تسجيل الدخول

المحاضرة 13 - حديث:(ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله...)

موفق كدسة الغامديد. موفق كدسة الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته. حياكم الله وبياكم وجعل الجنة مثوانا ومثواكم. لقاء يتجدد مع مادة الحديث في هذه الأكاديمية المباركة.

اليوم أيها الأحبة معنا الحديث الثالث عشر، وهو من رواية عدي بن حاتم رضي الله عنه وأرضاه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله، ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه» -نسأل الله أن يعافينا وإياكم-، قال: «فاتقوا النار ولو بشق تمرة، فاتقوا النار ولو بشق تمرة»، وفي زيادة: «ولو بكلمة طيبة». متفق عليه.

راوي الحديث هو الصحابي الجليل عدي بن حاتم الطائي، وهو الذي كان يضرب به المثل في الجاهلية في الجود والكرم، وكان نصرانياً ثم أسلم. عدي بن حاتم هو من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، شهد واقعة الجمل وفيها ذهبت إحدى عينيه، وشهد وقعة صفين وذهبت فيها الأخرى، توفي عام ستة وستين من الهجرة.

نقف أيها الأحبة مع معاني الكلمات وشرح المفردات: قوله: «ما منكم من أحد» أي ما أحد منكم. «ترجمان» بفتح التاء وضمها، وهو المعبر عن لسان بلسان آخر. «أيمن منه» أي عن يمينه. «أشأم منه» أي عن شماله. «تلقاء وجهه» أي أمامه. قوله: «فاتقوا النار ولو بشق تمرة» أي بنصفها؛ الإنسان لا يحقر شيئاً من المعروف ولو كان شق تمرة، مبالغة في القلة.

قال الله تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7]. أي اجعل بينكم وبين النار وقاية بالصدقة وعمل البر ولو بشيء يسير. وقد جاء في ألفاظ الحديث في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر النار فأشاح بوجهه فتعوذ منها، ثم ذكر النار فأشاح بوجهه فتعوذ منها، ثم قال: «اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة».

أيها الأحبة الأفاضل، هذا الحديث فيه فوائد كثيرة. أولاً: نحن ننظر الآن إلى هذا الحديث «ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله ليس بينه وبينه ترجمان». الله أكبر! الكلام مع رب العالمين أحبتي في الله؛ الله سيكلم كل واحد منا، سيخلو الله عز وجل بكل واحد من خلقه يكلمه ويحاضره. ولذلك في الحديث أيضاً يخبر صلى الله عليه وسلم أنه يقول: «ما منكم من أحد إلا وسيحاضره ربه محاضرة»؛ يتكلم معهم ليس بينهم أحد. الله سبحانه وتعالى يتكلم بما شاء كيف يشاء متى شاء، وهي من صفات الله سبحانه وتعالى الفعلية الذاتية، فالله عز وجل لم يزل متكلماً سبحانه وهو سيكلم عباده.

هذا الحديث يبين أن المسلم سيكلمه ربه سبحانه جل في علاه، وفي حديث آخر أن الله عز وجل يذكر عبده ببعض غدراته في الدنيا الصغائر والكبائر، يقول: «عبدي أتذكر يوم فعلت كذا ويوم فعلت كذا ويوم فعلت كذا؟». والعبد مقر خائف؛ الله سبحانه وتعالى يقرره على الصغائر، فيقول الله سبحانه وتعالى: «سترتها عليك في الدنيا واليوم أسترها عليك في الآخرة»، واجعل بدلها مكانها حسنات. الشاهد أيها الأحبة ما أعظم أن نتكلم مع رب العالمين، أن يكلمك الله وأن تكلم الله، وأن يحادثك الله وأن تحادث الله؛ عظمة وفضل ونعيم وكرم.

