تسجيل الدخول

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين، أما بعد.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. تم بفضل الله عز وجل وصول النبي صلى الله عليه واله وسلم إلى المدينة، تمت الهجرة واطمأن المسلمون على سلامة النبي صلى الله عليه واله وسلم، الذي ما إن دخل المدينة كما جاء في الحديث حتى أضاء منها كل شيء. قدومه صلى الله عليه واله وسلم كان نعمة وبركة ما بعدها من نعمة وبركة، والرسول عليه الصلاة والسلام قائد هذه الأمة الإسلامية يعلم علما يقينيا أن الأمة الإسلامية لا يهمها فقط الطعام والشراب والاهتمام بالملذات.

فهؤلاء المهاجرون ما تركوا ديارهم وأولادهم وأزواجهم وكل ما ألفوه من أجل التتمتع بالدنيا، إذ لو أرادوا الدنيا لمكثوا فيما هم فيه من نعيم وخير، والأنصار رضوان الله عليهم ما عادوا الدنيا وناصبوا عداء من أجل متاع من الدنيا قليل، من أجل مال من أجل جاه أو ثراء، إنما فعلوا ذلك من أجل العقيدة، من أجل الجنة، من أجل الإيمان الذي عظمه الله تعالى في قلوبهم. فهذه الأمة كانت وما زالت تعمل ابتغاء مرضاة الله عز وجل، لذا كما يقول بعض أهل السير، تركزت -إن صحت العبارة- استراتيجية النبي عليه الصلاة والسلام في المدينة على ثلاثة أمور؛ على تعظيم وتربيه صله الأمة بخالقها، الأمر الثاني تربية الصلة بين الأمة بعضها ببعض، الأمر الثالث تنظيم علاقة الأمة الإسلامية بمن هو دونها وغيرها، بمعنى آخر بالكفار سواء كانوا من أهل الكتاب أو كانوا من المشركين ونحو ذلك.

هذه الثلاثة أمور انصب تركيز النبي صلى الله عليه واله وسلم عليها عندما ابتدأ بناء هذه الدولة الحديثة التي قامت على ما يرضي الله عز وجل. فأما صله الأمة بالله فهذا هو ما داب على فعله عليه الصلاة والسلام منذ أوحى إليه ربنا عز وجل بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المداثر: 1-2]، فكان ينذر قومه، ينذر أمة الدعوة بأن من ورائهم يوما ثقيلا، والناس قسمان؛ أمة دعوة وهم الذين خاطبهم النبي عليه الصلاة والسلام بالدعوة إلى الله عز وجل، وأمة استجابه وهي أمته صلى الله عليه وسلم التي استجابت لدعوته.

حياته عليه الصلاة والسلام كلها دعوة إلى الله عز وجل، لذا عندما دخل المدينة كان من أوائل ما أراد أن يفعله أن يقوي الصلة بالله عز وجل، وأن يربط الأمة بربها سبحانه وتعالى فابتدا ببناء المسجد. والمسجد له أهمية عظمى في الإسلام، إذ هو مركز الأمة، هو ليس دار عباده فحسب بل هو اعظم من ذلك، فهو الجامعة وهو المحضن التربوي وهو الذي تحصل فيه الأمور العظيمة ويبت في ذلك المكان المقدس.

وننظر في سيرته عليه الصلاة والسلام فنجد معظم الأحداث العظيمة كانت في بيت الله عز وجل. المسجد له مكانة عظيمة في الإسلام، ولذلك تجد أن أعداء الله تعالى يحاولون جاهدين هدم بيوت الله، كما حصل في إيران عندما قاموا بهدم معلم من معالم العبادة ودورها لأهل السنة، لأنهم يعلمون خطر المسجد على دعوتهم الرافضة، وكما يحصل في كثير من البلاد التي يحكمها الطغاة وإن كانوا ينتسبون إلى الإسلام لكنهم يعملون جاهدين إلى ما يعرف باسم تجفيف المنابع، فإذا اردت أن تهدم الإسلام من جذوره حاول أن تجفف المنابع، وأهم منبع من منابع الإسلام هو المسجد، تحكم فيه، تحكم في من يخطب فيه، امنع منه الدروس وحلقه تحفيظ القرآن، واجعله مزارا، اجعله متحفا ولكن عطل دوره كمسجد.

