السلام عليكم ورحمه الله وبركاته.
توقف بنا الكلام في الدرس الماضي عند وفاه والد النبي عليه الصلاه والسلام وأمه وجده، ورعايه عمه أبي طالب. وأبو طالب عم النبي عليه الصلاه والسلام رعاه أربعين سنه يدافع عنه، ينافح عنه، يدفع قريش، وبذل حياته لابن أخيه. أبو طالب كان رجلا فقيرا وذا عيال، فضم ابن أخيه إليه وإلى أولاده، وعاملهم أفضل مما يعامل أبنائه، حتى إن النبي صلى الله عليه واله وسلم أراد أن يرد شيئا من الدين وذلك بأن رعى الغنم، كما جاء في الصحيح أن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: «ما من نبي إلا ورعى الغنم». قالوا: حتى أنت يا رسول الله؟ قال: «حتى أنا رعيت الغنم لبني فلان على قراريط». فكان يريد أن يساعد عمه في المصروفات وفي النفقات، فرعى الغنم صلى الله عليه واله وسلم.
وعندما تزوج خديجة، وسيأتي الحديث عن ذلك فيما بعد إن شاء الله وقدر، ساعد عمه بأن أخذ منه عليا رضي الله عنه وأرضاه وكان طفلا، لينشا في بيت النبوة وليتربى مع ابن عمه صلى الله عليه واله وسلم الذي بني عليه وتعهده، وربما حتى صار من صار رضي الله عنه وأرضاه. أبو طالب كان فقيرا والرسول عليه الصلاه والسلام رعى الغنم، لكن لماذا؟ ما من نبي إلا ورعى الغنم، لماذا هذه الخصله المشتركة بين جميع الأنبياء؟ قال العلماء: لعل في ذلك تعويضا للأنبياء على السياسة العامة، لأن الذي لا يتمس في قيادة الناس والتعامل مع محسنهم ومسيئهم ربما أتى بالكوارث. إذا زاد الناس من لا خبرة له في التعامل معهم ولا في معرفة المصالح من المفاسد أدى ذلك إلى فساد الأمة، ولذا قال النبي صلى الله عليه واله وسلم لمن سأله: يا رسول الله متى الساعة؟ قال: «إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة». قال الرجل: فما إضاعتها؟ قال: «إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة». القيادة والسياسة العامة أمر عظيم.
وقد قال عليه الصلاه والسلام في الحديث الصحيح: «إن الكبر والأنف في أهل الإبل والخيل»، الذي يربي الإبل والذي يربي الخيل تجد فيه كبرا وأنفا، كما يقال بالعامية شوفت نفس؛ لأنه يأخذ من أخلاق تلك الدواب. قال عليه السلام: «والسكينة في أصحاب الغنم»، الذين يتعهدون الغنم هؤلاء تجد فيهم السكينة، تجد فيهم الهدوء؛ لأنهم يأخذون من أخلاق تلك الدواب بما فيها من سكينة وهدوء ونحو ذلك. كذلك الأنبياء كانوا يرعون الغنم لأنهم يتعلمون بذلك الحلم على مريضهم ومساعدة ضعيفهم، وشيء من هذا القبيل الذي يوجد في كل من يتعهد الغنم بالتربية. وأضف إلى ذلك أن أفضل ما أكل منه الرجل كسب يده، وقد كان داود عليه الصلاه والسلام يأكل من كسب يده، كما جاء عن النبي عليه الصلاه والسلام في الأنبياء عندما يرعون الغنم أنهم يأكلون من كسب أيديهم، وقصة رعاية الغنم لسيدنا موسى عليه الصلاه والسلام عشر سنين معروفة ومذكورة.
