تسجيل الدخول

المحاضرة 11 - بَيْعتَي العقبة والدعوة في المدينة

عاصم الحكيمالشيخ عاصم الحكيم
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله الأمين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين، أما بعد.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. تكلمنا في الدرس الماضي من سيرة النبي صلى الله عليه واله وسلم عن بدء الاتصال بأهل المدينة، وذلك عندما وفد في الحج ستة ممن أراد الله بهم السعادة، فكانوا أول من أسلم من أهل المدينة وذهبوا إلى قومهم فنشروا الإسلام وحدثوهم عنه. ثم بعد ذلك توالت الأحداث وصار ما صار من الإسراء والمعراج، وكما تقدم معنا في الدرس الماضي، بعد ذلك في الموسم الذي يليه جاء وفد آخر، وكان هذا من السنة الثانية عشرة من البعثة النبوية، جاؤوا من المدينة وكانوا اثني عشر رجلاً، التقوا بالنبي عليه الصلاة والسلام حدثوه ودعاهم إلى الإسلام، كانوا عشرة من الخزرج وكانوا اثنين من الأوس، على الرغم من أن الستة الذين قدموا في العام الذي قبله كانوا كلهم من الخزرج، مما يدل على أن نشاط الدعاة في العام الماضي تركز على عشيرتهم وعلى جماعتهم، لذا أتى عشرة من الخزرج، ولم يمنع ذلك أن الدعوة انتشرت في الأوس على ما كان بينهما من قتال وخلاف وشجار وثارات، لكن الإسلام يجمع ولا يفرق، الإسلام سبب لسعادة البشر في الدنيا وفي الآخرة.

عبادة بن الصامت رضي الله عنه وأرضاه كان أحد النقباء، ويخبر رضي الله عنه وأرضاه أنهم بايعوا النبي عليه الصلاة والسلام بيعة أو على بيعة النساء، وذلك قبل أن يفترض علينا الحرب، فيقول: على أن لا نشرك بالله شيئاً، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه من بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف. قال: فان وفيتم فلكم الجنة، وإن غشيت من ذلك شيئاً فأمر إلى الله عز وجل؛ إن شاء غفر، وإن شاء عذب.

الآن هذه سميت أو سماها عبادة رضي الله عنه بأنها بيعة النساء، لأنها مثل ما جاء في القرآن في آخر سورة الممتحنة. والعلماء فصلوا في ذلك فقالوا: إن بيعة عبادة بن الصامت في بيعة العقبة الأولى لم تكن بيعة النساء. طيب كيف نَفْعَل وقد صرح بذلك عبادة؟ قالوا وهذا اختيار الحافظ ابن حجر رحمه الله وغيره من أهل العلم، قالوا إن عبادة رضي الله عنه وأرضاه بايع بيعتين؛ بيعة العقبة وهي أجل وأشرف البيعات، وبيعة أخرى بعد فتح مكة، فكان إذا ذكر البيعة نسب البيعة الأولى وهي بيعة العقبة، لأنها أعظم وأكرم وأجل من جميع البيعات الأخرى؛ إذ هي أصل الإسلام وأصل انتشار ودخول الإسلام إلى المدينة.

فالنبي عليه الصلاة والسلام بايعهم، وستاتي معنا إن شاء الله البيعة أو الصيغة التي بايع عليها النبي صلى الله عليه وسلم في هذه البيعة الأولى والثانية أيضاً. الآن استوثق لنفسه عليه الصلاة والسلام من هؤلاء، وبايع على التوحيد، وبايع على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن لا تأخذهم في الله لومة لائم، لكن أخبر عبادة أن القتال والحرب لم يفرض بعد، وهذا دليل على أن لكل زمان مقالته وحالته التي تناسبه، فوقت الدعوة تحت الضغوط والتهديد يختلف عن وقت الدعوة في حال القوة والعزة والمناعة.

ثم بعد أن أخذ منهم البيعة، بيعة العقبة الأولى، رجعوا إلى قومهم كي يدعوهم إلى الإسلام، لكنهم كانوا في حاجة إلى من يعلمهم ويعينهم، كانوا في حاجة إلى من كانت له خبرة أوسع وأعظم منهم في الدعوة إلى الله عز وجل، وإلى من هو أعلم منهم بشرع الله تعالى، فأرسل النبي صلى الله عليه واله وسلم معهم مصعب بن عمير رضي الله عنه وأرضاه.