هذا ما فعلته الشيوعية فيما يعرف بالاسم الاتحاد السوفيتي من قبل على مر سبعين سنة، أما البلاد التي تقدس وتعظم المساجد فإن الله عز وجل يعظمها. انظروا إلى بلادنا بفضل الله عز وجل المساجد فيها تخدم، المساجد فيها تبنى وتعظم وتكرم، وكذا في بلاد الإسلام الكثير تجد الناس يحبون ويعظمون بيوت الله تعالى، تجد حلق تحفيظ القرآن منتشرة، تجد الدروس والمحاضرات التي تعظم الله وتعيد الناس إلى ربهم كثيرة.

فالمسجد له أهمية عظمى؛ النبي عليه الصلاة والسلام اشترى أرض المسجد من غلامين يتيمين من بني النجار تحت أسعد بن زرارة، وكانا في الأصل يريدان أن يهبا المسجد للنبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في بعض الروايات، والأغلب من الروايات أن الرسول عليه الصلاة والسلام أبى إلا أن يشتري المسجد أو الأرض، فاشتريت وكان فيها قبور للمشركين وكان فيها نخل، فأمر عليه الصلاة والسلام بالنخل أن تقطع وبالقبور فنبشت، وبني المسجد.

بني المسجد لكن ليس بمفهومنا في البناء؛ المسجد كان متواضعا، كان بسيطا، أرضه من الرمال والحصبة، جداره وسقفه من الجريد، وأعمدته من جذوع النخل، إذا أمطرت السماء سجد الناس على الطين، وقد ترى الكلاب تدخل وتخرج منها. مسجد بسيط، لكن سبحان الله هذا البناء البسيط الذي عندما أراد الصحابه أن يزخرفوه ويزينوه قال: ابنوه عريشا كعريش أخي موسى، وقال: لا تصفر ولا تحمر، أي لا تبهرج المكان، وحذر من ذلك عليه الصلاة والسلام فقال: إذا زخرفتم مساجدكم وحليتم مصاحفكم فالدمار الدمار عليكم. سبحان الله، مبنى متواضع وبسيط لكن الذين كانوا يرتادونه عمالقة عظام، عمالقة صحابة.

ولذا إذا نظرت إلى مساجدنا في هذه الأيام لوجدت دور عبادة سامقة، شاهقة، جميلة، مكيفة، وللاسف يرتادها أمثالنا من الأقزام، لأن العبرة بما وقر في القلب من الإيمان لا بالمباني، لا بالأموال التي تنفق والله أعلم أتنفق في سبيل الله أم في سبيل الرياء والسمعة والجاه.

هذه هي الأمة بربها عز وجل؛ في المسجد كنت ترى وتسمع كيف كانت الأمة تدار، كيف كان النبي عليه الصلاة والسلام يؤم الناس في الصلاة ثم يجلس بعد صلاة الفجر فيساله من راى منكم رؤيا فيعبر لهم صلى الله عليه واله وسلم، ثم يذكرون الله، يعلمهم القرآن، يؤدبهم، يعلمهم السنة، يجيب على فتاويهم وأسئلتهم، يصلون الضحى، يذهب كل منهم إلى عمله، إلى مزرعته، إلى تجارته، إلى صناعته، ثم يعودون فيجتمعون في صلاة الظهر، وهكذا إلى صلاة العشاء. من يستطيع فانه يرابط ما بين الصلاة إلى الصلاة، ومن لا يستطيع فانه يوكل أو ينيب عنه من يسمع القرآن ويتعلم من النبي عليه الصلاة والسلام ثم يعود إليه فيعلمه كي لا يفوته شيء من الخير. بيت الله كان دائما ممتلئا بأصحابه صلى الله عليه واله وسلم يتعلمون الخير، تعقد الألواة للحرب فيه، فلم يكن المسجد مكان عباده وصلاه فحسب، بل كان أعظم من ذلك.

ولذا عليه الصلاة والسلام جعل الصلاة في مسجده بالمدينه بألف صلاة فيما سواه، خلا المسجد الحرام، وهذا يدلك على عظمة هذا المكان. مسجد المدينة له اجر عظيم في أن تصلي فيه وكذا المدينة بكبرها؛ من استطاع منكم أن يموت في المدينة فليفعل.

