تسجيل الدخول

المحاضرة 14 - الغزوات والسرايا قبل غزوة بدر الكبرى

عاصم الحكيمالشيخ عاصم الحكيم
  • مدة الدرس:
  • قراءة

استقر الأمر داخليا في المدينة بفضل الله عز وجل ونعمته على المسلمين، فانتقل النبي صلى الله عليه واله وسلم بعد ذلك إلى البحث عن الاستقرار خارج المدينة. وقد جاء الترخيص للمسلمين بقتال من قاتلهم وبالانتصار ممن ظلمهم، فبعث الرسول عليه الصلاة والسلام السرايا وخرج في غزوات. وأهل السير يفرقون بين الغزوة والسرية؛ بأن الغزوة هي التي يخرج على رأسها النبي عليه الصلاة والسلام كغزوة بدر وغزوة أحد، أما السرية فهي التي يرسل النبي عليه الصلاة والسلام نفرا من أصحابه لقتال أو للتعرض إلى قافلة أو لاستطلاع الرأي.

والناظر في حال المسلمين يرى عجبا؛ النبي عليه الصلاه والسلام وصل المدينة في ربيع الأول في التاسع منه على أصح الأقوال، ثم مكث عاما وقرابه الأربعة أو خمسة أشهر قبل أن تحصل معركة بدر في شهر رمضان. هذه الفترة القصيرة في عمر الأمم وفي عمر الدول لا تكفي أن تعد جيشا أو أن تضبط نظاما أو أن تضع دستورا، لكن النبي عليه الصلاة والسلام نبي مرسل ما ينطق عن الهوى، ما يخرج من فمه إلا الحق، لذا ما كانت الأمور تسير إلا بتيسير عز وجل وبتوفيقه سبحانه وتعالى.

ولو نظرنا في تاريخ الغزوات والسير لوجدنا أن ما بين دخول الرسول عليه الصلاة والسلام المدينة وغزوة بدر، يعني هذه ستة عشر شهرا، هنالك ثماني غزوات وسرايا، وهذا أمر عجيب وكثير. طيب، ما السبب في هذه الغزوات والسرايا؟ العلماء لهم اجتهادات؛ فمنهم من قال من أسباب هذه الغزوات والسرايا إنه طيلة الثلاث عشرة سنة أو الأربع عشرة سنة التي كان المسلمون فيها منهين عن القتال، منهون عن الدفاع، منهون عن الانتصار ممن ظلمهم، ممنوعون من حمل السيف على من آذاهم؛ الأصل أن بعد هذه الفترة الطويلة من الأمر بعدم الرد والقتال والانتصار قد تصاب النفوس بشيء من الاعتياد على الذل والهوان والخمول.

قد هذه احتمالية موجودة، فجاءت هذه السرايا كنوع من العلاج التدريجي بحيث تنهض هذه النفوس وتشحن وتشحذ بالهمة العالية والرغبة في القتال والرغبة في الموت في سبيل الله عز وجل، كي تنفض عنها الغبار ويعود إليها شيء من العزة والقوة والمناعة، فكانت هذه الغزوات وكانت هذه السرايا. أضف إلى ذلك أن هذه السرايا قيل إنها تصل إلى مئة سرية وقيل إنها سبعون، وهذا عدد عظيم، أما الغزوات فقيل إنها ما بين التاسعة عشرة غزوة إلى السنتا عشرة غزوة. والسبب في الاختلاف، كما يقول العلماء، أن من المؤرخين من نظر إلى غزوتين متقاربتين فجعلهما غزوة واحدة ومنهم من فصلهما. فمن قال تسع غزوات جمع بين بعض الغزوات، ومن توسع فجعل كل غزوة بمفردها وحكى عنها كغزوة مستقلة.

