سلام الله عليكم ورحمته وبركاته. ومع سيرة حبيبنا وقدوتنا صلى الله عليه وسلم، كنا قد تكلمنا في اللقاء الماضي عن فتح مكة، لم نوفه حقّه، ولكن هي فقط إشارات أيها الأحبة حتى نستنشق عبير هذه السيرة العظيمة.
أيها الأحبة، كان فتح مكة في العشرين من رمضان في السنة الثامنة، ومكث النبي صلى الله عليه وسلم في مكة بضع عشرة يوماً. ما الذي حدث في القبائل التي حول مكة؟ النبي صلى الله عليه وسلم كما قلت لكم غزى قريشاً، ولأول مرة في التاريخ يعني أحد يدخل على قريش في عقر دارها، طبعا قضية الفيل وما الفيل هذه كانت قبل الإسلام، لكن أتكلم في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم. وفي ذاك الزمن ما كان أحد يتجرا أن يدخل مكة أولاً لأنها الحرم وقريش قوية، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم أحل الله له مكة ساعة من نهار ثم حرمت.
بعد أن فتح المسلمون مكة أيها الأحبة، انزعجت القبائل المجاورة لقريش من انتصار المسلمين على قريش، وفزعت هوازن وثقيف من أن تكون الضربة القادمة من نصيبهم، وقالوا: لنأتين محمداً قبل أن يغزونا. واستعانت هاتان القبيلتان بالقبائل المجاورة، وفعلا اجتمعت تلك القبائل بقيادة مالك بن عوف النصري رضي الله عنه وأرضاه، أسلم بعد ذلك، لكن حدثت هناك يعني حوادث كثيرة جداً قبل أن يسلم مالك بن عوف سيد من بني هوازن، قائد جيوش هذه القبائل التي ستحارب المسلمين.
طبعا كان عدد الكفار قرابه عشرين ألف مقاتل، عشرين ألف مقاتل ومدجج بالسلاح، وقد تعاهدوا على القتال يعني قضية حياة أو موت، هم رأوا ما حل بقريش. بدأ مالك بن عوف النصري الحيلة، لكن المشكلة بعض الأوقات أيها الأحبة القوة والشباب والفتوة لا تستغني أبداً عن الخبرة، فمالك بن عوف أمر رجاله أن يصطحبوا معهم النساء والاطفال والمواشي والأموال ويجَعلوها في آخر الجيش، لماذا؟ قال: حتى يستمتوا في القتال وفي الدفاع، إذا أنت لن تقاتل عن هوازن وثقيف يا أخي قاتل عن عرضك، قاتل عن نسائك، عن أبنائك، عن مالك، فهو يريد أن يستثير حميتهم.
كان معهم رجل مجرب قد كف بصره ورق عظمه وكبر سنه، ألا وهو الفارس العربي المشهور، وهو من طبقة عنترة بن شداد، دريد بن الصمة. دريد بن الصمة هذا كان فارساً مغواراً لا يشق له غبار، وكان من الفرسان المعدودين في العرب، كما قلت لكم كان من طبقة عنترة بن شداد، سليك بن السلكة، دريد بن الصمة، عنتر بن شداد، كثير من الأسماء المشهورة في التاريخ في عصر الجاهلية، عمرو بن معدي كرب الزبيدي رضي الله عنه وأرضاه كان أيضا من الأسماء اللامعة.
فحملوه على هودج لأنه كبير في السن، لكنه بطل محنك. فقال: ما لي أسمع ثغاء الشياه وأصوات الأطفال والنساء؟ فأخبروه الخبر، فعتب على مالك بن عوف، وقال: إن المنهزم إذا انهزم لم يفكر لا بماله ولا بأهله ولا بعرضه، يفر فرّاً خلاصاً. فلم يقبل قوله، وهذا أيها الأحبة يعطينا أهمية الأخذ بالمشوره وكبار السن وأصحاب الحنكة المجربين. لكنه لم يسمع كلام هذا الرجل الداهية دريد بن الصمة، لكن إذا أراد الله أمراً يستر أسبابَه.