الهجرة إلى المدينة في البدايه كانت واجبة، ولكن بعد فتح مكة قال عليه الصلاة والسلام: لا هجرة بعد الفتح، لماذا؟ لأن الناس الآن ليسوا في حاجة إلى أن يهاجروا ما داموا يستطيعون ممارسه دينهم على الوجه الذي يرضي الله عز وجل أو عليه. فالهجرة ما شرعت من أجل مال أو من أجل ولد، إنما شرعت للحفاظ على الدين، فكل مسلم خارج بلاد الاسلام إن كان يستطيع القيام بأمور دينه فانه يقوم بأمور دينه على أكمل وجه ولا يلزم بالهجرة، أما ان كان يخاف على دينه أو على أولاده من الفتنة وكانت له مقدرة على الهجرة وجب عليه أن يهاجر.

فاصل قصير ونواصل بعده بإذن الله عز وجل؛ هل تحمل هم نفقات تطاردك ولا تستطيع تلبيتها؟ هل فكرت في أي حلول لسد هذه النفقات، أم أن أول ما تفكر فيه هو الاستدانه؟ فلتسأل نفسك هل سأقت لأمر ضروري؟ هل وقت الاقتراض مناسب؟ هل المبلغ الذي سأقته سيؤثر على ميزانية الأسرة؟ كيف سيسدد؟

الدين وإن كان جائزاً، إلا أن أمره خطير، ولذلك استعاذ منه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم». كما أنه صلى الله عليه وسلم لم يصلّ على من مات وعليه دين. فلا ينبغي لعاقل أن يورط نفسه في الدين لأمور ترفيهية أو تكميلية؛ لأن الدين يصيب بالهم والغم، وقد يوقع في الكذب وأخلاف الوعد والمشكلات الأسرية.

ويستحب للدائن أن يخفف عن المدين، وقد وعد الله المقرض أجراً عظيماً على تفريج كربة مسلم. ولا يجوز للمدين أن يماطل في رد الحقوق مع القدرة. ولتعلم أن النية الصالحة سبب في قضاء الدين، ففي الحديث: «من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذ يريد إتلافها أتلفه الله».

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أما الخطوة الثانية فكانت عبارة عن بناء الصلة، صلة الأمة بعضها ببعض. بمعنى أن المسلمين في المدينة من أعراق مختلفة؛ أي نعم هم عرب ويتحدثون اللغة ذاتها، لكن العصبية القبلية كانت هي المسيطرة على كل العرب. ولأسف العرقية والتنابز بالألقاب والطعن في الأنساب، هذه من كبائر الذنوب التي لا تزال مستمرة في المسلمين.

وكيف تعرف المسلم الحق من من سواه؟ في ذلك الذي يفتخر بآبائه وأجداده، وينظر باحتقار إلى من دونه. ولذا جاء في تعريف النبي صلى الله عليه وسلم للكبر عندما قال: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر». قالوا: يا رسول الله إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسنة، يعني الإنسان يحب أن يبدو بأبهى حلة، فهل هذا كبر؟ فقال صلى الله عليه وسلم مصححاً المفاهيم الخاطئة ومبيناً شرع الله عز وجل: «الكبر بطر الحق وغمط الناس». بطر الحق بمعنى رده، وغمط الناس أي احتقارهم وازدرآؤهم والنظر إليهم نظرة الدون.

فالنبي صلى الله عليه وسلم بين لنا هذا الكبر. طيب، ما العمل مع الصحابة الآن؟ مهاجرون ذوو أنساب وهم أشراف في قومهم، لكنهم خرجوا فارين بدينهم، فليس معهم مال، وليس معهم جاه، وليس معهم أي نوع من السلطان. أنا في مدينتي وفي بلدي لو قدر الله حصلت مشكلة أو شيء، بالتلفون فلان يعرف فلان واسطة، خلصنا من المشكلة والحمد لله وتذلل العقبات. لكن إذا ذهبت إلى مدينة أخرى فإاني لا أعرف أحداً فيها يستطيع أن يخدمني، فأكون فيها يعني كالمستجير.

شعروا بذلك، لكن الإسلام أراد أن يحفظ لهم كرامتهم؛ خاصة إذا كان المضيف، إذا كان صاحب الدار من ذوي النفوس العالية، والذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة. الأنصار أمر عجيب، لذا جاء في السير أن النبي صلى الله عليه وسلم عند مقدم المهاجرين إلى المدينة آخى بين خمسة وأربعين من المهاجرين بخمسة وأربعين من الأنصار.