ما دام أنك ستكلم ربك يا مؤمن يا عبد الله، فتذكر حين تنظر إلى الله سبحانه وتعالى، وأعظم نعيم الجنة النظر إلى وجه الله، أسأل الله أن يرزقنا وإياكم. يقول صلى الله عليه وسلم: «إن أقل منزل أحدكم في الجنة لمسيرة ألف عام»، هذا أقل واحد في الجنة؛ ينظر في ملكه ألف سنة، وإن أعظم نعيم الجنة النظر إلى وجه الرحمن. وهناك من ينظر إلى وجه الرحمن غدوة وعشية؛ غالب أهل الجنة ينظرون إلى الله عز وجل مرة واحدة يوم الجمعة، يوم المزيد، لكن هناك من عباد الله سبحانه وتعالى من ينظر إلى وجه الله غدوة وعشية، وهذا أعظم نعيم الجنة.

يقول صلى الله عليه وسلم: «إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة مجوفة عرضها ستون ميلاً، في كل زاوية منها أهل ما يرون الآخرين»، يطوف عليهم المؤمن. «وجنتان من فضة آنيتهما وما فيها، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيها، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن». الله أكبر! جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه وأرضاه يقول: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ نظر إلى القمر ليلة البدر، ثم قال: «أما إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا»، صلاة الفجر والعصر.

إذاً ستكلم ربك يا عبد الله وسيكلمك، وستنظر إلى مولاك وسينظر إليك؛ أعظم نعيم الجنة. ولذلك كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «وأسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة». الصحابة يقولون: يا رسول الله، هل رأيت ربك؟ قال: «نور، أنا أراه». نتذكر هنا موسى عليه السلام لما حدث بينه وبين رب العالمين تلك المقابلة في طور سيناء، فلما كلمه ربه سبحانه وتعالى اشتاق موسى أن ينظر إلى ربه سبحانه وتعالى، ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَٰكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: 143].

في الدنيا لا يمكن للإنسان أن ينظر إلى الله، لكن النعيم المقيم الدائم النظر إلى وجه الله في الجنة. ولذلك أيها الأحبة الإنسان دائماً أن يشتاق إلى النظر إلى وجه الله وهو أعظم نعيم الجنة. أسأل الله سبحانه وتعالى لنا ولكم التوفيق، وصلى الله على محمد.

يعود إليكم بعد الفاصل.

يحرص كثير من الآباء والأمهات على تعليم أبنائهم شتى العلوم، ويبذلون في ذلك الغالي والنفيس من أوقاتهم وأموالهم، وهذا مما يؤجرون عليه من الله تعالى. ولكن هل اعتنوا مع ذلك بتعليمهم أدب العلم وسمته؟ فهو الذي يهذب أخلاقهم، ويحسن طباعهم، فحاجة الأطفال إلى الأدب وحسن الخلق أشد من حاجتهم إلى كثير من العلم. لهذا كان السلف يحرصون على تعليم أبنائهم الأدب قبل العلم.

قال سفيان الثوري: كانوا لا يخرجون أبناءهم لطلب العلم حتى يتأدبوا. وقال عبد الله بن المبارك: طلبت الأدب ثلاثين سنة، وطلبت العلم عشرين سنة. وهذا ما جعل الآباء والأمهات قديماً يدفعون بأولادهم إلى المؤدبين والعلماء حتى يقتبسوا من أخلاقهم وآدابهم قبل علومهم. قال الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى: كانت أمي تعممني وتقول لي: اذهب إلى ربيعة، فتعلم من أدبه قبل علمه. وذلك أن العلم لا ينتفع به إلا بطهارة القلب عن مساوئ الأخلاق.

ولعل هذا الأمر هو ما دفع العلماء إلى اشتراط أن يتتلمذ طالب العلم للعلماء لا للكتب فحسب، وذلك حتى يتأكدوا من تخلقه بأخلاق العلماء، وتحليه بأدبهم، ويظهر عليه سمت العلم وأدبه الذي هو نوره. قال عبد الله بن وهب: ما تعلمناه من أدب مالك أكثر مما تعلمناه من علمه. ومما يدلك على منزلة الأدب والأخلاق أن النبي صلى الله عليه وسلم قد جمع بين العلم والأخلاق والأدب، ولما أثنى عليه ربه سبحانه وتعالى أثنى عليه بالأخلاق والأدب فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4].