لما علم الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك، خرج إليهم مع أصحابه، وكان ذلك في شهر شوال في السنة الثامنة أيضاً من الهجرة، وكان عدد المسلمين عشرة آلاف الذين قدموا مع النبي صلى الله عليه وسلم، وألفان من الطلقاء الذين أسلموا في فتح مكة. إذاً الآن اثنا عشر ألفاً من المسلمين يقابلون عشرين ألفاً من الكفار، وبالمناسبه أولئك كانوا مستميتين في القتال، ونظر المسلمون إلى جيشهم الكبير فاغتروا بالكثرة، وقالوا: لن نغلب اليوم من قلة. تقول بعض الروايات إن الذي يتكلم شخص واحد: لن نغلب اليوم من قلة. وهذا حقيقةً درس التاريخ سطره وحفظه لنا إلى هذا اليوم.
وفعلاً وقعت مشكلة كبيرة في أول المعركة. يعني الصحابة رضوان الله عليهم لما انطلقوا مع النبي صلى الله عليه وسلم وجاءوا إلى وادي حنين، جاءوا قبل الفجر والدنيا ظلام، والكفار كانوا قد اختبؤوا في انتظار جيش المسلمين. بلغ العدو خبر خروج المسلمين إليهم، فأقاموا كميناً للمسلمين عند مدخل وادي أوطاس قرب الطائف. وأقبل الرسول صلى الله عليه وسلم في أصحابه حتى نزلوا بالوادي، وكان الوقت قبيل الفجر والظلام يخيم على وادي حنين.
فوجئ المسلمون بدون أي مقدمات بوابل من السهام تنهال عليهم من كل مكان، فطاش صوابهم واهتزت صفوفهم وفرّ عدد منهم. طبعا الذي فر كما تقول كتب السير كلهم من الطلقاء الذين ما لهم إلا أيام قليلة منذ أن أسلموا. يعني حقيقة حتى يقولون الإبل نفرت من كثرة النبل الواقع عليها، السهام الواقعة عليهم الإبل نفرت بشكل كبير جداً، الأمر وقع في لمح بصر والدنيا ظلام، وتعرفون لو كان القضية في النهار كان الإنسان يتبين، ولكن فجاه لما سقطت النبال من كل مكان نفرت الإبل وجمعت وفرت.
لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأمر وبدا شيء من الهزيمه يدب بين المسلمين، وإذا به ينادي بأعلى صوته: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب». فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم يقول هذه الكلمه. طبعا أنتم خرجتم لمقابله محمد صلى الله عليه وسلم، ها هو الآن يعري نفسه أمامهم، بمعنى أنه يظهر نفسه أمامهم: أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب.
وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم العباس أن ينادي في الناس، فقال: يا معشر الأنصار، ويا معشر المهاجرين، يا أصحاب الشجرة، يا أصحاب سورة البقرة! فأجابوه: لبيك يا رسول الله، لبيك! أيها الأحبة، انظروا كيف النبي صلى الله عليه وسلم يستثير الرجال. أمر العباس أن ينادي: يا معشر المهاجرين، يا معشر الأنصار، يا أصحاب الشجرة، يا أصحاب سورة البقرة، ما يليق بكم أن تفروا عن رسول الله.
كلما أراد أحد منهم أن يعيد ناقته أو بعير الإبل نفرت، فأخذوا يتقافزون من فوق الإبل، يتقافزون من فوق الإبل حتى يجيبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأحاطت مجموعة من الصحابه وكبار الصحابه بالنبي صلى الله عليه وسلم حتى يحموه، كبار الصحابة أبو بكر، وعمر، والعباس، أبو سفيان وغيرهم أحاطوا برسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يقوه من هذا الوابل الكبير من السهام. وبدأت هذه الكلمات تثير في الصحابة معاني الشجاعة والقوة، وكما قلت لكم أخذوا يمشون على أقدامهم بعد أن قفزوا من جمالهم والإبل التي كانوا يركبونها، وعادوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ساتوقف قليلاً هنا حتى أعود إلى درس مهم جداً، ما هو الدرس؟ الدرس المهم جداً أيها الأحبة، لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة بالجيش مروا على شجرة، ما هي هذه الشجرة أيها الأحبة؟ هذه الشجرة كان الكفار ينوون بها أسلحتهم، يتبركون بها فيعلقون أسلحتهم فيها حتى يظنون أنها ستقوي أسلحتهم وكذا وكذا، فكانوا يتبركون بهذه الشجرة.
