بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا ونبينا محمد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. سنتحدث، بإذن الله عز وجل، في درس اليوم عن العهد المكي، ومن كتب في السيرة، بل أيضاً ومن كتب في أسباب النزول، فإنهم يقسمون السيرة وأسباب النزول إلى مكي ومدني؛ فالقرآن المكي هو الذي نزل قبل الهجرة، والقرآن المدني هو الذي نزل بعد الهجرة. وبالنسبة لسيرة النبي عليه الصلاة والسلام، فإنها تنقسم إلى قسمين اثنين: العهد المكي، والعهد المدني الذي تبع الهجرة. أما العهد المكي، فهذا العهد امتاز بأمور عديدة، وقبل الخوض والحديث فيها، لابد أن نعلم أن الله عز وجل حمى نبيه صلى الله عليه واله وسلم من كل ما يكدر صفو التبشير برسالته صلى الله عليه واله وسلم.
فمن ذلك أن الله عز وجل حفظه صغيراً، وهذا الحفظ تجلى من بداية أو من قبل ولادته عليه الصلاة والسلام؛ إذ اصطفى الله عز وجل والده وامه من اشرف واوسط واكرم انساب قريش، وولادته كما تقدم معنا كانت كلها في نكاح صحيح لا سفاح فيه من لدن آدم عليه الصلاة والسلام. كذلك الله عز وجل جعل اعتماده كله على ربه سبحانه وتعالى، ولم يجعل اعتماد النبي عليه الصلاة والسلام على بشر؛ فابوه توفي وهو جنين في بطن امه، وأمه توفيت وهو لم يكمل السادسة، وكفله جده عبد المطلب فتوفي ولم يكمل الثامنة، وهكذا حفظه الله عز وجل ورباه وادبه فاحسن تاديبه صلى الله عليه واله وسلم.
حفظه الله تعالى وهو شاب، فلم يخض فيما يخوض فيه الخائضون، ولم يقع في زلات الشباب وهفواته ونزواتهم، فحماه الله تعالى عن الزنا، وحماه الله تعالى عن اللهو، بل ومنعه الله حتى من استماع الغناء، هذه المعصية التي انتشرت بين المسلمين حتى أصبح ينكر على من ينكرها، فلو قلت لأحد إن المغاني والمعازف محرمة ما يجوز أن توضع في تلفاز أو في مذياع أو حتى في أفراحنا، انكروا عليك وقالوا هذا تشدد وتطرف. حمى الله عز وجل نبيه عليه الصلاة والسلام من تلك المعاصي والقاذورات، وقد اشتهر صلى الله عليه واله وسلم بأخلاقه بين قومه، فاشتهر بأنه الصادق الأمين الذي يؤتمن ودائع الناس وحاجياتهم.
النبي عليه الصلاة والسلام حماه الله تعالى فلم يعرف عنه أنه سجد لصنم قط، أو أنه تدنس بنجاسة قط، أو أنه تمسح بوثني، وحلف أبدا بغير الله عز وجل، وكان يبغض من يحلف باللات والعزى، ولم ياكل طعاما اهل لغير الله قط، والله عز وجل نقاه ظاهرا وباطنا كما تقدم في حادثة شق صدره مرتين أو غسل قلبه في طست من ذهب بماء زمزم. الله عز وجل حفظ نبيه صلى الله عليه واله وسلم؛ هذا العهد المكي، حتى قبل ولادة النبي عليه الصلاة والسلام، قلنا إن الله عز وجل قدم ارهاصات لهذه النبوة المباركة بأن حفظ الله تعالى مكة من غزو أبرهة ومن معه من الفيل وجيشه، وهذه بحد ذاتها يؤرخ لها التاريخ بعام الفيل، كل ذلك ارهاصا بمقدم نبي البشرية صلى الله عليه واله وسلم.