ثانيا، التدريب العملي الميداني. لو أنك جلست تقرأ كتابا في السباحة أو في ركوب الدراجة أو في فنون القتال، وتقرأ كتابا نظريا دراسيا وأن تفعل كذا وأن تأخذ نفسا وأن تحرك رجليك وتفعل، وهو يحفظ تماما ما يجب عليه فعله، لكن إن ألقيت به في الماء كان أول الغارقين؛ لأنه لابد من ممارسة. فالصحابي رضوان الله عليهم دربتهم هذه السرايا والغزوات على فنون القتال، على ركوب الخيل، على الحرب، على الإبل، على الكر والفر والمناورة والتحرك والترقب، كلها تجعل الانسان متمرسا في هذه الأمور، لا أنهم ما كانوا يعرفونها، لكن لابد من الممارسة.

لو أنك أتيت بطل العالم في رياضة من الرياضات ثم امتنع عن ممارسه تلك الرياضة لمدة خمس أو عشر سنوات وأراد أن يعود إليها، لأخفق فيها إخفاقا ذريعا؛ لأنه ما تدرب ما تمرن، أول ما يصيبه تمزق عضلي، آلام في الجسد، أخطاء يضحك الصبيان عليها لبساطتها وسخافتها، ما تمرس ما تعود، وإن كان بطل من أبطال العالم. فهذه السرايا ما كانت استعراضا أو مسابقة، كانت مناورات حقيقية، يخرجون وهم لا يدرون أيرجعون أم لا، يخرجون وهم مترقبون هل يدركون قتالا أم يفوتهم ذلك.

ثالثا، هذه السرايا عبارة عن دوريات عسكرية ساعدت المسلمين على أمر ضروري جدا في العمليات العسكرية، ألا وهو معرفة البيئة المحيطة. أنت إذا ذهبت وقاتلت في أرض لا تعرفها منيت بخسارة فادحة، فكان من أعظم فوائد هذه السرايا أن الصحابه عرفوا ما يحيط بالمدينة من قبائل، من دروب، من أمور ما عهدوها من قبل؛ لأن الذين كانوا يخرجون في الغالب كانوا من المهاجرين، والمهاجرون على بعد خمسمائة كيلو تقريبا إلى جنوب المدينة فما يعرفون هذه الأحياء وهذه المناطق. فهذه السرايا كانت تكسبهم معرفة بواقعهم حروب وسيخوض عليها الأمور المصيرية التي تفصل وتؤثر على مستقبل هذه الأمة.

رابعا، هذه السرايا المتكررة والغزوات تقذف الرعب في قلوب الأعداء، عندما يرون -خاصة تلك القبائل المتناثرة حول المدينة- عندما يرون بين الفينة والأخرى سرية أو غزوة أو جيشا أو مجموعة من المقاتلين الأشاوس يخرجون شمالا وجنوبا وشرقا وغربا، ما يتركون شاذة ولا فاذة إلا لحقوا بها، هذا يرسخ في صدورهم أن للمسلمين قوة ومنعة، وييكتشفون أن المسلمين عندهم جرأة ورغبة في الاحتكاك المباشر لا من وراء الكواليس ومن خلف الأستار. يكتشفون أن المسلمين أصبحت لهم قوة ومنعة تغير موازين المنطقة. الآن المسألة مختلفة؛ قبيلة تغير على قبيلة، قبيلة تتعرض لقبيلة، أشياء مناوشات فردية، أما الآن فنحن نتكلم عن حملات عسكرية منظمة، لها قائد، لها لواء، لها تنظيم معين، لها أوامر محددة.

ولا شك أن من فوائد هذه السرايا والغزوات تدريب المسلمين على الالتزام بالأوامر بحذافيرها، وهذا أمر غاية في الأهمية في الحملات العسكرية؛ الانضباط والانصياع للأوامر وطاعة ولي الامر، طاعة القائد في غير معصية الله قطعا، لكن هذا الأمر يحتاج إلى تدريب. كثيرا ما نسمع المصطلح الذي يقول: كلهم ضباط ولا يوجد جندي واحد. هذا عندما يكون في عشرة من الأشخاص وكل واحد فيهم يدلي برأيه كأنه ضابط أو قائد، بينما لا تجد أحدا في الطبقة التي دون ذلك ممن ينفذ الأمور. الأمر إذا كلهم يامرون هذا لا يصلح، أي إدارة في منشأة، في حكومة، في وزارة، في شركة، إن لم تكن هنالك هرم قيادي الذين يعني فيه يستمعون إلى من هم أعلى منهم ويطيعون فسدت وخربت.