بعض الصحابة لما راوا هذه الشجرة وما يفعله الكفار فقالوا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط! فالنبي صلى الله عليه وسلم غضب غضباً شديداً وقال: «إنها السنن، والله إنها السنن، لتركبن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو أنهم دخلوا جحر ضب لدخلتموه». غضب النبي صلى الله عليه وسلم من هذا لأن هذه دعوة للشرك، فإن النافع هو الله، والضار هو الله، والمعطي هو الله، والمحيي هو الله.
الرزاق هو الله، والرافع هو الله، والخافض هو الله. هذه أشجار لا تضر ولا تنفع، لكن كما قلت قد يكون هناك بعض الصحابة وبعض الطلقاء ما كان عندهم ذاك العلم، وهذا الأمر حصل من بعض الصحابة حديثي العهد بالإسلام، لكن النبي صلى الله عليه وسلم كان صارماً في هذه القضية.
أيها الأحبة، قضية التوحيد والشرك قضية صارمة، ما فيها مداهنة، ما فيها شيء من التلطف؛ التوحيد يقر بالقوة والشرك ينفى بالقوة ما دمت متمكناً، ولا يمكن أن نُداهن في التوحيد أو الشرك؛ التوحيد يطبق والشرك يُنقض، حتى نلقى الله سبحانه وتعالى.
أيها الأحبة، نتوقف ثم نعود إليكم بإذن الله تعالى، وصلى الله على محمد، والحمد لله رب العالمين.
للسفر فوائد عديدة وآثار حميدة، وقديماً قال الشافعي رحمه الله: تغرب عن الأوطان في طلب العلا وسافر ففي الأسفار خمس فوائد تفريج هم واكتساب معيشة وعلم وآداب وصحبه ماجد.
وينبغي للمسافر أن يحرص قبل سفره على أمور؛ منها: صلاح النية بالسفر بأن يكون لطاعة أو أمر مباح، أن يستخير ويستشير، التوبة وقضاء الدين والتحلل ممن أساء إليهم، ألا ينسى نفقة أهله، أن يختار الرفقة الصالحة في السفر، أن يودع أهله وجيرانه وأصدقاءه، ويستحب السفر يوم الخميس إن تيسر له وأن يبكر في الخروج؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان يحب أن يخرج يوم الخميس، وقد دعا أُمَّته بالبركة في بكورها، ويبتدئ بدعاء السفر عند ركوبه وسيلة سفره من سيارة وطائرة وغيرها؛ فعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا استوى على بعيره خارجاً إلى سفر كبر ثلاثاً، ثم قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: 13-14]. اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى ومن العمل ما ترضى، اللهم هون علينا سفرنا هذا واطوِ عنا بعده، اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنظر وسوء المنقلب في المال والأهل.
كما يستحب له الدُّلْجَة، وهو سير المسافر آخر الليل، لقوله عليه الصلاة والسلام: «عليكم بالدلجة فإن الأرض تطوى بالليل». وينبغي أن يكون الذكر صاحباً له وانيساً، والدعاء قريناً له وسميراً فهو مظنة الإجابة. وإذا أشرف على قرية أو بلدة دعا قائلاً: اللهم إني أسألك خيرها وخير أهلها وخير ما فيها، وأعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها. وإن نزل منزلاً دعا وقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، فانه لا يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك.
وينبغي للمسافر أن يحرص على الأذان والإقامة، والاتيان برخص السفر؛ كقصر الصلاة الرباعية ركعتين، وكذا الجمع إذا كان سائراً، فإن كان نازلاً في مكان فالأفضل الصلاة على وقتها قصراً ويجوز له الجمع. ويستحب له ألا يطيل في السفر وأن يعجل إلى أهله إذا قضى حاجته، فان عاد من سفره ودنا من بلدته قال: آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون.