مصعب هذا كان أنهض شاب في مكة، يعني بالتعبير العام كان نعناعة كما يقال، رجل أو شاب وسيم تتمناه كل فتيات مكة، كان ثرياً ومن عائلة كريمة، وكان يلبس أفخر وأثمن وأجمل الثياب، وتدي أفضل العطور، حتى يقال إنه إذا مر بشارع عرف من جاء بعده أن مصعب قد مر من هذا الشارع، ولكنه عندما أسلم قامت عليه عشيرته، اتهمته أمه وعذبته، ربطه عمه في حصير وجعل الدخان والنار من تحته تعذيباً له على أن يرجع عن دينه فلم يرجع، فتغيرت حاله وأصبح الناس يرون عليه شظف العيش، لكن كل ذلك في جنب الله عز وجل، وكذا إذا خالطت بشاشة الإيمان القلوب فإن حال الإنسان يتغير، وإن تغير تغيراً ظاهرياً فإن الجوهر ما زال في أفضل وأحسن أحواله.

بعث معهم مصعب، ومصعب رضي الله عنه وأرضاه عندما ذهب إلى المدينة كان رسول رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وهو المبعوث السامي بحق لا بالباطل، بعثه النبي عليه الصلاة والسلام ليدعو الناس فدعاهم واجتهد في دعائهم ونزل عند أسعد بن زرارة رضي الله عنه، نزل عند أبي أمامة ذاك الصحابي الشاب الفتي الصغير، لكنه سعيد باسعاد الله تعالى عز وجل له بأن عرف كيف يختار، وعرف كيف يرى في الإسلام ويرى في النبي عليه الصلاة والسلام مستقبل البشرية فقبله واعتنقه منذ البداية ولم يتردد.

نزل عنده ضيفاً فكان هو وأسعد يدوران، يزوران، يذهبان إلى القبائل، إلى بيوت يدخلونها ويدعونهم إلى الله عز وجل، وفتح الله بهما فتحاً عظيماً. لكن في كل قوم هنالك الأكابر، هنالك الجبابرة العتاة، هنالك الذين لا يقبلون الحق لأنه يؤثر في سلطانهم ويؤثر فيما حولهم.

أسعد بن زرارة كان ابن خالة سعد بن معاذ سيد بني عبد الأشهل، سيد الأوس رضي الله عنه وأرضاه، فلما سمع بما حصل تحدث مع قرينه وصاحبه أسيد بن حضير رضي الله عنه، وكان هو أيضاً سيد من سادات بني عبد الأشهل، فقال له: يا أسيد، لا أبا لك، انطلق إلى هذين الرجلين قد أتيا دارينا ليصفحا ضعفاءنا، فازجرهما وانههما عن أن ياتينا دارنا، فانه لولا ما كان أسعد بن زرارة مني وهو ابن خالتي، وقد علمت ذلك ولا أجد عليه مقدماً قال: قد علمت لو أنه لم يكن من خالتي لكفيتك.

فذهب أسيد بن حضير، أخذ معه الرمح حتى وقف على أسعد بن زرارة ومصعب بن عمير. طبعا أسعد رضي الله عنه وأرضاه عندما رأى أسيد قال: يا مصعب، هذا سيد قومه قد جاءك، فانتبه! هذا ما هو مثل أي واحد تدعوه، هذا مقدم في قومه، هذا علم، هذا سيد مطاع، قال: فأصدق الله فيه، يعني ادعوه باخلاص، لأنه إن فتح الله على يدك تبعه قومه.

قال مصعب: أن يجلس أكلمه؟ ما عندي مشكلة، أنا إيش شغلتي؟ أنا ما أتيت إلا لأدعو إلى الله عز وجل، لا أشكال عندي مطلقاً. فوقف عليهما متشتماً (كذا في وضعية هجوم، وضعية عداء ومستعد لأي أمر، للقتال، للشجار، للشتم والسب) فقال: ما جاء بكما إلينا تسفهان ضعفاءنا؟ اعتزلانا إن كانتا لكما بأنفسكما، ما حاجة؟

قال: أيوه إذا أردتم النجاه وكنتم تريجون الحياة فاعتزلانا وإلا لقيتم منا ما تكرهون.

فقال له مصعب: أو تجلس فتسمع، فإن رضيت أمراً قبلته، وإن كرهته كف عنك ما تكره؟ يا اخي ليش ما تجلس وتسمع ما عندنا، إن رأيت ما يعجبك قبلته، وإن لم تر ذهبنا وتركنا.

