بسم الله الرحمن الرحيم، رب العالمين، الصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، في درس اليوم إن شاء الله وقدر سنتحدث عن موضوع لطيف، جميل، خفيف لكنه هام، سنتحدث عن أنواع الوحي. الله عز وجل هو الذي يوحي، وما يوحيه هو البلاغ، والموحي هو النبي عليه الصلاة والسلام، لكن هنالك أنواع للوحي؛ فهنالك القرآن، وهنالك الحديث القدسي، وهنالك السنة المطهرة التي نعرفها من حديث النبي عليه الصلاة والسلام.
فما الفرق؟ بادئ ذي بدء لابد أن نعلم أن ما خرج من في النبي عليه الصلاة والسلام فهو وحي، كما قال عز من قائل: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ [النجم: 3-4]. فهذا وحي من الله عز وجل. فالقرآن كما يعرفه العلماء هو كلام الله المنزل المعجز بنظمه المتعبد بتلاوته، وهذا أحد التعريفات، ربما هنالك تعريفات أخرى، لعل هذا من التعريفات الجامعة المانعة.
فكلام الله؛ إذاً القرآن كلام الله عز وجل وليس كلام أحد من البشر، وكلام الله صفة من صفاته، فإذاً كلام الله ليس بمخلوق. وهو منزل؛ فهو من الله عز وجل، وما تقرب أحد إلى الله عز وجل بأحب إليه من التعبد بكلامه الذي منه خرج وإليه سيعود.
المعجز بنظمه؛ فالقرآن هذا تحدى الله تعالى العالمين أن يأتوا بعشر سور مثله، بسورة، بعشر آيات، أي شيء أتوا منه ما استطعتم، ما يستطيعون. تحد معجز منذ نزول القرآن إلى قيام الساعة ولن يستطيع أحد أن يأتي بمثله.
المتعبد بتلاوته؛ فأنت عندما تقرا القرآن تتعبد الله عز وجل، كما قال عليه الصلاة والسلام: «لا أقول الم حرف، ولكن أليف حرف، ولام حرف، وميم حرف، الحسنة بعشر أمثالها». معنى هذا أنه لا يصلح التعبد في الصلاة بغير القرآن.
طيب، ما هو الحديث القدسي؟ الحديث القدسي اختلف العلماء في تفسيره واتفقوا على أن معنى الحديث القدسي هو من الله عز وجل، واختلفوا هل لفظه من الله أم لفظه من النبي عليه الصلاة والسلام الذي أوحي إليه المعنى وهو الذي عبر عنه بكلامه؟ والحديث والخوض في هذا الموضوع لا ثمرة وراءه، يكفي أن نعلم أن الله عز وجل لم يتحدى العباد بالحديث القدسي كما تحداهم بالقرآن، وأنه لا يصلح للمسلم أن يتعبد الله تعالى في الصلاة بالحديث القدسي، فلو قرأ الإنسان الأحاديث القدسية في الصلاة لم تصح صلاته، لأنه لابد أن يتعبد الله عز وجل بالقرآن في الصلاة.
طيب، وما هو الحديث النبوي؟ الحديث النبوي هو الذي لفظه من النبي عليه الصلاة والسلام بلا شك ولا نزاع، أما معناه فهو في الغالب من عند الله عز وجل، ويستثنى من ذلك اجتهادات النبي صلى الله عليه واله وسلم التي أخطأ فيها وبين الله تعالى لنا خطأه فيها، وهذه معدودة على أصابع اليد الواحدة وربما على أصابع اليدين. وما المقصود بخطأ النبي صلى الله عليه واله وسلم؟ بشر يشهد، فإن أصاب له أجران وإن أخطأ له أجر.