كثيراً ما نجد المناهي الشرعية في السنة النبوية مذيلة بالتوجيه إلى البديل المناسب، فمن السنة أن يكون مع النهي عن الخطأ إرشاد إلى البديل الشرعي إن وجد، لا لأن البديل شرط للكف عن المحذور، ولكن لأن النفوس ضعيفة والشيطان يكيد لها، فإذا لم يكن ثمه بديل فالآخرة سلوى المؤمن عن كل شهوة ذرها لله.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أعود أيها الأحبة إلى قصة ذات أنواط، وقلت لكم أيها الأحبة قبل الفاصل إن بعض الصحابة رضوان الله عليهم ظنوا أن هذا مما يمكن أن يفعله صلى الله عليه وسلم؛ اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فكما قلت لكم غضب النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «إنها السنن»، ثم قال: «لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو أنهم دخلوا جحر ضب لدخلتموه». مع الأسف يعني نحن نرى مصداق حديث رسولنا صلى الله عليه وسلم الآن في شرق الأرض وفي غربها؛ أمة الإسلام لماذا تشبهت بالكفار؟ مع الأسف كثير من الناس تشبهوا بالكفار في لباسهم، في عاداتهم، في تقاليدهم، في تربيتهم، في أشكالهم الظاهرة. لا، ما يجوز؛ «من تشبه بقوم فهو منهم». ولذلك القضية إذا وصلت إلى قضية الاعتقاد كارثة، كارثة.
ويعني أقول سبحان الله، الشيء بالشيء يذكر؛ موسى عليه السلام لما أنجاه الله وقومه من فرعون حينما شق لهم طريقاً يبساً في البحر وأنكاهم الله وأغرق فرعون، مروا على أقوام يعكفون على أصنام لهم. أنا اقول القصة بالقصة، وحاشى أن يكون هؤلاء مثل هؤلاء أبدا، لا، لكن انظر أيها الأحبة كيف الشيطان حريص على إضلال بني آدم؛ فبنو إسرائيل مروا على أقوام لهم صنم فقالوا: يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة. فالشيطان يعني كان حريصاً على إيجاد الآلهة والعياذ بالله.
الصحابة قالوا: شجره يضعون اسلحتهم بها كما يفعل الكفار، لكنها وسيلة والعياذ بالله إلى الخروج من الدين، فالنبي غضب. ولذلك أيها الأحبة ينبغي للمسلم والمسلمة أن يحذر من قضية الشرك وأن يلتزم الكتاب والسنة وأن يحقق التوحيد وأن يبتعد عن كل مظاهر الشرك والمشركين؛ أنت متميز بعقيدتك وبدينك. ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم حذر من مشابهة الكفار وقال: مع الأسف يعني لتتبعن سنن من كان قبلكم، قال: اليهود والنصارى؟ قال: فمن إن لم يكن هم من غيرهم؟! وكما نراه مشاهد الآن ولا حول ولا قوة إلا بالله.
أعود أيها الأحبة إلى ساحة المعركة مرة أخرى؛ النبي صلى الله عليه وسلم رجع إليه الصحابة والتفوا حوله وبدا القتال، وشاركت الملائكة في غزوة حنين، وفعلاً دب الرعب في قلوب الكفار، وإذا بهم يفرون. هل يقفون؟ يجرؤون أن يقفوا أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة؟ ألا يقول صلى الله عليه وسلم: «نصرت بالرعب مسيرة شهر»؟ ولذلك لما التف الصحابة حول رسول الله صلى الله عليه وسلم وبالمناسبه هي كلها دقائق معدودة، يعني ما كان الوقت طويلاً؛ جاءت السهام، فرت الإبل، فر بعض الناس، يعني حتى إن بعض الذين خرجوا مع المسلمين وليسوا بمسلمين، أحدهم يقول لصفوان بن أمية -يبشره- أن أمر محمد قد ذهب، فغضب قال: والله لئن يربني رجل من قريش أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن أو من ثقيف.
