تسجيل الدخول

المحاضرة 2 - نسب النبي ﷺ ومولده وطفولته

عاصم الحكيمالشيخ عاصم الحكيم
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين، أما بعد.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. هذه هي الحلقة الثانية من مدارستنا لسيرة النبي صلى الله عليه واله وسلم. ولا شك أن الأنبياء هم أكمل الناس خلقاً وخلقاً وهم أعلاهم وأشرف نسباً. ولذلك كما ثبت في الصحيح في فترة الهدنة ما بين المسلمين وكفار قريش، ذهب أبو سفيان بن حرب وكان إذ ذاك كافراً إلى الشام، فأتى به هرقل كبير الروم وجعله أمام أصحابه وأوصد وأوزع إلى أصحابه أنه إن كذب كذبة واحدة فأخبروني. وسأله عن أمور معينة ومما سأله عنه عن نسبه صلى الله عليه واله وسلم، فقال: كيف نسبه فيكم؟ فقال أبو سفيان: إنه ذو نسب فينا. فقال هرقل أو زعيم الروم: كذلك الرسل تبعث في نسب قومها. وهذه سنة الله عز وجل في أنبيائه ورسله أنهم يكونوا عادة من أشرف الناس، لأنهم رسل الله عز وجل فلا بد أن يكون لهم نسب وشرف في قومهم.

فمن هو النبي صلى الله عليه واله وسلم؟ هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، كما جاء في رواية البخاري وهذا لا خلاف فيه، وعدنان من ولد إسماعيل. هذا النسب الطاهر، هذا النسب الشريف. قال عليه الصلاة والسلام: «لم أزل أنتقل بين أصلاب الرجال وفي خيرة الأنساب من نكاح إلى نكاح ولم يوجد في نسبه عليه الصلاة والسلام سفاح، لم يوجد زنا، لم يوجد حرام، إنما هو نكاح من نكاح من خيار إلى خيار حتى ولد صلى الله عليه واله وسلم».

روى واثلة بن الأسقع رضي الله عنه وأرضاه، قال: قال النبي صلى الله عليه واله وسلم: «إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل عليهما السلام واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة واصطفى من بني كنانة قريشاً واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم». وهذا الحديث أصله في صحيح الإمام مسلم وقد أخرجه الترمذي في سننه. فالرسول عليه الصلاة والسلام من أشراف قومه، أبوه هو عبد الله بن عبد المطلب وكان من أجمل وأوسم وأنهد شباب قريش وكان محبوباً إلى أبيه حباً عظيماً، وعبد المطلب هو سيد قريش، أمه آمنة بنت وهب كان أبوها سيد بني زهرة في الشرف والحسب، فعائلتها عائلة معروفة مرموقة ذات نسب وأصل في قريش.

وجد النبي عليه الصلاة والسلام هو عبد المطلب وهو سيد قبيلة قريش وله خصال كريمة، وقد اشتهر بأمور عظيمة منها حفرة لبئر زمزم. فبئس مبداه ومنشاه كما نعلم هو عندما ضرب إسماعيل وهو طفل رضيع الأرض بقدمه فانفجرت منه ماء زمزم، ثم تكاثر الناس في ذلك الوادي القفر الذي لم يكن فيه لا زرع ولا حياة، ولكنها دعوة أب إبراهيم عليه الصلاة والسلام عندما ترك هاجر وابنها إسماعيل وهي تقول: يا إبراهيم لمن تتركنا في هذا المكان؟ في هذا الوادي القفر لا زرع ولا حياة ولا أنس، وهو لا يرد عليها عليه الصلاة والسلام حتى سالته سؤالاً صريحاً: الله أمرك بهذا؟ فقال: نعم. قالت: إذن لا يضيعنا. هذا التوكل، هذا الإيمان، هذا الاعتماد على الله عز وجل أثمر أن هاجر وابنها سادت ذاك الوادي.