الغالب أن الله تعالى يوحي إليه فيصيب في اجتهاداته، في بعض الأحيان الله عز وجل يترك الأمر لاجتهاد النبي عليه الصلاة والسلام، فإن أصاب فبتوفيق من الله وإن أخطأ فإن الله يصوبه ويصححه، كما فعل مع الأعمى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ * أَن جَاءَهُ الْأَعْمَىٰ﴾ [عبس: 1-2]. وسبحان الله، الآيات هذه عجيبة، الله عز وجل يعاتب نبيه على ماذا؟ النبي عليه الصلاة والسلام لم ينهره ولم يزجره، والرجل أصلاً أعمى، لو عبس الرسول في وجهه عليه الصلاة والسلام أو ضحك لما عرف، ومع هذا الله يؤدب نبيه عليه الصلاة والسلام بأكمل الأدب، لأن الله لا يرضى لنبيه إلا أن يكون أكمل البشر، فحتى العبوس في وجه من لا يراك هذه إساءة ليست له بل إساءة لك يا رسول الله، إذ أنت أشرف خلق الله عز وجل وما ينبغي لك أن تفعل هذا الفعل.
فاجتهد النبي عليه الصلاة والسلام وكلنا يقع في هذا الأمر، الرسول يخاطبناديد قريش يدعوهم إلى الله، لا يدعوهم إلى نفسه، لا يريد منهم مالاً ولا جزاءً ولا شكوراً، فعبوسه في وجه الأعمى كان لمحة دين، لكن الله عز وجل يصوب نبيه عليه الصلاة والسلام.
إذاً باختصار، هذا هو تعريف القرآن، الحديث القدسي، الحديث النبوي. وللاسف فقد نبتت نبتة وظهرت للأسف الشديد ظاهرة بين بعض من ينتسب إلى الإسلام، إذ ينتقصون من حديث الرسول عليه الصلاة والسلام ويقولون لا نأخذ ولا نقبل إلا بالقرآن. الرسول صلى الله عليه وسلم قد حذرنا من ذلك فقال: «لا ألفين رجلاً منكم متكئاً على أريكته يقول ما وجدنا في كتاب الله أخذناه وما لم نجد تركناه، إلا أني أوتيت القرآن ومثله معه».
إذاً هذه من أكبر الكبائر وأعظم الذنوب، أن يقدح الإنسان في سنة النبي صلى الله عليه واله وسلم. لكن للأسف الناس لبعدهم عن الوحيين، عن الكتاب والسنة، قد تروج لديهم تلك الأكاذيب التي تروج عليهم في وسائل الإعلام، في القنوات الفضائية، في وسائل التواصل الاجتماعي. ياتيك جاهل غر لا يفقه شيئاً في السناب شات ولا في الكيك ولا في الفيسبوك ولا في التويتر يقدح في سنة النبي عليه الصلاة والسلام، وربما يتكلم بكلام العلماء فيقول هذا حديث آحاد ونحن لا نقبل إلا المتواتر.
سبحان الله، الله عز وجل انزل هذا الذكر وتعهد بحفظه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9]. هذا الذكر يعم القرآن والسنة، لأن الله تعالى يقول: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: 44]. إذاً الله أنزل الذكر الذي هو السنة لتبيين للناس ما نزل، وهو القرآن. لذا أي محاولة للطعن في حديث النبي عليه الصلاة والسلام، أي محاولة للطعن في صحيح البخاري أو في صحيح الإام مسلم أصح الكتب بعد كتاب الله عز وجل، فهي حقيقة محاولة للطعن في دين الله، وهذا موجود وملاحظ ومعروف، من أدعياء إما من بلد أوروبي أو من بلد عربي، من محاولات طعن الرافضة في سنة الرسول عليه الصلاة والسلام وطعنهم في رواة حديثه كطعن في أبي هريرة وغيرهم من الصحابة، ومن قبل طعن في أبي بكر وعمر وعثمان وقذفهم أمنا عائشه.
ليس الغرض هو الجرح والتعديل، إنما الغرض هو الطعن في دين الله، فأنت إذا طعنت في السنة فقد هدمت أصلاً من أصول الدين. والقرآن كما قال عمر رضي الله عنه حمال أوجه، يأتي الخارجي إلى آية فيفهم منها ما يناسب بدعته وضلالته، بمن كسب سيئة وأحاطت به خطيئته، يأتي إليها فيقول نعم هذا كفر مخرج عن الملة صاحب الكبيرة في نار جهنم. ويأتي المرجئ فينتصر بالقران إلى ما يستدل به في بدعته، ويأتي هذا ويأتي هذا؛ القرآن يحمل ممكن تفهم منه كذا وممكن تفهم منه كذا، لكن السنة هي التي توضح وتبين مجمل القرآن وتجلي منه للناس كي يفقهوا عن ربهم مراده عز وجل.