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. انقطع الحديث أيها الأحبة ونحن نتكلم عن النظر إلى وجه الله سبحانه وتعالى. في مسلم من حديث صهيب رضي الله عنه وأرضاه يقول صلى الله عليه وسلم: «إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، نادى مناد: يا أهل الجنة، إن لكم عند الله موعداً يريد أن ينجزكموه، فيقول أهل الجنة: ألم يثقل موازيننا، ويبيض وجوهنا، ويدخلنا الجنة، ويجرنا من النار، ماذا بعد هذا؟». قال صلى الله عليه وسلم: «فيُكشف الحجاب فينظرون إلى الله». الله أكبر! قال عليه الصلاة والسلام: «فما شيء أعطوه أحب إليهم من النظر إليه، وهي الزيادة». ما في شيء أعطوه، يعني لا تحاول أن تقيس بكل نعيم الجنة، لا بتمارها ولا بأنهارها ولا بحورها ولا بخمرها ولا ولا لا. أعظم نعيم الجنة أن تنظر إلى ربك يا عبد الله. نسأل الله لنا ولكم ذلك.

أيها الأحبة، يقول: «ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله ليس بينه وبينه ترجمان». أعد لنفسك هذا الموقف يوم توقف بين يدي الله عز وجل؛ ما تعلم أيؤمر بك إلى اليمين أم إلى ذات الشمال؟ إلى جنة عرضها السماوات والأرض -نسأل الله لنا وللمؤمنين من فضله- أو نار، نسأل الله أن يعافينا وإياكم. «فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، ينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، ينظر لتلقاء وجهه فلا يرى إلا النار».

أيها الأحبة انتبهوا، الإيمان باليوم الآخر قضية مهمة جداً في حياة الأمة، وهي ركن من أركان الإيمان، الإيمان بيوم القيامة الذي جاءت أسماؤه كثيرة له في القرآن الكريم: الواقعة، والحاقة، والقارعة، ويوم التغابن، ويوم الحساب، أسماء كثيرة. يا عبد الله، ثق تماماً ستموت ثم حياة برزخية الله أعلم بحالها وزمانها وطولها وقصرها، ثم يوم القيامة حين يبعث الناس للحساب. لا إله إلا الله، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة.

لذلك أيها الأحبة يوم القيامة هذا يوم عظيم جداً، يخرج الناس من قبورهم، يعود الناس للحياة، يبدأ القصاص ويبدأ الحساب، كل إنسان يأخذ حقه ويؤدي الذي عليه، يوم حساب عظيم جداً. يبعث الناس حفاة عراة غرلاً كل الخلق، حتى أن عائشة رضي الله عنها تقول: يا رسول الله، عراة يرى بعضنا بعضاً؟ رضي الله عنها وأرضاها، قال: «يا عائشة، الأمر أعظم». ما في قضية أن الإنسان ينظر، ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: 34-37]. تخيل المنظر؛ المخلوقات كلها التي انقضت والتي لم تنقرض، تخيل الديناصورات بجانبك والأسماك والزواحف والأسود والوحوش والإنس والجن، كلهم يحشرون في صعيد واحد. لا إله إلا الله!

يوم الحساب، لذلك يقول صلى الله عليه وسلم: «لتؤدن الحقوق يوم القيامة إلى أهلها، حتى أنه ليقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء». يوم الحساب يوم التغابن يوم الفصل، لذلك انتبه، هذا يوم لابد أن نستعد له. لو كانت القضية أنه خلاص موت ننتهي لكانت القضية الحمد لله، لا لا لا، ستموت ثم ستبعث مرة أخرى. هنا الإنسان المؤمن أيها الأحبة يعمل لهذا اليوم، ولذلك يوم الحساب يوم التغابن، يوم الفصل. هذه قضية لما المؤمن يوقن بها تنضبط أفعاله وسلوكه، ما يمكن أن يتجرأ لأنه يعرف أنه سيحاسب غداً.