فعندما انفجرت ماء زمزم أتت القبائل من كل حدب وصوب وهم يعلمون أن ذلك المكان قفر لا يوجد فيه ماء ولا توجد فيه حياة، فاستأذنوها وتزوج منهم إسماعيل، ونشات وبدأت حياة العرب آنذاك. ثم جاء زمان واندرفت وذهبت هذه الماء ودرست زمزم، فرأى عبد المطلب وكان سيد قريش رأى في المنام ثلاث مرات من يأمره بحفر زمزم وهو لا يدري أين مكانها، وفي المرة الرابعة أري مكانها فذهب فحفر زمزم، فإذا بالماء ينبثق ويخرج فكبر وارتج الوادي لتكبيره، فعرفت قريش أنه أدرك زمزم فأتوا إليه فقالوا: نحن معك في زمزم أشركنا فيه. فقال: لا، أنا أريت في رؤيا وانا الذي حفرتها فأنا الذي أتوها. فشدوا عليه في الحديث وأغلظوا عليه وهم كثرة وهو لم يكن له من الولد إذ ذاك إلا الحارث بن عبد المطلب فغلبه عليها، فنذر في نذره ذاك أن الله عز وجل إذا رزقه بعشرة من الأولاد ليذبحن أحدهم قربة إلى الله. نذر عجيب وشكر غريب لنعمة من النعم ينعمها الله عز وجل على المرء، ولكن هذا ما حصل.

فلما اختصموا في ماء زمزم ومن يتولى رعايته ومن يكون مسؤولاً عنه، قال: نحتكم إلى كاهن في شمال الجزيرة. فشدوا الرحال وذهبوا وبينهم وبين تلك الكاهنة مفاوز وصحار، فانقطع في الطريق ونفذ ما عندهم من ماء، فطلبوا السقيا من القبائل المجاورة فأبوا أن يعطوهم وقالوا: نحن أحوج إلى الماء مثلكم ونخشى إن أعطيناكم احتجنا. فلما أحسوا بدنو أجلهم من العطش قالوا: ما الحيلة لو متنا الآن أصبحنا جيفاً تأكل السباع والطيور منا. فنزلوا على رأي عبد المطلب وقالوا: أنت أشرفنا وأنت أكرمنا ونحن ننزل على رأيك. فاشار عليهم أن يحفر كل واحد قبره وويضطجع بجانبه فإذا مات أحدهم ألقوه في قبره ودفنوه، فقال: إن بهذه الطريقة الغالبية العظمى منا ستدفن وتحفظ أجسادهم والأخير هو الذي يضيع، وضياع واحد أهوى من ضياع المجموعة.

ففعلوا مثل ما أمرهم بفعله، ثم بعد أن فرغوا من فعلهم قال لهم: والله ما هذا بالرأي، قوموا نبحث عن الماء عوضاً عن أن نموت هكذا ميتة يعني ما من خير فيها. فلما قامت ناقته واذ الماء ينبعث من تحت حافرها أو من تحت خفها فكبر القوم وشربوا وعاشوا، ودعا عبد المطلب تلك القبائل المجاورة إلى أن يشربوا وأن يستقوا وأن يأخذوا ما أرادوا أن يأخذوا، فعرف الناس أن تلك آية من الله عز وجل لعبد المطلب أن زمزم هو الذي يتولى سقايتها. والقصة بعد ذلك معروفة، أما مسألة نذره الذبح فهذه مسألة عظيمة، ولذلك يعرف النبي صلى الله عليه واله وسلم باسم ابن الذبيحين.

لماذا سمي بابن الذبيحين؟ الذبيح الأول هو إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام الذي رأى إبراهيم صلى الله عليه وسلم في المنام أنه يذبح ابنه ففداه الله عز وجل بكبش عظيم كما هو معروف. أما عبد الله بن عبد المطلب فلما توافرت أبناء عبد المطلب وتكاثروا وأصبح عنده عشرة من الابناء أراد أن يفدي أو أن يفي بنذره، فاسهم بين أبنائه فوقفت القرعة على أحبهم إلى قلبه وهو عبد الله، فحار في أمره ولم يدر ما يصنع. قيل إنه أسهم ثانية وثالثة وتطلع على عبد الله، فاشار إليه أن يقرع بين عبد الله وعشرة من الإبل، يعني أنا أفدي عبد الله بنحر عشرة، فوقعت القرعة على عبد الله. وكرر هذه العملية حتى أقرع بين عبد الله وبين مئة من الإبل، فوقعت القرعة على مئة من الإبل ففدى ابنه بذلك ونحر مئة من الإبل، ولذا يعرف الرسول عليه الصلاة والسلام باسم ابن الذبيحين صلى الله عليه واله وسلم.