العهد المكي ابتدأ من بعثته عليه الصلاة والسلام، أما بعثته فكان صلى الله عليه واله وسلم قبل نزول الوحي عليه حبب إليه التحنث في غار حراء، ومعنى التحنث: التعبد والتأمل في مخلوقات الله عز وجل، لا يوجد عند النبي عليه الصلاة والسلام كتاب يتلى، ولا توجد عنده سنة تتبع، ولا يوجد عنده شيء يتمسك به، لكن الفطرة التي فطر الله تعالى الناس عليها ألا يعبدوا إلا معبودا واحدا لا إله إلا هو ولا معبود بحق سواه، فحبب إليه الخلوة فكان يأخذ طعامه وشرابه ويذهب إلى غار حراء يعتكف فيه، يتأمل في مخلوقات الله عز وجل العظيمة، يتأمل فيما قدره الله تعالى على الخلائق، وينظر ويعبد الله عز وجل في هذا الغار بما فطره الله تعالى عليه، حتى ينفذ ما عنده من طعام وشراب، فرجع إلى خديجة فتزود ثم رجع مرة أخرى إلى ما كان عليه.
لما بلغ صلى الله عليه وسلم الأربعين، حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة، هذه هي مرحلة النضج التام، وهو في غار حراء، أنزل الله عز وجل أفضل ملائكته جبريل على أفضل خلقه محمد صلى الله عليه واله وسلم ليوحي إليه أفضل كتبه القرآن في أفضل شهر رمضان وفي أفضل ليلة ليلة القدر وفي أفضل بقاع الدنيا الحرم في مكة. فنزل إليه، وكان النبي عليه السلام يتعبد، ولك أن تتخيل من كان في تلك المرحلة من العمر في عافيه وفي غنى وفي طمانينة وفي سكينه وفي زواج سعيد هنيء وفي ذرية طيبة مباركة، كل شيء عنده الاطمئنان والاسترخاء والسكينة، وأذ به بذلك الذي يأخذ بزمام ثيابه ويضمه إليه ضمة شديدة ويقول له اقرأ، في جوف الليل وفي تلك الأوضاع، أمر ليس بالطبيعي.
فقال عليه الصلاة والسلام: ما أنا بقارئ. فغطه غطة شديدة أخرى وقال له: اقرأ. قال: ما أنا بقارئ، أنا أمي ما أعرف أقرأ، ماذا تريد مني أن أقرأ وكيف أقرأ وأنا لا أعرف القراءة؟ فقال له في الثالثة: اقرأ. فقال عليه الصلاة والسلام: ما أنا بقارئ. فقال في الثالثة: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يعْلَمْ﴾ [العلق: 1-5]. كلمات جميلة لكنها ليست من كلام البشر، والنبي عليه الصلاة والسلام عربي قح تعلم العربية في منابعها في البادية، ولذلك عندما سمع تلك الكلمات العظيمة وذلك الوحي الثقيل على قلبه؛ لأن الله عز وجل كما قال: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: 5].
بعد أن انقضى هذا الوحي وذهب ذلك الرسول بما جاء به، رجع إلى أم المؤمنين وهو يرتجف، وهو يخشى على نفسه الجنون، وهو يقول: زملوني، زملوني؛ لأنه فيه أمر ما عهده من قبل، نقله نوعية تختلف عن أي نقله قد يشهدها أي منا، فسألته عن الخبر تلك المرأة الصالحة المباركة، فاخبرها بما قال وبما لقي. في جوف الليل، أحدنا يفزع أحدنا يخاف إذا ظهر له أحد في جوف الليل فجأة، فكيف وهو في غار يبعد عن المدينة ميلين أو أكثر وفي جوف الليل وليس معه من أنيس ولا صاحب، ثم يأمره بهذا القول ويغطه غطا شديدا، يعني أمر نفسي وامر جسدي؟
فقالت له: كلا والله وابشر، فوالله لا يخزيك الله أبدا؛ انك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق. صفات موجودة في النبي عليه الصلاة والسلام، فقالت: الله عز وجل لا يمكن أن يخزيك، لا يمكن أن يضيعك الله تعالى وانت على هذه الصفات والأخلاق النبيلة. وأخذت بالنبي عليه الصلاة والسلام إلى ورقة بن نوفل ابن عمها، وكان قد تنصر وقرا كتب الانجيل والتوراه وكان يكتبها، فقالت له: استمع إلى ابن اخيك، استمع يا عم إلى هذا الرجل وما راه. فقص عليه الحادثة، فقال ورقة: هذا الناموس الذي انزل على موسى، شوف هذا الذي أنت لقيته، ترى هذا هو ذا الملك الناموس الذي انزل على نبي الله موسى.
