تسجيل الدخول

المحاضرة 12 - حديث: (من يرد الله به خيرا...)

موفق كدسة الغامديد. موفق كدسة الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

يا راغبًا في كل علم نافع، متطلعًا لزيادة الإيمان، وتريد سهلًا يأتيك ميسورًا بأي مكان، والسنة: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، ولقاء يتجدد مع مادة الحديث الشريف ومع الحديث الثاني عشر، حديث معاوية رضي الله عن معاوية وعن الصحابة أجمعين.

رضي الله عن معاوية، رضي الله عن خال المؤمنين، رضي الله عن هذا العلم العظيم، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم والله يعطي، ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله، لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله» متفق عليه.

راوي الحديث هو معاوية، من معاوية؟ كاتب الوحي، خال المؤمنين، الذي دعا له النبي صلى الله عليه وسلم، الذي جعله النبي صلى الله عليه وسلم قائد أول جيش يغزو البحر، كان في عهده فتح الأمصار، وهو الذي سير الجيوش، ومكث فترة طويلة يحكم المسلمين خليفة لهم رضي الله عنه وأرضاه. معاوية بن أبي سفيان الأموي القرشي، أحد كتاب الوحي، مؤسس الدولة الأموية في الشام وأول خلفائها، أسلم قبل فتح مكة، ولما استخلف أبو بكر الصديق ولاه قيادة جيش تحت إمرة أخيه يزيد بن أبي سفيان، توفي في دمشق عام ثمانية وسبعين من الهجرة.

أيها الأحبة، ماذا أقول عن معاوية؟ اللسان يعجز عن ذكر شمائله وأخلاقه وإنجازاته. عبد الله بن المبارك رضي الله عنه وأرضاه، أمير المؤمنين في الحديث، سُئل: أيهما أفضل؟ معاوية بن أبي سفيان أم عمر بن عبد العزيز؟ فماذا قال هذا الرجل العظيم عبد الله بن المبارك؟ قال رحمه الله: إن التراب الذي في أنف معاوية خير من كذا وكذا من عمر بن عبد العزيز. قيل: أنا أذكر أنه قال عشرين أو كذا من عمر بن عبد العزيز. ونحن نعرف من عمر بن عبد العزيز الذي أطلق عليه كتاب السير الخليفة الخامس.

لماذا هذه الميزة؟ هذا صحابي وعمر بن عبد العزيز تابعي. هذا صحابي آمن برسول الله، وصاهر رسول الله، وكتب الوحي لرسول الله، ودعا له رسول الله، وعاش مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأثنى عليه، وأثنى على الجيش الذي سيره معاوية، فحينما غزا أول جيش للمسلمين في البحر كان بأمر معاوية رضي الله عنه وأرضاه. إذا هذا الرجل والصحابة كلهم خط أحمر، لا يجوز الاقتراب منهم أبدًا إلا بالخير، أما الانتقاص أو الكلام -والعياذ بالله- السب والشتم، فهذا ما يليق بصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

هذا الكلام يكون للزنادقة ومن الزنادقة، فلا يقع أحد في عرض الصحابة إلا زنديق، هذا حكمي أنا، بل هناك من العلماء من يكفر من ينتقد الصحابة ويلعنهم، وينتقص منهم. هؤلاء الصحابة وصل البلاء إلى أبي بكر وعمر أن يُذموا ويُلعنوا ويُنتقص منهم، بل كما هو عند بعض المخرفين والمنحرفين أن الصحابة كلهم كفرة إلا خمسة كما يزعمون. ماذا بقي؟ من حمل الدين إلا الصحابة؟ أين حديث النبي صلى الله عليه وسلم؟ «خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم». أين مكانة الصحابة؟ أين عرض الصحابة الذين شرفوا بصحبة النبي صلى الله عليه وسلم؟ «لا تسبوا أصحابي، والذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم ملء مثل جبل أحد ذهبًا ما بلغ أحدهم ولا نصيفه».

صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم خط أحمر، لا يجوز الاقتراب منه أبدًا، نترضى عليهم وندعو لهم ونسكت عما شجر بينهم، ولا نسمح لأحد أن ينتقصهم ولو بكلمة أو بحرف. مع الأسف، من يدعي الإسلام وينتسب للإسلام وربما انتسب إلى السنة، يتكلم في معاوية، يتكلم في يزيد بن أبي سفيان. يا أخي، الصحابة انتبه، الصحابة لا نرضى المساس بهم أبدًا والاقتراب منهم، خاصة هذا الرجل. اقرؤوا سيرة هذا الرجل، كم قدم للإسلام؟ وكم نشر الإسلام؟ وكم جَيش الجيوش؟ وكم فتح الأمصار؟ رجل صاحب دين، كاتب وحي، خال المؤمنين، يدعو له النبي صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك يأتي من ينتقص معاوية. إن التراب الذي كان يمشي عليه معاوية أشرف وأطهر وأعظم وأفضل وأكرم من هؤلاء الذين ينتقصون معاوية رضي الله عنه وأرضاه.

كان صاحب حلم رضي الله عنه وأرضاه، دخل عليه رجل شيخ كبير وقال: يا معاوية، إني نذرت أن أضربك بهذه القطعة من القماش. قطع قماش نذرت أن أضرب رأسك بها. هذا الرجل الأول في الدولة، هذا الخليفة، فماذا قال معاوية؟ قال: أوفِ بنذرك، وأرفق بالشيخ الكبير. يقول: أنا سمحت لك إذا نذرت تعال اضربني، بس ارفق فيها ولا تكون الضربة قاسية. رجل بهذه المكانة وهذه الأخلاقيات، لكن المشكلة محاولة إظهار صور قاتمة له غير حقيقية. اقرؤوا سيرة معاوية من كتب أهل السنة والجماعة، لا من كتب الروافض والزنادقة والعياذ بالله المنحرفين. اقرؤوا سيرة صحابتنا من كتب علمائنا، نعرف حقيقة كم لهم من المكانة العظيمة. معاوية رضي الله عنه وأرضاه، ورحم الله ابن المبارك؛ إن التراب الذي في أنف معاوية خير من كذا وكذا من عمر بن عبد العزيز. وهذا معروف من هو ابن المبارك، ومعروف من هو عمر بن عبد العزيز، فكيف بمعاوية رضي الله عنه وأرضاه.

فارق كبير بين من يسافر لنزهة سياحية أو لمشاهدة مباراة، وبين من يسافر لطلب العلم. فالرحلة لطلب العلم موصلة إلى سعادة الأبد. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا، سهل الله له به طريقًا إلى الجنة». وبالرحلة يلقى الطالب العلماء، وينوع المشايخ، ويقارن بين المناهج، ويجدد نشاطه، ويزيد خبراته. قال الشعبي: لو أن رجلًا سافر من أقصى الشام إلى أقصى اليمن، فحفظ كلمة تنفعه، رأيت أن سفره لا يضيع. وهل من شيء أشرف من العلم يُرحل في طلبه؟ وقد رحل موسى عليه السلام في ذلك رحلة شاقة، أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبًا. ورحل الصحابة والعلماء من بعدهم في طلب العلم المسافات، حتى سافر بعضهم شهرًا في طلب حديث واحد، وقطع بعضهم في طلبه أكثر من خمسة آلاف كيلو سيرًا على قدميه. فإن عجزت عن الرحلة في طلب العلم، فلا أقل من التعلم عبر الشبكات والشاشات. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «سددوا وقاربوا، والقصد القصد تبلغوا».

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد، ما زلنا مع سيرة العلم الأكرم الصحابي الجليل الأشم معاوية رضي الله عنه وأرضاه. ننتقل بعد ذلك أيها الأحبة من سيرته العطرة إلى معاني المفردات، شرح المفردات: قوله يفقهه، الفقه هو الفهم، أي يرزقه الله تعالى فهمًا وذكاءً وقوة إدراك، فيكون بذلك فقيهًا عالمًا بالأحكام الشرعية عاملًا بها، وهذا أعظم ما يؤتاه العبد. يقال: فقه إذا صار الفقه له سجية، وفقه إذا سبق غيره إلى الفهم، وفقيه إذا فهم.

وقوله «أنا قاسم» فكان إذا قسم بينهم شيئًا يقسمه بالسوية ويعدل بينهم صلى الله عليه وسلم. والله يعطي، بمعنى أن المعطي حقيقة هو الله تعالى، فالأمور كلها بمشيئة الله تعالى وتقديره، فهو يعطي كل واحد من العباد على قدر ما تعلقت به إرادته سبحانه جل في علاه. قائمة على أمر الله، أي حافظة لدين الله، عاملة بشرعه، ثابتة عليه حتى يأتي أمر الله، أي يوم القيامة.

