بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين، أما بعد؛ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كنا قد تدارسنا في الدرس الماضي عن غزوات النبي صلى الله عليه واله وسلم، والسرايا التي بعثها، وعددها ثمانية، ما بين هجرته ما بين مقدم دخوله على المدينة ومعركة بدر الكبرى، وواحدة من هذه الغزوات كانت غزوة ذي العشيرة. هذه الغزوة؛ سمع النبي صلى الله عليه واله وسلم أن أبا سفيان ذاهب في قافلة صغيرة من الرجال إلى الشام مع أموال عظيمة ليشتري بها تجارة، فأراد النبي صلى الله عليه واله وسلم أن يستنقذوا أموال المسلمين التي أخذت منهم ظلماً وبهتاناً من مكة، حيث أجبروا المسلمين على الخروج من مكة والهجرة منها، إلا أن هذه القافلة فاتتهم وسبقت.
الذي حصل أن النبي صلى الله عليه واله وسلم على مطلع شهر رمضان في السنة الثانية من الهجرة، سمع بعودة هذه القافلة إلى مكة، وأن أبا سفيان معه قافلة عظيمة فيها قريش، ومعها ثلاثون أو أربعون رجلاً يحرسونها. فاستنهض النبي صلى الله عليه واله وسلم أصْحَابَهُ قائلاً لهم: «هذه قريش فيها أموالهم، فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها» أي لعل الله عز وجل يجعلها لكم من الفيء ومن النفل ومن الغنيمة الباردة.
يسأل سائل: كيف للنبي صلى الله عليه وسلم أن يعرف بخروج قافلة أو برجوعها؟ هذا فيه أهمية وتبيان لضرورة وجود العيون، وهو ما يعرف باسم الاستطلاع، التجسس، معرفة الواقع. هذه الأمور اللوجستية أو اللوجستيكس، كما تعرف في الشؤون العسكرية الحديثة، هذه من أهم الأمور؛ لأن على ضوئها يستطيع القائد أن يبني قرارات وأن يخطط هجماته، وإلا فإن الطيران مثلاً يقصف مخيمات العدو، لكنه يحتاج لمعرفة الإحداثيات الصحيحة، وأن هذا الموقع هو حقيقة موقع للعدو، وليس موقعاً للحلفاء أو للأصدقاء أو للمسلمين.
لذا؛ إن من أخطر الأمور أن يحصل تعاون بين المسلمين وغيرهم من الكفار في مثل هذه الأمور، ويستقي المسلمون هذه الأخبار اللوجستية وهذه الإحداثيات من الكفار؛ لأن الكفار قد يستغلونهم وعوضاً عن أن يعطوهم مواقع العدو، فإنهم ربما يجعلونهم مثلاً يستهدفون مواقع المسلمين أو مخيمات الصديقة، وفي ذلك ما لا تحمد عقباه. هذه العيون لم تكن فقط للمسلمين، بل كان المشركون يستخدمونها أيضاً، فأبو سفيان في المرة الأولى عندما أدرك أن الطلب خلفه ولكنه بقدر الله نجا وهو عائد من الشام، تحسب لذلك واتخذ سبل الحيطة والحذر، فأرسل عيونه خائفاً أن يتعرض له المسلمون كما تعرضوا له في المرة الأولى.
ويشاء الله عز وجل أن تأتي له الأخبار بأن النبي عليه الصلاه والسلام قد خرج من المدينة. كيف عرف ذلك؟ أرسل عيونه، وهو بنفسه تقدم يترصد يستعلم، وجاء في بعض الروايات أنه لقي مجدي بن عمرو الجهني، وهو الذي حال بين المسلمين وبين المشركين من قبل، فلقيه إن كان قد رأى النبي عليه الصلاة والسلام أو من معه، فأخبره بأنه لم يفعل، لكنه أخبره أنه رأى رجلين من غير هذه المنطقة، فأشار إليه أو طلب منه أن يخبره عن مكان مناخ راحلتيهما. فذهب واتى إلى روث البعير، أتى إلى البقايا الفضلات ففتشها فوجد فيها أثر نوى التمر، فعرف أنهما من يثرب، أنهما من المدينة، فعرف أنهما عيون للرسول عليه الصلاة والسلام يتفقدون الطريق، فحاد عن الطريق المعتاد وفر بقافلته.