أبو طالب كان يحب ابن أخيه حبا عظيما، ولكن هذا الحب لا يتنافى مع قواعد الشرع الأصيلة، ولذا جاء عن العباس عم النبي صلى الله عليه واله وسلم ورضي الله عن آل العباس أنه سأل النبي عليه الصلاه والسلام: أرايت أبي طالب وما كان يساندك وينافح عنك هل نفعته بشيء؟ قال النبي صلى الله عليه واله وسلم في معنى الحديث: «أنه في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار». وجاء في بعض الروايات أن أخف الناس عذابا هو أبو طالب، توضع جمرة من نار في نعله يغلي من حرها، نسال الله لنا ولكم العافيه. أبو طالب الذي حاول النبي صلى الله عليه واله وسلم أن يدعوه إلىسلام وأن يجعله يتكلم وينطق بكلمه الحق وشهادة الحق إلى آخر أنفاسه، وحزن على موته صلى الله عليه وسلم، لكن رفاق السوء منعوه من ذلك. فكان صلى الله عليه وسلم يقول له وهو على فراش موته: يا عماه قل كلمة أشفع لك بها عند ربي عز وجل، قل لا إله إلا الله، وكان مترددا وكان موشكا على قول هذه الكلمة العظيمة، وأبو جهل ورجل آخر قالا له: أتترك ملة عبد المطلب؟ أتترك ملة آبائك وأجدادك؟ حتى أقنعوه بعدم قولها وقال هو عن نفسه: هو على ملة عبد المطلب ومات على ذلك، فنسال الله عز وجل لنا ولكم حسن الخاتمة، فإنما الأعمال بالخواتيم.
أبو طالب من حبه لابن أخيه كان يصطحبه في كل مكان ويخشى عليه، وجاء في السير قصة بحير الراهب، ومما جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم لما كان ابن اثنتي عشرة سنة، أخذ عمه معه في رحلة إلى الشام حتى وصل إلى بصرى. كثير من الناس يعني عندما يقرأ هذه يظن أنها البصرة التي في العراق، وهي ليست تلك المدينة، إنما هي بصرى وهي المعروفة عند العرب وهي قديمة ولها إرثها وتاريخها، وهي المذكورة في أحاديث الرسول عليه الصلاه والسلام أن النار التي تخرج من المدينة تضيء لها أعناق الإبل ببصرى، وهي الحادثة التي حصلت في المائة السادسة تقريبا، كتب عنها النووي الإام النووي وغيرهم من المؤرخين أنها خرجت في المدينة وأضاءت لها أعناق الإبل ببصرى. فهذه المدينة تختلف عن البصرة التي في العراق، بصرى في الشام. فذهب الرسول صلى الله عليه وسلم مع عمه، فلما وصلوا إلى تلك المدينة تروي كتب السيرة أن راهبا باسم بحيرى وكان في صومعته، وكان في دينه كان لا يخرج إلى من مر به ولا يتكلم معهم ولا يحدثهم.
والناس يعرفون أنه في السفر في الصحراء في المفاوز وفي البرية يحتاج إذا رأى بيتا أو مكانا أو ديرا أو قصرا أن ينزل كضيف وأن يستقي وأن يرتاح، والناس كانوا يفعلون ذلك من باب الكرم، وهذا من قديم الزمان. قال عليه السلام: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه». وأنظر إلى حال إبراهيم عليه الصلاه والسلام من آلاف السنين، إذا كان يشعل النار ويقري الضيف: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ﴾ [الذاريات: 24-25]، سلام بالرفع يعني أكرم وأفضل في رد السلام، قوم منكرون، فراغ تقتضي التعقيب والفورية، فراغ ذهب إلى أهله فجاء بعجل سمين، أيامهم لم تكن عندهم مايكرويف أفران، هذا دليل على أن الطعام مطهو جاهز ينتظر الأضياف، فقربه إليهم ولم يقل لهم تعالوا إلى الطعام، هو الذي قربه إليهم وقال: ألا تأكلون؟ بالسؤال والتحبب والتردد، هذه حال الكرم، هذه حال الناس الأسوياء أنهم يستقبلون الأضياف ويكرمونهم بل ويؤثرونهم على ما هم في حاجته ولو كان بهم خصاصة كما جاء في وصف الأنصار.