لذلك كان من فوائد هذه السرايا تعويد المسلمين على الانضباط والسمع والطاعة، كما جاء ذلك في أحاديث كثيرة عديدة عن النبي عليه الصلاة والسلام بطاعة ولي الأمر، بالانصياع بالسمع وإن ضرب ظهرك وإن أخذ مالك وجلد ظهرك، كل هذا يدل على أن مسألة السمع والطاعة والانضباط أصل من اصول الإسلام. هذه السرايا كانت ترسخ ذلك في المسلمين.

من فوائد هذه السرايا أن المسلمين استطاعوا بعد إظهار هذه القوه أن يعقدوا الصلح والمعاهدات مع بعض القبائل المحيطة. من أكبر الأخطاء أن تناب الدنيا كلها العداء، ما كان النبي صلى الله عليه وسلم ليفعل ذلك، لأن الحكمه وضع الشيء في موضعه. عندما تقوم جماعة رعناء هوجاء بالتصريح أنها تعادي الدنيا كلها لا يجلبون على قومهم إلا الويل والدمار. النبي عليه الصلاه والسلام وهو أعز خلق الله عز وجل كان يعقد العهود والمواثيق والصلح بينه وبين القبائل.

معاهدات لحسن الجوار، بل وفي بعض الأحيان للدفاع المشترك؛ ما دامت المصلحة واحدة، فلا حرج في ذلك في وقت من الأوقات. ولذلك عقد النبي صلى الله عليه وسلم معاهدة مثلاً مع قبيلة بني ضمرة كما جاء في غزوة الأبواء، وعقد معاهدة مع قبيلة بني مدلج. فهذه معاهدات ألا يعتدوا علينا، وأننا نناضل ونقارع عن بعضنا البعض، وهكذا فيزداد المسلمون قوة على قوتهم.

أخيراً، هذه الدوريات العسكرية، هذه السرايا، هذه الغزوات كانت عبارة عن إعلان صريح لقريش بالحرب، وأنه لا ضعف بعد اليوم، لا استكانة بعد الهجرة، الآن حان وقت النزال. هذا الإعلان كان تهديداً صريحاً لقريش؛ تهديداً لأمنه، وتهديداً لاقتصاده، إذ إن قوافلهم كانت لابد أن تمر بالقرب من المدينة، وهم يعيشون ويقتاتون على هذه الأموال. لكن بعدما ساموا المسلمين سوء العذاب، حان الآن وقت الجزاء.

فهذه السرايا والغزوات كانت علامة فارقة؛ أن العلاقة السابقة بين الظالم والمظلوم انتهت، الآن نتعامل معاملة الند للند، لن تستطيعوا بعد اليوم إخافتنا بل نحن نخيفكم. والآن هذا من المفترض أن يؤثر سلباً على نفسية أهل قريش، وأن يقذف الرعب في قلوبهم جراء أفعالهم التي ما كانوا يأبهون فيها لرضى الله عز وجل، ولم يراعوا فيها حق الرحم والصهر والأخوة التي كانت بينهم وبين المسلمين.

فلنبدأ الآن بتتبع هذه السرايا والغزوات الثمانية التي حصلت ما بين دخول النبي عليه الصلاة والسلام المدينة وغزوة بدر. أول هذه السرايا سرية حمزة بن عبد المطلب؛ نحن نعرف أن حمزة فارس مغوار رضي الله عنه وأرضاه، بعثه النبي صلى الله عليه واله وسلم إلى سيف البحر من ناحية العيص، والعيص هي أقرب منها إلى ينبع من المدينة، وينبع مدينة على البحر الأحمر. فبعثه إلى هنالك في ثلاثين راكباً من المهاجرين، ونحن نعلم أن في بداية الإسلام المقاتل المحارب المسلم ملزم بقتال عشرة أو دون ذلك من المشركين، وما يجوز له أن يفر من عشرة، فالستون -عفواً الثلاثون- باستطاعتهم بفضل الله أن يقاتلوا ثلاثمائة، وهذا كان في بداية الإسلام.