النبي صلى الله عليه وسلم لم يعزم على أحد أن يخرجوا معه، إنما قال لهم: إنا ذاهبون لناخذ هذه الغنيمة الباردة ولن يكون فيها كبير قتال، فلم يعزم على أحد الخروج، لذا خرج معه من كان مستعداً وجاهزاً، وهم قرابه بضعة عشر رجلاً وثلاثمائة يعني ثلاثمائة وأربعة عشر، ثلاثمائة وتسعة عشر، يزيدون قليلاً أو ينقصون قليلاً، هذا هو العدد، ولم يكن معهم تلك العدة والأسلحة الثقيلة كما يقال، إنما هو سلاح الراكب.
النبي صلى الله عليه وسلم خرج مع أصحابه، والمسافة ليست بالقريبة؛ مئة وستون ميلاً ما بين بدر والمدينة، وهي مكان معروف بين مكة والمدينة فيها بئر بدر المعروفة، ما كان معهم إلا فرسان، وثلاثمائة وأربعة عشر رجلاً تقريبا، ولم يكن معهم إلا سبعون بعيراً، والمسافة طويلة فكان يتعاقب الثلاثة على البعير، فالنبي صلى الله عليه وسلم وعلي بن أبي طالب ولبابه أو أبو لبابه وقيل مرثد بن مرثد الغنوي كانوا يتعاقبون على بعير، وكان النبي عليه الصلاة والسلام إذا جاءت نوبته ليمشي، أعطاه حصته أو نصيبه أحد أصحابه، فقال: لستم بأحق بالاجر مني، أنا أثير الأجر أيضاً وأنتم لستم بأقوى وأشد مني بحيث يستحملون المشي وأنا لا استحمله، فكان يمشي صلى الله عليه واله وسلم ويتعاقب معهم على هذه البعير.
لما عرف النبي عليه الصلاة والسلام بفوات قافلة أبي سفيان، كان من الحكمة أن يستمر وأن لا يرجع لكي يرفع من معنويات أصحابه، ولكي يثبت للعرب أنه كما يقولون يريد العمل في تثبيت ونشر الإسلام، وجعل هيبة الإسلام واضحة بينة لا شك فيها. بعض الصحابه ما أحب أن تفوته تلك الغنيمة؛ لأنه تطلع إلى استرجاع بعض أموالهم، وتطلع إلى أن يزيد في النكاية في أهل قريش، قال عز من قائل: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ * يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ [الأنفال: 5-6]. ما كانوا يخافون الموت، هم ما خرجوا إلا للموت، لكنهم كانوا يودون أن غير ذات الشوكة تكون لهم، بمعنى أنهم كانوا يريدون الغنيمة والقافله أنه هذا أشد إيذاءً بالنسبة لقريش.
الآن أبو سفيان بعد أن حاد عن الطريق المعتاد، أرسل ضمضم بن عمرو الغفاري إلى قريش على فرس سريعة يستنهضهم، فجاء قريش وشق ثيابه وجذع أنف بعيره وصاح فيهم: الغوث الغوث، يعني أدركوا أموالكم فإن محمداً عليه الصلاة والسلام قد أتى يريد أن يأخذها. المشركون عندما سمعوا بذلك جن جنونهم؛ لأنك الآن تهددهم في مصالحهم المالية المادية في جيوبهم، فخرجوا كما جاء في السير قرابه الألف رجل على مئتي فرس وسبعمائة بعير، تخيل جيش جرار كلهم أو معظمهم راكبون معهم القيان؛ يعني الإماء التي يغنين، والمعازف والدفوف، خارجين بحبح وبطر وأشر وكبر وفخر وخيل، قالوا: نريد أن نعلمهم درساً لا ينسونه أبدا، فتهابنا العرب.