فقال: أنصفت، ثم ركز حربته وجلس إليهما. شوف سبحان الله، مشرك وقد أتى للقتال، لكن عنده إنصاف، هذا الإنصاف يفتقده كثير من المسلمين، كلمه في الإسلام، قرأ عليه القرآن، ما جاء بجديد، مصعب لم ياتي بجديد إنما عرض عليه دين الله عز وجل بطريقة جميلة لبقة، وهذا هو شرع الله، هذا هو دين الله، أنت لست مطالباً بفتح القلوب وإرغام الناس على الدخول في الدين، ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾ [القصص: 56]، كل ما عليك أن تبلغ، والقبول وشرح الصدور هذه عند الله عز وجل.

فلما سمع ذلك يقول راوي الحديث: والله لعرفنا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم في إشراقه وتسهله، ثم قال: ما أحسن هذا الكلام وما أجمله! كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين؟ على طول انشرح صدره، ما قال: أروح أشار الحرمة، ما قال: أروح أصلي استخارة (طبعا ما عندهم استخارة)، ما قال: طيب بس أنا عندي بضاعة في قريش وكذا. أبداً، اقتناع ثم التزام، قال: ماذا تصنعون؟ قال: ولا شيء، تطهر، تغتسل، تغير ثيابك، تصلي ركعتين، تتشهد، إن شاء الله، وانتهى الموضوع. فقام فاغتسل وطهر ثوبيه وصلى ركعتين وطبعا تشهد شهادة الحق وصلى ركعتين علماه، ثم قال لهم: إن من ورائي رجلاً إن أتبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه، وسأرسل إليه الآن (يقصد من؟ سعد بن معاذ).

فماذا كانت قصة سعد؟ هذا ما سوف نتعرف إليه إن شاء الله بعد الفاصل فابقوا معنا.

كلمات قصيرة تحمل بين طياتها تنبيهاً وتحذيراً خطيراً، وتوجه حواسنا ومداركنا إلى دورنا الحقيقي الذي سنحاسب عليه: كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته. فمن أهم أدوارنا الجديرة باهتمامنا في هذه الحياة التركيز على مسؤوليتنا تجاه رعيتنا، فالآباء الأبناء والاجيال، لذلك خصهم النبي صلى الله عليه وسلم بالذكر، فقال: «والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها». إن الأبناء زهرة الحياة وقرة أعين الآباء والأمهات، وبصلاحهم ودعائهم ترفع الدرجات في الآخرة، ولكن يجب أن ندرك أن ذلك مرهون بحسن تربيتهم وصلاح نشأتهم. فهنا كان لزاماً علينا البحث عن أبرع الطرقات وأفضل الأساليب في التربية والتوجيه ليكون أبناؤنا في قابل أيامهم مصدر بر وسعادة لنا، وسواعد خير وبناء للمجتمع والإنسانية.

الإسلام سؤال وجواب موقع إلكتروني ومحرك بحثي يقدم الفتاوى والإجابة الشرعية الاستشارات التربوية والاجتماعية. المشرف العام على الموقع فضيلة الشيخ محمد صالح المنجد. تم إنشاء الموقع عام 1417 للهجرة الموافق لعام 1996 للميلاد. اعتمد الموقع العديد من اللغات الأجنبية في تقديم خدماته، والتي بلغ عددها 12 لغة. تجاوز عدد الزيارات السنوية على الموقع 36 مليون و900 ألف زيارة، وتجاوز عدد صفحات المستعرضة 193 مليون و316 ألف زيارة. الموقع على الشبكة الاجتماعية.

السلام عليكم ورحمة الله.

الآن أسيد رجع إلى سعد وهو يريد أن يحتال عليه بحيلة؛ لأنه يعرف أن سعد لن يقبل هذا الدين لو عرضه عليه هو، فأراد أن يحتال بحيلة. فرجع إلى القوم، إلى النادي الذي كانوا فيه. سعد رجل ذو فراسة، لما راه قال: والله لقد عاد إليكم أسيد بغير الوجه الذي ذهب به. وهذا من الأدلة على أن الإسلام إذا خالطت بشاشته القلوب تغيرت حال الإنسان: ﴿وَفِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: 75]. الإنسان الذي يستطيع أن يرى يعرف ذلك، يعرف جمال الإيمان في وجه بني آدم، تراه تجد فيه... كما أنك في كثير من الأحيان (وليس هذا من شغل الصوفية أو الكشوفات أو كذا)، قد تنظر إلى انسان من أهل الدين من أهل الصلاح وترى في وجهه سواداً، ترى في وجهه شيئاً من آثار وشؤم المعصية، وليس كل يرى ذلك، لكن بعض الأحيان قد يوفق الإنسان إلى رؤية ذلك ويحذر أخاه: يا اخي انتبه اتق الله عز وجل، هذه امور بينك وبين الله.