فذهب حمزة رضي الله عنه وأرضاه في ثلاثين من المهاجرين ليس فيهم أنصاري واحد. لماذا؟ لأن الأنصار عندما بايعوا النبي عليه الصلاة والسلام، بايعوه على أن يحموه وأن يدافعوا عنه كما يدافعون عن أزرهم -يعني عن أولادهم وأزواجهم- بمعنى أن الدفاع يكون داخل المدينة لا خارجها. فالنبي الآن عليه الصلاة والسلام لا يريد أن يضغط على الأنصار الذين واسوا المهاجرين بأموالهم، واسوه بعقارهم ودورهم، واسوه بكل شيء، وصرحوا بالعداء للعالم باسره وقوفاً مع الاسلام والمسلمين.

فما أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يضغط عليهم أكثر من ذلك، فكانت هذه السرايا عبارة عن جرعات بحيث يتحمسوا ويتطلعوا بأنفسهم للقتال خارج المدينة، ويطلبوا ذلك بأنفسهم من النبي عليه الصلاة والسلام. أما النبي عليه الصلاة والسلام فلم يكن ليضغط عليهم أو ليلزمهم بذلك. هذه السرية لقي فيها حمزة رضي الله عنه فرعون هذه الأمة، لقي فيها أبا جهل بن هشام وكان في ثلاثمائة راكب من أهل مكة. فثلاثون مقابل ثلاثمائة هذه معركة غير متكافئة، والأصل أن الناس يخافون، لكن هؤلاء المهاجرون كانوا يتطلعون للانتصار ممن ظلمهم، فما إن التقى الجمعان حتى حجز بينهم مجدي بن عمرو الجهني، وكان موادعاً للفريقين -يعني علاقته طيبة مع المسلمين وعلاقته طيبة مع كفار قريش- فحجز بينهم ونصحهم ويعني هدا منهم. والمسلمون مقدمون على القتال لكن العدد كبير، فجاءت هذه هبة من الله عز وجل فحال بينهم، ولم يكن بينهما قتال مع أنهم كانوا يتطلعون إلى ذلك، فكانت هذه هي السرية الأولى.

أما السرية الثانية فهي ما يعرف باسم رابغ. ورابغ كما تعرفون هي مدينة موجودة على الساحل الغربي -يعني في البحر الأحمر- وهي الآن تقوم مقام الجحفة. كما تعلمون أن النبي عليه الصلاة والسلام وقت مواقيت العمرة والحج حيث يحرم منها المسلم، فجعل الجحفة لمن قدم من الشام، والشام آنذاك كانت ليست مسلمة، وهذا من علامات نبوته صلى الله عليه واله وسلم أنه وقت الجحفة لأهل الشام وكانوا كفاراً. فكيف يعني لمن أتى من الشام معتمرا أو حاجا، على أن ذلك نبوءة منه عليه الصلاة والسلام أن أهل الشام سيسلمون.

ولما هاجر المسلمون إلى المدينة، كان في المدينة اختلاف في الطقس، فكان جوها به شيء من الرطوبة بخلاف مكة كما يقول أهل السير؛ الجو الجاف. فكل من نزل بالمدينه من غير أهلها أُشوي ومريض وأصابته الحمى. أبو بكر، بلال، الصحابه كلهم كانوا يعني تصيبهم هذه النزلة وتلك الحمى، فاشتكى الصحابه إلى النبي عليه الصلاة والسلام من ذلك، وقالوا: ادع لنا ربك عز وجل أن يخلصنا منها. فدعا النبي صلى الله عليه وسلم ربه أن يمضي الهجره لأصحابه، وأن ينزع الحمى من المدينة إلى الجحفة، وكانت الجحفة آنذاك أهلها مشركون. وبالفعل استجاب الله عز وجل لدعوة نبيه، فانتقلت الحمى إلى الجحفة حتى هلك أهلها وماتوا. ولذا الناس الآن إذا أرادوا أن يحرموا يحرمون من رابغ، وهي قبل الجحفة بقليل، فكل من يأتي من مصر، من جنوب إفريقيا، من أمريكا، من أوروبا، من الشام، فإن ميقاته هو الجحفة أو رابغ.