قال: يا ليتني فيها جذعا، يعني يا ليتني فيها قويا شابا فتيا، أكون حيا حين يخرجك قومك. فالنبي تعجب عليه السلام قال: أو مخرجهم؟ يعني قومي يخرجونني من دياري؟ قال: نعم، انه ما جاء احد مثل ما جئت به الا عودي. إذن هذه العداوة لابد منها وهي حاصلة لا محالة. ورقة هذا ما لبث إلا ومات، ولذا جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تسبوا ورقة فاني رايت له جنة أو جنتين»، وهذا من فضل ورقة رضي الله عنه.
وارضاه. هذه القصة فيها فوائد؛ فمنها: فضل اعتزال أهل السوء، وأهل السوء الصحيح أن الإنسان يعتزل لكي يكون بمنأى من وجودهم ومن رؤيتهم.
وفيها فضل الرؤيا الصالحة، فقد ثبت في الصحيح أن الرسول عليه الصلاة والسلام قبل بعثته بستة أشهر كان يرى الرؤى الصالحة التي تأتي حقيقة كفلق الصبح؛ يعني رؤية تأتي وهي وحي بالنسبة للأنبياء.
وفي هذه القصة فضل أمنا خديجة المرأة العاقلة الحكيمة، وخير الدنيا كلها كما قال عليه الصلاة والسلام: «متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة». فهي التي هَدَّأَت عليه، وهي التي سكنت من روعه صلى الله عليه واله وسلم.
وهنالك أيضا عدد آخر من الدروس المستقاة من هذه القصة نتدارسها إن شاء الله عز وجل بعد الفاصل، فابقوا معنا. كلمات قصيرة تحمل بين طياتها تنبيها وتحذيرا خطيرا، وتوجه حواسنا ومداركنا إلى دورنا الحقيقي الذي سنحاسب عليه: «كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته». فمن أهم أدوارنا الجديرة باهتمامنا في هذه الحياة التركيز على مسؤوليتنا تجاه رعيتنا.
فالآباء والأمهات لهم الأثر الأعظم بعد الله في مستقبل الأبناء والأجيال، لذلك خصهم النبي صلى الله عليه وسلم بالذكر فقال: «والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها». إن الأبناء زهرة الحياة وقرة أعين الآباء والأمهات، وبصلاحهم ودعائهم ترفع الدرجات في الآخرة.
ولكن يجب أن ندرك أن ذلك مرهون بحسن تربيتهم وصلاح نشأتهم، فهنا كان لزاما علينا البحث عن أبرع الطرقات وأفضل الأساليب في التربية والتوجيه، ليكون أبناؤنا في قابل أيامهم مصدر بر وسعاده لنا، وسواعد خير وبناء للمجتمع والإنسانية.
عبارة أنت صغير تصنع جيلا من كبار الأعمار صغار الهمم ضعاف العزيمة، فالذي يشعر دائما أنه صغير لن يفكر ولن يبدع ولن يبتكر، بل سيظل يكرر أخطاءه ويواصل تقصيره ثم يعتذر لنفسه بأنه لا يزال صغيرا.
رياض الأصالة زاد المنى تضيء الليالي وتمحو الدجى تفوح بطيب الكتاب المبين على نسمات الهدى والصفا على نسمات الهدى والصفا سبيل الرشاد بشير العباد رحيق الشهاد وقطر الدوا هي الزاد زاد الهدى لزاد الحياة وزاد التقى لزاد الحياة وزاد التقوى مشاعل خير تنير البلاد مناهل تروي أنين الجوى إذا هزني الشوق نحو السنا قناتي يزاد رفيق السرى قناتي يزاد رفيق السرى.