متى ولد؟ اختلف أهل العلم بيوم ولادته فقيل هو في التاسع، وقيل هو في العاشر أو الثامن، وقيل هو في الثاني عشر من ربيع الأول. والقول الذي هو أقرب للتحقيق أنه ولد في التاسع من ربيع الأول وأنه ولد يوم الاثنين. وقد سئل الرسول صلى الله عليه واله وسلم عن سبب صيامه ليوم الاثنين، فقال: «ذاك يوم ولدت فيه وبعثت فيه» كما رواه الإمام مسلم في الصحيح. فالنبي عليه الصلاة والسلام يصوم كل اثنين لأنه ولد فيه وبعثت فيه، وهذا طبعا لا يحيط

أني إذا أنا ولدت يوم الأربعاء أني أصوم كل أربعاء، لأن هذا ليس شرعاً وليست من السنة، ولو قال قائل الرسول كان يفعل ذلك، نقول عليه الصلاة والسلام فعل ذلك لسببين: الولادة والبعثة، وأنت لم يبعث لك ولم يوحى لك بعد ولن يوحى لك أبداً، فإذا تصبح ذلك أو يصبح ذلك بدعة إذا أنت فعلت هذا. لدينا فاصل وبعدها نواصل بإذن الله عز وجل.

كلمة ترفعك إلى رضوان الله، وكلمة تنزلك إلى سخطه؛ هكذا هي خطورة اللسان. قال عليه الصلاة والسلام: «إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالاً يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم». والصوم هو المدرسة الربانية لتهذيب اللسان، وتحفظ الإنسان من مساوئ الأخلاق، فلا يكتمل الصيام إلا بحفظ اللسان عن الآثام، فلا غيبة ولا نميمة ولا كذب ولا فحش بل ولا رد الشتم. قال عليه الصلاة والسلام: «الصيام جنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث يومئذ ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني امرؤ صائم». فإن آثام اللسان قد تمحو ثواب الصيام؛ ففي الحديث: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه». فالعاقل يضع على لسانه ميزاناً يضبط كلامه، فإن كان خيراً نطق به وإلا سكت. قال عليه الصلاة والسلام: «ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت».

السلام عليكم ورحمة الله. النبي صلى الله عليه وسلم ولد يوم الاثنين في التاسع من ربيع الأول من عام الفيل. وما هو عام الفيل؟ نحن نعلم أن الصينيين الآن يؤرخون لسنوات بعام الحيوانات؛ عندهم حيوانات معينة، عام القرد، عام القندس، عام الفار، عام كذا، فهل هذا من هذا القبيل؟ أبداً، العرب في أيامهم لم يكن عندهم تقويم يمشون عليه بالنسبة للسنين، فكانوا يؤرخون التاريخ بالوقائع، فمثلاً حرب داحس والغبراء أو كذا، عام الفيل، عام الرمادة، عام كذا، بحسب الوقائع الجسيمة التي حصلت.

فالنبي صلى الله عليه وسلم ولد في عام الفيل، وما هو عام الفيل؟ هو عام حاول فيه أبرهة حاكم اليمن يغزو مكة ويهدم الكعبة. واليمن كان مكان تنازع كما هو الحال في هذه الأيام؛ فكانت في فترة من الزمان تتبع الحبشة، وعند ولادة النبي عليه الصلاة والسلام كانت تتبع اليمن النجاشي، وبعد بعثته عليه الصلاة والسلام أصبحت اليمن تتبع فارس والمجوس، فكانت مكان تنازع بين القوى، بين النصارى وبين عباد النار من مجوس. فيروى أن أبرهة بأمر من النجاشي لما رأى إقبال العرب على الكعبة، أراد أن يبني بناء ضخماً عظيماً، يعني كنيسة بحيث يلفت أنظار الناس إليها عوضاً عن الكعبة، فبنى تلك الكنيسة ودعا العرب إلى دخولها وعبادة الله عز وجل فيها.

فققام أحد الأعراب واخذته الغيرة فجاء بقاذورات ولطخ بها الكنيسة من الداخل -أكرمكم الله عز وجل- أتى بالنجاسات والاشياء ولطخ الكنيسة بها من الداخل ليهينها، فغضب لذلك النجاشي -وهو غير النجاشي صاحب النبي عليه الصلاة والسلام الذي صلى عليه صلى الله عليه واله وسلم والذي أوى المسلمين وقبلهم في الهجرة الأولى هجرة الحبشه، هذا غير النجاشي، النجاشي اسم لكل من يملك الأباش، مثل أن هراقل اسم لمن يملك الروم، وكسرى اسم لمن يملك الفرس، والمقوقس للأقباط ونحو ذلك-.