وهذه المؤاخاة ليست مؤاخاة صورية، بل هي مؤاخاة حقيقية، إلى درجة أنه إذا مات أحدهما ورثه أخوه. وكان هذا الارث مقدماً على إرث النسب، إلى أن نسخت هذه المسألة بقول الله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: 75]. فعاد الأمر إلى ما كان من ناحية الإرث، أما الأخوة فبقيت على ما هي عليه؛ الأخوة والنصره والمناعة والإرث.

مؤاخاة عجيبة وأنت إذا نظرت وجدت أثراً غير طبيعي، أمور من قصص الخيال لولا أنها ثابتة بأسانيد صحيحه لا مطعن فيها، لولا ذلك لقلنا إنها من قصص ألف ليلة وليلة. الرسول عليه الصلاة والسلام كمثال آخى بين أبي بكر وخارجة بن زهير، بين عمر وعثمان بن مالك، بين أبو عبيدة عامر بن الجراح وسعد بن معاذ، بين الزبير وسلامة بن سلامة. وآخى بين طلحة بن عبيد الله وكعب بن مالك. كعب بن مالك هذا أحد الذين خلفوا عن غزوة تبوك ونزل فيهم قران يتلى في سورة التوبه، كيف أمرهم؟ أمر الرسول عليه وسلم الصحابه بهجرانه.

وعندما نزلت الآية بتوبته ومن معه وجاء إلى مجلس الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: ما قام أحد من الصحابه لتهنئتي إلا طلحة. طيب طلحة ليش قام؟ لأنه أخوه، لأنه ممن آخى بينه وبينه النبي صلى الله عليه واله وسلم. وطلحة أحد العشرة المبشرين بالجنة كما لا يخفى عليكم. إذاً هذه المؤاخاة مؤاخاة عجيبة، لدرجة أن الأنصار عرضوا أموالهم على النبي عليه الصلاة والسلام.

يعني أنت تستقبل الضيف تكرمه، تعطي حق الضيف في الإسلام أن تضيفه ثلاثة أيام تطعمه وتكرمه في بيتك ثلاثة أيام بلياليهن، هذا حق الضيف في الإسلام. الآن المسلم إن نزل به ضيف نظر من فتحة الباب فإن راه ضيفاً أغلق الأنوار وادعى وتظاهر بأنه ليس موجوداً في البيت، ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: 9].

الأنصار ما كانوا كذلك أبداً رضي الله عنهم وأرضاهم، قالوا: يا رسول الله نخلنا هذا الذي عندنا اقسمه بيننا وبين إخواننا من المهاجرين. أي كرم هذا؟ النبي عليه الصلاة والسلام نظرته كانت أبعد، لأن المهاجرين ليسوا أهل زرع، أهل مكة هم أهل تجارة، ليسوا أهل زرع وعمل، ما يعرفونه في الزراعة ولا يعرفونه في الصناعة والتي هي عمل أهل المدينه.

فأشار إليهم عليه الصلاة والسلام بفكرة أفضل وأجود، فقال: «أتكفُون المؤنة ونشرككم الثمرة». يعني أنتم اعملوا هذا، النخل لكم، لو أخذنا نصفه ذهب نصف مالكم، وإن كان بطيب نفس منكم لكن حقيقه الأمر أنكم خسرتم نصف مالكم. ألا أدلكم على شيء أفضل يكون المال كله لكم، رأس المال؛ فعوضاً عن أن تدفع خمسمائة ألف، لا، خل المليون كلها عندك، ولكن أشرككم في الثمرة، في الربح. فالأنصار قالوا: سمعاً وطاعة، فكرة جميلة ونحن لا عندنا مشكلة في ذلك.