لكن الله سبحانه وتعالى انجز وعده فعلاً، حتى النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو الله عز وجل دعاء عظيماً جداً، فاجتمع الجيش الإسلامي مرة أخرى وبداوا في القتال، وانتصر المسلمون وفر الكفار وتركوا نساءهم وأولادهم، وما التفتوا إلى شيء. وحدث ما قاله دريد بن الصمة: أنهزم إذا انهزم، لم يلتفت إلى شيء؛ تركوا النساء والأولاد والأموال والمتاع وفروا بأنفسهم ذهبوا إلى الطائف. غنم المسلمون غنائم عظيمة جداً، انتصروا نصراً عظيماً وغنموا غنائم عظيمة جداً جداً جداً.
أكبر دليل على الغنائم أيها الأحبة، النبي صلى الله عليه وسلم بدا يتألف المؤلفة قلوبهم، حتى أن صفوان بن أمية رضي الله عنه وأرضاه ماذا يقول؟ يقول: أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو من أبغض الناس إلي -أو من أغضب الناس عندي وأبغض الناس إلي- يقول: فما زال يعطيني ويعطيني ويعطيني حتى أصبح أحب الناس إلي، وهذا يعطينا درس أيها الأحبة قضية تألف الناس.
طبعاً النبي صلى الله عليه وسلم بعد انتهاء المعركة وبدا هناك جمع الغنائم والسبايا والنساء والأطفال، قال: أين أبو سفيان؟ فقال: مئة من الإبل. ثم قال بعد ذلك: أين صفوان بن أمية؟ قال: مئة من الإبل. أين عيينة بن حصن؟ مئة من الإبل. الأقرع بن حابس؟ مئة من الإبل. شوف مئة من الإبل أيها الأحبة! مئة من الإبل الآن ثروة كبيرة جداً، فكيف في السابق أيها الأحبة؟ مئة من الإبل الآن ثروة كبيرة من المال.
عنده مئة من الإبل، فكيف في السابق؟ وأخذ النبي صلى الله عليه وسلم يوزع الغنائم؛ يعطي هذا، ويعطي هذا، ويعطي هذا. لكن المفاجأة أيها الأحبة، المفاجأة العجيبة، أنه أعطى قريشاً ووزع عليهم الغنائم كلها، وما أعطى الأنصار شاة واحدة؛ أعطى الناس إلا الأنصار.
طبعاً أيها الأحبة، الأنصار بشر، فقال بعض صغار السن: يغفر الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أعطى قومه وما أعطانا! بلغت المقولة للنبي صلى الله عليه وسلم، فدعا بسعد بن الربيع، قال: ما مقولة بلغتني من الأنصار؟ قال: هو ما سمعت يا رسول الله. قال: وأينها، أين أنت منها؟ قال: أنا مع قومي. قال: اجمع لي الأنصار في المكان الفلاني ولا يدخل أحد معكم.
فاجتمع الأنصار في مكان سعد بن عبادة، ودخل عليهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال لهم: يا معشر الأنصار، ما مقولة بلغتني عنكم؟ قالوا: هو ما سمعت يا رسول الله، وبعضهم قال: إنما هي قول صغارنا. فقال: يا معشر الأنصار، ألم كنتم متفرقين فجمع الله بي؟ قالوا: الفضل لله والمنة لله ولرسوله. ألم كنتم أعداء فألف الله بينكم؟ قالوا: المنة لله ولرسوله. وبدأ يعدد عليهم النعم فقال: يا معشر الأنصار، والله لو قلتم لصدقتم ولصدقتم: أتيتنا طريداً فأويناك، وفيقيراً فأغنيناك، وخائفاً فأمناك.
والأنصار كلما قال النبي صلى الله عليه وسلم يقولون: الفضل لله ولرسوله، المنة لله ولرسوله. قال: يا معشر الأنصار، أوجدتم علي في لعاعة من الدنيا تألف بها الرجال وأذرعها والبعير، وتعودون برسول الله صلى الله عليه وسلم في رحالكم؟ والله لو سلك الأنصار شعباً ووادياً، وسلك الناس شعباً ووادياً، لسلكت شعب الأنصار ووادياً.