لكن غير المسلمين الذين لا يؤمنون باليوم الآخر تجده كالبهائم يعيش، لماذا؟ لأن الحياة عنده فرصة واحدة فقط. ولذلك يوم القيامة يوم الحساب سيحاسبنا الله سبحانه وتعالى على كل صغيرة وكبيرة، إن خيراً فخير وإن شراً فشر. ولذلك لما جاء جبريل عليه السلام إلى نبينا صلى الله عليه وسلم قال: «يا محمد، عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به». هنا السؤال: فإنك مجزي به. ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7-8]. تراه في الدنيا أو ستراه في الآخرة، في الآخرة يقيناً أنه يوم الحساب.

ولذلك الله سبحانه وتعالى ماذا يقول؟ ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ۚ وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ۗ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: 49]. كل شيء في كتاب مستطر أبداً لا يغادر صغيرة ولا كبيرة. ولذلك أحبتي في الله الإنسان ينبغي أن ينتبه أن يعمل لذلك اليوم.

يوم القيامة يوم الحساب يوم تقف أمام رب العالمين، يسألك عن كل شيء عن القطمير وعن الصغير وعن كل شيء؛ ما يبقاش حتى يسألك الله سبحانه وتعالى. ولذلك يقول صلى الله عليه وسلم: «من نوقش الحساب عذب». المؤمن يستغفر يعترف ويندم ويطأطأ رأسه، لا، بعض الناس ربما يجادل الله سبحانه وتعالى، يقول: يا ربي أنا ما أرضى شاهداً إلا من نفسي، والله يقول: الملائكة ظلمتك؟ قال: لا، لكن أنا ما أرضى بشاهد من نفسي، فيختم الله على فمه، وتبدأ الجوارح تتكلم، العين تقول: نظرت، الأذن تقول: سمعت، اللسان يقول: تكلمت، اليد تقول: أخذت وأعطيت، القدم تقول: مشيت وذهبت، الفرج يقول: فعلت، يخلي الله بينه وبين جوارحه.

سحقًا. أكنت أناضل؟ أكنت أجادل؟ لكن هيهات هيهات. فعلًا، يوم التغابن أيها الأحبة يوم القيامة يوم عظيم جدًا، وحقيقة يقينية سيجمع الله كل الخلائق في ذلك اليوم.

ينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر تلقاء وجهه فلا يرى إلا النار. لا إله إلا الله. مهما تكلمنا حقيقة لا بد منها، طريقان لا ثالث لهما: جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين، ونار تلظى لا يصلاها إلا الأشقى، أعدت للكافرين والمكذبين والمعاندين. ولذلك النار قضية خطيرة.

النار قضية خطيرة، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ناركم هذه التي في الدنيا جزء من سبعين جزءًا من نار يوم القيامة». قالوا: يا رسول الله، والله إنها لكانت كافية. كما أن الله عز وجل أعد في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر؛ كذلك في النار ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. أسأل الله أن يعافينا وإياكم. قال صلى الله عليه وسلم: «يؤتى بجهنم يوم القيامة»؛ انظر إلى الحجم، لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يقودونها يسحبونها. نار جهنم يوم القيامة يا حبيبي -نسأل الله أن يعافينا وإياكم- الذين يسحبونها أربعة مليار وتسعمئة مليون ملك، وإذا قيل ملك من ملائكة الله يعني خلق عظيم جدًا عقلك لا يتصور هذا أصلًا.