سبحان الله في تلك القافله تغير حال بحيرى الذي لم يكن يفتح بابا ولم يكن يكلم أحدا، فتح بابه ودعا الأضياف إلى الدخول، فتركوا متاعهم وتركوا النبي عليه الصلاه والسلام يحرس أمتعتهم ودخلوا، فلما دخلوا قالوا: أجئتنا بشيء يا بحيرى؟ قال: نعم، قالوا: الم تتركوا أحدا؟ قال: تركنا يتيما، قالوا: هاتيه، فأتوا به، فنظر إليه النبي عليه السلام نظر إليه بحيرى وتفقده وقال: إن هذا نبي زمانه. السبب أنه قال: لما أتيتم رايت غمامة تظله وتذهب حيثما ذهب، فلما جئتم إلى الدير أو إلى صومعته رأيت الغمامة كما هي، فلما أتيتم به جئت بالغمامة فظلت المكان كله، فعرفت أنه هو، وأن في ظهره خاتم النبوة وهو مثل بيضة الحمامة في حجمها وكذا وكذا. هذه القصة مشهورة في كتب السيرة بل.
هذه القصة موجودة تقريبا في كل كتب السيرة. وأمر أبا طالب أن يرجع بابن أخيه، فإنه لو سمعت به اليهود والنصارى لقتلوه ولا عدم معرفتهم بأنه نبي هذا الزمان صلى الله عليه وآله وسلم. هذه القصة على شهرتها، هل نتدارسها أو نعرض عنها؟ الأصل في قصص السيرة أنه ييتهاون الناس فيها كثيرا، وفي روايتها ما لم تتعرض إلى حكم فقهي أو أمر عقدي أو أمر يخالف هذا الدين، وإلا فالأصل أن السير فيها كثير من الأحاديث الضعيفة والأحاديث ربما أن تكون الموضوعة.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. قصة الراهب بحيرة ردها كثير من المحدثين، فردها الإمام الذهبي وتكلم عليها بشيء من التفصيل متنا وسندا. ايش يعني متنا وسندا؟ علم الحديث هو مركب من السند وهو سلسلة الرجال التي نقلت الحديث، حديث النبي عليه السلام عن الصحابي عن التابعي عن كذا كذا إلى منتهى بسند متصل، لا شذوذ ولا علة، والذي يرويه الثقة الثبت عن نظيره، فهذه سلسله السند التي لا يوجد في أي دين في العالم شيء مثله.
فقط الدين الإسلامي هو الذي يتحرى أي مقولة تخرج من النبي عليه الصلاة والسلام أو تنقل لنا عنه بهذه الدراسة المستفيضة الدقيقة لأحوال الرجال الذين رووا الحديث، فمن كان فيه ضعف أو علة أو شذوذ أو نكاره فإن هذا الحديث لا يقبل؛ لأن الله عز وجل حفظ هذا الدين، ومن حفظ هذا الدين حفظ سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومن حفظ سنة النبي عليه السلام أن قيض الله لهذا العلم الشريف رجالا أفاذا يعرفون الصحيح من السقيم، ويستطيعون تمييز الأحاديث من هذه الحديث المنتشره بين الناس.
ثم هنالك المتن، المتن وهو النص، نص الحديث. وجاءنا نص مثل هذا الذي بين أيدينا قصة بحيرة، وفيها الرسول عمره اثنتا عشرة سنة، وفيها أن أبا بكر كان معه، أبو بكر ابن عشر سنوات أو أقل، المعرفة ما توطدت إلا بعد سنوات عديدة. بل الأدهى والأنكى والأمر أن في القصة أن بلالا كان معهم، وبلال لم يولد آنذاك رضي الله عنه وأرضاه، بلال لم يولد والنبي عمره اثنتا عشرة سنة. فإذن هذا يدلك على نكارة المتن، أما الإناد فالأسانيد ضعيفة، لم يرد إسناد فيه شيء من القبول إلا عند الإمام الترمذي في سننه، والأسانيد فيه ما فيه أيضا من الضعف والعلل والنكارة.