فغضب لذلك غضباً شديداً وأمر قائده أبرهة أن يذهب فيهدم الكعبة، فأتى بجيش ضخم عظيم ومعهم فيل، والعرب لم تعهد الفيل، والفيل يخوف لو تراه تخاف منه، فكيف بمن لا يعرفه أصلاً ولم يره ولا في صور ولا في برامج وثائقية؟ ما شاف قدام الفيل هذا، إيش تسوي فيه؟ مصيبة. فجاء هذا الجيش ليهدم الكعبة.

وتعرفون القصة أن عبد المطلب أتى واستأذن فأذن له، لما راه رجلاً كبيراً وقوراً مهيباً هابه واحترمه، فطلب عبد المطلب منه أن يردوا عليه قطيعاً من الغنم أخذه رجاله، فقال: سقطت من عيني كنت أظنك يعني أتيت تناف وتدافع عن البيت الذي تعظمونه، أتيت من أجل غنيمات؟ قال: أنا رب الغنم وأنا أهتم بها، ولكن البيت له رب يحميه. فاستمر في مسيره.

فأرسل الله عليهم طيراً أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف مأكل، فدمر ذلك الجيش بجند من جنود الله عز وجل؛ طيور صغيرة تحمل في رجليها حجرتين وفي منقارها حجر واحد ترميهم بها، فإذا تنخر نخرة تدخل من رأس أحدهم وتخرج من دبره وقد قتلته وقد أهلكته. ولم يستطع الفيل كما جاءت الرواية أن يتقدم خطوة واحدة، لأن الذي حبسه هو الله عز وجل؛ إذا وجهوه جنوباً -يعني إلى اليمن مرة أخرى- مشى، إذا وجهوه شرقا أو غرباً مشى، لكن إذا وجهوه شمالاً في اتجاه مكة توقف.

فنظير ذلك حصل في الحديبية يوم الحديبية عندما توقف القصواء ناقة النبي عليه الصلاة والسلام وابت أن تتقدم تجاه مكة، فقالوا: خلات القصواء. قال عليه الصلاة والسلام: «ما خلات وما ذلك لها بخلق، لا أبداً، ما تمردت وليس من عادتها ولا من شيمتها، ولكن حبسها حابس الفيل» كما قال صلى الله عليه واله وسلم.

ففي هذا العام حصلت ولادة النبي صلى الله عليه واله وسلم. وسبحان الله أنت لو تأملت في الحكم -والوقت لا يتسع لكن لو تأملت في الحكمة- أن الله عز وجل لماذا دafع عن قريش وهم مشركون وهم عبدة الأوثان؟ قال العلماء: الله عز وجل لم يكرم قريشاً لكفرهم أو شركهم حاشا وكلا، ولكن أكرمهم بالدفاع عنهم تعظيماً لبيته وتعظيماً لنبيه صلى الله عليه واله وسلم؛ إذ لو نجح أبرهة في غزو مكة لأصبحت أم النبي عليه الصلاة والسلام والتي كانت حاملاً به أصبحت جارية، ولا أصبحت النبي عليه الصلاة والسلام رقيقاً، إنما أراد الله عز وجل أن تكون تلك إرهاصة من إرهاصات نبوته صلى الله عليه واله وسلم بدفاعه عن بيته وعن من ذلك البلد الكريم، البلد الحرام الذي ولد فيه النبي صلى الله عليه واله وسلم.

عندما ولد النبي صلى الله عليه واله وسلم أصح ما ورد أن آمنة أم النبي عليه الصلاة والسلام رات نورا يخرج منها أضاءت له قصور بصري بالشام، أما مسألة ارتجاف إيوان كسرى وسقوط شرفاته وانطفاء النار وحصول كذا وكذا، هذه كلها روايات لا صحة لها، لا تثبت، وبعض الناس يحب كالعادة أن يضع شيئاً من البهار، من الملح، من الفلفل الأسود لكي تزدان الوجبة، وهذا خطأ لأن الأصل أن الإنسان لا يكذب ولا يضع من هذه الأمور من عنده ومن كيسه.