الآن سرية رابغ، بعث النبي صلى الله عليه وسلم فيها عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب في ستين راكباً. الآن يعني زاد العدد قليلاً، فنهض حتى بلغ ماء بالحجاز باسفل ثنية المرة، فلقي بها جمعاً من قريش عليهم عكرمة بن أبي جهل، وقيل كان عليها أبو سفيان، وقيل غير ذلك. فلم يكن بينهم قتال -يعني قابل هؤلاء ولم يحصل بينهم قتال بالسيوف- ولكن حصل بينهم تناوش بالسهام، وكان أول من رمى بسهم في سبيل الله عز وجل سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وأرضاه، وهو الذي نثر له النبي صلى الله عليه وسلم كنانته وقال: «ارمي فداك أبي وأمي».

سعد كان يفتخر يقول: لم يفدِ النبي عليه الصلاة والسلام بأبيه وأمه أحداً سوايي. وكان يقول: هذا خالي فليرني امرؤ منكم خاله، يتكلم عن سعد بن أبي وقاص، سعد بن مالك رضي الله عنه وأرضاه. فسعد في هذه السرية رمى بأول سهم في سبيل الله عز وجل وهي منقبة لسعد رضي الله عنه وأرضاه، فلم يحصل أي نوع من القتال إنما هو التناوش بالسهام. ولكن الله عز وجل أنقذ من فريق المشركين المقداد بن عمرو وعتبة بن غزوان رضي الله عنهما، كانا مسلمين ولكنهما خرجا ليتوسلا بالمشركين فيصلا إلى المسلمين، كما نعلم أن من المسلمين من كانوا يستخفون بإسلامهم في قريش، ما استطاعوا الهجرة ولم يمكنهم قومهم من ذلك، فهذان الصحابيان احتالا وخرجا مع المشركين، فلما حصل التناوش فررا بفضل الله عز وجل والتحقا بالمسلمين في المدينة.

أما السرية الثالثة فهي سرية سعد بن أبي وقاص؛ بعثه النبي عليه الصلاه والسلام إلى الخرار في شهر ذي القعدة على رأس تسعة أشهر. هذه السرية الثالثة، والرسول وصل في ربيع الأول، الآن في ذي القعدة بعثه وعقد له لواء أبيض، وكانوا عشرين راكباً، الوجهة أن يعترضوا مصلحة من مصالح قريش الاقتصادية، بعثهم ليعترض عيراً قافلة لقريش، وعهد إليهم أن لا يجاوز الخرار.

فإذاً هنا أيضاً اختبار وامتحان للامتثال في الأوامر، حدود الحملة العسكرية هي الخرار، ما تجاوزوه، ولا يصلح لكم أن تجاوزوه. فكانوا ذهبوا على خلاف السرايا السابقة، خرجوا على أقدامهم، فكانوا يكمنون بالنهار ويسيرون بالليل حتى يعني وصلوا صبيحة خمسة أيام، فوجدوا العير قد مرت بالأمس وفاتتهم. فهذه أيضاً نوع من أنواع التدريب على تقدير الأوقات، تقدير المسافات، لأن الرسول عليه الصلاة والسلام كانت تاتيه الأخبار بأن عيراً لقريش ذهبت أو عيراً لقريش قد قدمت، فالآن تحتاج إلى يعني تزامن معرفة كيف نخرج في الوقت المناسب كي نعترض، وهذه تحتاج إلى تدريب وإلى ممارسة، وبعد ذلك يصلون بإذن الله عز وجل إلى معرفة الوقت المناسب لهذا الخروج.

فاصل قصير ونواصل بإذن الله عز وجل. إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون صاحبهما فان ذلك يحزنه، ادب يعلمنا إياه نبينا صلى الله عليه وسلم من خلال النهي عن التناجي وهو أن يستاثر اثنان بالحديث.