فإذن هذه القصة هل نرويها أم نسكت عنها؟ أنا أرى، والعلم عند الله، أن يمر عليها الإنسان مرور الكرام وأن يأخذ ما فيها ولا يؤمن أنها حصلت. لماذا؟ لأنه إن كانت قد وقعت وأبو طالب رجع بابن أخيه خشية عليه من اعتداء اليهود والنصارى كما نص بذلك بحيرة، عندي إشكالية. الإشكالية هي أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن بلغ وأصبح في العشرينات من عمره نعلم يقينا أنه ذهب في مال خديجه قبل الزواج بها وكان يعمل لديها متجرا إلى الشام. طيب لو هذه القصة بحيرة حصلت، لم اسمح أبو طالب لابن أخيه بالذهاب إلى الشام وقد حذر من بحيرة وارجعه في ذلك اليوم؟ ولما ذهب النبي صلى الله عليه وسلم أصلا ولا عرف أنه نبي هذه الامه بعد ما تحدث بحيرة ولا كان عنده استعداد لتلقي النبوة من جبريل عليه السلام عندما جاءه في غار حراء وقال له اقرا ما كان خاف عليه الصلاة والسلام قال نحن أنا استناك من زمان. لذا القصة قصة تروى في كتب السيرة ولكن لا نستطيع أن نجزم بصحتها، وإن كان القلب يميل إلى عدم صحتها.
ثم حصل ونحن كما تعلمون تجاوزنا الشيء الكثير من الحوادث الهامة التي حصلت قبل بعثته صلى الله عليه وآله وسلم، والسبب أن هذا درس مبسط للسيرة، التوسع ياتي إن شاء الله في مراحل متقدمة، لكن نحن نحاول أن نحيط بها إحاطة السوار بالمعصم قدر الإمكان وبأسرع الأوقات وفي أسهل العبارات إذا ربنا عز وجل يسر. حصل في حياة النبي عليه الصلاه والسلام وققبل البعثة حلف يسمى بحلف الفضول، وهذا الحلف اصله أن رجلا من زبيد قدم مكة ومعه بضاعة فاشتراها منه العاص بن وائل ذلك الكافر من صناديد مشركي قريش وكان يسرق أموال الناس وياكلها بالباطل متسترا خلف نسبه وقوته وعشيرته. اشتري منه البضاعة ثم حبس عنه ثمنها. طبعا هذا الرجل جاء في الموسم ويريد أن يترزق الله عز وجل، وكانوا يحجون ويبيعون، وهذا مستمر إلى عهدنا الحالي، فليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم كما جاء في سورة البقرة، لا حرج على المسلم أن يحج وأن يعمل في التجارة، فهذا أمر قد أباحه الله عز وجل للمسلمين، وهكذا الحال كانت مع المشركين.
لكن هذا العاص وله من اسمه نصيب، أخذ الرجل وجحد عنه حقه، فذهب هذا المسكين واستعدى عليه الأحلاف من عبد الدار ومخزوم وجمح وسهم وعدي بن كعب، ذهب العشائر كلها في قريش ولا أحد نظر إليه ولا أقام له وزنا، بل أجروه، ما تستحي؟ أما تخشى الله؟ هذا سيد من سادات قريش، تريد منه سعر بضاعة؟ اذهب يعني سبحان الله أكل مال الناس بالباطل ويعينوه على ذلك. فالرجل عندما وجد أنه ما له من نصير، انتظر حتى كانت صبيحة اليوم الذي يليه، فارتقى على أبيس الجبل وصاح عند طلوع الشمس وقرأ أبيات موجودة في كتب السيرة فقال يا آل فهر لمظلوم بضاعته ببطن مكة نائي الدار والنفي الإنسان بعيد، أنشد بضاعته لمظلوم بضاعته، يعني أنا أنشدها أريدها قال ومحرم أشع لم يقطع عمرته يا للرجال وبين الركن والحجر، يعني فينا الذين ينصرون الضعيف والعالي، أن الحرام لمن تمت مكارمه ولا حرام لثوب الفاجر الغزر الفاجر الغدر هذا الذي ياكل أموال الناس ويكون الأمانة.