لما رأاه سعد فقال له (يعني ما فعلت؟): قال والله ما رأيت بأس, حقيقة (يعني الكذب خيبة زي ما يقولون) لكن نهيت عن فعل ذلك وقالوا نفعل ما أحببت. المشكلة مو هنا يا سعد، المشكلة أني قد حدثت أن بني حارثة قد خرجوا إلى أسعد بن زراره ليقتلوه؛ وذلك لأنهم عرفوا مكانته منك، عرفوا أن خالتك، أرادوا أن يقتلوه كي يغيظك.

فقام سعد مغضباً مبادراً متخوفاً للذي ذكر له من بني حارثة، أخذ الحربة من يد أسيد وقال: والله ما أراك أغنيت شيئاً (يعني ولا كأني أرسلتك ولا أنا كأني استفدت من ذلك اللي أنا أردتك أن تفعله، ما كفيتني). فذهب وخرج إليهما سعد. لما وصل وهو متحفز رآهما مطمئنين، عرف أن أسيد احتال له بحيلة كي يسمع منهما. فقام متشتتاً، ونفس الكلام، وقال له مصعب رضي الله عنه وأرضاه (يعني جلس ونحدثك، طبعا لأنه أسعد ابن خالته قال هذا السيد، هذا ترى أن تصدق الله عز وجل معه، هذا يعني يتبعه كل قومه).

وقال سعد: يا أبا أمامة، أنت ولد خالتي وأنت كذا، ما الذي تفعل هاهنا؟ لا يغرنك ذلك؛ لأني قد اتخذت إجراءً قد يغضبك يسوءك. فجلس مصعب وقال له: يعني نحدث وتسمع، إن رغبت فيه الحمد لله، ما رغبت فيه لك عهد علينا أن لا نؤذيك ولا نسمعك ما لا يرضيك.

فقال: أنصفت.

وبالفعل دعاه إلى الله عز وجل، وإلى الإخلاص، ولحسن تعامله والقائه وقراءته للقران، شرح الله صدر سعد. وبفعل فعل مثل أسيد: كيف تصنعون؟ فأخبروه أنك تغتسل وتطهر ثيابك وتشهد شهادة الحق وتصلي ركعتين وانتهى الموضوع، أنت منا ونحن منك. ففعل ذلك، واغتسل وطهر ثوبيه وتشهد شهادة الحق وصلى ركعتين، ثم أخذ حربته فأقبل عامداً إلى نادي قومه ومعه أسيد بن حضير. الآن راح ليقاتل وينهى عن المعروف ويأمر بالمنكر، فعاد هو وأسيد.

فقال القوم عندما رأوهما مقبلين قالوا: لقد جاء بغير الوجه الذي ذهبا به. أيضاً فراسة، فطنة، هذا ليس بالوجه وجه السيد الذي ذهب من عندنا. فقام فجمع رجالهم ونساءهم وأطفالهم كل قبيلة بني عبد الأشهل، وقال: كيف تعلمون أمري فيكم؟ أي رجل أنا فيكم؟ قالوا: سيدنا، وأوصل، وأسد رأياً، وأفضل، وأيمن نقيبة (يعني أنت الرجل أنت السيد المطاع). قال: فإن كلام رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تؤمنوا بالله وبرسوله. قال: فوالله ما أمسى في دار بني عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا مسلما ومسلمة.

ورجع أسعد ومصعب إلى منزل أسعد بن زرارة، فأقام عنده يدعو الناس إلى الإسلام. شوف سبحان الله، تغير فوري جذري بسبب مصعب بن عمير. الإسلام دخل المدينة بيوتها وعشائرها وقبائلها بسبب مصعب رضي الله عنه وأرضاه، وهذا كان توطئة خلال عام كامل ما بين بيعة العقبة الأولى والعام الذي يليه حيث حصلت بيعة العقبة الثانية.