السلام عليكم ورحمة الله. من الدروس التي نستقيها من هذه القصة العظيمة التي يعلمها حتى الصغار عندنا بفضل الله عز وجل، فضل أمنا خديجة رضي الله عنها وارضاها تلك المرأة العاقلة الحكيمة، وفضل أن يستأنس الإنسان برأي غيره.
فالنبي عليه الصلاة والسلام لم يكتم هذا الأمر في قلبه، بل شارك توأم روحه صلى الله عليه واله وسلم ورفيقته وشريكة دربه أمنا سيدة نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد بما لقاه في تلك الليلة، وهي بدورها استأنست برأي ابن عمها ورقة بن نوفل.
وهذا كما يقول الشاعر: ولا بد من شكوى لصاحب مروءة يسليك أو يواسيك أو يتوجع. فالاستشارة هذا أمر محمود، أما أن يذهب الإنسان إلى من يؤلبه على غيره، أو يضع الضغائن والأحقاد في قلبه، أو يغتاب وربما وقع في النميمه، فلا شك أن هذا أمر مذموم.
ومن فوائد القصة أيضا سنة الله عز وجل في الرسل التي ذكرها ورقة رضي الله عنه: أنه لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عاداه قومه. فسنة الله عز وجل في رسله وأبيائه أن يعاديهم قومهم، وكذا هذه السنة في حال الدعاة والمصلحين في كل زمان ومكان.
وهذا نلمسه واضحا جليا في وسائل الإعلام حتى في بلاد المسلمين، تجد فيها السم الزعاف، وتجد فيها وفي بعض الأحيان الردة عن دين الله عز وجل والسخرية من شرع الله تعالى ومن الصالحين.
﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ۚ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: 65-66]. مصيبة أنك ترى من يعادي هذا الدين ومن يعادي أهل هذا الدين من بني جلدتهم ويتكلمون بألسنتهم، لكن هذه سنة الله في الكون. ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: 2-3]. فهذه سنة الله عز وجل في خلقه.
لابد أن نذكر أن هنالك فترة فتر فيها الوحي؛ يعني النبي عليه الصلاة والسلام نبئ وأصبح نبيا بقول الله عز وجل: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: 1]. الآن أصبح نبيا، ولذلك فرق العلماء بين النبي وبين الرسول على أقوال متعدده، على أنسبها والعلم عند المولى عز وجل: أن الرسول هو الذي أرسله الله تعالى إلى قومه بشريعة جديده، فالرسول هو الذي يأتي إلى قوم ومعه شرع ومعه أحكام ومعه دين جديد، وكل رسول نبي.
أما النبي فهو الذي لم يبعث برسالة جديده، ولكن الله نبأه وأوحى إليه، فهو مبلغ رسالة الرسول الذي قبله. ولذا رسل الله عز وجل قليلون معدودون، بينما الأنبياء كثر وكان الأنبياء في بني إسرائيل كثيرون جدا، فلعل هذا هو أقرب الأقوال، فالرسول أصبح نبيا بقول الله عز وجل: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: 1].
ثم بعد ذلك فتر عنه الوحي، فكان النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في كتب السيرة يخرج إلى خارج مكة وهو ينظر إلى الأعلى ينتظر ويتشوق متعطشا لسماع كلام الله عز وجل.
وهذه الفترة فترة الوحي اختلف العلماء في طولها، منهم من قال إنها ثلاث سنوات، ومنهم من قال إنها دون ذلك؛ يعني قرابه السنتين، ومنها من قال إنها ستة أشهر، ومنهم من قال إنها بضعة أيام، وأرجح الأقوال أنها بضعة أيام.
والسبب في هذه الفترة والانقطاع فترة الوحي: أن النبي عليه الصلاة والسلام بعد أن روع وفزع مما حصل معه في غار حراء، أراد الله تعالى له أن يطمئن قلبه وأن يهدأ، وأن يذهب عنه روعه، فإذا سكنت نفسه تشوق وتطلع إلى المزيد، ولذا من حكمة الله تعالى أن جعل الوحي ينقطع عليه في هذه الفترة.