أيها الأحبة، الآن ندخل في صلب الحديث، قال معاوية رضي الله عنه وأرضاه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين». "من" أداة حصر، من يرد الله به خيرًا، إذًا الخيرية العظيمة التي ينالها الإنسان ويسعى لها الإنسان وينبغي أن يسعى لها الإنسان أحبتي في الله، أن يسعى إلى الفقه في الدين. يا الله، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم دعا لابن عباس، ماذا قال؟ «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل». ولذلك أحبتي في الله، الفقه في الدين والعلم في الدين من أشرف المناصب والمكاسب، وينبغي للمسلم دائمًا وأبدًا، رجالًا ونساءً، أن يسعوا إلى هذا الأمر التفقه في الدين.

قال صلى الله عليه وسلم: «فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد». الله أكبر، فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد. ليش؟ لأن العابد هو الذي يعبد الله على جهل، أما الفقيه فلا يعبد الله إلا على علم. ولذلك أحبتي في الله، جاء الحث في الكتاب الكريم وفي السنة النبوية على العلم والتعلم. قال صلى الله عليه وسلم: «فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب». إذا ظهر القمر يا إخواني ليلة خمس عشرة ليلة البدر، كل النجوم تختفي، وهكذا أيها الأحبة العالم. فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، ويقول صلى الله عليه وسلم: «فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم»، كفضل النبي صلى الله عليه وسلم على أدنى رجل في الأمة، الله أكبر، إذًا القضية ما هي سهلة، محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم على أدنانا.

العلم يا أحبابي يرفع، ولذلك طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة، يطلب العلم خاصة يا إخواني العلم الذي لا يعذر الإنسان بجهله؛ علم التوحيد، أركان الإسلام، أركان الإيمان، هذه لا يعذر الإنسان بها. فأعود فأقول أيها الأحبة، العلم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: 11]، ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: 9]. والله ما يمكن، ما يمكن أن يستوي العالم والجاهل، والله ما يمكن، ما يمكن. ولذلك أيها الأحبة يجب أن نسعى إلى العلم، تعلم، لأن العالم أيها الأحبة له مكانة عظيمة؛ يعرف كيف يعبد الله، يعرف كيف يغتنم الفرص، يعرف كيف يبلغ دين الله، يعرف كيف يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويرشد الناس، بخلاف الجاهل. ولذلك العلم مطلب عظيم جدًا، والله سبحانه وتعالى لم يأمر نبيه صلى الله عليه وسلم بالتزود من شيء إلا من العلم، ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: 114].

والله سبحانه وتعالى يا أحبابي من أسمائه العليم، علام الغيوب، العالم سبحانه جل في علاه، العلام. وبالتالي أيها الأحبة أظهر صفة لله في القرآن الكريم العلم، سبحان الله، إنها مبثوثة في القرآن الكريم من أوله إلى آخره، بل اطلعت على رسالة دكتوراه ثلاث مجلدات في صفة العلم لله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم، دراسة بلاغية، شيء عجيب يا أحبابي. ولذلك الله لما ذكر أسماءه الحسنى في أواخر سورة الحشر بدأ بصفة العلم: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [الحشر: 22]. العلم يا أحبابي من أظهر صفات الرحمن سبحانه وتعالى، ومن الأمور التي ينبغي أن يحرص عليها المسلم يا أحباب العلم العلم، ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: 18]. يشهد الله على وحدانيته، يثني بالملائكة، يثلث بأولي العلم.

لذلك العلم يا أحبابي غنيمة، العلم غنيمة في الدنيا وغنيمة في الآخرة. يقول الشافعي رحمه الله: من أراد الدنيا فعليه بالعلم، ومن أراد الآخرة فعليه بالعلم، ومن أراد الدنيا والآخرة فعليه بالعلم. حتى يا أحبابي العالم أو الإنسان إذا نُسب إلى العلم وهو ليس بعالم -إنسان جاهل- قيل هذا عالم، يفرح ولا ما يفرح؟ يفرح. طيب الجاهل جاهل، ولو نُسب إلى الجهل يغضب وهو جاهل. وبالتالي أيها الأحبة العلم مفخرة، العلم يرفع بيتًا لا عماد له، والجهل يهدم بيت العز والكرم.