لما خرجوا عرفوا أن الله عز وجل قد أنجى أبا سفيان والقافلة، فجعل عتبه بن ربيعة، جعل العقلاء من كفار قريش يشيرون على قومهم بالرجوع، وأن الخروج ليست من ورائه فائدة، ولكن أبا جهل استكبر؛ لأنه فرعون هذه الامة، وعاند رغم النصيحة وأصر على الخروج. فلما رأى الأخنس بن شريق ذلك رجع بكل من معه ولم يخرج للقتال، أبو جهل قال: والله لا نرجع أبدا.
فلما خرجوا وعرف النبي صلى الله عليه واله وسلم بأن العير قد فاتتهم القافلة قد ذهبت، أنزل الله تعالى قوله: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ [الأنفال: 7]. النبي عليه الصلاة والسلام كانت عنده مشكلة، المشكلة أنه خرج ولم يعزم على أصحابه وهم قلة وليسوا مدججين بالسلاح، فلما عرف بالوضع وبخروج الناس للقتال، قال: أيها الناس أشاروا علي. فتكلم أبو بكر وتكلم عمر وتكلم المقداد بن الأسود فقال: امضي يا رسول الله لما أمرك ربك، فوالله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا﴾ [المائدة: 24] الآية، ولكن امضي ونحن معك. فسر الرسول عليه الصلاه والسلام لهذه المقولة، ولكنه استمر قائلاً: أيها الناس أشاروا علي. فعرف الأنصار أنه يعنيهم أنه يقصدهم، فماذا كان الجواب؟ نستمع إليه إن شاء الله عز وجل بعد الفاصل فابقوا معنا.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. النبي صلى الله عليه وآله وسلم أراد أن يسمع من الأنصار، فالكلام كله تشجيعي وجيد ومبهج، لكن الأنصار هم الذين بايعوا على حماية النبي عليه الصلاة والسلام في المدينة، وعلى هذا حصل اتفاق المسلمين على شروطهم. الآن الرسول خرج خارج المدينة، فالآن قد يدور شيء في خلدهم وقد يظن أو يأتيهم الشيطان أنه ليس هذا ما اتفقنا عليه، فأراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يسمع منهم.
فتكلم سيد الأوس سعد بن معاذ، ذاك الرجل الذي عندما توفاه الله تعالى اهتز عرش الرحمن لموته فرحاً بقضومه رضي الله عنه وأرضاه، فقال: يا رسول الله، والله لكأنك تريدنا -يعني سألت أبو بكر وعمر وعثمان كلهم تكلموا وأنت تقول: أيروا علي أيها الناس، ما في إلا نحن الأنصار- فلعلك تقصدنا يا رسول الله؟ قد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك المواثيق والعهود على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك، فهو الذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وإنا لصبر في الحرب، صدق عند اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر على بركة الله.
فصل حبال من شئت واقطع حبال من شئت، عاد من شئت ووال من شئت، خذ من أموالنا ما شئت وأعطنا منها ما شئت، فوالله لما أخذت منا أحب إلينا مما أبقيت لنا، فسر إلى ذلك سروراً عظيماً. النبي صلى الله عليه وسلم لأن هذا الكلام مشجع وأنت لك أن تتخيل نفسية المسلمين بعد سماعهم لهذا الكلام، الناس مقدمون على جنة، الناس ذاهبون مع النبي عليه الصلاة والسلام، لماذا هاجروا؟ لماذا بذلوا أموالهم؟ لماذا خرجوا إلا ابتغاء مرضاة الله عز وجل؟
لما اقترب النبي صلى الله عليه وسلم من موقعة بدر وأراد أن يخيم، جاءت روايات ضعيفة حديثاً لكنها مشهورة في كتب السيرة، أن الحباب بن منذر رضي الله عنه وأرضاه سأل الرسول عليه الصلاة والسلام: أهذا منزل أنزلكه الله تعالى أمرك الله أن تنزل هنا، أم هو الحرب والمكيدة؟ قال: بل هو الحرب والمكيدة. قال: فليس هذا بالمنزل يا رسول الله، وأشار على الرسول صلى الله عليه وسلم أن ينزل قرب الماء، قرب الأبيار مصدر الماء الذي يتقوى منه المحارب، وأن يردم جميع الأبيار الأخرى أو الآبار الأخرى، بحيث إنه الماء ما يكون إلا عند المسلمين، وبنوا عليه حياض ضخمة ليستقيم المشركين من ذلك.