الآن لما النبي عليه الصلاه والسلام مكث هذا العام بعد الموسم الأول، ما زال يدعو ويصدح بالدعوة، وقريش ترى ويتنامى إلى إسماعها أن القبائل بدأت تستجيب إلى الإسلام (طبعا جاءتهم الأخبار من المدينة أن هنالك فتية يدعون إلى توحيد الله، وأنهم استقوا دعوتهم تلك من محمد بن عبد الله بن عبد المطلب هذا الذي عندكم صلى الله عليه وآله وسلم). وأخذ الدم يغلي في عروق المشركين، وبدأوا يحسوا كالحيوان المفترس الذي يطارده حيوان مفترس آخر، بدأوا يشعرون بالخطر يحدق بهم من جميع الأماكن، فاشتدت أذيتهم للنبي عليه الصلاه والسلام ولأصحابه، وقد أذن الرسول عليه الصلاة والسلام لهم بالهجره الأولى والثانية الحبشة، فلما عادوا أذن لهم أن يهاجروا إلى المدينة، فأصبحوا يرون أن أولئك الصباة، أولئك الذين خرجوا عن ديننا، أولئك السفهاء، اخذوا يهاجروا ويذهبوا إلى مكان قد يتقو فيه، فاشتد أذاهم عليهم عاماً كاملاً إلى أن قدم وفد من الأنصار في موسم الحج فباعوا بيعة العقبة الثانية، وهذه هي البيعة الثانية والأخيرة قبل هجرة النبي عليه الصلاة والسلام.

رحل منهم من أهل المدينة إليه عليه الصلاة والسلام بضع وسعون رجلاً وامرأة. الآن الوفد كبير، كلهم مسلمون، خرجوا مع قومهم من المدينة بإسلامهم، وقومهم غالبيتهم مشركون، فهم خرجوا وعرفوا بأنه والله هؤلاء من أهل المدينة الغالبية العظمى من المشركين ومناسكهم مناسك شرك، ولكن البضع وفرد من هؤلاء كانوا على اسلامهم. فلما كانوا في منى (وعدوه في شعب العقبة)، وكانوا يتسللون تسلل القط رجل رجلين رجلاً رجل بحيث أنه ما يحصل أي لفت للانتباه وليتلطف، ولا يشعرن بكم أحد. هذا مبدأ في الدعوة إلى الله عز وجل: لا تسوي جلبة وهيلمان وأصوات وثم بعد ذلك تجلب الناس والأعداء عليك وتذهب أمورك فرطاً، ولذلك جاء في الحديث (الذي هو إن شاء الله حسن): «استعينوا على إنجاح الحوائج بالكتمان».

لِشَفَنَّ كل صاحب أو كل ذي نعمة مغبون، هنالك من يحسد، هنالك من يدبر الأمور ويكيد المكائد، لذلك أن يتلطف وأن يعرفوا مقدار حجمهم حقيقة على الأرض قبل أن يتورطوا ويورطوا غيرهم. كم من القرارات الارتجالية التي حصلت في الدعوة إلى الله عز وجل من قبل المنتسبين للدعوة، أثرت لا بالدعوة بل بالإسلام والمسلمين وأمن الناس! هذه أمور كلها تحتاج وتفتقر إلى حكمة الشيوخ، تحتاج إلى علم العلماء العالمين العارفين العاملين، لا إلى شبيبة، لا إلى حدثاء الأسنان، يُعدِم الرأي الصحيح والعلم الصحيح؛ هذا كله مما يؤثر على الدعوة سلباً.

تسللوا حتى اجتمعوا بالنبي عليه الصلاة والسلام فقلنا يا رسول الله نبايعك. فبايع النبي عليه الصلاة والسلام على هذه البيعة المعروفة، فقال: «تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل والنفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن تقولوا في الله لا تخافون فيه لومة لائم، وأن تنصروني فتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة».

طبعا تمنعوني ممن تمنع منه أبناءكم وأزواجكم وأنفسكم؛ بمعنى إذا كنت في المدينة، أما إذا خرجت خارج المدينة البيعة ليست داخلة فيها، ولذلك سنرى أثر هذه البيعة في غزوة بدر مثلاً، عندما خرج الرسول عليه الصلاة والسلام، وفي غزوات أخرى، لأنه الآن أصبح الانتشار خارج المدينة. يقول راوي الحديث: فقمنا إليه فبايعناه.

طبعا أسعد بن زرارة كان شاباً وأصغر القوم، وهو من بدأ الدعوة مع مصعب رضي الله عنهما، قال فأخذ بيد النبي عليه الصلاة والسلام حين الرسول يبغى يبايع، أخذ بيده قال استنوا استنوا. قال: «رويدا يا أهل يثرب، فانا لم نضرب أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم»؛ احنا ما جينا إلا ونحن نعرف أنه الرسول، لكن فكرتم فيما بعد البيعة؟ قال: فكرتم أن في إخراجه اليوم مفارقة للعرب كافة، وقتل خياركم، وأن تعضكم السيوف؛ فإما أنتم قوم تصبرون على ذلك وأجركم على الله، وإن كنتم تخافون أن تجبنوا فبين ذلك فهو عذر لكم عند الله، ترى انتبهوا!