لذلك ينبغي أن ننتبه من يصبر عليها؛ يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل الأرض، فيغمس غمسة في نار جهنم، سيصبغه الله صبغة واحدة، يدخله في جهنم ويخرجه مباشرة، ويقول: «عبدي هل مر بك نعيم قط؟» فيقول: وعزتك وجلالك ما مر بي نعيم قط. غمسة واحدة يا أحبابي أنست الرجل نعيم الدنيا وما فيها، فكيف بمن يعيش فيها؟ لذلك الله الله، دائمًا حدث نفسك: كيف أنال الجنة وكيف أنجو من النار؟ إن حرها شديد، وقعرها بعيد، جبانيتها ملائكة الله يتولون تعذيب الناس، ومن يتحمل؟ وعقارب كالجبال، مجلس الكافر في جهنم كما بين مكة إلى المدينة -أسأل الله أن يعافينا وإياكم- أربعمئة كيلو، ضرسه في جهنم كجبل أحد، سمك جلده أربعون ذراعًا. من يتحمل؟ نسأل الله أن يعافينا وإياكم من نار جهنم.

نواصل ثم نعود إليكم مرة أخرى بإذن الله تعالى. هل كان أجدادنا يتخيلون أن يرسلوا رسالة من المشرق إلى المغرب في لمح البصر؟ هل كان أسلافنا يتصورون أن يلتقوا بالعلماء في أقصى الأرض دون أن يرحلوا إليهم؟ إنها التقنية الحديثة، فاستخدامها في طلب العلم له ميزات منها سرعة ويسر الوصول إلى المعلومة، وضخامة المعلومات وتنوعها، والتواصل مع العلماء حيثما كانوا، ومن ميزاتها الكبيرة تيسير طلب العلم على المعاقين وذوي الاحتياجات الخاصة.

فلا غنى لطالب العلم عن الحاسوب بما عليه من مكتبات ضخمة حيث يمكنه البحث في ألوف الكتب في ثوان معدودة، لكن عليه الحذر من التصحيف والتحريف، ولا غنى له عن استخدام الإنترنت في أبحاثه، لكن عليه أن يوثق المعلومات من المصادر المتخصصة ولا يكتفي بالمنتديات ونحوها. والتعليم عن بعد من خلال الإنترنت يسر طلب العلم للمشغولين بالوظائف والأعمال، خاصة والأجهزة اللوحية بتطبيقاتها وبرامجها سهلت التعلم حيث إنها في كف طالب العلم حيثما حل وارتحل، وكذلك الفضائيات لا سيما العلمية المتخصصة سهلت طلب العلم في البيوت، فهي من أنسب الوسائل التعليمية للنساء، فلتستفد بميزات التقنية ولتحذر من شرها. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم، ومن يتحر الخير يعط، ومن يتق الشر يوق».

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد. عودة أيها الأحبة مرة أخرى إلى هذا الحديث العظيم وما فيه من التوجيهات الكريمة؛ النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «فاتقوا النار ولو بشق تمرة». أولًا أيها الأحبة، على الإنسان دائمًا وأبدًا أن يكون في جهاد، جهاد مع نفسه، مع شهواته، مع هواه، مع الشيطان، مع الدنيا، مع الملهيات؛ لا بد أن تجاهد، جاهد نفسك، جاهد للعمل؛ يا أخي الكريم القضية الآن ما هي قضية ربح دنيوي، ثمرة دنيوية، متاع دنيوي؛ لا، القضية قضية نجاة من جهنم بالجنة. ولذلك أيها الأحبة لا بد للإنسان دائمًا أن يعمل، ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: 69]. المجاهدة في العمل، المجاهدة في الفعل والمجاهدة في الترك، المجاهدة في الأعمال الصالحة في كل ما يقربك من الله، في أن تقوم بواجباتك وفرائضك وسننك، بأن تقوم بكل ما يرضي الله ويحبه الله عز وجل من الطاعات والسنن والنوافل.