عندما كان الليل والاستعداد، الله عز وجل حسب ما يقول المفسرون، الموقع الذي يظهر أنه كان في صالح المشركين، فمعهم العدة والعتاد والرجال والخيل والبعير وهم بالعدوة القصوى أقرب إلى مكة، بينما المسلمين في العدوة الدنيا أقرب إلى المدينة، المشركون أقرب إلى الماء كما جاء في بعض التفاسير، والركب أسفل منكم يعني القافلة خلفهم، فللحصول عليهم ما تستطيع إلا بالمرور بهذا الجيش، فالقوة ظاهرها أنها مع المشركين، أراد الله عز وجل أن يبين أن معركة بدر هذه ما كان الفوز فيها والنصر من عند الله العزيز الحكيم.
لذا النبي صلى الله عليه واله وسلم وهو أعرف الناس بذلك بينما كان المسلمون في نوم خفيف وفي استعداد لهذا القتال، قال عز من قائل: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ﴾ [الأنفال: 11]. أنت تتقاتل اليوم التالي بعد سويعات، ومع ذلك ينزل الله تعالى أمنة منه نعاساً يغشاهم، هذا النعاس له أثر عجيب في النفوس، لأن الإنسان إذا نعس هذه النعسة ونام تلك النوم الخفيفة ثم استيقظ كانت به قوة عجيبة يعني ما تخيل، وأنزل من السماء ماء، هذا الماء كان هتان خفيف، فالارض التي كانت تسيخ تحت أرجله تماسك التراب فيها بينما على المشركين أصبحت وحلاً وصعبت، يصعب المشي فيها، وذلك بتوفيق الله عز وجل.
النبي صلى الله عليه وسلم بنصيحة من سعد بن معاذ بنوا له عريشاً على تل مرتفع بحيث إنه يدير وينظر ويستطلع أحوال المعركة، وجعلوا كتيبة تحميه، وبينما الجميع يستعدون يسترخون ويرتاحون للمعركة، كان النبي صلى الله عليه وسلم يقوم الليل كله عند الشجرة يدعو ربه ويبكي ويصلي، ويقول: اللهم هذه قريش قد أتت بخيلها تكذب رسولك، اللهم فنصرك الذي وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم فلن تعبد في الأرض. يرفع يديه يسقط رداءه من على كتفيه من شدة الاجتهاد في الدعاء، وهو يدعو ويدعو ويدعو، نحن إذا دعونا دعونا خمس دقائق أو ربما أقل ثم ينفذ منا الدعاء ما يوجد شي، خلاص نفذت الذخيره، بينما الرسول يمضي ليله عليه الصلاة والسلام وهو يجتهد في هذا الأمر، وأبو بكر يهون عليه يقول: يا رسول الله إن الله منجز ما وعدك، مشفق على الرسول عليه الصلاة والسلام.
عندما طلعت الشمس يشاء الله تعالى أن تكون في غرب أو في ظهر المسلمين، فالشمس كانت في أعين المشركين والمسلمون في راحة لأنهم الشمس من خلفهم. أول من بدأ المعركة الأسود بن عبد الأسد المخزومي، رجل سيء الأخلاق شرس الطباع من أهل النار، قال: والله أما أن أشربني أو لأقتلن دونه -يعني معه الجماعة معه العتاد يشعر بالقوة- فجاء يريد أن يقتحم ليشرب من الماء، فتصدى له أسد من أسود الله عز وجل حمزة بن عبد المطلب، فضربه ضربة أطاحت بقدمه قطع له ساقه، ما يرجع هذا الخبيث ويتعظ، إنما يزحف زحفاً إلى الحوض فقتله حمزة قبل أن يصله.