والله لولا الهجرة لكنت من الأنصار، اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار. فتقدم القوم يبكون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويتأسفون مما وقع منهم رضي الله عنهم وأرضاهم. أي مكانة هذه، وأي فضل هذا، وأي دعاء هذا من النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار؟ ولذلك لا يحب الأنصار إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق.
عرف الصحابة وعرف الأنصار المكانة العظيمة التي سينالونها ولن ينالها العرب، عرف الأنصار أنهم سيعودون برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قومهم إلى المدينة، وأي بركة أعظم من هذه؟ وأي غنم أعظم من هذا أن يذهب الناس بالشاة والبعير لعاعة من الدنيا، وأن يعودوا برسول الله صلى الله عليه وسلم؟
ولذلك كانت غفلة بصرهم بها النبي صلى الله عليه وسلم، وبين لهم الفرق بين دنيا زائلة وبين شرف لا يعادله شرف لا في الدنيا ولا في الآخرة؛ أن يعود برسول الله صلى الله عليه وسلم. نتوقف أيها الأحبة ثم نعود مرة أخرى بإذنه تعالى، وصلى الله على محمد.
هل أنت حريص على تصحيح عباداتك؟ هل ترجو أن يتقبلها الله؟ اطلب العلم، إذ لا تصح العبادة إلا به، قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: 19]. وشرط قبول طلب العلم الإخلاص فيه، بأن تري به إلا وجه الله، قال تعالى: ﴿قُل إنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ﴾ [الزُمَر: 11].
وبالإخلاص ترزق صحة الفهم وقوه الاستنباط، قال صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين». وبالإخلاص يذعن المتعلم للحق ويقبل النقد، قال الذهبي: علامة المخلص أنه إذا عوتب لا يبرئ نفسه بل يعترف ويقول: رحم الله من أهدى إلي عيوبي. ويجب أن يتوفر الإخلاص في التعلم والتعليم والتأليف، قال أبو داود الطيالسي: ينبغي للعالم إذا حرر كتابه أن يكون قصده بذلك نصره الدين، لا مدحه بين الأقران لحسن التأليف.
فأخلص النية واحذر من فسادها كطلب العلم لأجل المال والثروة أو الجاه والشهرة أو المراء والجدل، فإن ذلك يفسد العمل، قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾ [الفرقان: 23].
إذا أحببت أن تتعرف على دينك أكثر، أن تزداد علما وتنهل خيرا، أن تسمع وترى ما يقربك من ربك ويحببك في نبيك وتزكو به نفسك؛ في قناة زاد تجد ذلك وأكثر. تصفح وتجول في واحة إيمانية من مقاطع مميزه من إنتاج مجموعه زاد تتنوع بين المادة العلمية والرقائق الإيمانية والفواصل الدعوية المحترفة إعلاميا، والمنصات المنهجية تخاطب الرجال والنساء الكبار والصغار، تدعو البعيد وتؤنس القريب. مقاطع موشن جرافيك مميزه، دورات علمية متخصصة، فواصل درامية شيقة، لقاءات دعوية ممتعة، برامج تلفزيونية وندوات شرعية، شاهد، شارك، انشر.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
ايها الأحبة الافاضل، كما قلت لكم، انقشعت المعركه وانتصر المسلمون، وفرت هوازن وثقيف وخلفوا وراءهم ما خلفوا. وقسم النبي صلى الله عليه وسلم الغنائم من الأموال، وكذلك حتى النساء والولدان والأولاد، هذه غنيمة حرب. مالك بن عوف النصري فر إلى الطائف، فسأل عنه النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: فر إلى الطائف يا رسول الله.
طبعاً النبي صلى الله عليه وسلم ذهب اتجه بالجيش إلى الطائف، وحاصر الطائف فترة، واستخدم المنجنيق واستخدم بعض الأسلحة، ولكن كانوا متحصنين. فقال صلى الله عليه وسلم: لو جاءني مالك بن عوف النصري لأعطيته أهله وأبناءه، لأعطيته مئة من الإبل.