ولذلك أرسل الله تعالى الرسل، ولذلك أنزل ربنا عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم، وإلا لأنزل قرآناً يتلى لكل الناس وكل يفهم منه ما يشاء، لكن لابد للنبي عليه الصلاة والسلام أن يبين للناس ما نزل لهم.
الوحي نزوله على نبينا عليه الصلاة والسلام له طرق متعددة، سنذكر بعضاً منها ونتوقف لنكمل البعض الآخر، نتحدث عن أسباب اختلاف هذه الأقسام، ثم إن كان هنالك متسع من الوقت نتحدث بإذن الله عز وجل عن بعض الافتراءات التي قام بها المستشرقون وقالوها ضد نبينا صلى الله عليه واله وسلم.
أول ما بدأ الوحي بدأ بالرؤية الصادقة، وكانت قرابة الستة أشهر قبل بعثته عليه الصلاة والسلام، ما كان عليه الصلاة والسلام يرى رؤيا إلا وتاتي مثل فلق الصبح، بالضبط مثل ما راها. ورؤيا الأنبياء وحي، لكن هذا الوحي يعتريه أمور لابد للمسلم أن يعرفها، فهنالك.
النسخ هذا الوحي قد ينسخ، وهنالك التأويل؛ فالرؤيا التي يراها عليه الصلاة والسلام قد يكون لها تأويل يختلف عن التأويل الذي يظهر لك ولي. طيب، ما الفائدة من ذكر هذه الأمور؟ هذا ما سوف نعرفه إن شاء الله بعد الفاصل فابقوا معنا.
مليار و300 مليون طن من الأطعمة تتحول إلى صناديق القمامة سنوياً، وهو ما يعادل ثلث إنتاج العالم من الطعام، ويتسبب هذا في خسارة مادية تقدر بـ 750 مليار دولار في كل عام، هذا ما أكدته منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة. يحدث كل هذا في ظل وجود 870 مليوناً من الجائعين يومياً، وصدق من قال: ما رأيت إسرافاً إلا وبجانبه حق مضاع.
مضى الوقت الذي يموت فيه عشرات الآلاف من الأطفال جوعاً بسبب نقص الغذاء، نجد أن دولة غربية ترمي وحدها أطعمة تبلغ قيمتها 19 ملياراً من الدولارات في كل عام، ودولة أوروبية أخرى تهدر 100 طن من الطماطم في مهرجان سنوي يعرف بمهرجان التراشق بالطماطم. وفي دراسة لإحدى الشركات المتخصصة، وجد أن 80% من قمامة إحدى الدول العربية كانت عبارة عن طعام. قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31].
فلنتدارك الأمر قبل أن يؤول بنا الحال إلى مصير المسرفين، فثمة دول صغيرة اشتهرت بشدة النعيم والإسراف ثم دارت الأيام واشتهرت بالمداد. فلنحرص جميعاً على الاقتصاد في الطعام، وأن نأتي به على قدر الاحتياج، وإذا تبقى منه شيء فلنحتفظ به للوجبة التالية أو لنعطيه محتاجاً بعد أن نغلفه. وإذا كان الطعام لا يصلح للإنسان فلنجعله في صندوق ولنجعله غذاء للطيور والحيوان، ففي كل كبد رطبة أجر. ولنتذكر دوماً قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: 8].
الآن، إذا أتينا إلى مسألة الرؤيا؛ بعض الإخوة يستشكل عليهم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رأى في المنام الدجال يطوف بالكعبة، فيقول: هذا معارض لقول الرسول عليه الصلاة والسلام إن الدجال لا يدخل مكة ولا المدينة وأنه يمنعها. فنقول يا أخي: التعارض هذا موجود في عقلك، هذه رؤية، هل يقتضي أو تقتضي الرؤيا -وهي وحي- أن هذا يحصل 100%؟ أو أن له تأويلات؟
يعني مثلاً لما رأى سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام إسماعيل: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات: 102]، هل حصل هذا؟ لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم على سيدنا عمر ثوباً مسبلاً سابغاً، درعاً طويلة واسعة ودون الكعبين، هل معنى ذلك جواز أن يلبس الإنسان هذا اللباس الذي يجاوز الكعبين ونحن نعلم أنه من كبائر الذنوب؟ إنما هي رؤيا أولت لكنها وحي.