لما رأى المشركون هذا الأمر جن جنونهم لأن هذه أول حادثة، فهذا ضعف في حقهم، أضف إلى ذلك أن هنالك أخباراً في الليلة السابقة جاءها بها عينهم، فقال: والله رأيت رجالاً قلائل، لكن أن معهم النقع، معهم الموت ما مع أحدهم إلا سيفه ولا حيله له إلا إياه، ووالله لا أرى أن يموت أحد منهم إلا وقد قتل رجلاً منكم، فبث الرعب في قلوب المشركين. فخرج ثلاثة من صناديد قريش: عتبة بن ربيعة وأخوه شيبة بن ربيعة وولده الوليد بن عتبة، والوليد من فرسان قريش المعروفين، فخرجوا يطلبون البراز يطلبون المبارزة.
فخرج لهم ثلاثة من فرسان الأنصار، فما عرفوهم من منين، الأخ من الأفندي من أنتم؟ فعرف كل منهم نفسه، فقالوا: أخوة أكفاء كرام، أنتم أنعم وأكرم بكم، لكن ما أردنا، أردنا أولاد عمومتنا، أردنا قومنا، فأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعمه حمزة وابن عمه علي بن أبي طالب وابن عمه عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب -وقيل أبو عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب- فخرجوا ليبارزوا قومهم.
أما عتبة بن ربيعة فسبحان الله هذا الرجل لما النبي صلى الله عليه وسلم رأى قريش قد أتت قال: إن يطيعوا صاحب هذا الجمل الأحمر -وكان عتبه على هذا الجمل- قال: يرشد، لو يسمع كلامه وقد أمرهم بالرجوع يفلحوا، ومع ذلك أبوه أو ولده كان من خيرة أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام وهو أبو حذيفه، وكلكم يعرفون سالم مولى أبي حذيفه، هذا هو أبو حذيفه بن عتبة أخو هند بنت عتبة أم معاوية وزوجة أبي سفيان، أبو حذيفه لما قتل أباه وجد في نفسه، فقال عليه الصلاة والسلام لعلك.
حزَنَ، قال: والله يا رسول الله؛ إنه كان ذو عقل سديد ورشيد، وكنت أرجو أن يهديه عقله إلى الإسلام، لكنه مات مشركاً كافراً، فهذا الذي أحزنُ، واما كأنه أبي وأنه مات خلاص هذا قدر الله عز وجل.
حمزة وعتبة؛ ما كانت إلا ثواني معدودة حتى تردى في دمه عتبة ومات على يد أسد من أسود الله. أما علي فقتل شيبة في لحظات، وأما أبو عبيدة بن الحارث والوليد بن عتبة فضرب كل منهما صاحبه فأثخنه، وقضى علي على الوليد وقتلاه.
لما رأت قريش ما حصل بسادتهم هجموا، والنبي صلى الله عليه وسلم يوصي أصحابه: لا تخرجوا وتلتحموا، اعلوهم بالنبل إلى أن يأتوا في مكان قريب، آنذاك اهجم، لا تهجم لكن كن في موضع الدفاع، هم يهجمون وأنتم ترمونهم بالسهام، تعلوهم بالنبل، ولا ترموا إلا إذا اقتربوا بحيث إنك تضمن أنك تصيب بإذن الله عز وجل.
والتحم الفريقان، طبعا في اليوم الذي قبله النبي صلى الله عليه وسلم يمر على بدر وهو يبشرهم بنصر الله، فالمسلمون مقبلون على نصر، أن تقاتل وتتعلم أنك فائز هذا ما يأتي لأي أحد في القتال، أنت تقاتل وأنت تعلم أنك ستفوز بإذن الله. يقول لهم الرسول هنا مقتل عتبة، وهنا مقتل شيبة، وهنا مقتل عمرو بن هشام أبو جهل عليه لعنة الله، وهنا مقتل فلان، وكما يقول الصحابي: فلم يغادر أحد منهم المكان الذي حدده الرسول عليه السلام لموته، فهم دخلوا بهذه النية وبهذا الفكر أنه الآن نحن سنفوز هذا أمر مفروغ منه وهنا مصارع القوم.
