن هم أهل الله وخاصته». ولذلك هذه دعوة لي ولكم أيها الأحبة أننا نكون من أهل القرآن؛ نكون من أهل القرآن قراءة وحفظًا وتدبرًا واستشفاءً وعملًا وتعليمًا ومراجعةً.

هل هناك خير أيها الأحبة إلا وهو في القرآن؟ فالقران يفتح لك كل خير ويبعدك عن كل شر: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: 9]. قال صلى الله عليه وسلم: «القرآن شافع مشفع، وماحل مصدق، من جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار». نقرا سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ القرآن معه في ليله وفي نهاره. مع الأسف، مع الأسف هجرنا القرآن ولا حول ولا قوة إلا بالله. ابن تيمية رحمه الله في آخر سنوات حياته لما كان مسجونًا في سجن القلعة ماذا قال؟ قال: لو أنفقت مثل هذه القلعة أو ملء هذه القلعة ذهبًا لمن تسبب في سجني لما وفيت حقه؛ لانه جعلني أفرغ للقرآن. قل لي يا ابن تيمية بربك ماذا كنت تفعل خارج السجن؟ كنت تلهو؟ ابن تيمية أيها الأحبة لم يتزوج في حياته؛ لماذا؟ كان مشغولًا بالدعوة، بالجهاد في سبيل الله، بقلمه وبنانه وبلسانه، ومع ذلك يقول: لو انفقت مثل ملء هذه القلعة ذهبًا لمن تسبب في سجني لما وفيت حقه؛ لأنه فرغني للقرآن.

القرآن أيها الأحبة نعمة، لكن أين نحن من القرآن؟ ولا حول ولا قوة إلا بالله. أعود إلى رسولنا صلى الله عليه وسلم. دخل رسولنا صلى الله عليه وسلم وهو متخشع متذلل لله عز وجل، وتجتمع قريش فيقول صلى الله عليه وسلم: «يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل بكم؟» قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم. يا سلام! الحين هذا الشاعر، هذا المجنون، هذا الكاهن، هذا الذي اردتم أن تقتلوه في داره، هذا الذي أخرجتم من مكة أحب البقاع إلى الله وأعظم البقاع عند الله سبحانه وتعالى، هذا الذي تآمرتم عليه، هذا الذي قاتلتم في بدر، هذا الذي قاتلتم في أحد، هذا الذي تحالفت مع اليهود حتى تستأصل شأفته، الآن أخ كريم وابن أخ كريم!

أقول أيها الأحبة: لما نقرا سيرة التاريخ نجد أن العظماء وأن الدول إذا دخلت دولة أخرى يعني حملة إعدامات، أما رسولنا صلى الله عليه وسلم المبعوث رحمة للعالمين قال: «لا تثريب عليكم اليوم، اذهبوا فانتم الطلقاء». أي عظمة هذه في شخصية رسولنا صلى الله عليه وسلم؟ أي مكانة؟ أي رحمة يتعامل بها صلى الله عليه وسلم مع الذي أراد قتله وقتل أصحابه وأخرجه من داره وفعل به الأفاعي، ومع ذلك حينما يتمكن منهم رسولنا صلى الله عليه وسلم: لا تثريب عليكم، يغفر الله لي ولكم، اذهبوا فانتم الطلقاء. أي عظمة هذه؟ أي خلق؟ أي مكانة؟ ولذلك كثير من قريش دخلوا في الإسلام في هذا اليوم؛ دخلوا الإسلام في هذا اليوم لما رأوا من عظمة أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم ونبله وفضله ومكانه ورحمته.