أيضًا المجاهدة في ترك الذنوب والمعاصي والملهيات والشهوات، خاصة في هذا الزمان الذي كثرت فيه وانفتحت، لذلك أيها الأحبة الإنسان لا يحقر شيئًا من المعروف ولا يحقر شيئًا من العمل، ورب فعل صغير جدًا لا تنتبه له يكتب الله لك به الجنة؛ ذاك الرجل الذي كان يمشي فوجد غصن شوك في طريق المسلمين فأزاحه حتى لا يؤذي المسلمين، ما القضية؟ لا، هذا الشعور الذي وقع في قلبه كان سببًا لأن يشكر الله له هذا الفعل ويغفر له ويدخله الجنة، ويقول صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده إني لأراه الآن ينغمس في أنهار الجنة»؛ غصن شوك، غصن شوك! لا يحقر أحد من المعروف شيئًا يا أحبابي، ومن العمل شيئًا، أنت لا تدري ما هي الحسنة التي تدخلك الجنة، الإنسان يعمل ويعمل ويعمل. عجبتني كلمة لأحد السلف يقول: والله لأعملن ثم لأعملن ثم لأعملن، فإن دخلت الجنة فذلك فضل الله، وإن كانت الأخرى فقد أعذرت إلى الله.

اسمع ماذا يقول صلى الله عليه وسلم: «أربعون خصلة أعلاها منيحة العنز، ما من عامل يعمل بخصلة منها رجاء ثوابها وتصديق موعودها إلا أدخله الله الجنة» رواه البخاري. أربعون خصلة أعلاها منيحة العنز؛ يعني إنسان عنده غنم فيعطي إنسانًا ماعزًا يستفيد من ألبانها وما فيها، ما من عامل يعمل بخصلة منها رجاء ثوابها وتصديق موعودها إلا أدخله الله الجنة، فكيف بغيرها؟ إذا أيها الأحبة، لا ننظر دائمًا إلى الأعمال الكبيرة، إن جاءت فالحمد لله، لكن إن لم تجئ فلنعمل بالذي في أيدينا: إصلاح بين الناس، تشميت عاطس، رد السلام، إغاثة ملهوف، صدقة خفية، صلة والدين، صلة رحم، إحسان إلى الجيران، كفالة؛ أعمال كثيرة جدًا قد لا ننتبه لها، المحافظة على سواك مثلًا، المحافظة على سنة الفجر، تكبيرة الإحرام؛ هي كبيرة جدًا لكن أقول ربما بعض الناس لا ينتبه لها، الأعمال كثيرة.

اسمع إلى هذا الحديث الجميل الذي أخبرت به عائشة رسولنا صلى الله عليه وسلم؛ جاءت امرأة معها ابنتان إلى عائشة رضي الله عنها تطلب الصدقة، تقول عائشة رضي الله عنها: فما وجدت إلا ثلاث تمرات، بيت النبي ثلاث تمرات ما فيه إلا هو. أعطت هذه المرأة هذه التمرات الثلاث، المرأة مباشرة أعطت البنتين تمرة وتمرة، وأهوت بتمرة في فيها؛ البنتان أكلتا التمرتين ثم نظرتا إلى أمهما، عاطفة الأم هنا، فأخذت التمرة فقسمتها نصفين أعطت هذه نصفًا وهذه نصفًا ثم مضت. تقول عائشة: أعجبني هذا المنظر، فأخبرت به النبي صلى الله عليه وسلم، ما النتيجة؟ قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله أدخلها الجنة بفعلها ذلك»، الله أكبر! أو كما قال صلى الله عليه وسلم، أدخلها الله الجنة بفعلها ذلك، انظروا كيف تشق التمرة وهي محتاجة لا، وهذه نصف وهذه نصف وتمشي وهي جائعة، أهم شيء البنات يأكلون، إن الله كتب لها الجنة بفعلها ذلك، إذا الإنسان لا يحقر شيئًا.