الحمد لله، قال ابن القيم رحمه الله: أنفع الناس لك رجل مكنك من نفسه حتى تزرع فيه خيراً أو تصنع إليه معروفاً، فانه نعم العون لك على منفعتك وكمالك، فانتفع به في الحقيقة مثل انتفاعه بك أو أكثر. كلمات قصيرة تحمل بين طياتها تنبيهاً وتحذيراً خطيراً، وتوجه حواسنا ومداركنا إلى دورنا الحقيقي الذي سنحاسب عليه: كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته. فمن أهم أدوارنا الجديرة باهتمامنا في هذه الحياة التركيز على مسؤوليتنا تجاه رعيتنا، فالآباء والأمهات لهم الأثر الأعظم بعد الله في مستقبل الأبناء والأجيال، لذلك خصهم النبي صلى الله عليه وسلم بالذكر فقال: «والرجل راعٍ في أهله وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها».
إن الأبناء زهرة الحياة وقرة أعين الآباء والأمهات، وبصلاحهم ودعائهم ترفع الدرجات في الآخرة، ولكن يجب أن ندرك أن ذلك مرهون بحسن تربيتهم وصلاح نشأتهم، فهنا كان لزاما علينا البحث عن أبرع الطرقات وأفضل الأساليب في التربية والتوجيه ليكون أبناؤنا في قابل أيامهم مصدر بر وسعادة لنا، سواعد خير وبناء للمجتمع والإنسانية. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الآن التحم الجيشان فما الذي حصل؟ بطولات يحكي عنها التاريخ، معجزات يطيش فيها العقل ويحار، أمور عجيبة، قلة من المسلمين تغلب وتهزم بإذن الله عز وجل التي خرجت بطراً وفخراً وخيلاء.
عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وأرضاه يونسنا عن معركة بدر حينما اصطف بجانبه شابان لم يتجاوزا العشرين من العمر -شبابنا يسمع الموسيقى ويرقص رقص النساء ويفعل الأمور المخجلة إلا من رحم الله تعالى، اذهب إلى أي ملعب كرة وتفرج في التلفاز على المشجعين بالباروكة وبالألوان، أرخ الصوت لكي لا تسمع الطبال والكلام الفارغ وانظر إلى وجوه الغفلة، غافلون ما يدرون لماذا خلقهم الله عز وجل، علامات الفرحة والابتهاج والسرور كأنهم حرروا القدس- يقول: نظرت عن جانبي، واذ بالذي عن يميني يسرني يعني يوشوشني: يا عم، هل تعرف أبا جهل؟ قال: نعم، ماذا تريد منه؟ قال: لقد سمعت أنه كان يؤذي النبي عليه الصلاة والسلام ولقد عاهدت ربي ألا يفارق بصري بصره حتى يموت أحدنا. والثاني قال له نفس الشيء.
فلما رأينا أبا جهل قلت: هذا هو دونكم، فهجم عليه هجمه رجل واحد، فاسقطاه عن جمله وأثخناه الجروح، وهما معاذ ومعوذ ابنا عفراء -أحدهما ابن عمرو بن الجموح، ويطلق عليهما في بعض كتب السيرة ابنا عفراء-. أحدهما مع هذا الهجوم -لأن قريشاً كانت تحيط بأبي جهل وتحميه فما استطاعوا أن ينفذوا له إلا وقد أثخنا في الجراح- أحدهما قطعت يده وبقيت معلقة بقطعة من الجلد، وكان سائر اليوم يقاتل وهو يجر يده وراءه بهذا الجلد. يقول عن نفسه: فلما آذتني -يعني ماني قادر أقاتل زي العالم والناس ما أستطيع أقاتل بسببها- قال: وضعت قدمي عليها واتكأت بها ومطط حتى انفصلت. يعلق الذهبي في سير أعلام النبلاء يقول: هذه والله هي الشجاعة، لا رجل يشاك شوكة فإذا به يصيح منها نحيباً عظيماً.
عمير بن أبي وقاص ما بلغ الخامسة عشرة من عمره، يتسلل بين الصفوف كي لا يراه النبي عليه الصلاه والسلام فيرده ويبكي، يريد أن يقاتل فيرق له الرسول صلى الله عليه وسلم ويأذن له فيقاتل فيستشهد في سبيل الله عز وجل. وخير الشهداء من استشهد يوم بدر، كم استشهد منهم من هذه 317 أو 14 مقاتلاً؟ استشهد 14 فقط.