وصل الخبر إلى مالك بن عوف رضي الله عنه وأرضاه فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم مسلما، فاسلم ورد إليه النبي صلى الله عليه وسلم أهله ونساءه ومئة من الإبل. ثم كلمه في سبايا الغزوة فقال: أما ما كان لي وبني هاشم فهو لكم، أما الباقين فدونك إياهم. فرفض بعض الصحابة، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: أعطوهم أو ردوا عليهم نساءهم وأولادهم، ولكم علي في الغزوة القادمة أن أعطيكم كذا وكذا مقابل كل نفس اعتقت من هوازن وثقيف. وأصلح النبي صلى الله عليه وسلم حال هذه القبيلة وجعل مالك بن عوف النصري رضي الله عنه وأرضاه ملكاً عليهم وأميراً عليهم، وحسن إسلامه رضي الله عنه وأرضاه.
من الدروس المهمة: أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بين القتلى فوجد امرأة مقتولة، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وقال: ما كانت هذه لتقاتل. ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والصبيان. هذا من أخلاق الإسلام أيها الأحبة، يعني النساء ضعيفات والصبيان ضعفاء؛ الإسلام لم يأت لسفك الدماء أيها الأحبة، الإسلام جاء رحمة، جاء نوراً، جاء هداية، ما جاء الإسلام لقتل الناس وإرعاب الناس كما يدعيه بعض من ينتسب إلى الإسلام الآن، لا يا اخي. غضب النبي لما رأى امرأة مقتولة ونهى عن قتل النساء والصبيان.
أيضاً من الدروس المهمة أيها الأحبة التي أذكرها في هذه الغزوة، ذلك الموقف العاطفي الذي وقع للنبي صلى الله عليه وسلم مع امرأة من السبايا. من هذه المرأة أيها الأحبة؟ وما هو هذا الموقف العاطفي؟ هذا الموقف هو التقاء النبي صلى الله عليه وسلم بأخته من الرضاعة الشيماء رضي الله عنها وأرضاها. فاستقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وفرش لها رداءه فجلست عليه، وكلمها وآنسها وأغناها من عليها بشيء كثير. كيف لا وهو قد رضع من أمها وتربى في حجر أمها وفي ديار قومها؟ فما ينسى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم. وكان لقاء أي لقاء بعد هذا العمر الطويل بين الشيماء رضي الله عنها وأرضاها اخت رسولنا صلى الله عليه وسلم من الرضاعة وبين الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.
أيها الأحبة، في مقابل هذا الموقف حدث موقف شنيع ومؤلم وكارثة ومصيبة وقع في تلك الأثناء. ما هو الموقف؟ يقول جابر بن عبد الله رضي الله عنه وأرضاه: كان النبي صلى الله عليه وسلم مع بلال، وفي حجر بلال شيء من فضة، فكان صلى الله عليه وسلم يأخذ من هذه الفضة ويوزع على الناس. فجأة جاء رجل، ما صفاته؟ جاء رجل قد حفزه النفس، يعني يلهث، كان يسعى، مشمر إزاره -مشمر الإزار كأنه يسعى بقوة يجري يمشي- كث اللحية، محلوق الراس، غائر
العينين، ناتئ الوجنتين والجبهة، تخيلوا الآن المنظر. فقال: يا محمد اتق الله واعدل. هذا يقول لرسولنا صلى الله عليه وسلم: اتق الله واعدل هزلت! فغضب النبي صلى الله عليه وسلم غضبًا شديدًا. قال: «خبت وخسرت»، وفي رواية: «خبت وخسرت، من يعدل إن لم أعدل أنا؟ أَتَأْمَنُونّي وَمَنْ فِي السَّمَاءِ وَلَا تَأْمَنُونّي؟!». رحم الله أخي موسى، أوذي بأكثر من هذا فصبر.
عمر لما رأى هذا الموقف كاد أن يجن: يا رسول الله، مرني أن أضرب عنقه. قال: «لا، لا يتحدث العرب أن محمدًا صلى الله عليه وسلم يقتل أصحابه، لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه من هذا الرجل؟». فنظر إليه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «يخرج من ضئضئ هذا، يخرج من ضئضئ هذا أقوام تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم، وقراءتكم إلى قراءتهم، وصيامكم إلى صيامهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد».