لانه الآن إذا بايعتم المسألة صارت يعني خلاص انتهى، لا مساومات، لا تنازلات، العرب كلها ستهاجم وتقاتل، فإن تجبنوا ولا تسمل، وهذا أصل؛ لأن الإنسان ما يعرض نفسه إلى ما لا طاقة له به، وكل إنسان أعرف بمصلحته. إنسان يقوم يَرْغُو ويَزْبِد ويقول أنا وأنا وأنا، وهذا خطأ، ثم إذا لطش كفين بكى وجلس في زاوية المجلس، ويقول أتوب واستغفر الله ولن أفعله بعد الآن! ضر بنفسه وضر بالدعوة، لا، أما أن تعلم انك على حق فتثبت عليه، كما ثبت ابن تيمية ألقي في السجن مو شهور سنوات، لكن كان على الحق، كان على بينة، كان على نور من الله.

بخلاف أولئك الذين على المناهج الأخرى المختلفة الإرهابية الكذا، يظنون أنهم على حق ولكن بلا علم، فهم على ضلال وهم على بدعة وهم على باطل، لأنهم لم يبنوا لم يبنوا ذلك على قرآن أو سنة بفهم السلف الصالح، ولا على أقوال العلماء العالمين العاملين، إنما بنوا أقوالهم على أقوال أناس مغمورين مجهولين لا يُعرف لهم بعلم أو بحكمه أو بشيء من ه القبيل. فقالوا له: يا أسعد ابتعد عنا فوالله لا نقيل ولا نستقيل، هذه بيعة لازمة لنا.

فاصل قصير ونواصل بإذن الله عز وجل فابقوا معنا.

العقيقة هي الذبيحة التي تذبح عن المولود تقرباً إلى الله تعالى، وشكراً على إنعامه بنعمة الولد، وجمهور أهل العلم على أنها سنة مؤكدة، وهي كما قال صلى الله عليه وسلم: «عن الغلام شاتان وعن الجارية شاه». ويشترط في سنها ما يشترط في الأضحية، بالضأن أتم ستة أشهر فأكثر، والمعز ما أتم سنة فأكثر، ولا يباع لحمها ولا جلدها ولا شيء منها، وتقى فيها ما يتقى في الأضحية: العوراء البين عورها، والعرجاء البين عرجها، والمريضة البين مرضها، والهزيله.

ووقت ذبح العقيقة يبدا من تمام انفصال المولود فلا تصح عقيقة قبله، وتستحب العقيقه في اليوم السابع، فإن تعذر فيسن ذبحها في الرابع عشر، فإن تعذر انتقلت إلى اليوم الحادي والعشرين، ويوم الولادة يحسب من السبعة ولا تحسب الليلة إن ولد ليلة، بل يحسب اليوم الذي يليها. قال صلى الله عليه وسلم: «كل غلام رهينه بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه ويسمى فيه ويحلق رأسه». والعقيقة يؤكل منها ويهدى ويتصدق، ولم يرد في ذلك تحديد فكيف ما فعل فجائز. ويجوز أن يخرج اللحم نيئاً أو مطبوخاً، والطبخ أفضل فهو زيادة في الاحسان وشكر النعمة.

السلام عليكم ورحمه الله وبركاته. الآن البيعة قد تمت؛ طبعا النبي عليه الصلاة والسلام عندما خرج لمقابلة هذا الوفد من خيرة من في المدينة، خرج معه عمه العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه وأرضاه، وكان إذ ذاك مشركاً، لكنه كان مثل أبي طالب محباً لابن أخيه مشفقاً عليه. وقد جاءت بعض الروايات أنه كان مسلما ولكنه كان يخفي إسلامه كي يأتي للنبي عليه الصلاة والسلام بالأخبار والأنباء ولذلك لم يهاجر، وهذا يعني قول ولكنه ليس بالقول القوي والعلم عند الله عز وجل.

العباس عندما اجتمع بوفد المدينة في البيعة بيعة العقبة الثانية، قدم للحديث بالحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام وكيف أنه في منعة في قريش بسبب بني عبد المطلب وبني هاشم، وأخبره أنه يعني اضطهد في دينه وأنه أراد أن يذهب إلى مكان آخر كي يمارس هذا الدين كما يرضي الله عز وجل، إن كانت لكم به قوة وإن كانت لكم له منعة وتستطيعون أن تقوموا بهذه الأمانة.