تروي لنا السنة الصحيحة أن النبي عليه الصلاة والسلام آخى بين سعد بن الربيع وعبد الرحمن بن عوف. عبد الرحمن بن عوف معروف، أحد العشرة المبشرين بالجنة، كان ثرياً في قريش، لكن عندما هاجر لم يأخذ معه شيء ولم يرضوا أن يترکوه يغادر بشيء. فعندما آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين سعد بن الربيع، انظر إلى كرم سعد، فقال له: قد علمت الأنصار إني أكثرها مالاً. طيب يا أخي الرسول آخى بينك وبين هذا المهاجر، أعطه خمسة آلاف، أعطه عشرة آلاف، أعطه مئة ألف، أما أن تعلن له عن كشف الحساب وعن رصيدك في البنك، ثم تضيف إلى ذلك أنك أغنى أهل المدينة، ثم ثالثة الأثافي أن تقسم مالك بينك وبينه؟ هذا أمر ما عهدناه أبداً في البشر.

قال رضي الله عنه وأرضاه: هذا مالي خذ شطره، خذ نصفه. طيب المال هين إذا راح ياتي. قال: وتحتي امرأتان من أحسن العرب. عندي زوجتان جميلتان، خلوان. انظر أيهما أعجب إليك فأطلقها، حتى إذا حلت لك تزوجتها. الله أكبر.

هل يأتي أفاك أثيم فيقول سعد لا غيرة عنده؟ أو يقول سعد لا يرغب في أهله؟ حاشا وكلا، لكنه الإيمان. علم أن الله عز وجل أمر بالمؤاخاة، فاراد أن يقوم بحقها كاملاً. أناس عندما سمعوا أن الله حبب الجهاد ورغب فيه بذلوا أرواحهم وأموالهم في سبيله، هل يظن بهم أن أموراً تافِفَة من الدنيا تعيقهم عن الجنة؟ قد يقول الإنسان: طيب يا أخي المرأة هذه ايش ذنبها؟ هل هي سلعة تباع وتشترى؟ كما يقول بعض المثقفين، بعض الكتاب أكرمكم الله الذين يتكلمون في امور الدين بلا علم، يقولون: كيف سعد يفعل ذلك بزوجته؟ يا أخي يعني كن منطقياً، من أفضل عند الله سعد أم عبد الرحمن بن عوف؟ عبد الرحمن بن عوف هو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وسعد أراد أن يؤاخي لأن عنده أكثر.

مما يكفيه، فأراد أن يواسي أخاه بالحلال؛ فهذا ليس بمستغرب. الإنسان منا يعرض ابنته على من يرى أنه كفؤ لها ولا يجد في ذلك غضاضة، كما فعل عمر رضي الله عنه عندما عرض حفصة ابْنته على عثمان ثم على أبي بكر ليتزوجها؛ فالإنسان يعرض من يحب على من يحب، فلا حرج في ذلك. لكن هذا الأمر، هذا التصرف غريب، لا يصدر إلا على رجل ملئ قلبه بالإيمان، الأعجب والأغرب عفة عبد الرحمن. أحدنا لو عرض عليه خمسة آلاف، عشرة آلاف ريال، منحة، هدية، سلفة؛ لأخذها ولطمع في المزيد، لو عرض أحدهم علينا نصف ثروته لما قال أحد: الله يجزيك الخير خلها عندك! قال: يا أخي ليش بس النصف، أعطيني ربع اللي عندك، أيضا إضافة إلى ذلك وأنا أستثمره لك طمع!

قال صلى الله عليه وسلم: «لو كان لابن آدم وادٍ من ذهب لابتغى إليه ثانيا، ولو كان له واديان من ذهب لابتغى إليهما ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم، لا يملأ فم ابن آدم، لا يملأ عين ابن آدم إلا التراب». وجاء في بعض الروايات أن هذا قرآن كان يتلى ولكنه نسخ تلاوة وبقي حكما. الشاهد هو موقف عبد الرحمن بن عوف. عبد الرحمن بن عوف قال لسعد: بارك الله لك في مالك وأهلك، يعني هذا الكلام أنا ما أقبله، جزاك الله خيرا، الله يبيض وجهك في الدنيا والآخرة، ولكن دلوني على السوق.

فدلوه على السوق، أسبوع أو عشرة أيام، وإذا به قد كون رأس مال. طيب، كيف كانوا يشترون؟ بالدين، فيذهب يشتري أمراً بالدين، يبيعه، يربح فيه، ثم يربح فيه، ثم يقضي دينه، ثم يعمل بأرباح حتى كون رأس مال، وما لبث إلا وتزوج وأصدق امرأته نواة من ذهب، ثم ما لبث إلا سنوات قليل تعد على أصابع اليد الواحدة حتى أصبح اثرى أثرياء المدينة ببركة هجرته وبايمانهم وتوفيق الله عز وجل له، ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: 2-3]. فاصل قصير ثم بعده نواصل بإذن الله فابقوا معنا.

إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون صاحبهما فإن ذلك يحزنه. أدب يعلمنا إياه نبينا صلى الله عليه وسلم من خلال النهي عن التناجي، وهو أن يستأثر اثنان بالحديث سرا دون الثالث، أو ثلاثة دون الرابع، أو أربعة دون الخامس وهكذا؛ فإن هذا لون من إلحاق الأذى بالمسلم، لأنه يعود عليه بالحزن والخوف وربما ظن أن ذلك لاحتقان. لذا حرم الإسلام التناجي، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المجادلة: 8].

ومن صور التناجي المحرمة أن يتكلم اثنان بلغة مختلفه لا يفهمها الثالث، أو أن يكتب أحدهما للآخر في ورقة والثالث جالس ولا يمكنه الاطلاع على ما كتب. قال النووي رحمه الله: وفي معناه، أي معنى التناجي، ما إذا تحدث بلسان لا يفهمه، لأن العلة موجودة. فإذا كان الحديث دائرا بين اثنين بداية ثم أتى ثالث واراد ان يدخل بينهما فإن ذلك لا يجوز إلا بإذنه، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا كان اثنان يتناجيان فلا تدخل بينهما».

واعلم أنه إن دعت الضرورة إلى التناجي فإنه يكون مباحا بشرطين: الأول أن تكون هناك مصلحة راجحة على مفسدة التناجي، الثاني أن يكون ذلك باذن الشخص الثالث ورضاه وإلا حرم. فتناجي من تسويل الشيطان وتزيينه، فاذا احسست بحزن من جراء تناجي بعض الناس امامك فاستعذ بالله وتوكل عليه فانه سبحانه كافيك من كل سوء وكيد، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المجادلة: 10].

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. تحدثنا قبل الفاصل عن بناء الصلة بالله عز وجل عن طريق بناء المسجد، ثم بناء الصلة بين المسلمين عن طريق المؤاخاة، وعن طريق العديد من الآيات والأحاديث التي تضبط هذه العلاقة؛ لا يغتب بعضكم بعضا، اجتنبوا كثيرا من الظن، لا يسخر قوم من قوم، إياكم والظن، امور كثيرة، لا تجسسوا، لا تدابروا، لا تنابزوا. وأمر النبي عليه الصلاة والسلام بأنه من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحب لأخيه ما يحب لنفسه، فليكرم جاره، فليكرم ضيفه، فليقل خيرا أو ليصمت؛ أمور كلها تبني ولا تهدم، تشيد بهذا البناء وتجعله شامخا بإذن الله عز وجل.

ثم يأتي الوقت للحديث عن بناء الصلة بين الأمة وغيرها. كثيرا ما نسمع مصطلح الآخر، فنقول: هنالك المسلمون وهنالك الآخر. هذه الآخر تسمية مبتدعة، لأن الله عز وجل جعل الناس قسمين اثنين، ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: 2]. فاذا إما أن تكون مؤمنا وإما أن تكون كافرا. النبي صلى الله عليه واله وسلم بعث عليا فقال أن ينادي في الناس أنه لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة. فإذا لا يمكن أن يدخل أحد الجنة إلا ويكون مؤمنا، وهذه مسألة كثيرا ما يحصل فيها لغط.

فالمؤمن لا يقصد به فقط من كان يتبع النبي صلى الله عليه واله وسلم، لأن هنالك أمما من قبله؛ فالذين اتبعوا موسى في عهد موسى عليه الصلاه والسلام اسمهم يهود ولكنهم حقيقة مسلمون، أسلموا قيادة لله عز وجل وشرعه، فهؤلاء في الجنة. حتى إذا بعث عيسى عليه الصلاة والسلام كان لزاما عليه أن يؤمنوا بعيسى، فالذين لم يؤمنوا بعيسى من اليهود هؤلاء كفار وهم في نار جهنم، ومن آمن بعيسى عليه الصلاة والسلام على أنه نبي مرسل وانه عبد الله عز وجل فهذا مسلم، وإن كنا ندعوه بالنصرانية، خطأ أن يقول الانسان فلان مسيحي، الله عز وجل لم يصفهم بالمسيحية ولم يصفهم النبي عليه الصلاة والسلام بالمسيحية، إنما جاء وصفهم بالنصرانية.