سراً دون الثالث، أو ثلاثة دون الرابع، أو أربعة دون الخامس، وهكذا. فإن هذا لون من إلحاق الأذى بالمسلم؛ لأنه يعود عليه بالحزن والخوف، وربما ظن أن ذلك الاحتقار والحط من كرامته فيزيده ذلك غماً وحزناً. لذا حرم الإسلام التناجي، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المجادلة: 8]. ومن صور التناجي المحرمة أن يتكلم اثنان بلغة مختلفة لا يفهمها الثالث، أو أن يكتب أحدهما للآخر في ورقة والثالث جالس ولا يمكنه الاطلاع على ما كتب.

قال النووي رحمه الله: وفي معناه، أي معنى التناجي، ما إذا تحدث بلسان لا يفهمه؛ لأن العلة موجودة. فاذا كان الحديث دائرا بين اثنين بداية ثم أتى ثالث واراد أن يدخل بينهما، فإن ذلك لا يجوز إلا باذنه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا كان اثنان يتناجيان فلا تدخل بينهما». واعلم أنه إن دعت الضرورة إلى التناجي، فانه يكون مباحاً بشرطين: الأول أن تكون هناك مصلحة راجحة على مفسدة التناجي، والثاني أن يكون ذلك بإذن الشخص الثالث ورضاه، وإلا حرم. فتناجي من تسويل الشيطان وتزيينه، فإذا أحسست بحزن من جراء تناجي بعض الناس أمامك فاستعذ بالله وتوكل عليه؛ فانه سبحانه كافيك من كل سوء وكيد، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المجادلة: 10].

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما السرية أو الغزوة الرابعة فقد وقعت، كما يقول أهل السيرة، في صفر في السنة الثانية للهجرة. كان عدد المسلمين الذين خرجوا فيها سبعين من صحابته صلى الله عليه وآله وسلم، أما القائد فكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهي أول غزوة غزاها صلى الله عليه وآله وسلم بنفسه. خرج عليه الصلاه والسلام من المدينة بنفسه واستخلف عليهم سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج. خرج بسبعين من المهاجرين ليعترض عيراً لقريش.

حتى إذا بلغ ودان لم يلق قتالاً أو كيداً، وقد فاته الناس، فاستفاد من هذه الغزوة أنه عقد معاهدة حلف مع عمرو بن مخشي، وكان سيد بني ضمره في زمانه. ونص هذه المعاهدة أنه هذا كتاب من نبي الله محمد صلى الله عليه وسلم إلى ضمره؛ فإنهم آمنون على أموالهم وأنفسهم، وإن لهم النصر على من رامهم إلا أن يحاربوا دين الله، يعني إلى آخر هذه المعاهدة.

فاستفاد الرسول عليه الصلاة والسلام وإن لم يجد قتالاً، لكن الآن الصحابة أصبحوا يتطلعون إلى العز، إلى النصر، إلى التمكين، معهم سيد المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم، فضل عظيم أن تصحب من تحب في رحلة أسبوع، أسبوعين، أنت مع النبي عليه الصلاة والسلام، لا يوجد أي شيء يصرفك عن مخالطته صلى الله عليه وآله وسلم.

الغزوة الخامسة كانت غزوة بواط وقعت في ربيع الأول، يعني الفارق بينها وبين الغزوة التي قبلها هي شهر واحد. عدد المسلمين كانوا مئتين من صحابته صلى الله عليه وآله وسلم، والفريق المقابل عددهم مئة من المقاتلين بقيادة أمية بن خلف، ونعلم من هو أمية بن خلف، ونعلم ماذا فعل في أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام وما عذبهم به وما تكلم فيهم.

وبواط هي من ناحية رضوى، ورضوى معروف، يعني جبل معروف بالقرب من ينبع، وهنالك الجهنان من بني جهينه وغيرهم حيث يستوطنون، ورضوى جبل معروف مشهور في أشعار العرب، فذهب عليه الصلاة والسلام ورجع إلى المدينة ولم يحصل أيضاً قتال وفاته الركب.

طبعاً النبي عليه الصلاة والسلام كلما كان يخرج كلما كان يستخلف، لكن العجيب أن في هذه الغزوات الأربع ما بين هجرته وغزوة بدر خرج أربع مرات عليه الصلاة والسلام واستخلف على المدينة أربع مرات. في المرة الأولى استخلف سعد بن عبادة، ثم استخلف سعد بن معاذ سيد بني عبد الأشهل سيد الأوس، وهذا لا غرابه فيه، هم المدينة يستخلف عليها من أهلها ما شاء.