وقيل وهذا مورود في صحيح البخاري وغيره: أن النبي صلى الله عليه وسلم حزن واكتئب لانقطاع الوحي، فأصبح يشك في نفسه، وأن ما به ما هو إلا عارض من جنون، فكان يرقى ويصعد إلى أعالي الجبال يريد أن يرمي بنفسه وينتحر، ولكنه كان يسمع من يقول له وهو جبريل: يا محمد، إنك رسول الله حقا، فيسكن لذلك جأشه صلى الله عليه وسلم.
وهذه الرواية هي من بلاغات الزهري، والزهري ليس من الصحابة ولم يسمعها من التابعين، إنما هي بلاغات. إيش يعني بلاغات؟ علم الحديث النبوي علم شريف، وينبغي أن لا يخوض في هذا العلم إلا من كان دارسا عالما له، فما يصلح أن الإنسان يأتي يقول قال النبي عليه الصلاة والسلام يمشي، لابد أن يكون دارسا للحديث عالما هل صحت نسبة هذا الحديث للرسول عليه السلام أو لا؛ لأنك مبلغ، والمبلغ لابد أن يتثبت.
ولذا قال اهل العلم: إن من شروط صحة الحديث أن يكون متصلا، وأن يكون عن ثقة ثبت عن من هو مثله إلى منتهاه من غير شذوذ ولا عله، فإن وجد أو وجدت فجوه في السند -لأن عندنا سند؛ حدثنا فلان عن فلان عن فلان عن أبي هريرة عن النبي والسلام، هذه سلسلة الرجال اسمها السند، وعندنا المتن، وهو قال عليه السلام: «إنما الأعمال بالنيات» هذا الحديث متن، السند هذا لابد أن يكون متصلا وثقة عن ثبت عن من هو مثله، ما يكون في ضعيف كذاب وضاع واهم- فإن وجدت فجوه، فهذا الحديث يكون فيه انقطاع.
قد تكون الفجوة بغياب اسم الصحابي كغالبية المراسيل؛ فعلي بن المسيب من ساده التابعين، لكنه يروي يقول سعيد بن المسيب قال النبي عليه الصلاة والسلام، طيب أنت لم تلق الرسول عليه الصلاة والسلام؟ قالوا: نعم، لكن سعيد بن المسيب من صالحي وكبار التابعين، ولا يروي الحديث إلا عن صحابي، لا يروي عن تابعي مثله، لكنه أيضا هذا الحديث اسمه منقطع مرسل لسقوط الصحابي.
والانقطاع قد يكون في سقوط رجلين أو أكثر من السند، والمنقطع من قبيل الحديث المردود لا يقبل؛ لأن الله حفظ هذا الدين بحفظ القرآن وبحفظ السنة المطهرة، فلا يمكن أن نقبل حديثا فيه انقطاع لأنه لا يثبت به الدين.
طيب، بلاغات الزهري من الأحاديث المنقطعة؛ لأنه لم يسمعها من النبي عليه الصلاة والسلام ولم يبين لنا من هو الصحابي الذي رواها أو التابعي أو كذا، فالحديث مردود مرفوض، وفيه لا شك طعن في نزاهة النبي عليه الصلاة والسلام وهو مخالف لعصمته.
فكيف بالنبي عليه الصلاة والسلام أكمل البشر أن يرمي ويتردى من الجبل لأمر كهذا؟ هذا قطعا غير مقبول.
فانقطع الوحي على الصحيح كان لمدة أيام لبضعة أيام، والوحي قد انقطع مرة أخرى.
ولذا وكانت هذه في المرحلة الجهرية ولعله سيأتي الحديث عنها فيما بعد وربما لا، وهي بسببها نزل قوله تعالى: ﴿وَٱلضُّحَىٰ * وَٱلۡلَّيۡلِ إِذَا سَجَىٰ * مَا وَدَّعۡكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ﴾ [الضحى: 1-3]. عجوز من قريش تقول: يا محمد، أين صاحبك؟ ما نراه إلا قد قلاك؛ يعني: سابك وتركك وهجرك؛ لأن الوحي انقطع فترة من الأيام، فهذه هذا الانقطاع انقطاع آخر والله أعلم.