فقال الزبير بن عبد المطلب والله ما هذا مترك. قامت فيهم النخوة، قامت فيهم الشهامة، هذا والعرب مشركين. هذا العرب فيهم ما فيهم، لكن سبحان الله في ذلك الزمان كانوا أفضل الخلق على كفرهم وشركهم، ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق». بمعنى أني بعثت والعرب عندها من الأخلاق ما عندها، لكن من جمله ما بعث به أن أتمم صالح هذه الأخلاق. نحن لو قارنا بين أخلاق العرب والمسلمين في ايامنا هذه واخلاق المشركين إذ كل وجدنا بانه عظيما للاسف الشديد. انت إذا نظرت حولك لم تجد إلا من ينتسب إلى الإسلام، يسموا مسلمين، لكن لا تجد الإسلام، لا تجد الصدق، لا تجد الأمانة، لا تجد الكرم، لا تجد الشجاعة، لا تجد الإيثار، لا تجد التغافل، أخلاق عظيمة كانت موجودة فينا ذهبت لكثره الموفرة المادية وأصبح هم الناس هذه الحياة، بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى. سبحان الله الرجل منا إن رأى من فضل عليه في الرزق حسنة بل تؤثرون الحياة الدنيا ولو فاتته صلاة.
الفجر أياما وأسابيع وشهور متتالية، ما هز ذلك في جسده شعرة! وهذا دليل على الخلل العظيم الذي يوجد فينا: إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق. على شركهم وكفرهم؛ قال الزبير بن عبد المطلب: والله ما لهذا ما ترك ما في أمل، ما في شيء ممكن نفعله. فاجتمعت القبائل واجتمعوا كلهم على نصرة الضعيف وأخذ حقه والانتصار المظلوم من ظالمه.
قال النبي صلى الله عليه وسلم -والحديث رواه البيهقي وصححه الألباني عن طلحة بن عبد الله بن عوف أن الرسول قال صلى الله عليه وسلم-: «لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو دعى به في الإسلام لأجبت» أو كما قال عليه الصلاة والسلام.
عبد الله بن جدعان هذا كان من أشراف قريش ومن كرمائهم ومن نبلائهم، وهو -إن لم تكن الذاكرة التي الذي جاء ذكره في حديث أمنا عائشة إذ قالت: يا رسول الله، أرايت عبد الله بن جدعان فإنه كان يطعم الجائع ويفك العاني والأسير ويريد في الحاجة والملهوف- فقال عليه الصلاة والسلام: «يا عائشة، لا ينفعه ذلك، وهو في النار؛ لأنه لم يقل ذات يوم: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين».
سبحان الله، أين ذهب المقياس الصحيح بين الناس؟ الأصل عند المسلم أنه ينظر إلى الأمور بأنظار الشرع. تجد الآن الرجل يمدح الآخر -كما جاء في الحديث الصحيح المسلم في حديث رفع الأمانة- قال: يقول ما أجلده، ما أعرفه، وليس في قلبه مثقال ذرة من إيمان، أو كما قال.
رئيس وسام، الناس الآن يقيمون الآخرين على الأعمال الدنيوية، يغفلون أن هذه الأعمال لا وزن لها إن خلى القلب من إيمان. فتجد من يمدح المشركين، تجد من ينظر نظرة فخروجه شيء من التقدير والتعظيم الكافر. قال: يا اخي فلان هذا جواد، هذا فلان كريم، هذا فلان مخترع، هذا فلان نبيل. لكن كافر، يجعلوا مع الله إلها غيره، يجعل لله ولدا! قال: يا اخي هذا له دينه، هذه أمورهم عند الله عز وجل.
سبحان الله، أنت ترفض أيضا أن تعترف بأن هذا كافر؟ ولذا جاء في بعض نواقض الإسلام أنه ما لم يكفر الكافر أو شك في كفره فهذا ناقض. من أخذ الدين: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: 73] الله عز وجل حكم عليهم بالكفر. وأن تقول أخي، لا تقول النصراني كافر؟ هذا أهل الكتاب، هو أهل الكتاب كافرا. لكن الناس عندهم خلل في أمور العقيدة، عندهم خلل في أمور التقييم، تجد الناس يحكمون على الآخرين بالمقاييس الدنيوية. فاتت هذه القبائل وتحالفوا على ماذا؟ تحالفوا، هذا إن شاء الله ما سنعرفه بعد الفاصل، فابقوا معنا.