فهذه ولادته صلى الله عليه واله وسلم بالتاريخ والحوادث التي أحيطت بها، وهي حادثة عظيمة، ولكن الناس لأسف الشديد قد استزلهم الشيطان واستدرجهم حتى أن كثيراً من المسلمين يحتفلون بعيد ميلاده عليه الصلاة والسلام في كل سنة، وهذا خطأ عظيم باتفاق علماء المسلمين وباتفاق المسلمين قاطبة أن النبي صلى الله عليه واله وسلم توفاه الله عز وجل في يوم الثاني عشر من ربيع الأول، هذا ما في خلاف، هل ولد في هذا اليوم أو لا؟ كما تقدم فيه خلاف، والصحيح أنه ولد يوم التاسع.

فالذي يحتفل بميلاد النبي عليه الصلاة والسلام هو محب، هو يزعم أنه يحب الرسول عليه الصلاة والسلام، ولا شك لدينا في ذلك، لكن ليس كل محب يصيب الطريق، هذا الذي يحتفل بميلاد النبي عليه الصلاة والسلام لا شك أنه قد ابتدع بدعة منكرة. نقول لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». هل احتفل الرسول بعيده عليه الصلاة والسلام؟ قالوا: نعم، صام الاثنين، بيننا ذلك وقلنا إن صومه الاثنين لبعثته ولمولده؟ أبداً. هل احتفل بذلك التابعون أو تابع التابعين؟ أبداً. فكيف ناتي نحن ببدعة منكرة وقد قال النبي صلى الله عليه واله وسلم: «خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم»؟ لا شك أن هذه بدعة منكرة، ولم تظهر هذه البدعة إلا في القرن الرابع وقيل في القرن السابع، أظهرها العبيديون الباطنيون الذين أرادوا هدم الدين بأكثر.

من طرائقها الأحداث والابتداع في دين الله عز وجل، ولا شك أن من أراد أن يحتفل ويحتفي بمولده عليه الصلاة والسلام لابد أن يأتي البيوت من أبوابها، وذلك بإقامة سنته في حياته. هذا الذي يدعي أنه يحب الرسول عليه الصلاة والسلام ويقيم المولد أو المولد ويفعل ما يفعل زعماً منه أنه يحب الرسول اللهم صل وسلم عليه لكنه لا يصلي الفجر في المسجد، هذا تارك مخالف لسنة الرسول عليه السلام، أتى بأمر عظيم، لا يحجب نساءه ولا بناته ولا يسترهن عن أعين المتطفلين، يستمع إلى الحرام وينظر إلى الحرام ويأكل الحرام ويتعامل بالحرام، فأنى يستجاب له؟ هذا رجل ادعاؤه بارد وغير صحيح؛ لأنه لو أحبه لأطاعه، إن المحب لمن يحب مطيع. فهذه من الأمور التي ينبغي للمسلم أن يتنبه لها.

الرسول عليه الصلاة والسلام هل قابل أباه؟ الصحيح أن أباه مات وهو جنين في بطن أمه له ستة أشهر. وقد اختلف العلماء هل ولد الرسول عليه الصلاة والسلام أم لم يولد في حياة والده؟ والصحيح أنه لم يولد، وهذا أعظم وأتم يتماً؛ فاليتيم في اللغة هو من مات أبوه ولم يبلغ سن الرشد. نأتي إلى بعض الإخوة عمره 40 سنة يقول: والله أنا يتيم! كيف يتيم؟ اليتيم هو الذي لم يبلغ سن الرشد، فإذا بلغ سن الرشد زال عنه وصف اليتم. فالنبي صلى الله عليه وسلم كان أتم الأيتام؛ لأن والده مات وهو ما زال جنيناً في بطن أمه.

العرب كانت لديها عادة بالارضاع، فكان من المعتاد أن المرأة ترضع أبناء غيرها، النبي عليه الصلاة والسلام أضعته امرأتان: ثويبة مولاة أبي لهب عم النبي عليه الصلاة والسلام، وحليمة السعدية. أما مولاة أبي لهب ثويبة فلما بلغ الخبر أبا لهب بولادة النبي عليه الصلاة والسلام يروى أنه اعتقها فرحاً بتلك البشارة، ويروى -ولكن الحديث لا يصح- أن الله خفف عنه أو يخفف عنه كل اثنين في نار جهنم، لكن هذه الرواية غير صحيحة وإن كانت مشتهرة عند كثير من الناس. وممن رضع مع النبي عليه الصلاة والسلام من ثويبة أبو سلمة الأسدي وحمزة بن عبد المطلب، فهؤلاء الثلاثة أخوة بالرضاعة.