طبعا أيها الأحبة، النبي صلى الله عليه وسلم استثنى من هؤلاء كلهم أربعة رجال وامرأتان؛ هؤلاء يقتلون ولو كانوا متعلقين بأستار الكعبة. هؤلاء الأربعة يقتلون ولو كانوا متعلقين بأستار الكعبة. من هم الأربعة أيها الأحبة؟ أول واحد عكرمة بن أبي جهل مواقفه الشرسه من المسلمين، وعبد الله بن أبي السرح كان مسلما وكان يكتب الوحي لرسول الله ثم ارتد وترك وكان يزعم انه كان يعلم محمدا الوحي، وعبد الله بن خطل، وهذا عبد الله بن خطل كانت له جاريتان؛ كان يهجو رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت له جاريتان تهجو النبي صلى الله عليه وسلم، ومقيس بن صبابه. هؤلاء الأربعة والمرأتان يقتلون ولو تعلقوا بأستار الكعبة مع عظمة الكعبة، ولكن: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾ [القصص: 56].

أما عكرمة فقد فر، تفر من أين يا عكرمة؟ واما عبد الله بن أبي السرح فقد اختفى، وأما عبد الله بن خطل فتمسك بأستار الكعبة فقتل، ومقيس بن صبابه كذلك قتل، والمرأتان فرتني -وسارة جاريتا عبد الله بن خطل- قتلتا، وفر عكرمة وعبد الله بن أبي السرح. ما الذي حدث لهما بعد الفاصل نخبركم باذن الله تعالى، وصلى الله على محمد.

الحمد لله، الاحتفال بالمولد هل هو عبادة أم عادة؟ فإذا قيل عبادة، هل نحن مقتنعون أننا لا نتعبد الله إلا بما شرع؟ فما هو الدليل من القرآن والسنة على مشروعية؟ هل فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ هل فعله الخلفاء؟ هل فعله الصحابة؟ هل فعله الأئمة الأربعة؟ هل نحن خير أم هم؟ أليس حريًّا بنا أن نتأسى بهم؟

من أهم الأخطار التي تهدد المجتمع وتجعل بناءه هِشًّا ضعيفًا، جهل المرأة بما تحتاج إليه من أمور دينها ودنياها وشؤون حياتها. هي الساعد الآخر لبناء المجتمع، فالمرأة الجاهلة لا يمكنها القيام بتربية صحيحة أو إعانة لابنائها على التعلم والرقي، بل ربما انشأته على أفكار خاطئة أو معتقدات فاسدة. فبجهل تتبرج المرأة فتفتن نفسها وغيرها، وبجهل تضيع المرأة حق زوجها وتنفر من البيت فيتفرق شمل الأسرة، وبجهل وقعت كثير من النساء في الخرافات والسحر والشعوذه. فالواجب على المرأة أن تحرص على طلب العلم وأن لا يمنعها الحياء من ذلك، فانه لا حياء في طلب العلم، كما قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: نعم النساء نساء الأنصار؛ لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين.

كلمات قصيرة تحمل بين طياتها تنبيهًا وتحذيرًا خطيرًا، وتوجه حواسنا ومداركنا إلى دورنا الحقيقي الذي نحاسب عليه: كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته. فمن أهم أدوارنا الجديرة باهتمامنا في هذه الحياة، التركيز على مسؤوليتنا تجاه رعيتنا. فالآباء والأمهات لهم الأثر الأعظم بعد الله في مستقبل الأبناء والأجيال، لذلك خصهم النبي صلى الله عليه وسلم بالذكر فقال: «والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته، والمراه راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها».

إن الأبناء زهرة الحياة وقرة أعين الآباء والأمهات، وبصلاحهم ودعائهم ترفع الدرجات في الآخرة، ولكن يجب أن ندرك أن ذلك مرهون بححسن تربيتهم وصلاح نشاتهم. فهنا كان لزاما علينا البحث عن أبرع الطرقات وأفضل الأساليب في التربية والتوجيه، ليكون أبناؤنا في قابل أيامهم مصدر بر وسعاده لنا، وسواعد خير وبناء للمجتمع والإنسانِيَّة.