العلم يا أحبابي يجعلك تستطيع أن تدعو وأن تعلم. يقول صلى الله عليه وسلم: «إن الله وملائكته وأهل السماء وأهل الأرض والنملة في جحرها والحوت في البحر ليصلون على معلمي الناس الخير». رأيتم هذا الخير يا أحبابي؟ الله سبحانه وملائكته، أهل السماء، أهل الأرض، والنملة في جحرها، والحوت في البحر، انظروا إلى الخلائق، هذه العوالم كلها، العالم العلوي والعالم السفلي وما بينهما، ماذا؟ يصلون على معلمي الناس الخير، يصلون. طيب من يعلم الناس؟ العالم. هل رأينا جاهلًا يعلم الناس؟ لا ما رأينا. ومن تصدى إلى تعليم الناس وهو جاهل أفسدهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ولذلك أيها الأحبة نحذر أن نأخذ العلم إلا من أهل العلم، خذوه من أهله، لا يأتينا الرويبضة وأشباههم ويتكلمون ويحللون ويحرمون، لا لا انتبه، العلم لا يؤخذ إلا من أهله، العلماء. ولذلك الله سبحانه وتعالى قال: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28]، أشد الناس خشية لله من هم؟ العلماء. لذلك العلماء يعرفون الله بأسمائه وصفاته وأفعاله وأقواله، فهم أشد الناس خشية لله، بعكس الجهلة.

عكس الجاهل؛ فتجد أن العلماء لهم عبادة تختلف عن عبادة العوام في العبادة القلبية والجوارح والظاهر والباطن، لا؛ العلم الذي عندهم يؤثر فيهم، وهم أشد الناس خشية لله سبحانه وتعالى. ولذلك فعلاً: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28].

العالم يستطيع أن يصل إلى الجنة بإذن الله تعالى من أقصر الطرق، أما الجاهل فقد يتخبط يمنة ويسرة؛ لذلك يقول الحسن البصري رحمه الله: الفتن إذا جاءت لم يعرفها إلا العلماء، وإذا أدبرت عرفها كل أحد.

هل أنت حريص على رأس مالك؟ هل تحافظ عليه من الضياع؟ فرأس مالك الحقيقي هو الوقت. قال الحسن البصري: يا ابن آدم، إنما أنت أيام، كلما ذهب يوم ذهب بعضك. ومن أهمية الوقت أقسم الله به في كتابه، وسوف نسأل عن الوقت يوم القيامة؛ قال صلى الله عليه وسلم: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه». وإذا أراد الله بالعبد خيراً أعانه بالوقت، وإذا أراد به شراً جعل وقته عليه.

وفي سيرة السلف أروع الأمثلة على استغلال الوقت؛ فقد كان داوود الطائي يستف الفتيت ويقول: بين سف الفتيت وأكل الخبز قراءة خمسين آية. وقال ابن القيم: أعرف من أصابه مرض وكان الكتاب عند رأسه، فإذا وجد إفاقة قرأ فيه، فإذا غلب وضعه. ومن آداب الطالب ألا يسوف في تحصيل فائدة؛ لأن للتأخير آفات، ولأنه في الزمن الثاني يحصل غيرها. ومن المحافظة على الوقت البعد عن البطالين الذين يقضون أعمارهم في المسامرات؛ فلا تكن ممن لا يشكرون نعمة الوقت؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ».

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: ما زال الحديث عن العلم أيها الأحبة. العالم يصل إلى مرضاة الله بأقصر طريق، يتوقى الفتن، يتوقى الشبهات. العالم نور بعلمه في ظلمات الجهل وفي ظلمات الانحراف، يأتي العلماء فيكونون هم مشاعل نور وهداية؛ لذلك أحبتي في الله العلم يرفع والجهل يخفض.