السلام عليكم ورحمة الله. حلف الفضول، كما تقدم أن أربعة خمس أو ست من عشائر قريش تعاهدوا على نصرة المظلوم، وذهبوا إلى دار العاص بن وائل وما زالوا به حتى استخرجوا منه بضاعة ذلك الزبيدي وأرجعوه وأرجعوها له.
ثم يروي بعد تعهدهم على نصرة المظلوم أن امرأة من بني عبد الدار أو من بني عبد المناف أتت فيه -طيب وقيل فيه زمزم رغم سوء أيديهم فيه- وتعاهدوا على نصرة المظلوم، وقيل إنهم مسحوا وطيبوا الكعبة به تعظيما لهذا الحلف. وهو الذي قال صلى الله عليه واله وسلم إنه لو وعي إلى حلف مثله لأجاب.
وهذه فيه أيضا يعني عبرة أن كثير من أولئك التكفيريين، أولئك الأغمار المجهولين الجهلة الذين يسارعون بإلقاء أحكام التكفير على الناس، ينكرون أن يدخل المسلمون مع كفار في حلف للدفاع عن القيمة المقبولة، للدفاع عن المظلوم كذا وكذا. فيقول: كل من دخل مع الكفار في حلف أو في معاهدة أو في شيء من هذا القبيل فهو خارج كافر، مستباح الدم والمال والعرض.
أعوذ بالله، الرجل لو نظرت حولك ووجدت أن هؤلاء التكفيريين أم الخوارج ما ترك واحدا لكثرة! النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو دعيت إلى حلف مثله في الإسلام لأجبت». ماذا تفهم من قوله صلى الله عليه واله وسلم؟ وحلف المطيبين هو نفسه حلف الفضول. فرسول الإسلام لم يدخل إلا في حلف واحد، وقد تكلم أهل السيرة وقالوا إنه حلف مختلفان، ولكن الصحيح أنهما حلف واحد.
فهذه النظرة السوداوية والتسرع في إلقاء الأحكام لا تنتج إلا من جاهل. هذا الجاهل هو سليل ذاك الجاهل الأكبر الذي عندما كان النبي صلى الله عليه وسلم يوزع الغنائم بهيبة أتى بها أحد الصحابه من اليمن، فأقام يوزعها، قام ذاك الجاهل يقول: يا محمد، اعدل فوالله تلك قسمة ما اريد بها وجه الله. يقول هذه المقولة العظيمة على النبي صلى الله عليه وسلم الذي غضب وقال: «ويحك! من يعدل إن لم أعدل، وأنا أمين من في السماء على الأرض» صلى الله عليه واله وسلم.
فهؤلاء الذين يلقون التكفير جزافا يمنة ويسرى، ولا وبعد ذلك يفرعون التفريعات، فيقولون: من قام بهذه المعاهدة فهو كافر، ومن سانده فهو كافر، والوزراء هم كفار، وأعوانهم كذلك، والحرس والشرطة والجيش الذين يدافعون عنهم كفار، وأولادهم وأزواجهم كفار رضوا بهذا الكفر، ما بقى أحد!
ولذلك ترى جمعيات التكفير والهجرة كما ظهر في مصر وكما ظهر في غيرها من البلاد، وما نراه الآن من داعش ومن الدولة الإسلامية في العراق والشام، هم يسمون نفسهم الدولة الإسلامية وهم ليسوا من الإسلاميين بشيء. ولا يجوز أصلا أن نسبهم إلى الإسلام، أنت لما تقول الدولة الإسلامية فإنك تثبت لهم أنهم الدولة الإسلامية قامت بالتفجير والقتل والارهاب والترويع، والاسلام من ذلك بريء.