عمير بن الحمام رضي الله عنه وأرضاه استعدادا للمعركه يسمع النبي صلى الله عليه واله وسلم يقول: «سارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة»، سابقوا إلى جنة، سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة، فيقول: بخٍ بخٍ، جنة عرضها السماوات والأرض. يقول عليه الصلاة والسلام: «نعم». فقال: بخٍ بخٍ. قال: «ما يحملك على قول بخٍ بخٍ؟» قال: لا شيء يا رسول الله، إلا والله إني أطمع أن أكون من أهلها. فالرسول يقول: «أنت من أهلها». جاتك البشارة، جاءك التوكيد أنك من أهلها. وكان في يده تمرات يريد أن يأكلها يفطر بها ليتقوى على الحرب، إذ به يقول وهو يرمي التمرات: والله لئن عشت حتى أكل هذه التمرات، والله إنها لحياة طويلة.
لا إله إلا الله، يقين، أنت تظل في هذه الدنيا تأكل تمرات وأنت تعلم ما ينتظرك في الجنات من لحم طير ومن فواكه ومن خمر لذة للشاربين ومن أمور لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، إنها والله لحياة طويلة، فقام فقاتل حتى استشهد في سبيل الله.
يأتي رجل فيقول: يا رسول الله، إني رجل أسود منتن الرائحة قبيح الوجه لا مال لي -يعني يا رسول الله أنا أعرف بنفسي وأعرف ما يقول الناس عني- يا رسول الله أرأيت إن قتلت في سبيل الله فأين أنا؟ قال: «انت في الجنة». فهب الرجل من فوره ومن ساعته فقاتل حتى استشهد في سبيل الله، فتاتيه الشهادة من النبي صلى الله عليه واله وسلم الذي لا ينطق عن الهوى فيقول له وهو مجندل في دمائه، قال له: «فإن الله عز وجل قد بيض وجهك وطيب ريحك وأكثر مالك، ما كنت تشتكي منه قد أذهبه الله عنك بالكلية، أنت الآن في جنة، أنت حي عند ربك ترزق ولست بميت، هذه الحياة البرزخية، هذا النعيم السرمدي الأبدي إلى أن تقوم الساعة، ومن بعد ذلك ومن ورائه جنات النعيم درجات عجائب للمجاهدين للذين استشهدوا في سبيل الله في جنات النعيم».
المشركون فوجئوا بتلك الضراوة والشجاعة والإقدام ومن ذلك الرعب الذي قذف في قلوبهم، ما توقعوا أن يصدر ذلك من المسلمين الذين كانوا قبل أشهر مضطهدين في مكه يسامون سوء العذاب. الآن أصبحوا أشجع من الأسود، أقوى من الوحوش. إلا أن ذلك لم يكن الأمر كله، إذ أن الله عز وجل أمددهم بمدد السماء، قال عز من قائل: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: 9]. هذه في سوره الأنفال، سورة الأنفال كلها عن غزوة بدر، بينما سورة آل عمران وما ذكر فيها من مدد الألف أو الخمسة آلاف هذه في غزوة أحد وسيأتي الحديث عنها بإذن الله عز وجل. ألف من الملائكة يقاتلون، النبي صلى الله عليه واله وسلم أغفى إغفاءة في ثناياه النقع معه، الموت جاء مع الملائكة. سأل جبريل النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من تعدون أهل بدر فيكم؟» قالوا: «خيارنا»، الرجال المسلمون الذين قاتلوا.
بدر هم خيار الرجال. فقال جبريل عليه السلام وكذا الملائكة، الملائكة الذين قاتلوا يوم بدر هم من خيار الملائكة. العباس بن عبد المطلب لما أسره المسلمون قال: والله يا رسول الله، ليس هذا الذي أسرني بل هو رجل جميل الصورة أبيض الثياب. فقال الأنصاري: يا رسول الله، أنا الذي أسرته. فقال له: اسكت، إنما أسره ملك.