أحبتي في الله، انظروا الآن إلى أثر العلم على العبد؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الدنيا لأربعة نفر»، قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: «الأول رجل آتاه الله مالاً وعلماً فهو يقضي في علمه بما علمه الله، فهو في أفضل المنازل. ورجل أعطاه الله علماً ولم يعطه مالاً، يقول: لو كان عندي مال مثل فلان لفعلت مثله»، ماذا يقول صلى الله عليه وسلم؟ قال: «فهما في الأجر سواء». الثاني يا أحبابي، عمل شيئاً؟ ما عمل، لكن عنده علم، يقول: لو كان عندي مثل فلان من المال لفعلت مثله، قال: «فهما في الأجر سواء» بالنية.

الثالث: رجل أعطاه الله مالاً ولم يعطه علماً فهو يخبط فيه والعياذ بالله بجهله، قال: «فهو في أخبت المنازل». الرابع: قال: رجل لم يعطه الله لا مالاً ولا علماً فيقول: لو أن عندي مالاً لفعلت مثل فلان، قال: «فهما في الوزر سواء»، فعل شيئاً ولا ما فعل شيئاً؟ ما فعل شيئاً، لكن نيته السيئة الجاهلة يقول: لو كان عندي مال مثل فلان الجاهل لفعلت مثله، قال: «فهما في الوزر سواء». أرأيتم أيها الأحبة العلم كيف ينفع صاحبه ولو لم يكن عنده مال، لكن صدق النية؟ «لو عندي مثل فلان لفعلت مثله»، فهما في الأجر سواء. إذاً العلم يرفع صاحبه، العلم يجعل صاحبه يغتنم الفرص ولو كانت صغيرة.

اسمع إلى الحديث العجيب، النبي صلى الله عليه وسلم أعلم الناس، أعلم الأمة، كان عند أم المؤمنين جويرية رضي الله عنها وأرضاها، فخرج الصباح ثم عاد الضحى فوجدها في مصلاها، وقال: «ما زلت على الحال الذي تركتك عليه؟»، قالت: نعم يا رسول الله، أذكر الله. تخيلوا من صلاة الفجر إلى الضحى، ثلاث أو أربع ساعات؛ فقال المعلم صلى الله عليه وسلم سيد العلماء أعلم الأمة: «لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات، تزن ما قلتِ منذ أن أصبحتِ»، شفتوا العلم يا أحبابي؟ أربع كلمات ثلاث مرات تزن ما قلتِ منذ أن أصبحت، قالت: ما هن يا رسول الله؟ قال: «سبحان الله وبحمده، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته». خمس عشرة ثانية أيها الأحبة، وجويرية رضي الله عنها وأرضاها أمنا ثلاث أربع ساعات وهي تذكر الله وتدعو الله، لكن العلم هنا يختلف؛ هل نقارن علمها بعلم رسول الله؟ لا، لكن العلم الذي عند الرسول أرشدنا أن خمس عشرة ثانية تزن ما قالت منذ أن أصبحت رضي الله عنها وأرضاها. أرأيتم بالعلم يا أحبابي؟ فعلاً: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين».

وبعض الناس أيها الأحبة جهلة، قبل فترة كنت في الحرم المكي جاني اثنان شباب كبار يسألوني: يا شيخ، السعي من الصفا للمروة تروح وترجع شوط ولا تروح شوط وترجع شوط؟ أنتم إيش سويتوا؟ قالوا: والله يا شيخ الروحة والجيّة شوط، يعني مساكين كم سعوا؟ أربعة عشر شوطاً في هذا الزمان الذي انتشر فيه العلم. قلت: جبر الله مصابكم في جهلكم، كيف يا شيخ؟ قلت: يا حبيبي، من الصفا للمروة شوط، ومن المروة للصفا شوط، يعني تبدأ في الصفا وتنتهي في المروة، هو فعلاً غلط؟ قلت: فعلكم غلط لكنه مقبول لجهلكم. انظروا أيها الأحبة كيف الجهل كلفهم؟ العالم أيها الأحبة يستطيع أن يعبد الله على علم وعلى صفاء وعلى هدوء وعلى راحة، أما الجاهل لا؛ ولذلك فعلاً: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين».

ولذلك يا أيها الأحبة العلم، العلم، احرصوا عليه؛ تعلموا العلم، علموه، احضروا دروس العلم، احضروا دروس المشايخ، والعلم يا أحبابي ترى خير من العبادات القاصرة؛ إنسان يركع ويسجد ويصوم النهار ويقوم الليل، هذه عبادة قاصرة عليه هو، لكن حينما يتعلم وينشر العلم ينفع الأمة، والعلم أيها الأحبة وتعليمه هو نوع من أنواع الجهاد، الجهاد ليس فقط بالسنان، حتى باللسان، حتى بالكلام، حتى بتعليم العلم.