المرأة البغي من بني إسرائيل رأت كلبًا يأكل الثرى من شدة العطش فسقته ماءً، شكر الله لها وغفر لها وأدخلها الجنة. الشاهد، الإنسان لا يحقر شيئًا من المعروف يا أحبابي. جاءت سائلة إلى عائشة رضي الله عنها وما كان عندنا إلا حبة عنب، فأعطتها، فكأنها استقلتها، فقالت: يا أمة الله، أما يقول الله: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7-8]. قالت: كم في هذه العتبة من ذرات؟ هذا هو استحضار الأجر، ولا يستقل الإنسان شيئًا، فأن يمنع أقل أبدًا، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فاتقوا النار ولو بشق تمرة»، الصدقة مهمة يا أحبابي.

الإنسان يتصدق ويعطي ويبذل، والصدقة من أحب الأعمال إلى الله، وكم في القرآن من نصوص كثيرة جدًا تحفز الناس وتأمر الناس بالعطاء بالصدقة والهبة وعدم البخل، ولذلك الإنسان يحرص أيها الأحبة، أيها الإخوة، يحرص على الصدقة، ولا يمنعك أنها قليلة؛ يا رسول الله ما أفضل الصدقة؟ قال: «جهد المقل»، معنى جهد المقل إنسان ما عنده إلا القليل ويتصدق، يا الله! ما عنده شيء يا أخي تصدق؛ هذه عظيمة عند الله، سبق درهم ألف درهم، سبق درهم خمسين ألف درهم، سبق درهم مئة ألف درهم، ليش؟ لأنه خرج من طيب نفس ومن كسب طيب ومن قلة ذات يد. يا رسول الله في حديث آخر ما أفضل الصدقة؟ قال: «أن تصدق وأنت صحيح شحيح، ترجو الغنى وتخشى الفقر»، فاتقوا النار ولو بشق تمرة.

لذلك أيها الأحبة الأفاضل، الإنسان يحرص قدر ما يستطيع أن يعمل الصالحات، أن يضرب في كل عمل بسهم، اضرب هنا واضرب هنا واضرب هنا، إن الصلاة فصلاة، وإن الحج فحج، وإن كانت العمرة فعمرة، وإن كان هناك بر صلة الوالدين وصلة الأرحام، إحسان الفقراء، المسح على رأس اليتيم، الصدقة الخفية، إطعام الطعام، إفشاء السلام؛ يعني أيها الأحبة الإنسان لا يقول عندي وقت فراغ، لا ما عندك وقت فراغ، عندك وقت من الله عليك بالعافية وبالعلم لتعمره. ما عندي شيء، طيب ما عندي فلوس ما عندي شيء أتصدق فيه، يا أخي ولو بكلمة طيبة، الكلمة الطيبة أيها الأحبة، الأمر بالمعروف، النهي عن المنكر، النصيحة، تعليم العلم، إرشاد الضال الذي ضل عن طريقه، الإصلاح بين الناس؛ ترى يا أحبابي اللسان مهم الإنسان ينتبه له، كلمة طيبة لأن عندنا كلمة طيبة وعكسها كلمة خبيثة والعياذ بالله. ولذلك نحرص، النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت»، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ [الإسراء: 53]، ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: 83].

إذا أيها الأحبة، الشاهد من هذا المحصلة أن الإنسان يكون في هذه الحياة إنسانًا إيجابيًا، بمعنى يعطي ويمنح ويصلح ويكون مفتاحًا للخير مغلاقًا للشر، دائمًا الناس يرجون خيره ويأمنون شره؛ هكذا أيها الأحبة المؤمن. ولذلك أحبتي في الله هذا الحديث عظيم جدًا، ما ترك لنا حجة، «فاتقوا النار ولو بشق تمرة»، فإن لم تجد قال: «ولو بكلمة طيبة»، يعني احذر أن تخرج منك كلمة سوء، أنت مؤمن، أنت موحد، أنت من أتباع سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. نكتفي بهذا أيها الأحبة، وأسأل الله العظيم بأسمائه وصفاته أن يرزقنا جميعًا علمًا نافعًا ورزقًا واسعًا وشفاء من كل داء، نسأله عز وجل أن يعز الإسلام والمسلمين، وأن يذل أعداء الدين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.