ثم أضاعته حليمة السعدية، واصل الإرضاع عند العرب أنهم كانوا يقولون: من تربى في المدينة تبلدت أفكاره ولم ينطلق لسانه، بينما الذي ينشأ في البادية فهذا الذي يكون متقِد الذهن، حاد الفكري، طلق اللسان، يتعلم اللغة العربية الفصحى من أصولها. فما هو أو ما هي قصة إرضاع حليمة للنبي صلى الله عليه واله وسلم وكيف نالت هذا الشرف العظيم، وهي لم تكن تحتسب أن ترضع مثل هذا اليتيم وهذا الفقير؟ هذا الذي إن شاء الله وقدر سوف نتدارسه بعد الفاصل فابقوا معنا.

مليار و300 مليون طن من الأطعمة تتحول إلى صناديق القمامة سنوياً، وهو ما يعادل ثلث إنتاج العالم من الطعام، ويتسبب هذا في خسارة مادية تقدر بـ 750 مليار دولار في كل عام، هذا ما أكدته منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة. يحدث كل هذا في ظل وجود 870 مليوناً من الجائعين يومياً، وصدق من قال: ما رأيت إسرافاً إلا وبجانه حق مضيع. ففي الوقت الذي يموت فيه عشرات الآلاف من الأطفال جوعاً بسبب نقص الغذاء، نجد أن دولة غربية ترمي وحدها أطعمة تبلغ قيمتها 19 ملياراً من الدولارات في كل عام، ودولة أوروبية أخرى تهدر 100 طن من الطماطم في مهرجان سنوي يعرف بمهرجان التراشق بالطماطم. وفي دراسة لإحدى الشركات المتخصصة وجد أن 80% من قمامى إحدى الدول العربية كانت عبارة عن طعام. قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31]. فلنتدبر؛ لئلا يؤول بنا الحال إلى مصير المسرفين، فثم دول معاصرة اشتهرت بشدة النعيم والإسراف ثم دارت الأيام واشتهرت بالمجاعة. فلنحرص جميعاً على الاقتصاد في الطعام، وأن نأتي به على قدر الاحتياج، وإذا تبقى منه شيء فلنحتفظ به للوجبة التالية أو لنعطيه المحتاج بعد أن نغلفه، وإذا كان الطعام لا يصلح للإنسان فلنجعله في صندوق ولنجعله غذاء للطيور والحيوان؛ ففي كل كبد رطبة أجر. ولنتذكر دوماً قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: 8].

السلام عليكم ورحمة الله. حليمة السعدية مثلها مثل نساء قبيلتها، ذهبوا في الموسم إلى مكة وهي العاصمة وهي أكبر المدن وأعظمها وأشرفها نسباً، تبحث عن رزقها؛ لأنها إذا كفلت وأرضعت طفلاً لأب ثري ينالها شيء من المال، ينالها شيء من الخير. فذهبت إلى مكة مع صويحباتها، ولكنها كانت في حالة مادية صعبة حتى إن الناقة التي جاءت عليها كانت في آخر القوم لهزالها وضعفها، وكان وقت جدب وجفاف، الناس كانوا في فقر.

وصلت مكة آخر القوم، وفوجئت بأن صويحباتها أخذن كل أولاد الأثرياء؛ لأنهم وصلوا قبلها فلم تجد إلا ذاك اليتيم محمد بن عبد الله، أبوه توفاه الله عز وجل وأمه آمنة، ولم ترتقب خيراً من ورائه، وترددت في قبوله، ولكنها استحت أن ترجع صويحباتها كل منهن معها ولد وهي ترجع خاليه الوفاض، فقبلت به على مضض. وسبحان الله! كيف فتحت لها أبواب الخيرات بقبولها لهذا الغلام المبارك صلى الله عليه واله وسلم، وقد رأَت ذلك بأم عينها؛ إذ ما إن ركبت ناقتها حتى أصبحت أسرع الرواحل، وفوجئ الناس بانطلاق تلك الناقة الهزيلة وأنها أصبحت أقوى وأسرع وأنشط الموجود.