كما يقولون الجمهورية الإسلامية في إيران وما تمثل الإسلام بصلة، ولا يجوز أن تسمى بأنها جمهورية إسلامية. إذن لابد من الرجوع: هل قام رسول الإسلام بمثل هذه المعاهدات؟ نعم قام، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة الحديبية -كما سياتي إن شاء الله- قد صالح المشركين على أمور هي عظيمة، ولكن فعله لها صلى الله عليه وسلم دليل على أنها من الشرع.
تعهد المشركين على أنه: إذا أتي إلينا أحد منكم مسلما فهذا مرده إليكم، وإن أتاكم من المسلمين من ارتد عن دينه فهذا تبقوه عندكم. مصالحهم على الهدنة، قيل عشر سنوات وقيل أقل من ذلك، وقيل أنها كانت مفتوحة، والصحيح أن الهدنة بين المسلمين المشركين لابد أن تكون محددة، والامر فيه خلاف بين الفقهاء.
فالشاهد أنه ما يجوز للمسلم أن يتحدث بغير علم وأن يلقي الأمر هكذا كما يريد أن يخرج من الدين والملة من يشاء، لذا قال ربنا عز وجل: فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون في موضعين من كتابه.
أما أن تسال الأغمار، أن تسال المجهولين؟ من قالها؟ قال: قاله طالب من طلبه العلم، اسمه قال اسمه أبو الدرداء الليبي ما نعرفه، والغيره قال كذلك قاله أبو عكرمة العراقي، وقال له أبو حذيفة الشامي، ناس ما نعرفهم! هل يعرف أصلهم وفصلهم وعلمهم، من اخذوا هذا العلم، على يد من درسوا؟ لا يعرفون، مضمون مجهولون. فلذلك من سيرة الرسول عليه العلم ونتأدب بآداب الإسلام.
ونعلم من الذي يحقق وينطق بغير علم، ويهرف بما لا يعرف من عنده ذاك العلم. النبي صلى الله عليه وسلم في نشأته لم ينشأ غالب الشباب والصبيان كما تقدم، الله عز وجل الذي رباه الله عز وجل الذي حماه ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: 67]، إن الله عز وجل عاصمه ورباه وأنشأه أفضل التنشئة.
أدبني ربي فأحسن تأديبي، وهذا الحديث فيه نظر لكنه صحيح من ناحية المعنى. وسئلت أمنا عائشه عن خلقه صلى الله عليه واله وسلم فقالت: «يا بني، ألا تقرأ القرآن؟ كان خلقه القرآن»، أي كان يعمل بما فيه. فالرسول أصلا قبل البعثة وققبل نزول القرآن عليه كان من ربى الله عز وجل فأنشأه الله تعالى على مكارم الأخلاق وعلى محاسنها وحفظه من كل سوء، فما عرف عنه صلى الله عليه وسلم كلمة واحدة.
فكان يعرف عند المشركين، عند أهل قريش، بالأمين، الصادق الأمين، وهذا قبل البعثة. وكانوا يعتمدون صلى الله عليه وسلم بمقتنياتهم وأموالهم حتى بعد البعثة؛ عندما أراد الهجرة لم يهاجر عليه الصلاة والسلام حتى تأكد من أن عليا سيعيد الأموال إلى أصحابها، بمعنى أن المشركين كانوا يضعون أموالهم عنده وهم يحاربونه ويقاتلونه ويسفهون أخلاقه وأحلامه، ليش؟ لأنهم وإن خالفوه في الدين فإنهم لا يخالفونه في أنه صادق أمين صلى الله عليه وسلم.
فالله عز وجل حفظه من كل سوء، حتى من اللمم، لم يشرب الخمر قط، لم يسجد لصنم قط صلى الله عليه واله وسلم مع أن هذا الأمر كان معتادا عند قومه؛ تخيل أنت بين الآلاف من قومك تمرض وتحتاج ومع ذلك لا تذهب إلى آلهتك فتدعوها لأن فطرتك سليمة نقية حفظها الله بحفظه عز وجل. ولا الأصل أن الانسان إذا مرض واحتياج أن يذهب ويتضرع إلى الآلهة ويدعوهم لأن هذا ما يفعله الناس كلهم، إلا النبي عليه الصلاة والسلام ومن كان على الملة الحنيفية مثل عمرو بن زيد بن نفيل، والد سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، هذا كان من الموحدين، وأنه جاء في الحديث أنه يبعث أمة وحده.