لكن بعد ذلك استخلف زيد بن حارثة على مهاجرين وعلى أهل البلد الأنصار. وزيد بن حارثة كان رقيقاً عبداً من موالي يباع ويشترى في سوق النخاسة، ولكن الرسول أمرهم عليه، كما أمر أبو سلمه رضي الله عنه وأرضاه في الغزوة التي بعدها، وهذا يدلك على أن المجتمع قد أصبح في بوتقة واحدة، الأعراف والعنصرية والعصبية كلها ولت أدراج الرياح.

إذاً، زيد بن حارثة المولى هذا العبد الذي أعتق يتأمر عليه ويرأس المدينة بأسرها، وقد خرج الرسول عليه الصلاة والسلام وهم يقولون سمعاً وطاعة وعلى الرحب والسعة. دل ذلك على أن التغيير الذي أتى به الرسول عليه الصلاة والسلام لم يكن تغييراً طبيعياً، بل كان تغييراً إلهياً من الله عز وجل، ﴿لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال: 63] سبحانه عز وجل.

أما الغزوة السادسة أو السرية السادسة هي غزوة سفوان، والتي تعرف باسم بدر الاولى؛ لأنها حصلت بالقرب من بدر، موقعة بدر. وقعت في ربيع الأول أيضاً سنة اثنين، وعدد المسلمين كان فيها سبعين صحابياً بقيادته صلى الله عليه وآله وسلم. والسبب أن أحد زعماء المشركين وهو كرز بن جابر الفهري أغار على مواش لأهل المدينة.

الان عبارة عن اختبار للماء، أرادوا أن يغيروا على مواشي وعلى حلال وعلى مصالح لأهل المدينة لينظروا هل هنالك من رد فعل للمسلمين أم لا. فخرج عليه الصلاة والسلام في طلبه حتى بلغ سفوان فلم يدركه، ولكن هذا المشرك قد فر، وهو كأنه يعلن التوبة من العوده إلى مثل هذا الأمر؛ لأنه وجد أنه سيصطلي بنار فعل ويلقى مغبة هذا الأمر الذي تجرأ وقام به.

غزوة الرسول عليه الصلاة والسلام الرابعة وهي رقم سبعة من غزوات السرايا كما تقدم، وقعت في جمادى الآخرة سنة اثنان للهجرة. كان عدد المسلمين مئة وخمسين من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام تحت قادة أو قيادة النبي عليه الصلاة والسلام، وفيها ما حصل قتال، إنما حصلت فيها معاهدات وصلح بين بني مدلج وحلفائهم من بني ضمرة. ذو العشيرة موضع بين مكة والمدينة من بطن ينبع.

فإذاً كل هذه الغزوات والسرايا عبارة عن ضبط جغرافي سياسي أمني مع القبائل المحيطة، معرفة من حولنا وكيف نتعامل معهم. أما السرية الثامنة وهي الأخيرة، فهذه سرية عظيمة تعرف باسم سرية نخلة، وأمرها عجيب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل عبد الله بن جحش رضي الله عنه وأرضاه على رأس ثمانية من المهاجرين، وقيل على رأس اثني عشر، على رأس اثني عشر صحابياً.

الوقت والمكان مهمان وخطير وحساس. طريقة أمرهم بهذه السرية كانت مخالفا لكل السرايا السابقة، كتب كتاباً وأمره أن لا يفتحه إلا بعد مضي يومين، وأمره بالاتجاه إلى مكة في اتجاه الجنوب، فسار الصحابة وبعد يومين فتح الكتاب، وإذا به عليه الصلاة والسلام يأمره بقوله: إذا نظرت في كتاب هذا فامض حتى تنزل بين نخله والطائف. يعني نخله هذه مكان بين مكة والطائف، فترصد لنا قريشاً وتتعلم لنا من أخبارهم.