لما أخذت الغلام وكانت تشتكي من قله الحليب، إذ بالحليب يدر عليها فيكفيها ويكفي ابنها ويفيض عن الحاجة، حتى أنها لما كانت ترسل الراعي مع غنمها ليرعى لا تذهب الغنم إلا إلى أخصب المواقع، فكان الناس يرسلون غنمهم خلف غنمها؛ لأنها تذهب إلى منطقة يبارك الله عز وجل فيها ويجعل فيها الشيء الكثير والخصب والخير من عند الله عز وجل، فرات البركة. فعندما فرغت من إرضاعه عامين كاملين أرادت الزيادة فاحتالت على أمه، ورجعت إليها وأخبرتها أنها تخشى عليه من جو المدن الموبوء وتخشى عليه على صحته وعلى عافيته، فقبلت أمه أن تبقيه عامين آخرين.

فتربى صلى الله عليه واله وسلم في بادية بني سعد وكان صلى الله عليه واله وسلم عندها إلى سن الرابعة تقريباً، عندما حدثت حادثة شق الصدر. وهذه الحادثة ثابته في الصحيح وثابته في كتب السيرة، وهي حادثة عجيبة غريبة، لكنها ليست باعجب من الإسراء والمعراج، وليست باعجب من وحي الله له في لحظة لحظات بكلام الله عز وجل، وليست بأعجب من شق القمر أو تحدث الحصى أو نبع الماء من يده، معجزات متتاليات.

لكن شق الصدر حصل مرتان على ما يقوله أغلب أهل السير، وقيل إنه ثلاث مرات، ولكن الصحيح أنه لم يحصل إلا مرتين. المره الأولى عندما كان في بني سعد وهو يلعب مع الغلمان، أتى جبريل فأخذه واضطجعه -والأولاد ينظرون- وشق صدره واستخرج قلبه وغسله في طست من ذهب بماء زمزم ونقاه، ثم أتى به فكأني أنظر إلى مخيطه في صدره. وفي رواية أخرى استخرج علقة فقال: هذا حظ الشيطان منك. ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم ثم لأمه أي جمعه وضم بعضه إلى بعض ثم أعاده في مكانه. وجاء الغلمان يسعون إلى أمه أي مرضعته فقالوا: إن محمدا قد قتل! فاستقبلوه وهو ممتقع اللون. قال انس رضي الله عنه: وقد كنت أرى أثر المخيط في صدره صلى الله عليه واله وسلم. حادثة عجيبة، يعني أول عملية ربما تكون أول عملية جراحية في تاريخ الإنسانية؛ لأنه ما أحد يستطيع أن يفعل هذا الفعل في ذلك الزمان بهذه الأدوات التي كانت موجودة عندهم.

جاء في صحيح الإمام مسلم عن انس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه واله وسلم اتاه جبريل وهو يلعب مع غلمان، فاخذه فصرعه، فشق عن قلبه فاستخرج القلب فاستخرج منه علقة فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم ثم لأمه أي جمعه وضم بعضه إلى بعض ثم أعاده في مكانه. وجاء الغلمان يسعون إلى أمه أي مرضعته فقالوا: إن محمدا قد قتل فاستقبلوه وهو ممتقع اللون. قال انس رضي الله عنه: وقد كنت أرى أثر المخيط في صدره صلى الله عليه واله وسلم. حادثة عجيبة لكن هي مقدرة، وهي لحكمة، وكل أفعال ربي عز وجل لحكمة مقدرة وعلم سبحانه عز وجل هو العليم الحكيم. رجع إلى مرضعته حليمة وهو ممتقع اللون من هذه العملية الجراحية الأولى والفريدة من نوعها.

نوعها فخافت عليه، وخافت أن يهلك وهو في حضنها وهو في رعايتها، وعهدت فرجعت به إلى أمه وسلمتها إياه، فمكث عند أمه قرابة السنتين على خلاف بين أهل العلم، فمات وهو فماتت وهو ابن ست سنوات.