ثم أيها الأحبة يقول صلى الله عليه وسلم: «وإنما أنا قاسم والله يعطي»، النبي صلى الله عليه وسلم يقسم دوره القسمة والله هو الذي يعطي، هو الذي يسدد، وهنا أتذكر حديث ذو الخويصرة عبدالله ذو الخويصرة حينما جيء ببعض الذهب أول الصدقات والزكاة فكان يقسمها بين الناس، تفاجأ بالخويصر حفزه النفس، مسرع: يا محمد اتق الله واعدل، يا محمد اتق الله واعدل، فغضب صلى الله عليه وسلم: «ويلك، من يعدل إن لم أعدل؟»، شيء مؤلم يا إخوان.

خالد وعلي وعمر كل واحد أخذ السيف: يا رسول الله دعنا نضرب عنق هذا الرجل المنافق، قال له: لا، لما مضى الرجل قال: «يخرج من ضئضئ هذا من أشباه هذا رجال تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم، وقراءتكم إلى قراءتهم، وصومكم إلى صيامهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد»، خوارج قتلهم علي رضي الله عنه وأرضاه وفر منهم بعضهم وحملوا هذا الفكر إلى الآن.

فإذاً نقول قال: «إنما أنا قاسم» يقسم، والله يعطي بقدرته وتوفيقه سبحانه، ثم جاءت البشارة: «ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله، لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله»، هذه بشارة لنا أيها الأحبة، بشارة أن هذا الدين سيبقى إلى قيام الساعة مهما ادلهمت الخطوب، مهما اسودت الأحداث، مهما أكفهرت وجوهنا بالأحداث، مهما أصبح الإسلام محارباً في الدنيا؛ لا، النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله، لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي الله بأمره»، إذاً هذه بشارة لأمة محمد.

يقول صلى الله عليه وسلم: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لعدوهم قاهرين، لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي الله بأمره وهم كذلك»، ثم سُئل: أين؟ قال: «ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس»، وفي رواية: «في أرض الشام». فأنا أقول يا أمة محمد، أيها الناس، هذه إشارة من رسولنا صلى الله عليه وسلم أن هذا الدين سيبقى، وستبقى أمة قائمة على هذا الدين، لن يضرهم من خالفهم من الناس، ظاهرين على هذا الدين. لابد أن تضمد أنفسنا؛ مهما كثرت الآلام والأحزان والحروب، مهما انتهكت أحوال المسلمين وأعراض المسلمين، لكن لابد من الليل أن ينجلي، مهما طال الليل لا بد من طلوع الفجر، ومهما طال العمر لا بد من دخول القبر، لكن هذه بشارة لهذه الأمة، أمة محمد، يقول صلى الله عليه وسلم: «إن الله يبعث على رأس كل مئة سنة من يجدد لهذه الأمة دينها»، يرسل الله من يجدد لهذه الأمة دينها، إن كان شخصاً أو أشخاصاً، لماذا؟ لأن هذا أمر الله سبحانه وتعالى وهذا مراد الله عز وجل، وستبقى هذه الأمة إلى قيام الساعة بإذنه تعالى.

لذلك أيها الأحبة الأفاضل، لا بد أن نحسن ظننا بالله سبحانه وتعالى، ونعلم أن العاقبة لهذا الدين: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: 47]، ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 141]، ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: 8].

أحبتي في الله، لا بد أن نحسن ظننا بالله سبحانه وتعالى، والعاقبة للمتقين. أسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته أن يرزقنا جميعاً العلم النافع والعمل الصالح، وأن يجعلنا وإياكم هادين مهديين، وأن يستعملنا في طاعته سبحانه وتعالى، وأن يستعملنا في الأمر بالمعروف وفي النهي عن المنكر. اللهم اجعلنا ميسرين ولا تجعلنا معسرين، واجعلنا مبشرين ولا تجعلنا منفرين. اللهم اغفر لآبائنا وارحم أمهاتنا وأصلح نياتنا وذرياتنا. وصلِّ اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والحمد لله رب العالمين.