الأمر واضح، ترصد بس، تشوف، تاتي لنا بالأخبار، يعني تكون عيناً. لم يأمره بقتال ولم يأمره بأسر ولم يأمره بشيء، وأمره أن لا يكره أحد من أصحابه. طبعاً الآن قدوا خمس المسافه فقال لأصحابه: والله الرسول أمر بكذا وكذا، من أحب أن يرجع مع السلامة. فقالوا: لا والله ما نرجع، كلنا يريد الذهاب ويريد الموت في سبيل الله.

لماذا كان هذا الامر؟ قال اهل العلم: لأن النبي صلى الله عليه وسلم خشي أنه إذا أخبرهم من البداية أن يترددوا، فأراد بهم أن يمضوا في طريقهم فيكون ذلك أدعى إلى استمرارهم. المشكلة أن السرية لقيت قافلة فيها مال وزبيب بخير، ومعها أربعة رجال من قريش، يعني هم أكثر عدداً، لكنهم اختلفوا: أنقدم فنأخذ هذه العير أم نحجم؟ ليش؟ لأن الموقع خطير، بعد ساعات سيدخلون الحرم، ولا نستطيع أن نقاتلهم في الحرم، ونحن في آخر ليله من رجب، ورجب من الأشهر الحرم. طيب ماذا نفعل؟ القوم ترددوا وتشاوروا: هل نستمع إلى القوانين التي طالما انتهكها المشركون وطالما اعتدوا؟

علينا فيها ولم يقيموا وزنا لها من قتلهم للمسلمين والأمن واعتدائهم علينا في الحرم هل نتبع هذه القواعد والقوانين التي تحرم علينا مع هؤلاء الذين ما احترموا منها شيئا.

اجتهدوا وذهبوا فقاتلوا العير قتلوا منهم رجلا وهو عمرو بن الحضرمي وأسروا منهم رجلين ثم عادوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام، الرسول غضب عليه الصلاة والسلام لأنه ما أمرهم بقتال وكيف يأمرهم بقتال وهي الأشهر الحرم! أبى أن يأخذ من الغنائم شيئا حتى ينزل وحي من الله عز وجل، الصحابة لاموهم وقالوا كيف تفعلوا ما لم يأمركم به النبي عليه الصلاة والسلام وكيف وكيف وكيف.

قريش اتخذت من هذه وسيلة للهجوم والطعن في الإسلام فقالوا انظروا كيف ينتهك الحرمات، حرمات الشهر حرمات المكان، فعلوا وفعلوا وفعلوا مسرحية هزيلة مضحكة من قريش التي طالما انتهكت كل الحرمات التي تخطر على بال في حرم الله عز وجل، طبعا اليهود فرحت بذلك المنافقون وجدوا فيها فرصة للطعن في الدين كما هو حالهم في أيامنا هذه في كتبهم في صحفهم في وسائل إعلامهم ما أن يحصل أمر حتى يطعنوا، لا في هذا الأمر مخالفة من هيئة مخالفة من رجل ينسب إلى الالتزام والإسلام يطعن في الدين كله يطعن في شرع الله كله.

وجد الصحابه في أنفسهم شيء هل أخطأنا هل فعلنا منكرا إلى أن أنزل الله تعالى قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفُرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: 217]، ما فعله المشركون أعظم وأشنع من هذا الاجتهاد الذي قام به الصحابة عبد الله بن جحش ومن معه، ولذلك الآية التي بعدها تماما في سورة البقرة قال عز من قائل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: 218]، فقد غفر الله لهم ورحمهم ووعدهم رحمة منه عز وجل ردا على المشركين وإظهارا وفي تعذيبهم وإغاظتهم.

وبهذا أصبح أمر المسلمين عظيما عند قبائل العرب وأصبحت قريش تحس بالنار وتحس بالأذى وتحس بالخطر الذي يقترب من مكة فلم يروا بدا من الهجوم الذي هو خير وسيلة للدفاع ولم يروا بدا من محاولة إنهاء هذه الفتنة بزعمهم وفي رأيهم والقضاء على محمد صلى الله عليه واله وسلم ومن معه قضاء نهائيا.

هذا ما اتسع له الوقت على أمل اللقاء بكم في الحلقة القادمة، فالإلى ذلك الحين أترككم في أمان الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.