يقول العباس وقد نظر في وجوه وفد الأنصار: يقول هؤلاء قوم لا أعرفهم، أنا تاجر والناس يأتون إلينا من المدينة ونتعامل معهم، لكن هؤلاء القوم لا أعرفهم، هؤلاء أحداث صغار! ومما يدل على أن غالبية الذين بايعوا من هذا الوفد المبارك كانوا من الشباب. ولا شك أن الشباب لهم دور لا يمكن إغفاله أبدا، فهم عماد هذه الأمة؛ إذا أنت أنشأت جيلاً من الشباب على علم على تقى على نور وبصيره، انتصر الإسلام وابتشر الإسلام وسادت هذه العقيدة الأرض كلها بفضل الله عز وجل، أما إذا أشغلت الشباب بما لا طائل من ورائه -وهذه خطة واستراتيجية، إذا أشغلت الشباب بالفن بالموسيقى بالتمثيل، إذا أشغلت بالرياضة وتشجيعها بينما كرش أحدهم نصف متر أمامه ليس برياضياً وليس يعني يحتسب النية الصالحة في بناء جسده- إن أشغلت الشباب دمرت الإسلام ودمرت الأمة، وهذا ما يسعى إليه أعداء الله عز وجل.

هؤلاء الشباب فيهم عنفوانهم وفيهم قوتهم وفيهم الزخم القوي لمسانده ونشر الإسلام، ولذلك ما عرف منهم أحد. العباس رضي الله عنه وأرضاه هكذا بايع الأنصار النبي عليه الصلاة والسلام.

الآن عندما خرجوا، اخذ البراء بن معرور في بعض الروايات يده أيد النبي عليه الصلاة والسلام وقد تلى عليهم القرآن ورغب في الإسلام وقال: أبايع على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم إلى آخره كذا. فقال البراء بن معرور: نعم والذي بعثك بالحق لنمنع مما نمنع منه أزرنا -الازار المعروف يعني هذا أخص وأقرب شيء إلي، ويطلق كناية عن النساء والأهل والأولاد- فلم نمنع عنك مما نمنع منه أزرنا فبايعناه، فنحن والله أهل حرب وأهل الحلقة ورثناها كابراً عن كابر.

شوف يتوثق لأنفسهم وفي الوقت ذاته يعلنون أنه يا رسول الله مرنا نبغى أمرك بس. فقام أبو الهيثم بن التيهان متسائلاً: يا رسول الله إن بيننا وبين القوم حبالاً -يعني اليهود في بيننا مواثيق- وإن بيننا عهوداً وإنا لقاطعو الأحلاف هذه تولي، فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهر الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا فتبسم عليه الصلاة والسلام قال: «بل الدم بالدم والهدم بالهدم، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم». وبذلك تم الأمر.

واستشار العباس بن فضاله رضي الله عنه فقال: يا رسول الله إن شئت لنغير بسيوفنا على أهل منى فلا نترك منهم أحداً، الآن نحن سبعون أمرنا ونحن نقضي عليه عنهم أو عليهم عن بكرة أبيهم. فقال: «لم أُمر بهذا».

لكل مقال مكان، وهذه مسألة لم أؤمر بها، فلا قتال ولا أهيج الناس عليه. رجع الناس إلى المدينة، لكن صرخ الشيطان في ليلتهم تلك بأن محمدا يدعو الناس في منى، فقدم وفد من المشركين على وفد أهل المدينة الذين تقدموا -قلنا إن منهم المشركين ومنهم نفر من المسلمين- فسألوه إن كان محمد قد جاءهم أو تحدث معهم، فحلف المشركون من أهل المدينة أنه والله ما جاءنا ولا دعانا ولا اختلطنا به، وهم صادقون لأنهم لم يعلموا بتسلل المسلمين منهم إلى مقابلته. والمسلمون ينظر بعضهم إلى بعض، ومر الأمر بسلام، لكنهم أي المشركين ما ارتاحوا لهذا الجواب وعلموا أن هنالك أمور تجري في الخفاء وأنها عاقبتها لن تسرهم، لذلك اجتمعوا وقرروا أن يجتمعوا في دار الندوة.