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، نعود أيها الأحبة إلى ما بداناه قبل الفاصل. كما قلت: النبي صلى الله عليه وسلم أهدر دم أربعة رجال وامرأتان؛ عبد الله بن خطل ومقيس بن صبابه قتل والمراتان قتلتا. بقي عكرمة فر، وعبد الله بن أبي السرح وهو قريب لعثمان رضي الله عنه وأرضاه فر واختفى. لكن الله سبحانه وتعالى الفتاح سبحانه يأتي بعكرمة رضي الله عنه وأرضاه فيسلم ويحسن إسلامه، ويأتي عبد الله بن أبي السرح؛ يأتي به عثمان رضي الله عنه وأرضاه فيعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم المره الأولى ثم يعرض عنه المره الثانية.

وعبد الله بن أبي السرح يطلب من رسول الله أن يسامحه وأن يغفر له، والرسول يعرض مرة واثنتين، فلما ألحَّ قَبِل توبته.

لما مضى عبد الله بن أبي السرح التفت رسول الله صلى الله عليه وسلم للصحابة، قال: «ما فيكم عاقل حينما أعرضتُ عنه قام فقتله؟». هو ارتكب جرمًا عظيمًا وكان يكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فزعم أنه كان هو الذي يكتب لمحمد الوحي، فجاء بشيء كبير جدا. فقال الصحابة: يا رسول الله، لو أومأت إلينا إشارة بس بسيطة. فقال الرحمة المهداة صلى الله عليه وسلم: «ما كان لنبي أن يكون له خائنة الأعين». اللهم صل على رسول الله، أي أدب وأي عظمة وأي خلق بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم.

هنا دعا النبي صلى الله عليه وسلم بمفاتيح الكعبة وقال: «أين عثمان بن طلحة سادن البيت الحرام؟». فأخذ المفتاح ودخل الكعبة، ووجد فيها بعض الصور لإبراهيم عليه السلام فطمسها، ووجد بعض الحمام من خشب وكذا فكسرها، وأخبر أن إراهيم عليه السلام لم يكن يستقسم بالأزلام ولا بغير ذلك. فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكعبة.

علي رضي الله عنه وأرضاه طلب مفتاح الكعبة، وعلي هو ابن عم رسولنا صلى الله عليه وسلم لكنه في مقام ابنه وهو زوج فاطمة. لكن النبي صلى الله عليه وسلم صاحب مثل، فقال: «أين عثمان بن طلحة؟». فجاء عثمان بن طلحة سادن الكعبة، فقال صلى الله عليه وسلم: «اليوم يوم بر ووفاء». فأعطاه المفتاح وقال: «لا ينزعه منها إلا ظالم». وإلى هذا اليوم ما زال المفتاح عند هذا البيت عثمان بن طلحة وأحفادهم إلى هذا اليوم، ما أحد يستطيع أن ينزع منهم أبدا، سيتحقق فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ينزعه منكم إلا ظالم».

أيها الاحبة، بدأ النبي صلى الله عليه وسلم يبايع قريشًا، يبايع الرجال والنساء على الإسلام. فكان يأتي الرجل فيصافح النبي صلى الله عليه وسلم على الإسلام والدخول في الإسلام، فبايع النبي صلى الله عليه وسلم الرجال كلهم. طيب، بالنساء كيف كان يبايع صلى الله عليه وسلم؟ كان يبايع بالصوت، فما مست يدُ النبي صلى الله عليه وسلم امرأةً لا تحل له أبدا.

ولذلك أيضًا هذا من ديننا، المسلم أيها الأحبة لا يجوز له أن يمس امرأةً لا تحل له، وهو قدوتنا صلى الله عليه وسلم. بعض الناس ربما تمد امرأة أجنبية عنه يدها تصافحه، فيصافح، يا فلان! قال: يا اخي والله خجلت واستحيت. لا يا حبيبي، انتبه، ما يجوز، قال صلى الله عليه وسلم: «لأن يطعن أحدكم بمخيط من أعلى رأسه فيخرج من تحت ذقنه أهون عند الله من أن يمس امرأة لا تحل له» أو كما قال صلى الله عليه وسلم. فلننتبه أيها الأحبة، ديننا دين واضح جدا، لا يجوز لك أن تصافح امرأة لستَ لها بمحرم. والله يا اخي هذه ابنة عمي، هذه ابنة خالي، هذه اخت زوجتي، لا ما يجوز، انتبه لا يجوز هذا أبدا.