الآن النبي عليه الصلاة والسلام بعد انقطاع الوحي عنه كان صلى الله عليه وآله وسلم يخرج ويترقب وينظر إلى أن راه وسمع منه، مما جعل حاله تتغير تغيرا جذريا، وذلك عندما سمع ذات يوم كما قال عليه الصلاة والسلام أحدا يناديه يقول: فنظرت عن يميني، عن شمالي، عن أمامي، عن خلفي فلم أر أحدا، يقول: فرفعت رأسي فإذا بالملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض.
وهذا الحال حال عجيب، فقد أثبت النبي صلى الله عليه وآله وسلم رؤيته لجبريل على خلقته التي خلقه الله عز وجل عليها لأول مرة في هذه القصة، الذي جاءه في حراء أمر مختلف.
فالرسول عليه الصلاة والسلام يحدثنا كما جاء في بعض الروايات أنه رأى جبريل على كرسيه أو على عرشه سادا الأفق ما بين المشرق والمغرب، له ست مئة جناح ينزل منها الدر والياقوت واللآلئ، الآن المشهد ما نستطيع أن نتخيله.
نحن نعلم أن جبريل من أعظم خلق الله عز وجل، وجبريل هو روح القدس وهو الروح الأمين وهو الموكل بحياة القلوب، فأعظم ملائكة الله عز وجل جبريل وإسرافيل وميكائيل، وكلهم موكلون بالحياة.
فجبريل موكل بالوحي وهو حياة القلوب، وإسرافيل موكل بالنفخ في الصور وإحياء الأبدان والبعث والنشور، وميكائيل موكل بالقطر بالمطر فهو موكل بأحياء الأرض بعد موتها.
فجبريل راه النبي صلى الله عليه وآله وسلم على كرسيه سادا الأفق، ولما راه أوحي الى النبي صلى الله عليه وآله وسلم قول الله عز وجل: ﴿يَٰأَيُّهَا ٱلۡمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: 1]، لأنه عاد إلى بيته فزعا خائفا قائلا: زملوني، زملوني، دثروني، صبوا علي الماء البارد.
فلما فعلوا ذلك وسكن روعه صلى الله عليه وآله وسلم، نزل قول الله تعالى عليه: ﴿يَٰأَيُّهَا ٱلۡمُدَّثِّرُ * قُمۡ فَأَنذِرۡ﴾ [المدثر: 1-2].
وبذلك أصبح الرسول النبي صلى الله عليه وآله وسلم رسولا، الآن أمر بالرسالة، وفي قول الله تعالى: ﴿ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: 1] نبئ صلى الله عليه وسلم وأصبح نبيا لدينا.
فاصل قصير وبعدها نواصل باذن الله عز وجل فابقوا معنا، إذا أحببت أن تتعرف على دينك أكثر، أن تزداد علما وتنهل خيرا، أن تسمع وترى ما يقربك من ربك ويحببك في نبيك وتزكو به نفسك في قناة زاد تجد ذلك وأكثر.
تصفح وتجول في واحة إيمانية من مقاطع مميزة من إنتاج مجموعة زاد، تتنوع بين المادة العلمية والرقائق الإيمانية والفواصل الدعوية المحترفة إعلاميا والمؤصلة منهجيا، تخاطب الرجال والنساء، الكبار والصغار، تدعو البعيد وتؤنس القريب.
مقاطع جرافيك مميزة، دورات علمية متخصصة، فواصل درامية شيقة، لقاءات دعوية ممتعة، برامج تلفزيونية وندوات شرعية، شاهد، شارك، انشر.
ابن رجب الحنبلي هو عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الرحمن رجب البغدادي ثم الدمشقي، الإام المحدث الفقيه الحنبلي، من مصنفاته: جامع العلوم والحكم، وفتح الباري شرح صحيح البخاري، وشرح علل الترمذي، وذيل طبقات الحنابلة وغيره، توفي رحمه الله سنة 795 من الهجرة.
هل أنت حريص على تصحيح عباداتك؟ هل ترجو أن يتقبلها الله؟ اطلب العلم، إذ لا تصح العبادة إلا به، قال تعالى: ﴿فَاعۡلَمۡ أَنَّهُۥ لَا إِلَٰهَ إِلَّا ٱللَّهُ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لِذَنۢبِكَ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ﴾ [محمد: 19].