فكذا رؤيته عليه الصلاة والسلام للدجال في مكة بالقرب من الكعبة قد تؤول بأمور، قد تكون قبل الوحي له بأنه منع، فهذا قد يكون قبل المنع من دخول مكة والمدينة، هنالك أمور معينة. فالرؤيا الصالحة عندما ترى -ما يجوز أصلاً أن يخبر بها إلا رجل صالح الذي يعبرها بطريقة حسنة صالحة- فهذا أول أنواع الوحي، والرؤى الصالحة مستمرة في أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهي من المبشرات بإذن الله.
ثانيا: ما كان يلقي الملك في روعه وقلبه من غير أن يراه، قال عليه الصلاة والسلام: «إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها»، كما جاء في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: 74]. ما الفرق بين الروع والروع؟ أن روح القدس نفخ في روعي؛ الروع هو الخلد أو العقل أو النفس أو القلب فهو الذي يأتيني بدون مخاطبة أو كلام، أما الروع فهو الخوف وهو ما يخشاه الإنسان. ولذا يخطئ بعض الإخوة عندما يقول: إن روح القدس نفث في روعي، هذا خطا، هي روعي. فإذاً، نوع من انواع الوحي أن النبي عليه الصلاة والسلام يلقى في نفسه أمر وهو من وحي الله عز وجل له.
النوع الثالث: أن يتمثل الملك للنبي صلى الله عليه عليه وسلم في هيئة رجل، طبعا الثاني والثالث كله عن طريق الملك؛ لأن الوحي قد يكون مباشرة من الله عز وجل وقد يكون عن طريق ملك. وعن طريق الملك: إما أن يكون في النفس في الروع، وإما أن يكون مشافهة ومواجهه لكن عن طريق تمثل الملك في هيئة رجل. وكثيرا ما كان يأتي جبريل إلى النبي عليه الصلاة والسلام لكن في صورة دحية الكلبي أحد الصحابه، فالصحابة يرونه لكن ما يظنون إلا أن هذا هو دحية، ثم يخبرهم الرسول عليه الصلاة والسلام أنه ليس بدحية إنما كان جبريل. والملائكه يتشكلون؛ حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الإسلام والإيمان والاحسان عندما جاء جبريل يعلمهم أمور دينهم: «جاء رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد»، سأل الرسول عليه الصلاة والسلام وهم ينظرون وهم يسمعون وهم يتعلمون؛ لأن الرسول علل ذلك بقوله: «هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم». فإذاً، قد يتمثل الملك في هيئة رجل ياتي إلى النبي عليه الصلاة والسلام ويراه الصحابه.
الرابعه: أنه كان ياتيه لكن في هيئة صلصلة الجرس؛ يعني مثل الحديد عندما تجره على الأرض، عندما مثلا تفتح هذه الابواب الحديدية عند الدكاكين والمتاجر تسمع لها صوتا قويا مزعجا قد يصل إلى النخاع من إزعاجه وقوته، كان الرسول عليه الصلاة والسلام ياتيه الملك فيوحي إليه في مثل صلصلة الجرس. وكان كما يقول عليه الصلاة والسلام -وهو أشده عليه- وهو أشده عليه من قوته حتى أن جبينه ليتفصد وينزل منه العرق في اليوم الشديد البروده من قوة هذا الصوت.
وحقيقة عندما تنظر إلى قول الله عز وجل: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: 5]، فهو ثقيل معنويا وجسديا. جاء في الاحاديث انه اذا اوحي إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وهو على ناقته أوشكت أن تضرب وتبرك على الارض لثقل الوحي. وسيدنا زيد بن ثابت يحكي لنا مرة أنه كان مع النبي عليه الصلاة والسلام جالسا بجواره وفخذ النبي عليه الصلاة والسلام وركبته على فخذه فاوحي إليه، فقال: إذ بفخذ النبي عليه الصلاة والسلام اصبحت ثقيلة بطريقة أني خشيت أن ترد فخذي -يعني خشي على قدمه وساقه ورجله أن تنكسر من قوة هذا الوزن الذي عليها-.
فهذا هو أشد أنواع الوحي على النبي عليه الصلاة والسلام، والصحابة وصفوه بقولهم: إنه اذا نزل على النبي عليه الصلاة والسلام كنا نسمع دويا كدوي النحل، هذا الدوي يسمعه عمر يقول، لكنه في الحقيقه على الرسول عليه الصلاة والسلام كصلصلة الجرس، فعلى قوته عند النبي عليه الصلاة والسلام ما يسمع الصحابة إلا دوي كدوي النحل عند وجهه.
الخامسة: أنه يرى الملك في صورته التي خلق عليها، والرسول عليه الصلاة والسلام لم ير جبريل على هيئته إلا مرتين؛ المره الأولى بعد فترة الوحي كما تقدم معنا، والمرة الثانية في ليلة أعرج به: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ * عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَىٰ﴾ [النجم: 13-14]. فإذاً رآه في هذه الصورة الحقيقية على خلقته.
لكن هل من المناسب أن نذكر هذه المسألة في أقسام الوحي؟ يعني هل ثبت أن النبي عليه الصلاة والسلام أوحى له جبريل وهو في هيئته الحقيقية التي خلقه الله تعالى عليها؟ يعني عندما راه عليه الصلاة والسلام مرتان في هذه الحالة، هل أوحى إليه لكي نذكرها في أقسام الوحي أو لا؟ هذه مسألة فيها نظر، والعلم عند الله عز وجل.
القسم السادس هو ما أوحاه الله إليه وهو في ليلة المعراج من فرض الصلاة وغيرها، وهو ذاته القسم السابع الذي كلام الله له منه اليه بلا واسطه -بلا واسطة ملك- كما كلم الله موسى ابن عمران، وذلك في حديث الإسراء. فإذاً لو أردنا أن نقول إن من أقسام الوحي هو أن يكلم الله تعالى من يوحي إليه من وراء حجاب كما جاء في الآية فلا حرج في ذلك، وهو ينقسم إلى قسمين: القسم الأول هو ما حصل مع نبي الله موسى عندما كلمه الله تعالى.
ولذلك عرف باسم كليم الله، والقسم الثاني هو ما حصل مع نبينا صلى الله عليه واله وسلم، وهو أعلى وأشرف وأعظم، لأن النبي صلى الله عليه واله وسلم كلمه الله تعالى في السماء السابعة، بينما كلم موسى وهو في الأرض. فلا شك أن كلام الله تعالى لنبينا عليه الصلاة والسلام أفضل وأعظم، ولذا لا يصح فقط أن ننسب المسألة إلى أن موسى كليم الله بل ومحمد عليه الصلاة والسلام كليم الله.
وهذا نظير الخطأ الذي يقع فيه الناس عندما يصفون إبراهيم على سبيل المثال بقولهم خليل الله عليه الصلاة والسلام، ثم يقولون ومحمد عليه الصلاة والسلام حبيب الله، هذا غير صحيح. النبي صلى الله عليه وسلم أيضا خليل الله، لأن الخلة هي أعظم مراحل ودرجات المحبة، فالنبي صلى الله عليه واله وسلم قال في الحديث الصحيح: «لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن صاحبكم خليل الرحمن». فإذا نبينا عليه الصلاة والسلام هو حبيب الله وهو خليل الله، كما أن إبراهيم خليل الله، وهو كليم الله كما أن موسى عليه الصلاة والسلام خليل الله وكليم الله أيضا. فإذا هذه تقريبا هي اقسام الوحي التي قسمها العلماء عند حديثهم على الوحي.
والنبي عليه الصلاة والسلام عندما كان ينزل عليه الوحي كان يردد بسرعة خلف جبريل، وهذا يحصل عندما يلقي أحدهم عليك مقولة وأنت تخشى أن تنساها فتردد الكلام خلفه، لذا قال ربنا عز وجل: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: 114]، وقال عز وجل: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: 17-19]. فإذا أمر النبي عليه الصلاة والسلام بعدم تحريك لسانه وبعدم القراءة مع أو بعد جبريل عليه الصلاة والسلام، لأن الله تعالى تعهد وتكفل بأن يجعل قلبه له واعيا وأن يعرفه وأن يحفظه وأن لا ينساه، فلا تخشى يا محمد صلى الله عليه واله وسلم من ذلك، لأن الله تكفل به.
الوحي عندما كان ينزل على النبي عليه الصلاة والسلام كانت تعتري النبي صلى الله عليه وسلم أحوال، فكان يحمر وجهه، وفي بعض الروايات يسود أو يصيبه نوع من التغير. كان صلى الله عليه واله وسلم يعاني معاناة شديدة من الوحي، وكان يعلوه العرق، وكانت حرارته ترتفع في اليوم الشديد البرودة، الوزن يختلف كما تقدم في حديث زيد أن فخذه كادت أن ترض من ثقل فخذ النبي صلى الله عليه وسلم، الناقة أو البعير تكاد أن تبرك وتمس بجيرانها الأرض من شدة الوحي.
وكان النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في بعض الروايات يسمع له غطيط كغطيط الصغير من الإبل، فيسمع له غطيط وصوت، فهذه التغيرات مناسبة لقول الله عز وجل: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾ [المزمل: 5]، ما يستطيع أحد أن يتحمل هذا القول الثقيل إلا بتهيئة واعداد الله عز وجل له، إذ أن الجبال لتك من ثقل وعظم كلام الله عز وجل.
والمستشرقون حاولوا جهدهم في أن يتهموا وأن ينالوا وأن يقدحوا في هذا القرآن وفي هذا الوحي، وهذا ديدنهم، فمن ذلك أنهم قالوا من قبل إنما يعلمه بشر، وهذا كلام المشركين عندما نزل الوحي المبين على النبي عليه الصلاة والسلام وقربه وقدمه إليهم وقالوا: ﴿إِنَّمَا هُوَ إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَاعَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ [الفرقان: 4]. فايضا اتهموا النبي عليه الصلاة والسلام بأن هذا مما تعلمه من الآخرين، فهل هذا امر قد مضى وانقطع أم انه مستمر؟ هذا ما سوف نتدارس بعد الفاصل باذن الله عز وجل فابقوا معنا.
كلمات قصيرة تحمل بين طياتها تنبيها وتحذيرا خطيرا، وتوجه حواسنا ومداركنا إلى دورنا الحقيقي الذي سنحاسب عليه: كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته. فمن أهم أدوارنا الجديرة باهتمامنا في هذه الحياة التركيز على مسؤوليتنا تجاه رعيتنا، فالآباء والأمهات لهم الأثر الأعظم بعد الله في مستقبل الأبناء والاجيال، لذلك خصهم النبي صلى الله عليه وسلم بالذكر فقال: «والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها».
إن الأبناء زهرة الحياة وقرة أعين الآباء والأمهات، وصلاحهم ودعائهم ترفع الدرجات في الآخرة، ولكن يجب أن ندرك أن ذلك مرهون بحسن تربيتهم وصلاح نشاتهم، فهنا كان لزاما علينا البحث عن أبرع الطرقات وأفضل الأساليب في التربية والتوجيه ليكون أبناؤنا في قابل أيامهم مصدر بر وسعادة لنا وسواعد خير وبناء للمجتمع والإنسانية.
هذه الاتهامات أن الذي يعلمه بشر وأنها من الأمور التي افتراها واعانه عليها قوم آخرون، هذه هي ذات الافتراءات التي اعتمد عليها المستشرقون، فهم ما زالوا يطعنون في النبي عليه الصلاة والسلام وفي القرآن في نبوته، على الرغم من أنهم يعلمون علما يقينيا أن النبي عليه الصلاة والسلام هو الصادق الأمين، وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا.
فقالوا إنه تعلم القرآن من ورقة، ويا لها من شبهة تافهة سخيفة، والرسول صلى الله عليه وسلم لم يلق ورقة إلا مرة واحدة فتعلم منه القرآن المعجز بنظمه وكلامه مدة ثلاث وعشرين سنة! قالوا: لا لا، تعلمه من بحيرا الراهب، تعلم من ذاك الراهب في لقاء امتد نصف ساعة عندما كان ابن اثنتي عشرة سنة تعلم منه ذلك! قالوا: لا، هذا أغلب الظن أنهم تعلموه من يهود مكة، وهل كان يوجد في مكة يهود أصلا، وهل كانت كتبهم بالعربية أصلا إنما كانت بالعبرية؟
كل هذه الافتراءات يرد عليها ذاك الاعجاز الذي تميز به كلام الله عز وجل، الذي امتاز به القرآن: إعجاز علمي في الجيولوجيا في الفلك في علم الأجنة، إعجاز تشريعي شرع الله عز وجل المناسب لكل زمان ومكان إلى قيام الساعة، إعجاز اجتماعي في المسائل التي تحكم علاقة الناس بعضهم ببعض وأسس العدالة والرحمة التي أرسىها القرآن للبشرية أجمعين، كل ذلك هو من أوضح الأدلة على إعجاز الوحي إعجاز القرآن. يعني عندما تنظر إلى منظومة الأخلاق في القرآن لا يسعك إلا أن تقول هذا ليس من كلام البشر، لا يمكن أن يكون من كلام البشر، إن هو إلا وحي يوحى.
مما أدى بالمستشرقين إلى أن أتوا إلى الأحاديث التي تصف صعوبة الوحي على النبي عليه الصلاة والسلام، فنظروا وفكروا وقدروا فقتلوا كيف قدروا، فقالوا مثل ما قال الأولون: هذا الذي يأتي إلى النبي عليه الصلاة والسلام عند الوحي إنما هو صرع، هذا هو مرض الصرع تنتابه نوبات من الصرع. ولا شك أن هذا افتراء وكذب وبهتان، لكن للاسف بعض ضعاف الإيمان ربما قد يجد لهذا مناسبة أو يلقي الشيطان في قلوبهم أنه نعم هذا قد يكون حقا، ولولا أنها شبهة تافهة سخيفة تنطلي على ضعاف الإيمان لما أوردناها.
والرد عليها بسيط، لكن هل لأولئك المستشرقين أصل، هل لهم سلف؟ نعم، المشركون قالوا عندما جاء النبي عليه الصلاة والسلام بالحق المبين: قالوا إن هو إلا ساحر، إن هو إلا كذاب، قالوا عنه إنه مجنون، قالوا عنه إنه كاهن، قالوا عنه إنه مفتر، قالوا عنه إنه شاعر، كلها تهم مثل التهم المعلبة. من جاء بالعقيدة الصحيحة قالوا هذا وهابي هذا سلفي، ومن الذي يقول هذه التهمه هم الرافضة أو الصوفية أهل البدع والأهواء وعباد القبور، فكل من جاء بالحق لابد أن ينتقص منه بمثل هذه الاتهامات المعلبة.
في موقع سؤال وجواب الإسلام سؤال وجواب أورد هذه الشبهة وردوا عليها بكلام جميل رزين عاقل ينبغي للمسلم أن يراجعه. فمما قالوا: المريض بالصرع يبرد جسده بسبب نوبات الصرع، صرع النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن جسده يبرد عند نزول الوحي بل كان على العكس ينزل منه العرق الغزير في اليوم الشديد البرودة. قالوا: المصاب بالصرع يتخبط وياتمايل ويسقط على الأرض ويتمدد ويخرج من فمه الزبد، وهذا مرض واضح يراه كل الناس، النبي عليه الصلاة والسلام على العكس من ذلك تماما، كان ثابت القلب والجنان، ثابتا على منبره أو على مجلسه أو على ناقته، لا يسقط ولا يتمدد ولا يتمايل يمنة ويسارا، ولا حتى يسقط من يده شيء كان ممسكا به.
به كما جاء في بعض الأحاديث أنه نزل عليه الوحي وهو بيده عرق من لحم يأكل منه، فلما جلي عنه أجاب السائل والله اللحم أو العرق ما زَالَ في يده. المصروع بعد ما تصيبه النوبة لا يذكر شيئاً مما حصل معه، بينما النبي عليه الصلاة والسلام يذكر كل ما كان قبل وكل ما كان خلال، ويأتي بالجواب على ما سئل فيه كما حصل في أحاديث عندما سئل عن مسألة ولم يدري ما جوابها فنزل عليه الوحي فأجاب السائل بعد أن جلي عنه ورفع عنه الوحي.
المصروع يأتي بالهذيان من الكلام ويقول ويه بما لا يعرف، النبي عليه الصلاة والسلام على العكس من ذلك تماماً يأتي بالحكم ويأتي بالتشريع ويأتي بالمعاني العظيمة التي عجز الناس عن الإتيان بعشر، فأين هذا من هذيان المصروعين؟ المصروع بعد نوبته يشعر بالصداع وبالتعب ويحتاج إلى راحة نسأل الله أن يعافي كل مصروع، لكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما كان يصيبه من ذلك بل هو على أكمل حال وأقوى بدن.
المصروع يحزن على حاله ويتأسف عليها ويصيبهُ الغم والهم مما أصابه أمام الناس، أما وفي بعض الأحيان ربما يزين له قتل نفسه كي يرتاح من هذه الأمور، النبي عليه الصلاة والسلام على العكس من ذلك لما انقطع عنه الوحي حزن حزناً شديداً ولكن إذا نزل عليه الوحي كان طمأنينة لقلبه. النبي عليه الصلاة والسلام تقدم معنا أنه إذا نزل عليه الوحي أحمر وجهه، والمصاب بالصرع يصفر وجهه ويذهب عنه الدم.
المصاب بالصرع يصيح صيحات عالية، النبي عليه الصلاة والسلام ما أغمي عليه ولم يؤذي نفسه بجرحها أو ضربها أو شيء من هالقبيل كما يحصل مع المصابين بالصرع. المصاب بالصرع غالباً ما يصيبه خلل في ذاكرته في تقديره للأمور، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام كان عندهم الصادق الأمين يأتمن بأمور كلها، فهل هذا مناسب لمن عرف عنه الصرع؟ أضف إلى ذلك أن المصاب بالصرع معروفة حالته المرضية سبحان الله قبل البعثة ما ورد عنه عليه الصلاة والسلام أي حال من هذه الأحوال أحوال الوحي، فكيف تزعمون أن الوحي هو حالة صرع ولم تكن معروفة عنده قبل بعثته صلى الله عليه وسلم؟
أضف إلى ذلك مسألة هامة جداً وهي أن الله عز وجل نوع الوحي؛ فإما أن يكون من وراء حجاب، وإما أن يكون عن طريق الملك في هيئة آدمي، وإما أن يكون في نفث الروع في روعه عليه الصلاة والسلام، وإما أن يكون كصلصلة الجرس، وإما أن يكون في رؤية منامية؛ لماذا؟ للرد على هؤلاء المستشرقين الأفاكين، فهذا الصرع الذي تدعونه هو فقط في صلصلة الجرس، لكنه لا يأتيه عندما يوحى إليه الملك وهو في هيئة آدمي، ولا يأتيه عندما ينفث في روعه عليه الصلاة والسلام، ولا يأتيه وهو يخاطبه الله تعالى من وراء حجاب، مما يدل على كذب هذه الفرية وعلى بهتان أولئك الأعداء الذين يريدون الإساءة إلى دين الإسلام.
هذا ما اتسع له وقت درسنا، نسأل الله عز وجل أن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح، وحتى نلقاكم في الدرس القادم استودعكم في أمان الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
يا راغباً في كل علم نافع متطلعاً لزيادة الإيمان، وتريد سهلاً نوال ميسراً يأتيك ميسوراً بأي مكان، زاد زاد أكاديمية ينبوعها صاف صاف فيل يي غله الضمان، والسيرة العلياء وعطره الشدا طيب يفوح لأهل كل زمان. بشرى لنا زاد أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان.
الشيخ عاصم الحكيم