الان أحسوا بالضغط وأحسوا بما يحصل، فاجتمعوا في دار الندوة لكي يروا ويضعوا حلا جذريا لهذه المشكلة التي هي ماثلة أمامهم؛ إسلام انتشر في الجميع، في الذرية، في الأزواج، في الإخوان، في الأقارب، وبدأوا يتسللون شيئا فشيئا إلى المدينة، فما هو العلاج الجذري؟ قال بعضهم: نفيه خارج مكة. قالوا: ما صنعتم شيئا، هذا هو ما يريده. قال بعضهم: إذا نحبسه فلا يرى ضوء الشمس ولا يرى منا إلا الطعام حتى يموت. قالوا: لن يؤثر ذلك الشيء الكثير لأن دعوته ما زالت قائمة.

جاء في كتب السيرة أن شيخا نجدي أتيهم وطلب منهم أن يحضر معهم الاجتماع وهم لا يعرفونه، قال: ولكنكم لن تعدموني رأيا، وكان شيخا مهيبا، وهذا هو إبليس لعنه الله تشكل في هيئة ذلك الشيخ وحضر معهم الاجتماع. فقام أبو جهل وقال: إن لي عندكم رأيا لن تعدموا منه خيرا، ما أراكم والله -يعني- أو ما أرى لكم أفضل منه. قال: وما هو يا أبا الحكم؟ قال: تنتدب رجلا من كل قبيلة من قبائل قريش شابا فتيا جلدا، ثم يغيرون على النبي عليه الصلاة والسلام على بيته وهو في بيته ليلا فيقتلونه، فيتفرق دمه بين القبائل، حتى إذا أرادت بنو هاشم أن تأخذ بثأرها لم تستطع أن تقاتل كل قبائل قريش.

فقال الشيخ النجدي -هذا إبليس لعنه الله-: هذا هو الراي. فاتفقوا على ذلك وكادوا للنبي عليه الصلاة والسلام. ونعلم ما حصل من أن النبي عليه الصلاة والسلام أوحي إليه وأذن له بالهجرة، لأنه أبو بكر كان طيلة الوقت: يا رسول الله ائذن لي في الهجرة، والرسول عليه الصلاة والسلام يقول له: اصبر يا أبا بكر لعل الله يجعل لك صاحبا. ففطن أبو بكر رضي الله عنه إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم ربما يعني أن يكون هو صاحبه، إلى أن جاء ذلك اليوم الموعود.

وكان النبي عليه الصلاة والسلام -كما تقول أمنا عائشه- يأتي غدوة وعشيا -يعني يأتي في الصباح وفي المساء- يزور بيت أبي بكر وزوجته عائشه إلا أنه لم يبني بها لأنها كانت صغيرة. ففي ذات يوم في الظهيرة جاء متقنعا -يعني كأنه متعمم ومغطي لوجهه متلثم- وهو أمر لم يكن يفعله عليه الصلاة والسلام أنه يأتي في وقت الظهيرة والناس نيام مرتاحون، وهو متقنع عظيما. فدخل وطلب عليه الصلاة والسلام أن يخرج أبو بكر من عنده من أهله، فقالوا: يا رسول الله إنما هم أهلك، بأبي أنت وأمي هذول أهلك، يعني ابنتي عائشه وأمها أم رومان -هذه أم زوجتك- كلهم أهلك يا رسول، نحن فداء لك.

فققال: إني قد أذن لي في الخروج -أذن الله له بالهجرة-. فقام أبو بكر فقال: الصحبة بأبي أنت وأمي يا رسول الله، يعني أناشدك الصحبة أني أنا أكون صاحبك. فاذن له النبي عليه الصلاة والسلام، وتقول أمنا عائشه: فما رأيت أحدا قط يبكي من الفرح كما رأيت أبَا بكر يبكي من الفرح إذذاك، سبحان الله من شدة الفرح والحب للنبي عليه الصلاة والسلام بكى أن الله عز وجل قد أذن له في صحبة النبي عليه الصلاة والسلام. وكانت له رحلتان يعدهما من قديم على أن يهاجر عليها فعرضها على النبي عليه الصلاة والسلام، فقال عليه الصلاة والسلام: بالثمن أخذ واحدة، لكن بالثمن أنقد ثمنها. وأعطاه الثمن واستعدوا للهجرة إلى المدينة. وقد قام بالفعل أو بهذا الأمر النبي عليه الصلاة والسلام حسب ما أمر، وسياتي معنا إن شاء الله في الدرس القادم تفصيل أكثر باذن الله عز وجل للهجرة النبوية المباركة، فحتى ذلك الحين أترككم في أمان الله، والسلام عليكم ورحمه الله وبركاته.