وشرط قبول طلب العلم الإخلاص فيه، بأن لا تريد به إلا وجه الله، قال تعالى: ﴿قُلۡ إِنِّي أُمِرۡتُ أَنْ أَعۡبُدَ ٱللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ ٱلدِّينَ﴾ [الزمر: 11].
وبالأخلاق تُرْزَق صحة الفهم وقوة الاستنباط، قال صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيرا يفقده في الدين».
وبالأخلاق يذعن المتعلم للحق ويقبل النقد، قال الذهبي: علامة المخلص أنه إذا عوتب لا يبرئ نفسه، بل يعترف يقول: رحم الله من أهدى الي عيوبي.
ويجب أن يتوفر الإخلاص في التعلم والتعليم والتأليف، قال أبو داود الطيالسي: ينبغي للعالم إذا حرر كتابه أن يكون قصده بذلك نصرة الدين، لا مدحه بين الأقران لحسن التأليف، فأخلص النية واحذر من فسادها كطلب العلم لأجل المال والثروة أو الجاه والشهره أو المراء والجدل، فإن ذلك يفسد العمل، قال تعالى: ﴿وَقَدِمۡنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمِلٍ فَجَعَلۡنَٰهُ هَبَآءً مَّنثُورًا﴾ [الفرقان: 23].
السلام عليكم ورحمة الله، عند نزول فواتح سورة المدثر أصبح فيها أمر للأمة، أمر للنبي عليه الصلاة والسلام، أمر للبشرية: ﴿يَٰأَيُّهَا ٱلۡمُدَّثِّرُ * قُمۡ فَأَنذِرۡ﴾ [المدثر: 1-2].
فجاءت الرسالة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وجاء الأمر أن يبدأ العمل، وكما جاء في بعض الروايات وإن كان فيها مقال أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: مضى عهد أو وقت النوم يا خديجة، خلاص الآن وقت عمل، ﴿قُمۡ فَأَنذِرۡ﴾ وفيه تكليف للنبي عليه الصلاة والسلام.
﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرۡ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرۡ * وَٱلرُّجۡزَ فَاهۡجُرۡ﴾ [المدثر: 3-5] هذه كلها أوامر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، مع أن الصلاة لم تفرض، لكن تكبير الله عز وجل هو تعظيمه سبحانه وتعالى وتبجيله وتقديسه، وهذا من أبرز سمات العهد المكي غرس العقيدة.
وهو الذي أدى بأمة المسلمين في هذه الأيام إلى الهزيمة والتخاذل؛ لأن العقيدة همشت، الناس اليوم لا يعرفون الله عز وجل إلا من رحم، أكثر الناس لا يؤمنون بالله إلا وهم مشركون، لو سالتهم عن أسماء الله وصفاته لما وجدت من مجيب.
ولو ذهبت تنظر في توكلهم على الله عز وجل وفي اعتقادهم وفي خوفهم ورجائهم ومحبتهم لله لوجدت خللا عظيما لا يعلم به إلا الله عز وجل.
أوامر قصيرة سريعة وقاطعة، وهذا من سمات القرآن الذي نزل في العهد المكي، فالقران المكي من صفاته أنه ذو عبارات قصيرة وسريعة ومتلاحقة، كأنها ضربات مطرقة سريعة وقاطعة، لأن المرحلة مرحلة بناء عقيدة وبناء النفس.
التي اخبرها النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأنك ستلاقي كما قال ورقة العداء من قومك، فلا بد من الصبر ولا بد من تطهير الثياب، جاء في بعض كتب التفسير أن ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرۡ﴾ [المدثر: 4] أي أنك تنقي داخله نفسك وكذا، والامر واضح أن المقصود به الثياب.
فالثياب التي لابد أن تنزه وأن تنظف وأن تكون خالية من النجاسات، وهذا معروف أن من شروط الصلاة طهارة الجسد، طهارة الثوب، طهارة الموضع الذي تصلي فيه، فالطهارة والصلاة لم تفرض، لكنها تهيئة وتوطئة من الله عز وجل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ولمن تبعه من المسلمين أن هذا من سمات ما سوف تتعبد الله عز وجل به، ألا وهو الصلاة.
بهذه الآيات أصبح النبي صلى الله عليه وسلم رسولا من أولى العزم من الرسل، ارسله الله تعالى إلى الأمة، أمة الدعوة وأمة الاستجابة، فأما أمة الدعوة فهم الكفار والمسلمين الصالح والطالح، كل البشر وكل الجن هم أمة الدعوة، ومن أجاب واسلم وانقاد لشرع الله فهم من أمة الاستجابة.
أرسله الله عز وجل رحمة للعالمين، أرسله الله تعالى ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، هذه الفترة المباركة التي لا تتجاوز الاسبوع والاسبوعين أو الشهر على أبعد تقدير ما بين نبوته ورسالته صلى الله عليه وآله وسلم هذه نقلة وقفزة وتغير جذري في حياة الإنسان، أكاد أجزم أنها لو حصلت لأي أحد غير النبي عليه الصلاة والسلام لما أطاق.
﴿لَوْ أَنزلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: 21]، لكن النبي عليه الصلاة والسلام ليس كغيره من البشر، إذ اصطفاه الله تعالى على العالمين.
هذه النقلة في حياة الإنسان الهادئ الوديع المسالم، الذي كان مع زوجه وعائلته وفي تجارته وفي داره مؤتمنا صادقا محبوبا من الجميع، لو جاءت هذه النقله لأي احد منا لأصابته الأمراض وركبه من الهموم والغم والأحزان ما الله تعالى به عليم.
الرجل منا يحصل له تغير طفيف في
عمله أو في زواجه أو مع أحد أبنائه، فإذا به يصاب بالاكتئاب وربما أصيب بالسكر وربما ارتفع ضغطه وربما أصابته الأسقام والأوجاع من حيث لا يحتسب؛ لضعف التوكل، للبعد عن الله عز وجل، ولأن البشر بخلقته وخلق الإنسان أنه ضعيف.
لكن النبي عليه الصلاة والسلام اصطفاه الله عز وجل واختاره ورباه وأدبه وجعله قادراً على تحمل هذا القول الثقيل: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾، وهو ثقيل جسديا وثقيل معنويا. بهذه الآيات ابتدات صفحة جديدة؛ لا أقول في حياة النبي عليه الصلاة والسلام، بل في حياة الأمة، في حياة البشرية، في حياة هذا الكون بأسره، إذ بعث الله عز وجل نبيه ورسوله محمدا صلى الله عليه وآله وسلم إلى العالمين ليخرجهم من الظلمات إلى النور، وتغيرت الدنيا بعد تلك الآيات المباركة الجميلة التي أنزلها جبريل على رسول الله عز وجل محمد.
الآن ابتدأ العهد المكي حقيقة ببعثته؛ إذ قبل البعثة كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم بشراً مثل البشر، لا مزية له ولا فضل إلا بما فضله الله تعالى به، أما بعد النبوة والرسالة فالأمر قد اختلف، وهو خير البشر صلى الله عليه وآله وسلم، وهو من أعظم خلق الله عز وجل، وهو صلى الله عليه وآله وسلم المبعوث رحمة للعالمين بأبي هو وأمي.
هذا الوقت الذي اتسع له درسنا اليوم على أمل اللقاء بكم إن شاء الله وقدر في الدرس القادم، حيث سنتحدث عن أنواع الوحي بإذن الله عز وجل، فالإلى ذلك الحين أترككم في أمان الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
يا راغباً في كل علم نافع متطلعاً لزيادة الإيمان وتريد سهلاً النوال ميسراً يأتيك ميسوراً بأي مكان.
زاد، زاد أكاديمية ينبوعها صافٍ، صافٍ ليروي غلة الظمآن، والسيرة العلياء وعطره الشذا طيب يفوح لأهل كل زمان.
بشرى لنا زاد أكاديمية للعلم كالازهار في البستان.
الشيخ عاصم الحكيم