كانت في المدينة ورجعت من المدينة، كانت في زيارة لأخو عبد الله، وفي كتب السيرة تسمعهم يقولون لأخو النبي عليه الصلاة والسلام أخوال النبي عليه الصلاة والسلام من بني زهرة هم أهل آمنة، لكن أخوال أبيه عبد الله هم من بني النجار من المدينة، فدائما يتجاوزون أهل السيرة فيقولون كانت في زيارة لأخوه، لا مش أخوال الرسول عليه الصلاة والسلام أخوال أبيه، ولكن العرب قد تتنازل وتقول لأهل أو أخوال الابن أنهم أخوال للرجل نفسه.

وهي راجعة مرضت وتوفاها الله عز وجل بالأبواء ودفنت هنالك، فالرسول عليه الصلاة والسلام أبوه توفي وعمره ستة أشهر جنينا في بطن أمه، أمه توفيت وهو ابن ست سنوات، فكفله جده عبد المطلب وكان يحبه حبا عظيما لا مثيل له، سيد قريش وكان له فراش في ظل الكعبة ما يجلس عليه أحد من أبنائه، وكان محمد عليه الصلاة والسلام إذا خرج وهو طفل صغير يرقى على الفراش ويجلس عليه، فيأتيه أعمامه يريدون أن ينزلوه فيأبى عليهم ويقول لهم عبد المطلب جده: دعوه فإن الابن هذا شأنا، وكان يجلسه بجانبه ويحنو عليه ويحضنه ويشمه ويقبله ويحبه حبا عظيما.

ولا شك أن الطفل إن شعر بمثل هذا الحب بادله بحب أعظم منه، ويشاء الله عز وجل ويتوفى الله تعالى عبد المطلب والرسول عمره ثمانية أعوام، سبحان الله من موت إلى موت إلى موت وهو لم يتجاوز الثامنة من عمره.

إذا نظرت في سيرته عليه الصلاة والسلام عرفت أن الله عز وجل أراد أن يحول بين تعلق النبي عليه الصلاة والسلام بأحد من البشر، وأن لا يقوم أحد على تربية النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا رب البشر عز وجل، ألم يجدك يتيما فآوى * ووجدك ضالا فهدى * ووجدك عائلا فأغنى، هذا هو الله عز وجل المدبر الرزاق سبحانه وتعالى هو الذي ربى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم.

أبو النبي وأمه كما جاء في صحيح الإمام مسلم هما في النار، وهذه مسألة اختلف العلماء فيها منذ قديم الزمان، وسبب الاختلاف محبتهم للنبي عليه الصلاة والسلام ورغبتهم في أن يكون من يحب في جنات النعيم، ولكنا كمسلمين ما نستطيع أن نقدم بين يدي الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم فنحن نقف مع القرآن ومع السنة ونذهب حيث ذهب.

جاء في صحيح الإمام مسلم أن رجلا قال: يا رسول الله أين أبي؟ قال: «أبوك في النار»، فكان الرجل وجد في نفسه شيئا فقال له عليه الصلاة والسلام: «إن أبي وأباك في النار»، وهذا تصريح منه عليه الصلاة والسلام تصريح منه أن أباه عبد الله في نار جهنم.

وجاء في صحيح الإمام مسلم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بكى ذات يوم فقيل له: يا رسول الله ما يبكي؟ قال: «استأذنت ربي في أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنت أن أزور قبره فأذن لي»، فهذا حديث واضح صريح في جواز أن يزور الإنسان قبر مشرك أو كافر للاتعاظ والاعتبار لا للدعاء، وأيضا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يأذن الله له بأن يستغفر لأمه.

وقد يقول قائل: أليس أبواء النبي عليه الصلاة والسلام من أهل الفترة؟ فهذه مسألة الكلام فيها يطول وهي مبحوثة بتوسع في كتب العقيدة، إلا أن ما يهمنا أن حديث الرسول عليه السلام مقدم، أما ما يحصل يوم القيامة فهذا بيد الله عز وجل والله تعالى أعلم ونسبه العلم إليه أسلم، فلا نزيد عن ذكر ما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

طبعا الذي كافله بعد عمه بعد جده عبد المطلب هو عمه أبو طالب وذلك بإيعاز من جده عبد المطلب قبل أن يتوفاه الله تعالى، وبهذا ناتي على ختام درس اليوم على أمل اللقيا بكم إن شاء الله في الدرس الثالث، وإلى ذلك الحين استودعكم الله عز وجل، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.