الله أكبر، يخرج من ضئضئ هذا، من أشباه هذا، أقوام تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم، يعني هم أكثر منكم صلاة، وقراءتكم إلى قراءتهم، أكثر منكم قراءة للقرآن، أكثر منكم صوماً، لكن إيش المشكلة؟ قال: «يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد». وهؤلاء هم الخوارج.
هذا الرجل اسمه عبد الله ذو الخويصرة، الذي جاء ينصح رسول الله صلى الله عليه وسلم يظنه أتقى من رسول الله، خاب وخسر! أتأمنوني ومن في السماء ولا تأمنوني؟! هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك انتقاص الرسول صلى الله عليه وسلم -والعياذ بالله- كفر مخرج من الملة. أما زكاه الله عز وجل؟ الأنبياء أيها الأحبه صفوة مختاره، فكيف برسولنا الخاتم صلى الله عليه وسلم الذي شهد الله له في آيات كثيرة: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]؟
ما من خلق من الأخلاق الحسنة إلا وقد بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم المنتهى والكمال فيه، ولا خلق سيء إلا وقد ابتعد عنه صلى الله عليه وسلم البعد الأكمل فيه. فيأتي هذا ويقول: يا محمد اتق الله واعدل! لذلك عمر كان معه حق في أن يقتله، ولولا هذا العذر لقتل. خشي النبي صلى الله عليه وسلم يا أحبابي أن يتحدث العرب وسيتحدث أن محمدًا يقتل أصحابه، ولولا هذه القضية لقتله؛ لأنه يستحق القتل، لأن ينتقص رسول الله صلى الله عليه وسلم حكمه القتل ما هو من أي أحد، من ولي الأمر، حتى لا تصبح القضية قضية مفلوته.
فأقول أيها الأحبة: النبي صلى الله عليه وسلم أوذي كثيراً حتى في نفسه، فهذا يأتي يعني ينتقص رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفعلا وفعلا وفعلا هذا الرجل أشبهه هذه النابتة السيئة الخوارج الذين خرجوا، كانوا مع علي رضي الله عنه وأرضاه، فخرجوا عن علي، وقاتلهم علي رضي الله عنه وأرضاه في النهروان واستأصلهم إلا قل منهم فروا وحملوا الفكر الخارجي إلى الآن، مع الأسف حملوا الفكر الخارجي إلى الآن، وكما أخبر صلى الله عليه وسلم: «يترקים أهل الأوثان ويقتلون أهل الإيمان». ومن أوصافهم أنهم حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام، بل يقول صلى الله عليه وسلم: «لو يعلم الذين يقتلونهم أو يقاتلونهم ما لهم من الأجر لتكلوا».
فعلا الذي يقرأ تاريخهم المشين، كم فعلوا في أمة الإسلام قديماً وحديثاً، هو الفكر واحد لكن قد يتخذ عدة صور. الآن العصر الحديث خرجوا علينا الدواعش من الدواعش وأشكالهم، تتألم من ينتسب للإسلام ويقتل أهل لا إله إلا الله، ويستبيح المساجد ويستبيح دماء المسلمين! هؤلاء هم الخوارج الذين حذر منهم النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: «لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد». هذا الموقف حدث في غزوة حنين.
الشاهد أيها الأحبة، بعد هذه الغزوة حقيقة دانت الجزيرة، كل قبائل الجزيرة خشوا وخافوا من الرسول صلى الله عليه وسلم وأذعن له صلى الله عليه وسلم، وكانت فعلا يعني غزوة لها ما لها في التاريخ الإسلامي. أسأل الله سبحانه وتعالى باسمائه وصفاته أن يعز الإسلام والمسلمين، وأن يذل الشرك والمشركين، وأن يدمر أعداء الدين، وأن ينصر الإسلام والمسلمين في كل مكان، وأن يستعملنا في طاعته، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين.
د. موفق كدسة الغامدي