طبعًا من المفارقات الجميلة أن أبا بكر رضي الله عنه وأرضاه أحضر والده كبير السن، وذهب به إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فالنبي لما رأى والد أبي بكر قال: «لمَ جئت به؟ أنا الذي أذهب إليه». اللهم صل عليك يا رسول الله، انظروا إلى تواضع المصطفى صلى الله عليه وسلم كيف يقول لأبي بكر يقول أنا الأجدر أن أذهب إلى أبيك، لم جئت به يا أبا بكر؟ فجاء أبو بكر بابيه، فمسح النبي صلى الله عليه وسلم على صدره ودعا له، فأسلم والد أبي بكر رضي الله عنهم أجمعين.

فاخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم يهنئ أبا بكر على إسلام والده. يقول أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه: وددتُ أنه عم، وددتُ أن عم رسولنا صلى الله عليه وسلم هو الذي أسلم. انظر أيها الأحبة إلى المحبة، يعني أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه هذا أبوه وأكيد سيفرح، لكن يقول: تمنيتُ أنه أبو طالب هو الذي أسلم، لماذا؟ حتى يفرح رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسلامه. أي حب هذا؟

أتذكر حينما قال أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه في حادثة قال: فشرب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ارتويتُ، شرب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ارتويتُ أنا يقول. شرب فلما شرب أنا ارتويتُ، أي حب هذا، أي علاقة هذه أيها الأحبة؟

ثم بعد ذلك يأتي من يقدح في أبي بكر وينتقص من أبي بكر ويسب أبا بكر ويلعن أبا بكر! ألا لعنة الله على الظالمين، ألا لعنة الله على الظالمين. أيها الأحبة، رجل بهذه المقومات يقف مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحرج المواقف، مع حينما خرج متخفيًا مهاجرًا ومعه في غار ثور، ومعه في الطريق، وهو إلى المدينة، ومعه وهو قادم من المدينة وفي فتح مكة، ما تركه حتى مات صلى الله عليه وسلم. ولذلك أثنى عليه عليه الصلاة والسلام بثناء عطر المقام لا يتسع لها أيها الأحبة، لكن انظر كيف الرسول صلى الله عليه وسلم يعني يعتب على أبي بكر أنني أنا ينبغي أن أذهب إلى أبيك فأزوره.

فعلا هذا يعلمنا خلقًا مهمًا جدا، ليس منا من لم يوقر كبيرنا ويعرف حق صغيرنا، وهذه أخلاق النبوة أيها الأحبة.

أيها الأحبة، هناك طرف آخر كان ينظر إلى هذا الموقف من طرف خفي، من هم؟ إنهم الأنصار، إنهم أهل طيِّبة الطيبة، إنهم الذين وقفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا يتساءلون: يا ترى بعد أن فتح على رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل مكة هل سيبقى مع قومه أم سيعود معنا؟ فبلغ الخبر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «المحيا محياكم والممات مماتكم» أو كما قال صلى الله عليه وسلم. لا يمكن أن أترككم، وقفتم معي وناصرتموني وكذا وكذا وكذا. ومع أن مكة أيها الأحبة هي أحب البقاع إلى الله، لكن الوفاء من النبي صلى الله عليه وسلم.

أيها الأحبة، هذه الغزوة وهذا الفتح فيه دروس كثيرة أتمنى أن تعودوا إليها في كتب السنة فتطالعوها وتنظر فيها، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيد فتوحات المسلمين وأن يرزق المسلمين فتوحات كيوم بدر وفتح مكة وغيرها، إنه على كل شيء قدير. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين.