دخولتسجيل الدخول

السيرة النبوية | 105. فشل السفارات والوساطات، وإعلان بيعة الحرب

محمد إلهاميمحمد إلهامي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله. بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، واجعل عملنا كله خالصاً لوجهك الكريم، ولا تجعل لأحد سواك فيه شيئاً يا رب العالمين.

مرحباً بكم أيها الأحباب، طبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم من الجنة منزلاً. نسأل الله تبارك وتعالى، كما جمعنا على طاعته، أن يجمعنا في جنته ومستقر رحمته ودار كرامته.

وهذا هو المجلس الخامس بعد المئة من مجالس السيرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، وما زلنا نواصل حديثنا في غزوة الحديبية. وأحب قبل أن نستأنف الحديث أن أذكركم بما ذكرناكم به في المرة الماضية من حديث الأسرى في السجون المصرية وفي غيرها، وكذلك إخوانكم في غزة، فقد اكتملت عليهم ثلاث سنوات من المجازر والمذابح والمظالم. نسأل الله تبارك وتعالى أن يفك أسرى المسلمين في كل مكان، ونسأله تبارك وتعالى أن ينصر العاملين المجاهدين في كل مكان، ونسأله تبارك وتعالى أن يقر أعيننا بهلاك الظالمين والمنافقين، وأن يجعلهم عبرة.

كنا نتكلم في غزوة الحديبية، وانتهى الكلام بنا إلى سفارة عروة بن مسعود الثقفي. باختصار شديد، نحن ذكرنا أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى العمرة، وقريش اجتمعت على منع النبي صلى الله عليه وسلم من دخول مكة ومن أداء العمرة. وذكرنا أنه أهم أهداف النبي صلى الله عليه وسلم من هذا الخروج كان هو -بتعبير معاصر- الحصول على الاعتراف الدولي؛ أن يكون المسلمون مثل بقية القبائل التي تحج وتعتمر إلى البيت وتكون آمنة في ذلك، وهذا هو مقتضى مصطلح العصر، القانون الدولي الذي كان سائداً في ذلك الوقت.

وامتناع قريش عن استقبال النبي صلى الله عليه وسلم كان فيه هذا المعنى الذي هو رفض تحول المسلمين من كونهم جماعة مارقة، جماعة غير معترف بها، جماعة غير شرعية، إلى كونهم دولة أو قبيلة ذات سيادة ولها الحقوق التي لسائر العرب. هذا هو المأزق.

وذكرنا كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم وصل إلى الحديبية، والحديبية على أطراف الحرم، وكيف بدأت السفارات بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين قريش. وذكرنا أنه لدينا ست سفارات: سفيران من عند النبي صلى الله عليه وسلم، وسفيران من عند قريش، ووسيطان تطوعا أن يسيرا بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين قريش. وذكرنا الوسيط الأول وهو بديل بن ورقاء الخزاعي، وكيف كان متهماً في وساطته هذه، فلذلك رفضته قريش. ثم خرج الوسيط الثاني عروة بن مسعود الثقفي، وكان حليفاً لقريش، وكان قد خرج إليها يناصرها. فذكرنا ما كان في سفارة عروة بن مسعود الثقفي في المرة الماضية وما صدم به عروة بن مسعود الثقفي.

ولكي يتصل الحديث، نقول إن عروة بن مسعود الثقفي كان قبل أن يخرج مقتنعاً بالعرض الذي عرضه النبي صلى الله عليه وسلم لما جاء به بديل بن ورقاء، وقد قال: «قد عرض عليكم خطة رشد فأقبلوها، ولكن دعوني آتيه»، يريد أن يحسن من الموقف أو الشروط التي يمكن أن تشترطها قريش لنفسها. فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم، كان قد دخل إليه المدخل الشديد، المدخل التهديدي، المدخل التهديدي من حيث القوة، أنه في الآخر يا محمد إني أراك قد جمعت حولك أوشاب الناس، أي أخلاطاً من الناس، وموقفك العسكري ليس قوياً، وهذه قريش قد اجتمعت عليك، لبسوا جلود النمور يعاهدون الله ألا تدخلها عليهم عنوة أبداً، وأنت حولك أوشاب الناس. وفوق ذلك عليك العار الوطني، الذي هو: رأيت رجلاً قبلك اجتاح قومه، أرايت إن استأصلت أمر قومك؟ فمن سمعت قبلك من العرب قد اجتاح قومه. وإن تكن الأخرى فإني أرى لك أوشاب الناس.

وصدم عروة بن مسعود الثقفي بما وجده من ردات فعل في معسكر النبي صلى الله عليه وسلم. الصدمة الأولى كانت بالقول الشديد الذي قاله له أبو بكر، وأبو بكر كان صاحب فضل ومنّة عليه. والصدمة الثانية حين رأى ابن أخيه المغيرة بن شعبة يحرس خاصاً للنبي صلى الله عليه وسلم، كلما مد عروة يده إلى لحية النبي ضربه بقائم السيف وهو يقول: «أردد يدك عن لحية رسول الله قبل أن ترجع إليك».

فعاد عروة بن مسعود الثقفي إلى قريش وقد تغير حاله والوضع مختلف، وقال لهم هذه الكلمة البليغة الشديدة التي كانت أول هدم كبير في جدار قريش، في الجدار النفسي لقريش: «يا معشر قريش، لقد أتيت قيصر في ملكه، وأتيت كسرى في ملكه، وأتيت النجاشي في ملكه، فما رأيت أحداً يحب أحداً -وفي رواية: فما رأيت أحداً يعظم أحداً- كما يحب أصحاب محمد محمداً. إن يتنخم نخامة إلا ابتدروها تقع في كف الواحد منهم فيأخذها فيمسح بها وجهه وجلده، وإذا توضأ ابتدروا وضوءه، كادوا يقتتلون على وضوءه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحد أحدهم النظر إليه مهابة له، فقد رأيت قوماً لا يسلمونه لشيء أبداً، وقد عرض عليكم خطة رشد فأقبلوها».

الآن، النقطة الأشد قوة في عرض عروة بن مسعود الثقفي أن النبي حوله أخلاط الناس، وأنه إذا حصلت الصدمة بين رجل يجمع حوله أخلاط الناس وبين قبيلة واحدة متماسكة، فالمنطق المتوقع أن ينتصر القوم المتماسكون من القبيلة الواحدة، فالآن قد رأى شيئاً هدم تصوره، رأى من قوة الإيمان ومن تكتل العقيدة ما لا تبلغه أمة أخرى. فهذا الهدم الذي كان في تصور عروة بن مسعود الثقفي كان شديداً على قريش لأنه قد جاء من رجل غير متهم؛ هذا الآن عروة ليس كبديل بن ورقاء الخزاعي الذي يتهمونه بالقرب من النبي صلى الله عليه وسلم، هذا رجل قريب منهم هم، فحين يأتيهم الناصح القريب بمثل هذا، فكان هذا أول هدم حقيقي في جدار قريش.

تذكرون عندما قلنا بديل بن ورقاء لما عاد إلى قريش فقال: «قد أتيت هذا الرجل، أتحبون أن أبلغكم ما قال؟»، فقال بعضهم: «لا حاجة لنا بذلك»، وأما ذوو الرأي فقالوا: «بل أخبرنا»، لكن عروة بن مسعود لم يحصل معه الموقف هذا، عروة بن مسعود كان الجميع على استعداد لأن يسمع منه.

الآن سنتطور تطوراً آخر؛ هذا عروة بن مسعود الثقفي كما ذكرنا يا جماعة الخير كان رجلاً حليفاً لقريش، لكن حليفاً بعيداً قليلاً لأنه من ثقيف القوم الذين...

بينهم وبين قريش المنافسة، الآن سيخرج لنا من داخل معسكر قريش رجل يريد أن يكون هو سفيرا لقريش، هذا هو الحليس بن علقمة الكناني، سيد الأحابيش. الأحابيش ذكرنا أنهم قوم على أطراف مكة ويمتدون في مواقعها إلى الشمال، هؤلاء الأحابيش كانوا مع قريش متحالفين، فهم في معسكر قريش نفسها.

فخرج الحليس بن علقمة الكناني وهو يقول: «ائذنوا لي آتيه»، فقالوا: ائته. هذا الحليس كان رجلاً، لو أردت أن أقرب الصورة الآن، كان رجلاً نسميه من الحقوقيين المعاصرين؛ كان رجلاً عنده تعظيم لشعائر الدين، تعظيم للكعبة، تعظيم للهدي، تعظيم لمن جاء معتمراً. هو بمصطلحنا المعاصر يحترم القانون الدولي عن قناعة وعن عقيدة.

فلما جاء إلى النبي ﷺ، قال النبي ﷺ: «هذا رجل من قوم يعظمون الهدي فابعثوه». يعني قبل أن يصل إلى النبي ﷺ، أخرج له النبي الهدي، الهدي الذي هي الشياه التي أعدت لكي تنحر عند الكعبة. فلما رأى الرجل الهدي في وجهه، والهدي كما قلنا كان مقلداً ومشعراً، يعني عليه علامات أنه يقدم للكعبة، وأنه أكل أوباره من طول الحبس، فالموقف متجمد الآن فلا يوجد أكل، فهذا الهدي أكل أوباره من طول الحبس.

فقال: «ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت الحرام»، لا، هذا رجل بهذا الشكل جاء معتمراً، والذي جاء معتمراً لا ينبغي أن يصد عن القانون، العادات والتقاليد تقول ذلك، والطبيعي يقول ذلك. هذا من رجل هؤلاء قوم لا ينبغي أن يصدوا عن البيت الحرام، فلم يقابل النبي ﷺ أصلاً، وإنما عاد إلى قريش دون أن يلقى النبي ﷺ.

فعاد إلى قريش يقول: «سبحان الله! ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوه عن البيت! أيحج لخم وجذام وحمير؟». هو اختار القبائل أبعد القبائل عن مكة: لخم وجذام وحمير، التي هي القبائل في الشمال وقبائل اليمن، أبعد شيء عن مكة، ويصد عن البيت ابن عبد المطلب! ابن عبد المطلب هذا زعيم قريش الذي انفرد فيها بالسيادة، ذكرنا ذلك في أول مجالس السيرة النبوية، أن عبد المطلب هذا كان رجلاً عند قريش بمثابة الزعيم المؤسس، الرجل الذي انفرد في قريش بالسيادة.

فهو يقول: ليس طبيعياً، ليس قانونياً، ليس مقبولاً، ليس منطقياً أنه إذا جاءنا رجل من لخم وحمير وجذام يدخل إلى البيت، وإذا جاء إلى البيت ابن عبد المطلب الذي انفرد بالسيادة وكان قائماً على شأن هذه الكعبة يصد عن البيت! «أيحج لخم وجذام وحمير ويصد ويمنع عن البيت ابن عبد المطلب؟ هلكت قريش ورب الكعبة، إن القوم أتوا معتمرين».

تأملوا هنا أيضاً في سياسة النبي ﷺ في أنه لم يلقَ الرجل، مجرد قراءة النبي لشخصية الرجل فهم منها طبيعته، فأعطاه الجواب العملي، ولم يتكلف أن يكون بينه وبين النبي ﷺ حوار. وهذا يجعلنا نتأمل ونقول بضرورة فهم معسكر الأعداء؛ معسكر الأعداء ليس شيئاً واحداً، ليس كل الكفار كتلة واحدة، ولكن يجب أن يكون استقبال النبي لبديل، مع أنه كان مقيماً على كفره، استقبال النبي لعروة بن مسعود شيء، واستقبال النبي للحليس بن علقمة شيء آخر.

ففي الكفار من يمكن أن تأمنه، نحن قلنا إن النبي أول ما خرج إلى الحديبية أصلاً كانت عينه رجل مخابرات، كانت عينه رجلاً خزاعياً، بسر بن سفيان الخزاعي، وكانت خزاعته نصحاً للنبي ﷺ. وفي واحد تقابله بالشدة، وفي واحد لا تحتاج أن تقابله وتتوسع في وجه الهدي. فالقصد أن معسكر الأعداء ليس شيئاً واحداً، وفهمك لمعسكر الأعداء وتفاصيل الفروق بينهم مهم جداً في باب السياسة، لا يعامل بعضهم كما يعامل الآخر.

طبعاً ها هنا كلمة جميلة تأمل فيها، ترى أننا الآن في حال أشد سوءاً من حال الجاهلية الأولى، لأن كثيراً من الناس يتصورون أننا عايشون في عالم الحرية والديمقراطية والقانون الدولي، بينما حقيقة الأمر أننا في حال أشد من حال الجاهلية الأولى. الرجل حليف قريش يقول: «أيحج إلى البيت لخم وجذام وحمير ويمنع منه ابن عبد المطلب؟».

الآن في زماننا هذا، يحج إلى البيت عادل إمام وهيفاء وهبي والراقصات، ويمنع منه المصلحون والمجاهدون، أي حد عنده خلاف سياسي مع السعودية! حقيقة الأمر أننا لم نبلغ تعظيم البيت الذي كان عند الجاهليين قبل أن يؤمنوا بالنبي ﷺ. تأملوا في هذا، المفترض أن هذا البيت الحرام الذي جعله الله مثابة للناس وأمناً، بل إن بعض الناس يذهب إلى الحج أو إلى العمرة ويسلم إلى البلد التي تطلبه، هذه جريمة ما اقترفها الجاهليون الأوائل، تقترف الآن وتُقترف، وأشد من أنها تُقترف، أنها تمضي على الناس برداً وسلاماً، لا يتصور أحد أن هذه جريمة كبرى وتعد من أمور السياسة والسيادة والشؤون الداخلية والترتيبات القانونية، وتقبل الناس مرور هذه الجريمة مروراً سهلاً. منع الناس عن البيت وتسليم بعضهم من البيت، هذا ما اقترفه الجاهليون الأوائل.

الجماعة القرشيين لما سمعوا هذا الكلام ورأوا أنهم في مأزق داخلي مع أحلافهم الأحابيش، قالوا بوضوح: «اجلس، فإنما أنت أعرابي لا علم لك بالمكايت»، ما لك في السياسة! أنت حتى ما قابلته، هل عمل لك منظراً؟ هل سحرك بهذا المنظر فرجعت ثانية من غير أن تكلمه، يبقى بيفهم في السياسة ولا ما بيفهمش؟ لا ما بيفهمش.

فلما سمع هذا الرجل هذا الكلام قال: «يا معشر قريش، ما على هذا حالفناكم، ولا على هذا عاقدناكم»، أي نحن نفكر في الحلف الذي بيننا من الأول. أي يُمنع من البيت من جاء معتمراً؟ هذا الكلام لا ينفع، هذا خرق للقانون، خرق للتقاليد، خرق للدين. فلما رأوا أن الأمر قد يؤدي إلى أزمة داخلية، قالوا: اصبروا، ولكن دعونا نأخذ لأنفسنا، لا نرضى به، خلينا نحاول محاولة ثانية، ربما نأخذ شروطاً أفضل من هذه. فسكت على مضض.

يبقى الآن نحن تطورنا إلى أن هذا سفير من قريش انقلب على قريش. طيب، الذي بعده، السفير الذي بعده هو مكرز بن حفص، هذا رجل من قريش.

لا، هذا لسه، لا؛ إحنا بنتكلم على السفراء الذين قبل سهيل بن عمرو، لسه سهيل بن عمرو سيأتي في الصلح الآن، معنا مكرز بن حفص، وهو لكنه يلتقي مع النبي ﷺ في أكعب بن لؤي. صلوا على النبي.

هذا مكرز بن حفص لما أشرف على النبي ﷺ قال النبي: «جاءكم مكرز»، وهذا رجل فاجر، أو قال: «وهذا رجل غادر». وحقيقة المعلومات قليلة عن هذا الرجل، حتى أسلم أم لم يسلم، لا يوجد ما يصرح بهذا في المصادر على الأقل على حد علمي، لم أقف على معلومات على أنه أسلم أو لم يسلم، ومتى مات لا يعرف كذلك.

هو له موقفان في السيرة النبوية فيما أعرف؛ طبعاً الموقف الأول حين أنقذ سهيل بن عمرو من الأسر يوم بدر، سهيل بن عمرو أُسر يوم بدر. وكان سهيل من أبنائه اثنان أسرعا إلى الإسلام: عبد الله بن سهيل، وأبو جندل بن سهيل، وحبسهما وظل في القيد. فلما خرج إلى غزوة بدر خادعه ابنه عبد الله فقال له: «فك وثاقي لكي أقاتل معك»، فتصور أن عبد الله رجع عما في نفسه، وتحركت فيه عاطفة البنوة وعاطفة القبيلة، ففك وثاقه وحمله معه إلى بدر، عبد الله في غفلة من قريش ركب فرسه وانحاز إلى المسلمين.

الابن الثاني بقى الذي كان مسجوناً، أبو جندل، ظل مسجوناً في قيد أبيه، فلما أُسر سهيل بن عمرو وطلب الفداء -ما حدش عارف فين الفلوس بتاعة سهيل بن عمرو عشان يفديه- فجاء مكرز هذا وعرض أنه يضع نفسه في القيد مكان سهيل بن عمرو حتى يخرج سهيل بن عمرو ويأتي بفدائه، وقد كان فيها حالة من الوفاء والصحبة، وهما من بطن واحد، لؤي بن عامر.

الآن مكرز بن حفص، لم تورد لنا الروايات شيئاً عن الحوار بينه وبين النبي ﷺ، إلا أن النبي قال له مثل ما قال لبديل. عرض النبي هو من الأول، ما هو عرض النبي لو حد كان ناسي أنه النبي ﷺ يعرض على قريش هدنة، اتفاق مدة توضع فيها الحرب بين الناس، ومعنى ذلك أنه يرفع عنهم الحصار الاقتصادي، مقابل أن تخلي قريش بينه وبين الناس؛ فإن أصاب الناس ما أرادوا، وإن ظهر على الناس -يعني الناس دخلت في الإسلام- دخلوا فيه وهم وافرون، فإن أبوا أن يدخلوا في الإسلام قاتلوا وهم بقوة. هذا عرض النبي ﷺ الذي لم يتخلف، فالسؤال هو نفس الكلام الذي قاله النبي ﷺ لمكرز بن حفص.

أنا أريد أن أتوقف بكم هنا وقفة في مسألة تعامل النبي ﷺ مع السفراء، وأرجع وأقول إنه حقيقة صلح الحديبية دروسه في السياسة دروس عميقة جداً وكثيرة ومؤثرة. أول ما نراه من خطة النبي في التعامل مع السفراء: العرض الأول هو العرض الأخير. العرض الذي عرضه النبي قبل أن يخرج، منذ أن أحرموا بالعمرة في ذي الحليفة إلى آخر سفير دلوقتي الذي هو مكرز بن حفص، هو ما حصلش تنازل من النبي ﷺ عن أي شيء.

رقم واحد: العرض الأول هو العرض الأخير، ما فيش تنازلات. رقم اثنين: السفير الهادئ الموالي القريب شرح له النبي ﷺ هذا الكلام بشرح هادئ حكيم حصيف لطيف، الذي هو بديل بن ورقاء الخزاعي. لكن السفير العسكري الصارم الذي جاء بالتهديد، الذي هو عروة بن مسعود الثقفي، وجد ماذا عند النبي ﷺ؟ وجد ثلاث صدمات كل واحدة منها أشد من الثانية: وجد صاحبه أبا بكر يسبه هذا السب القبيح، وجد ابن أخيه المغيرة بن شعبة يهدده بالقتل أو بقطع يده إذا أردنا الدقة، ووجد التئام الناس حول النبي ﷺ التئاماً غير مسبوق.

وارجع إلى القول: لا تنظر فقط في ردة فعل الصحابة، ولكن تأمل أيضاً في أن النبي ﷺ تركهم هم يفعلون ذلك، ترك النبي صحابته يفعلون ذلك فيه إقرار لهم بأهمية هذا الفعل أمام عروة بن مسعود الثقفي. فالسفير الهادئ بتشرح له فكرتك السياسية بحصافة وحكمة ولين ولطف، لكن الذي جاء يهدد ويرغي ويشد، وجد أمامه أيضاً مشهداً صلداً هائلاً. السفير الرقيق المتدين لم يقابله بل بعث في وجهه الهدى، دخل له من المدخل المناسب له.

فهذا يعني يخبرك كيف أن النبي ﷺ كان خبيراً بالرجال. ونستطيع يا جماعة أن نقول إنه هذه الأمور الأربعة هي ما إن تتحقق في مجتمع حتى يكون هذا المجتمع إما سائداً وإما في طريقه إلى السيادة. بكل وضوح، المجتمع الذي عنده رؤية سياسية واضحة وهدف واضح، غير المجتمع أو غير الدولة التي لا تدري ماذا تريد.

المجتمع الذي عنده القدرة على شرح ما يريد -بمصطلحنا المعاصر دلوقتي عنده إعلام قوي محترف يستطيع أن يوصل رسالته بأشكال مختلفة حتى يقنع بها من لم يكن مقتنعاً- المجتمع المتماسك الملتئم، غير المجتمع الذي تبدو فيه الشقوق وتبدو فيه التمزقات والتفرقات. وكل هذا حين يتكلم به القوي المستعد للقتال، غير أن يتوفر كل هذا ثم لا تتوفر القوة التي تمكنه من القتال.

خذوهم واحدة واحدة يا جماعة، صلوا على النبي، أنتم معايا؟ الناس يرهبون القوي حتى لو كانت قلوبهم تميل إلى الضعيف، معروفة دي، قالها الفرزدق قديماً: «قلوبهم معك وسيوفهم عليك». الناس ترهب القوي أكثر مما تتعاطف مع الضعيف، بل وتجد النفس المقهورة سبيلاً لكي تؤول لنفسها انحيازها للقوي وتؤول لنفسها انصرافها عن الضعيف وتقول لك: «إيه اللي وداه هناك وهو اللي جاب ده لنفسه؟»، أمر مشهود ومعروف. فبالتالي أول خطوة أن تكون قوياً، أول خطوة في مسار أن تضع قدميك في عالم الناس أن تكون قوياً.

والناس بعد القوة يستمعون للقوي إذا أحسن الكلام أكثر مما يستمعون للضعيف مهما كان أحسن منه في الكلام. يعني لو الاثنين بيتكلموا والاثنين على نفس المستوى من الفصاحة، بس واحد قوي والثاني ضعيف، الناس تنحاز لمين؟ محتاجة كلام. الشيخ كشك رحمه الله كان دائماً ما يتمثل بقول الشاعر:

إن الغني وإن تكلم بالخطا ... قالوا أصبت وصدقوا ما قال غني وإذا الفقير أصاب قالوا أخطأت ... يا هذا وقلت ضلالة إن الدراهم في المجالس زينة

تكسو الرجال مهابة وجمالاً، فهي اللسان لمن أراد فصاحة، وهي السلاح لمن أراد قتالاً. يمشي الفقير وكل شيء حوله والناس تغلق دونه أبوابها، وتراه مبغوضاً وليس بمذنب، ويرى العداوة ولا يرى أسبابها، حتى الكلاب إذا رأت فقيراً ماشياً نبحت عليه وكشرت أنيابها، وإذا رأت يوماً رجل الغنى هرعت إليه وحركت أذنابها.

ما أحد ينكر أن أبا العلاء المعري له بيتان قال فيهما: أتونا بإقبالهم والحسام ... فشد به زاعم ما زعم تلوا باطلاً وجلوا صارماً ... قالوا كلاماً فاضياً وقلنا نعم

واضح؟ صلوا على النبي. إذن أولاً يا جماعة الخير، مسألة أن تكون قوياً ثم أن تحسن مقالتك، تحسن التعبير عن موقفك، هذا ما يؤلف الأعداء.

الأمر الثالث: الناس يعجبهم التلاحم والتماسك حتى ولو كان في مخالفهم. وأقول لكم على شيء؛ الآن أنا لماذا مثلاً كثير من الناس يحبون أن يشوفوا افتتاح الدورة الأولمبية وافتتاح كأس العالم؟ ليه الدول الآن تتفنن في أن تثبت قدرتها على السيطرة على الناس؟ أنك تعرف تحرك المجاميع الكبيرة بشكل متناغم متناسق، هذا دليل على القوة، على التحكم، على السيطرة، على التماسك.

أن يبقى عندك آلاف الناس موجودين في عرض واحد يعملون هذا العرض وكأنهم واحد، مسألة التماسك والتلاحم والتناغم هذه مسألة تعبر عن السيطرة وعن القوة. ولذلك قال ربنا تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾ [الصف: 4].

علشان كدة العروض العسكرية، وأنا أقول حتى عروض الألعاب التي هي العروض التافهة، لكن العروض العسكرية دائماً ما توّد فيها الدولة أن تظهر قدراً من التحكم الشامل في آلاف الناس الذين يمثلون وينفذون العرض بدون أخطاء. فالتماسك والقوة والتلاحم هذا أمر هائل، أمر مهيب.

هذا الذي رآه عروة بن مسعود الثقفي، فعاد بغير الوجه الذي ذهب به. وأنا أخبركم، هذا يكون في الحق ويكون في الباطل، هي طبيعة إنسانية؛ ولذلك تحرص عليها الدول، ولذلك أي زعيم تلاقيه دائماً يقول لك: «كل البلد على قلب رجل واحد، ما عندناش في هذا الملف أي خلافات».

تسمع هذه الرسالة لابد أن يصدر هذا الملف. وأشد من ذلك، أنا أخبركم بقصة لطيفة؛ أنتم عارفين تسمعوا عن جماعة الحشاشين الباطنية؟ حسن بن صباح، المهم جماعة مضلة متزندقة، ولكن الحسن بن صباح هذا كان زعيماً من نوعية الزعماء الكبار الذين عندهم القدرة على السيطرة الهائلة على أتباعهم. ولذلك سموا أحياناً الحشاشين لأنه قيل إنه كان يعطيهم نبات الحشيش فيسكرون أو يغيبون عن الوعي فيسيطر عليهم، الأمر فيه تفاصيل تاريخية لن ندخل فيها. الخلاصة أن جماعة الحشاشين هؤلاء كان من أهم مزاياهم التماسك والتلاحم، كلمة الزعيم هذه ليس لها صد ولا رد.

فأرسل إليه السلطان ملك شاه سفيراً يدعوه إلى التوبة والإنابة وترك ما هو عليه من المعتقد الباطل، والسفير رايح ومعه كتب وفتاوى العلماء. فأدخله الحسن بن صباح عليه في القلعة المنيعة التي هي قلعة الموت. أنا الشاهد الذي أريد أن أقوله لكم هو هذا: سمع من السفير، ثم قال للشباب حوله: «إني أريد أن أرسل منكم رجلاً إلى مولى هذا، إلى السلطان، سفيراً». فاشرأبت إليه أعناق الناس -وهذا الكلام يرويه الأئمة الكبار، يرويه ابن الجوزي في المنتظم، وابن الأثير في الكامل، وابن كثير في البداية والنهاية- اشرأبت إليه الأنظار.

قال لهم: «أنت، اذبح نفسك»، فأخرج سكيناً وذبح نفسه قدام السفير. ما في كلام ثاني، يعني أنت ألقِ بنفسك من القلعة مباشرة، ألقى نفسه من القلعة، قال هذا هو الجواب: «إن قوماً يطيعونني هذه الطاعة، أنتم أعلم بهم». معناه الكلام هذا ماذا؟ رسالة قوة عسكرية مالهاش حل، أنا أمرت واحداً يقتل نفسه كما أنت شايف، فهؤلاء قوم الحرب معهم مكلفة تماماً، أو حتى التفكير في الحرب معهم محتاج أن تفكر فيه ثانية. يقول المؤرخون: فانقطع من حينها ملك شاه ولم يراسله مرة أخرى، خلاص لم يعد إلا المواجهة.

لكن أنا أتكلم الآن على رسالة السيطرة والتماسك والتلاحم. أمس رأيت فيديو لأسير شاب فتى من الحوثيين، والولد فتى وصغير، لكن يبدو متشرباً تماماً لهذه العقيدة الباطلة. الخلاصة أنه أنا أول ما شفت الفيديو، ما في خمس دقائق بعدها إلا ولقيت واحداً يعلق يقول: «إذا كان الحوثيون على هذه القناعة، فأنا أرجو يا جماعة أن تدوروا على حل لهذه الحرب».

التعليق هذا وصل إليه أن حرب العقائديين هذه لن تنتهي، أو خلينا ندور على طريقة لإنهاء الحرب لأن قتال هؤلاء ليس كقتال غيرهم. وذلك يا جماعة، العقبة في كل قتال عقائدي؛ الناس التي تتشرب العقيدة وتؤمن بها، قتالها ليس كقتال غيرها. وهذا من أشد ما يخشاه الغربيون من المسلمين حتى الآن؛ أن المسلمين حين يقاتلون يقاتلون عن عقيدة، مالهمش حل.

طيب الآن أنا أذكر لكم الأمور الأربعة التي كانت من سياسة النبي ﷺ في تعامله مع السفراء وأدت إلى هذا المكسب السياسي الذي سنذهب إليه. قلنا الأمر الأول: الناس يرهبون القوي في قدرة على القتال. الأمر الثاني: الناس يستمعون للقوي إذا تكلم أكثر مما يستمعون إلى الضعيف مهما كان فصيحاً وبليغاً. والأمر الثالث: الناس يعجبهم التلاحم والتماسك ولو كان في عدوهم ويرهبونهم. والأمر الرابع: الناس يحترمون المتمسك بدينه لو كان مخالفاً لهم، وهذا الذي رآه الحليث بن عقبة؛ رأى أناساً يعظمون الهدي، فبدل أن يرجع سفيراً، رجع ويهدد بفسخ الحلف مع قريش.

أنا في هذا أذكر ما لا أنساه أبداً، الرجل الملاكم المشهور الذي اسمه أندرو تيت، أكيد تعرفونه. أذكر له قبل أن يسلم، قبل سنين يمكن 2018 ولا حاجة، وهو يقول: «أنا أحترم المسلمين، أنا صحيح لست مسلماً، لكن أنا أحترم المسلمين لأنهم الناس الوحيدون المتمسكون بدينهم. أنا أستطيع أن أسير في شوارع لندن وأنا لابس تيشيرت عليه يسوع، كان شاذّاً وسأروح من أول الشارع لآخره وألف في لندن كلها ما حد سيكلمني، لكن تعالَ البس نفس التيشيرت هذا في أي بلد إسلامي واكتب محمد، كان شاذّاً، لن أعبر الشارع».

وهو حق؛ الناس يحترمون المتمسكين بدينهم ولو كانوا على غير دينهم، وعلشان كدة كل من يجاهد من يسب النبي ﷺ أو كل من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.

لقي في هذا العنت، ولو لقي في هذا القتل، ولو لقي في هذا السجن؛ حقيقة هو حارس على الحدود، حارس أن يتحول الإسلام كما صارت إليه المسيحية. أنتم عارفين يا جماعة أن المسيحية منذ سنوات أقرت زواج الشواذ، والبابا نفسه يقول إن هؤلاء قوم يحبهم الله وهم من أبناء الله وما شابه ذلك. المسيحية غزيت في عقر دارها وشرعنت ما كان كفراً عندها.

وما حصل هذا في الإسلام، ولله الحمد والفضل، والفضل فيه بعد فضل الله تبارك وتعالى، بكل استشهادي أمر بالمعروف ونهى عن المنكر، أو قتل من أساء إلى النبي ﷺ أو فعل شيئاً، ولو كان الجزاء على ذلك أن يقتل أو يسجن أو يعذب عذاباً شديداً؛ هؤلاء هم الذين حرسوا وحفظوا حدود الإسلام أن تُنتهك.

فهذه الأمور الأربعة ما تحقق في مجتمع إلا ويكون على وشك السيادة، أو أنه يسود مجتمع عنده قوة قادر على القتال، مجتمع عنده قدرة على شرح أفكاره وهو في حال القوة، مجتمع متماسك متلاحم متناغم كالجسد الواحد، ومجتمع يتمسك بشعائره فلا يحيد عنها. فهذا الذي كان من النبي ﷺ بالنسبة لسفراء قريش.

الآن نحن نتطور في مرحلة الوضع السياسي من مرحلة إلى أخرى؛ المرحلة الأولى كان فيها وسطاء، والوسطاء انحازوا إلى النبي ﷺ؛ بديل وعروة. المرحلة الثانية سفراء قريش: الحليس بن علقمة ومكرز، وهؤلاء أيضاً بدأوا في التسبب في أزمة داخلية في قريش. ومكرز لا نعرف عنه الكثير، لكن الحليس الذي بدأت تنفصم العلاقة بينه وبين قريش ها هنا، بدأ النبي ﷺ في إرسال السفراء.

فأول من أرسله رجلاً من خزاعة اسمه خراش بن أمية الخزاعي، أرسله على جمل للنبي ﷺ. هذا خراش لما ذهب إلى مكة هاجت عليه قريش، فعقروا ناقته وكادوا يقتلونه لولا أن منعهم الأحابيش. الأحابيش الجماعة الذين تبعوا الحليس بن علقمة منعوا قريشاً من أن تقتل هذا الرجل الخزاعي، فلم تصل رسالة من النبي ﷺ. لكن انتبه الآن إلى ما يسود قريش من الارتباك ومن انفصام التحالف، على عكس التماسك الذي نراه في معسكر النبي ﷺ.

فدعا النبي ﷺ عمر بن الخطاب ليبعثه سفيراً إلى مكة. التقدير عندي أن النبي ﷺ اختار عمر لأن عمر كان أصلاً سفيراً لقريش في الجاهلية، فمن أشد ما على قريش أن يكون سفيرها السابق سفيراً عليها الآن. وكذلك أن عمر رضي الله عنه كان معروفاً بالشدة والقوة على قريش، فإن يأتيهم سفير من طبعه الشدة والقوة فهو أفعل وأفتك في نفوسهم.

لكن سيدنا عمر قال: «يا رسول الله، إني أخاف قريشاً على نفسي». طبعاً نحن أمامنا الآن تجربة خراش بن أمية؛ إني أخاف قريشاً على نفسي وليس فيها من بني عدي من يمنعني. قبيلة عمر بني عدي، وهي قبيلة من القبائل الوسيطة أو الضعيفة في قريش، وقد عرفت قريش شدتي عليها وغلظتي. فسيدنا عمر الآن يقدم للنبي ﷺ أنه في حالته تلك لا يصلح للسفارة، ولكن: «أدلّك على رجل هو أعز مني في قريش؛ عثمان بن عفان».

طبعاً عثمان بن عفان رجل من بني عبد شمس، وبنو عبد شمس في الصدر من بني عبد مناف، بخلاف بني عدي؛ نحن بنو تيم الذين منهم أبو بكر، وبنو عدي الذين منهم عمر من القبائل ذات الوزن الضعيف، لكن بنو عبد شمس وبنو مخزوم وبنو هاشم وبنو سهم الجماعة هؤلاء هم الصف الأول. فقال للنبي ﷺ: «أدلّك على رجل هو أعز مني: عثمان بن عفان».

أريد هنا أن أتكلم فيه؛ سيدنا عمر هنا تجرد لمصلحة الإسلام أم لمصلحة نفسه؟ لمصلحة الإسلام، هذا الظن بسيدنا عمر. وها هنا يا جماعة مدخل دقيق من مداخل النفوس نبه عليه العلماء، يقولون كانوا يحذرون من القاضي الذي يظلم ليقال عدل؛ يعني رجل قاضٍ عرضت عليه قضية فيها غني وفقير والحق مع الغني، لكن هو علشان يظهر كعادل، عمل ماذا؟ حكم للفقير، فكانوا يقولون: «ظلم ليقال عدل».

الفضيل بن عياض كان له كلمة مشهورة، وهو يقول الآن مثلاً واحد يصلي قيام الليل، وبعدين حل عنده ضيف أو هو كان في سفر فما أحب يقوم الليل لكي لا يرى الآخرون أن من عادته قيام الليل، هل هذا صح أم غلط؟ يقول الفضيل: «ترك العمل لأجل الناس رياء». زيها بالضبط مثل أن تكون لا تقوم الليل، وأول ما جاءك ضيف أو أنت رحت سفر تروح تقوم الليل لكي يعرف الناس أنك تقوم؛ الاثنين هذين مثل بعض. «ترك العمل لأجل الناس رياء، والعمل لأجل الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك الله منهما». الإخلاص أن تكون متجرداً لله تبارك وتعالى.

فهنا الإنسان المسلم المتجرد لله قد يأتي له الموقف ويقول: ﴿اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ ۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 55]، هذه المهمة أنا أعرف أنني أستطيع فعلها جيداً حتى وإن كانت سلطة وزارة، أو يقول هذه السفارة أنا لا أفعلها لواحد لكي أنجو فيها من المخاطر. الإخلاص معنى قائم بالقلب يا جماعة، وكثيراً ما يلتبس الإخلاص لله مع هوى النفس، ولذلك الإخلاص أصعب شيء.

ومن بدائع الشيخ الطريفي -الله يفك أسره- كان يقول: الشخصيات القوية تميل إلى آيات القوة وأحاديث القوة، والشخصيات الضعيفة تميل إلى أحاديث الرحمة والرفق واللين ونحو هذا الكلام. والمخلص المتجرد من أخلص لله وخالف هوى نفسه، ميزانها دقيق وصعب.

لكن الذي ذكرناه الآن أن سيدنا عمر قد يلتبس في فهم موقفه أن يقال أراد أن ينجو بنفسه، بينما نحن نعرف ونعلم من سيدنا عمر رضي الله عنه أنه أرفع من هذا المقام. ما الفارق الذي يفرق بين رجل تلتبس عنده مصلحة الدين بمصلحة نفسه؟ الفارق أنه لو النبي ﷺ قال له: «لا يا عمر، اذهب أنت»، ماذا كان يتوقع أن يفعل عمر؟ أن يذهب، ولنا في السيرة مواقف كثيرة شاهدناها بذلك.

المهم، وهنا أيضاً ترى في ذلك سنة من سنن النبي ﷺ، وأنه قد يدرك الجندي ما يفوت القائد، وكان النبي ﷺ أكثر الناس مشاورة لصحابته؛ كما قال أبو هريرة رضي الله عنه: «ما رأيت أحداً يشاور أصحابه كما كان النبي ﷺ يشاور أصحابه». فالمهم ذهب إلى...

بعث النبي ﷺ عثمان بن عفان إلى قريش، ليخبرهم بنفس العرض؛ أنه لم يأتِ لحرب، بل جاء معظماً لهذا البيت ويريد مده، فهل توافق قريش على هذا؟ وكذلك حمل النبي ﷺ سيدنا عثمان رسالة إلى المسلمين المستضعفين بمكة؛ أن الفرج قريب.

نحن الآن في آخر السنة السادسة للهجرة، في ذي القعدة، وما زال النبي ﷺ متعلق القلب وذهنه بمن بالأسارى، المستضعفين المسلمين الذين يستخفون بإيمانهم. فأول ما جاءت فرصة لكي يرسل لهم النبي ﷺ رسالة، حملها لعثمان بن عفان.

ذهب عثمان بن عفان رضي الله عنه فدخل مكة، فاستقبله رجل من قومه وهو أبان بن سعيد بن العاص بن أمية. وسيدنا عثمان هو عثمان بن عفان بن عمرو بن أمية، لكن عمرو مشهور بكنيته أكثر فيسمى أبا العاص، فإنه عندما تسمع نسب سيدنا عثمان ستجده: عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية. فالذي استقبله أبان بن سعيد بن العاص ليس ابن أبي العاص، بل هو ابن أمية.

حمله معه وظل عثمان في جواره حتى بلغ رسالة النبي ﷺ إلى وجوه قريش. وقريش الآن وجوهها في منطقتين: منطقة المعسكر في مكان "بلدة" الذي تكلمنا عنه، وآخرون في مكة. فمر عثمان بوجوه قريش في هذين المكانين وأبلغهما ما جاء به عن النبي ﷺ.

قالوا له: «إن شئت أن تطوف بالبيت فافعل». كانت هذه بادرة حسنة من قريش، أنها تسمح لعثمان أن يطوف بالبيت، فقال عثمان: «ما كنت لأطوف به إلا أن يطوف به رسول الله ﷺ».

لماذا عرضت قريش هذا العرض على سيدنا عثمان؟ يمكن أن نفسرها بأكثر من تفسير، ويمكن أن تجتمع هذه التفسيرات معاً. أول ما يخطر بالذهن أنها محاولة لاستمالة المفاوض، كما يحصل دائماً؛ فلو فتحت أي كتاب في سيرة المفاوضين أو الدبلوماسيين، سيقول لك: الخطوة الأولى هي كسر جبل الثلج بين المفاوضين، أي السلام والمزاح والأكل والشرب لكسر الجمود.

فقد تكون قريش أرادت أن تستملي عثمان بن عفان، وقد يقع في الذهن أيضاً أن قريشاً أرادت أن تقول للعرب: هذا سفير محمد يطوف بالبيت وليس عندنا مشكلة، المشكلة فقط في محمد الذي دخل علينا بنوع من الابتزاز والضغط العسكري والإحراج السياسي، لكن لو اتفقنا قبل ذلك لكنا أدخلناه. وورد أيضاً أن قريشاً أرادت أن تفتت هذا التماسك الذي تراه في معسكر النبي ﷺ.

وهذا يحدث كثيراً؛ فالناس الذين سُجنوا -أسأل الله أن يعافينا وإياكم- كنت تجد دائماً ضابط أمن الدولة اللطيف يحاول أن يجعل المساجين شيعاً. قد يجلب للمفاوض عنهم، وهم تحت الحر والنكال، ليدخل المكتب المكيف ويجد زجاجة كوكاكولا أو بوله، وهو في الواقع ميت فعلياً لو رأى ماءً ساخناً، فيجد كوباً من الشاي أو وجبة، يريد بذلك أن يفتت هذه الحالة أو يستميل هذا الزعيم. ومن يقرأ في تاريخ الحركات الإسلامية أو في أدب السجون يراها كثيراً.

فكان من تماسك هؤلاء القادة أو المشايخ أو الزعماء أو السفراء أن يمتنعوا عن ذلك، وكثيراً ما كانوا يقولون: «لا أشربه حتى يشرب إخواني، ولا آكله حتى يأكل إخواني». فالعرض من قريش قد يحمل على هذه المحامل: استمالة المفاوض، أو رسالة للعرب، أو محاولة تفتيت التماسك، لكن سيدنا عثمان أبقى المشكلة قائمة، وأبقى التماسك قائماً، وأبقى نفسه بعيداً عن متناول الميل، وقال: «ما كنت لأطوف قبل أن يطوف به رسول الله ﷺ».

هنا قريش لم تدرِ ما تفعل مع عثمان بن عفان، فحبسته؛ أي تأخرت عليه في الرد وأبقت الأمر حتى يتشاوروا ويصلوا إلى رأي. فصارت شائعة في ذلك الوقت بأن سيدنا عثمان قد قُتل. والشائعات بطبيعتها تسري في لحظات التوتر؛ لحظات الحروب والثورات والانقلابات. والأمر الثاني أن هذه الشائعة جاءت في بيئة خصبة، لأن السفير الذي كان قبل عثمان بن عفان أوشك فعلاً أن يُقتل، فكان تصديق أن عثمان قد قُتل أمراً وارداً جداً.

عندما وصلت هذه الشائعة، قال النبي ﷺ -وقتل السفير بمثابة إعلان حرب-: «لا نبرح حتى نناجز القوم»، أي لا نرجع حتى نقاتل القوم. ودعا الناس للبيعة، والنبي ﷺ من الناحية العسكرية معه 1400 فقط ويغزو قريشاً في عقر دارها، فنادى في الناس للبيعة على الموت أو على أن يفروا.

أقبل إليه الناس وكان النبي ﷺ ساعتها عند شجرة، وهذه البيعة هي التي عُرفت في التاريخ الإسلامي ببيعة الرضوان، وعُرفت الشجرة التي كانت تحتها البيعة بشجرة الرضوان. وكان أول من هب إلى البيعة أبو سنان عبد الله بن وهب الأسدي، وتتالى المسلمون على النبي ﷺ ليبايعوه.

ومن لطائف ما وقع أن سيدنا عبد الله بن عمر بايع قبل أبيه، كما يرويه نافع في صحيح البخاري. سيدنا عمر سمع الإشاعة، فقام مباشرة يلبس لامة الحرب، وأرسل ابنه عبد الله بن عمر ليأتيه بفرس له كانت عند الأنصار لكي يقاتل عليها. فذهب عبد الله بن عمر ليرى الفرس، فوجد النبي ﷺ يبايع، فذهب فبايع النبي ﷺ، ثم ذهب إلى الأنصاري جاء بالفرس وأخبر عمر بما كان من بيعة عند النبي ﷺ، فذهب إليه عمر فبايعه.

ومن لطائف ما وقع في البيعة أيضاً أن سيدنا سلمة بن الأكوع بايع النبي ﷺ ثلاث مرات، وهذا في حديث يرويه مسلم عن سلمة بن الأكوع قال: «كنت بايعت النبي ﷺ ثلاث مرات؛ مرة في أول الناس، وفي أوسطهم، وفي آخرهم. بايع في الأول، ثم رآه النبي في وسط الناس فقال: بايع يا سلمة، قال: يا نبي الله هي بايعتك، قال: وأيضاً».

ثم قالها مرة ثالثة، وكانت هذه من فضائل سيدنا سلمة بن الأكوع، طبعًا هو له موقف سيأتينا إن شاء الله بعد قليل لو قدر الله البقاء واللقاء. سيدنا سلمة هذا سيكون في غزوة، هو شايلها على دماغه وسيعمل عملية خاصة مثيرة، تشبه ما كنا نقرأه في رجل المستحيل؛ مش عارف الشباب اليومين دول ماذا يقرؤون، لكن على أيامنا نحن كانت قصص رجل المستحيل هي التي تسود الحالة الثقافية.

ممن بايع أيضًا، أو من المشاهد المؤثرة في هذه البيعة، أن النبي ﷺ قال إن عثمان في حاجة الله وحاجة رسوله، وهذه يد عثمان، فوضع النبي يسراه على يمناه يبايع عن عثمان، ولذلك يقول سيدنا أنس راوي الحديث: «فكانت يد رسول الله لعثمان خيرًا من أيديهم لأنفسهم». وترى في ذلك تعلق الصحابة بالنبي ﷺ.

هذه البيعة سميت بيعة الرضوان؛ لأنه قد نزل فيها قول الله تعالى: ﴿لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: 18].

ولذلك نقول يا جماعة الخير، الصحابة بالذات لهم خصوصية عن باقي البشر؛ الصحابة لا نستطيع أن نتكلم في تاريخهم ولا أن نقيمهم كما نتكلم عن بقية البشر، لأن الله علم ما في قلوبهم فزكاهم لنا. كل الناس عبر التاريخ الذين نتكلم عنهم نحن لا نعلم ما في قلوبهم، قد نجرح شخصًا وهو في داخله صالح، وقد نمدح شخصًا وهو في داخله منافق، ليس لنا إلا الظاهر. أما الصحابة، فعلى وجه التحديد، الصحابة عندنا علم من الغيب بأن الله قد رضي عنهم، فلذلك الكلام في شأن الصحابة كلام لابد أن يكون محفوفًا بالإجلال والتعظيم.

وهذه البيعة نزل فيها، قال فيها النبي ﷺ: «أنتم خير أهل الأرض» كما في البخاري، وقال النبي ﷺ: «لا يدخل النار -إن شاء الله- من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها».

طبعًا لما يبقى في خبر جديد في وسط هذه الأزمة المشتعلة، عن أن معسكر المسلمين بعد فشل وانهيار المفاوضات وبعد قتل الرسول تمالوا على البيعة، على الموت، وعلى ألا يفروا، فأنت الآن أمام خبر عاجل، وهذا الخبر العاجل يؤدي إلى أثر خطير للغاية؛ فسرعان ما وصل هذا الخبر إلى قريش ففزعت له. فزعت قريش من هذه البيعة التي بايعها المسلمون.

فلذلك ها هنا بدأت تنفرج الأزمة السياسية، كيف بدأت تنفرج؟ هذا ما نراه إن شاء الله في المجلس القادم. نسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علمًا. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.