فإذا لا يصلح أن تقول فلان مسيحي أو الدين المسيحي، إنما اسمها النصرانية حتى بعث الرسول صلى الله عليه وسلم، فمن لم يؤمن بالنبي عليه الصلاة والسلام من النصارى أصبح كافرا من أهل النار، ومن آمن بالنبي عليه الصلاة والسلام من النصارى فهذا مسلم وهو منا ومعنا وإن شاء الله هو في الجنة. طيب وما بال الاديان الأخرى؟ الأديان الأخرى إن سمعوا بالإسلام وجب عليهم أن يسلموا، فإن لم يسلموا فهم من أهل النار، قال الرسول صلى الله عليه واله وسلم: «والذي نفسي بيده، ما من يهودي ولا نصراني يسمع بي ثم لا يؤمن إلا دخل النار».

فالمجوس والبوذيون والهندوس وغيرها من الملل، أولئك من الكفار إذا لم يؤمنوا. هنالك اقوام ما سمعوا بالإسلام أبدا ولا بالقران ولا بالنبي عليه الصلاة والسلام، هؤلاء يمتحنون يوم القيامة، مثل الأخرق والأحمق أو المجنون أو الأصم الذي لا يسمع؛ هؤلاء يعتذرون إلى الله عز وجل يقولون: يا ربنا، جاءنا رسولك ونحن لا نعقل، إما أن الصبيان يحذفوننا بالبعر، وإما أننا لا نسمع ولا نعي، وإما أنك اخذت عقولنا فلا نفهم؛ فهؤلاء يمتحنون في عرصات يوم القيامة، فمن استجاب وأطاع دخل الجنة، ومن عصى ونظر إلى العنق التي تخرج من جهنم ويؤمر بدخوله فيقول: كيف ندخلها وقد رايناها؟ هذا عصى لأنه رأى الآن الحق والباطل وهو يرفض، فهذه تاخذه إلى نار جهنم نسأل الله العافية.

الشاهد الآن، النبي عليه الصلاة والسلام عندما دخل المدينة كان فيها يهود، وكان فيها مشركون، وكان فيها منافقون. أما المنافقون فما نستطيع الآن أن نتعامل معهم لأنه ما نستطيع أن نحكم إلا على الظاهر، أي نعم ربنا قد قال: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ القَوْلِ﴾ [محمد: 30]، تعرفهم بسيماهم، تعرفهم بأفعالهم، لكن ما نستطيع أن نحكم عليهم كما نحكم على من صرح بأنه نصراني أو يهودي أو مشريك. النبي عليه الصلاة والسلام هو رسول الرحمة، عندما جاء المدينة لم يتعامل مع أهلها كما يتعامل الدكتاتور مع من دونه، لم يكن عليه الصلاة والسلام متسلطا ولا جبارا. الشيء الطبيعي إذا دخلت قرية أفسدتها، ﴿إِنَّ المُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: 34]. كان الطبيعي أن النبي عليه الصلاة والسلام يصادر أموالهم فهي كثيرة، ويطردهم أو يقتلهم أو يصنع ما يحلو له، فمن الذي يرده عليه الصلاة والسلام، من الذي يستطيع أن يقف في وجهه؟

مجلس الأمن هيئة الأمم المتحدة هذا غير صحيح، هم الآن في أيامنا هذه لا يستطيعون أن يفعلوا شيئاً، لكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يسع إلى ذلك؛ لأنه رسول الرحمة، رسول العدل. قال عليه الصلاة والسلام: «ويحك يا هذا، من يعدل إن لم أعدل أنا؟ أأمين من في السماء وأنا أمين من في الأرض؟» هذا النبي عليه الصلاة والسلام.