كان لا يأكل مما ذبح على النصب وقال: «سبحان الله! الله يخلقها ويطعمها ويسقيها وأنتم تذبحونها لغيره». فهذا زيد بن عمرو بن نفيل، وهو عم لعمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، كان من الموحدين ولكنه لم يدرك بعثة النبي عليه الصلاة والسلام، وكان الرسول يراه لا يأكل مما ذبح على النصب. فالنبي عليه الصلاة والسلام قط أبدا لم يأكل مما ذبح على النصب ولم يحضر عيدا لوثن أو لعيد من أعياد المشركين، بل كان معتزلا للناس وللشباب والألعاب هم ولهوهم.
إذا رأيت أنك مقصر في صلاة الفجر، إذا رأيت أنك أغلقت عليك أبواب الخير والبر والأعمال الصالحة، فلا تظنن أن ذلك من نفسك بل أعلم أن الله عز وجل هو الذي. الله عز وجل يقول في الآية السادسة والأربعين من سورة التوبة: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَٰكِن كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [التوبة: 46]. لو أرادوا الخروج، لو كانت لديهم النية الصالحة لأن الله عز وجل، لكن الله هو الذي كره انبعاثهم فثبطهم.
وأنت، الله عز وجل كره استيقاظك للفجر لأنه ليس تلك نية في صلاة الفجر والاستعداد، ثبت كوان أمك. والنبي عليه الصلاة والسلام الله عز وجل حجر ومنعه من الوقوع فيما يقع فيه شباب قومه، ولم يكن عليه الصلاة يطيق على سماع الحلف باللات والعزى والآلهة الباطلة وكان يتاذى من ذلك عظيم.
روى جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه لما بنيت الكعبة ذهب النبي صلى الله عليه وسلم مع العباس ينقل الحجارة، فقال العباس للنبي صلى الله عليه وسلم: اجعل إزارك على رقبتك يقيك من الحجارة. وأمور العورات آنذاك كان فيها تساهل عظيم، والرجال مع الرجال أمر عادي عندهم وهذا محرم في شرعنا، وللاسف هذا الأمر موجود عندنا إلى الآن؛ تجد أن الرجال يغيرون في غرف تغيير الثياب وربما يتجرد أحدهم كما يتجرد البعير والناس ينظرون إليه، والنساء في الأفراح وفي الاحتفالات يلبسن العاري والشفاف والقصير، وهذا كله أمر محرم.
يقول جابر: فخر إلى الأرض وطرف عيناه إلى السماء ثم أفاق فقال: إزاري، إزاري! فشد عليه إزاره. الله عز وجل يحميه حتى لما أراد أن يرفع إزاره لتظهر عورته لكي يحمل الحجارة لبناء الكعبة، عبادة عظيمة، الله عز وجل حماه فجعله يسقط مغشيا عليه ولا تنكشف عورته. فلما استفاق قال: إزاري، إزاري! وامتنع عن كشف عورته صلى الله عليه واله وسلم.
في جملة، الله عز وجل حمى نبيه صلى الله عليه وسلم وحفظه، وكل من له عينان، كل من له نصيب من الإنصاف والعدل لو ينظر في سيرته صلى الله عليه واله وسلم لأعلم أنها علم على نبوته، يعني لا تنظر إلى القرآن، لا تنظر إلى الحديث، أنظر إلى سيرته العطرة، أنظر إلى حياته وكيف حماه الله عز وجل وتعاهده ورباه، تعلم أن ذلك علم من نبوته صلى الله عليه وسلم.
وبهذا نختم درسنا لهذا اليوم، على أمل اللقاء بكم. إلى ذلك الحين أترككم في أمان الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ عاصم الحكيم