الصحابي يقاتل، يطرد ويجري خلف رجل من المشركين يفر منه، وإذ يسمع: أقبل أو أقدم يا حيزوم، ويسمع قرقعة، وإذ بالمشرك يخر أمامه ميتاً يقلبه فإذا بوجهه قد ضرب بالسوط وأخضر جسمه كله، وهو ما يدري من هذا الصوت من أين أتى. والمشر- كُونَ يقولون: والله ليسوا هؤلاء الذين قاتلونا، بل أقوام على خيل بيض يلبسون البياض، ما رأينا مثل قتالهم.
وقد يسأل سائل: طيب، جبريل عليه الصلاة والسلام أليس بأعظم مخلوقات الله تعالى ومن أقوى جنده، أما كان يكفي؟ بلى والله كان يكفي، وهو يكفي الأرض كلها بمن فيها من المليارات السبع أو الأكثر، لكن الله عز وجل وهو فعال لما يريد أراد أن يمد المسلمين بالمدد المعنوي خلافا للمدد المادي. هذا المدد المعنوي هو الذي يربط على قلوبهم، وهذه الأسباب إنما جعلت فقط لضرب العبرة والمثال للمشركين عندما يروا هذا الأمر وينظروا فيروا مقدرة الله عز وجل.
انتهت المعركة، مات من المشركين سبعون من صناديدهم وأسر سبعون وفر الباقي في الصحراء هاربين بالهزيمه والذل والعار. اختلف المسلمون ماذا يفعلون بالأسرى؛ أبو بكر قال: أبناء عمومة وأهل وعشيرة، نفديه ونأخذ المال. عمر قال رضي الله عنه وأرضاه: بل أعط كل قريب قريبه يضرب عنقه. عبد الله بن رواحة قال: نضرم نارا ونرميه كل هم فيها. فالرسول سر وارتاح لرأي أبي بكر وقبل الفدية، فانزل الله عز وجل قوله: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ۚ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَّوْلَا كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: 67-68].
وكانت نصيحة عمر هي المحببة إلى ربنا عز وجل، فقبل الرسول عليه الصلاة والسلام الفدية، ومن لم تكن أو لم يكن له مال ليفدي نفسه أعطاه عشرة من صغار المسلمين كي يعلمه يعلمهم القراءة والكتابة، فاستفاد الرسول عليه الصلاة والسلام، وهذا يفيد القائد المسلم معرفة الخيارات المتاحة والاستفادة بالامكانيات قدر المستطاع.
أمر الرسول عليه الصلاة والسلام بصناديد قريش باجسادهم النتنى أن تلقى في قليب خبيث في بئر خبيثة ومكث في بدر ثلاثة أيام تسمع العرب بنصر المسلمين، ثم اتاهم بعد ثلاثة أيام يخاطبهم: يا عتبة بن ربيعة، يا شيبة بن ربيعة، يا عمرو بن هشام، يا أبا جهل، يا عقبة بن أبي معيط، يا كذا، يا أمية بن خلف، أنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا؟ فقال عمر: يا رسول الله، اتكلم قوما قد جيفوا، هذول ما يسمعون الموتى! قال: قد علمت، لكنكم لستم باسمع لما اقول منهم إلا أن الله أسمعهم.
هذه حالة خاصة في أن الموتى يسمعون، ولا الأصل أن الموتى لا يسمعون أبدا بعد مفارقتهم لهذه الدنيا، إلا في هذه الحالة، والا في حالة سماعهم لقرقرة النعل للمشي عين بعد أن يغادروا، وفي مسألة رد السلام على من سلم وهي خلافية وإن النبي عليه الصلاة والسلام سخر الله له ملكا يبلغه السلام من سلم عليه في أنحاء الأرض. أما سوى ذلك فالميت لا يسمع ولا يعلم، دليل قوله عليه السلام في الحديث المتواتر: «إنك لا تدري ماذا أحدث بعدك»، يعني النبي صلى الله عليه وسلم: أنت ميت، أنت في قبرك، ما تدري ماذا غير وبدل وابتدع من جاء بعدك من قومك، فأقول: سحقا سحقا لمن بدل بعدي. هذا والله أعلم، ونسبة العلم إليه أسلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد.
الشيخ عاصم الحكيم