لذلك كتب العهود والمواثيق مع اليهود أمور عجيبة، وإن كانت لم تثبت عند مقاييس المحدثين، لكن مقاييس السيرة تختلف شيئاً ما؛ فجميع مصادر السير أثبتت أنه وقع هذه العهود والمواثيق مع أهل المدينة بعضهم ببعض، ثم مواثيق أخرى أو صحيفة أو كتاب أو ميثاق أو ما يعرف اليوم باسم الدستور مع أولئك اليهود، فكان أنهم أمة واحدة، وأنهم يد واحدة على من بغى عليهم، وأنه لا يجير مشرك مالاً لقريش ولا نفساً. يعني أنت مشرك مقيم في المدينة، ما عندك مشكلة، لكن إياك ثم إياك أن تجير مشركاً من قريش أو أن تجير مالاً له، هذه ما فيها، مفاهيم العداء الذي بيننا وبين قريش تأصل عشر سنوات وهم يسومونهم ولا مهادنة ولا موادعة، أنت كمشرك ليس لك أبداً أن تجير مشركاً من قريش، أو أن تجير له مالاً، وأنك لا تنصر محدثاً ولا تؤيده، وأن لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، تعبدوا ربكم كما يحلو لكم، وهذا إشارة إلى أن حرية المعتقد مكفولة في الإسلام، لا إكراه في الدين، ما في أحد يكره على أن يسلم، هل سمعت بأحد يذهب إلى من المسلمين يذهب إلى بلد فيقول: تسلم أو نقتلك؟ ما يوجد.

هل نحن في حاجة إلى منافقين يهدمون الدين من الداخل؟ لا يا اخي، أبقى على كفرك، أبقى على ضلالك ولكن ادفع الجزية حماية منا لك من أي هجوم أو أي اعتداء خارجي. فنصت هذه المواثيق على حرية التدين أو الدين، نصت على منع الظلم، نصت على حماية الجار، وعلى حماية الحقوق الخاصة والحقوق العامة والدفاع عن المدينة.

هذه سببت مشكلة؛ لأن اليهود عندما وقعوا هذه العهود والمواثيق ما كان ذلك إلا عن اضطرار. لماذا؟ اليهود منذ بداية عهدهم إلى يومنا هذا يبنون مجدهم، يبنون قوتهم على تفريق المسلمين، على تفريق الشعوب، كيف يستعبدون الناس؟ حتى في أمريكا، كيف يستعبدون؟ يستعبدون بتسليط بعضهم على بعض وهم بمنأى من ذلك. أنت تراهم يسيطرون على الإعلام، على الاقتصاد، على النفوذ والجاه والسلطان، لكن من وراء الكواليس. من الذي أخرج لنا هذه النبتة الفاسدة دعاة الدولة غير الإسلامية؟ هم هم بمنأى من شرها ولا يصطلى بنارها إلا المسلمون، لا رافضة يصطلون بنارها ولا كفار ولا يهود، إنما المسلمون هم الذين يكتوون بأذاهم وبنارهم.

فهم دأبوا على التفريق بين الأوس والخزرج، دأبوا على التفريق بين قبائل العرب لكي يتمكنوا من السيادة، فلما رأوا المسجد ورأوا الصلة بين المسلمين ورأوا هذه العهود والمواثيق، أبرموا أمر سوء وأضمروا في أنفسهم السعي الدؤوب لهدم الإسلام وصرحه، وهذا ما يظهر معنا إن شاء الله في الدروس القادم.

الآن بعد أن نشأت هذه الدولة وقامت على قواعد قوية متينة بإذن الله عز وجل، أنزل الله تعالى الأذن لعباده المؤمنين، فقال سبحانه: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: 39]. هذا بعد أن ارسلت قريش تهدد وترغي وتزبد لعبد الله بن أبي بن سلول وكان آنذاك الحاكم غير المتوج للمدينة أننا سناتي ونستأصلكم عن بكرة أبيكم ونستبيح أموالكم أو لتقاتلن النبي عليه السلام ومن معه وتخرجون من بيوتكم، فأرادوا أن يقاتلوا الرسول عليه الصلاة والسلام.

فقال عليه الصلاة والسلام لهم يعني ما كادت لكم قريش بمثل هذه المكيدة السخيفة، تريدون أن تقتلوا أبناءكم وإخوانكم؟ فتفرقوا وقد رجعت إليهم عقولهم وعاد إليهم رشدهم. فالآن أوذن للمسلمين أن يقاتلوا المشركين الذين آذوهم عبر هذه السنين الطويلة الماضية. هذا ما اتسع له وقت هذه الحلقه، حتى نلقاكم في لقاء آخر أترككم في أمان الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.