تسجيل الدخول

المحاضرة 14 - حديث: (ذهب أهل الدثور بالأجور...)

موفق كدسة الغامديد. موفق كدسة الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، حياكم الله وبياكم وجعل الجنة مثوانا ومثواكم. نلتقي مجدداً في هذه المادة، مادة الحديث، في هذه الأكاديمية المباركة.

أحبتي في الله، الحديث الرابع عشر هو حديث أبي ذر رضي الله عنه وأرضاه، أن ناساً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالأجور، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم. المشكلة أننا نريد أن نفعل مثلهم وما استطعنا. فقال صلى الله عليه وسلم: «أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون؟ إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة». قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «أرأيتم إن وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر» متفق عليه.

راوي الحديث أيها الأحبة هو الصحابي الجليل أبو ذر، وهو جندب بن جنادة الغفاري رضي الله عنه وأرضاه من قبيلة غفار. دخل في الإسلام مبكراً حتى قيل إنه كان خامس رجل يدخل في الإسلام، إلا أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «ارجع فإذا سمعت بأمر قد ظهر فتعال فأسلم»، ثم رجع إلى قومه فكان يسخر بآلهتهم. له مواقف جليلة، رضي الله عنه وأرضاه، توفي في الربذة سنة 32 من الهجرة، وصلى عليه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في النفر الذين شهدوا موته.

له أوسمة عظيمة من النبي صلى الله عليه وسلم، وكان صلى الله عليه وسلم يأخذ بيده ويمشي وقد وضع يده في يده ويحدثه. ونقل لنا أبو ذر كثيراً من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك قال له: «تعيش وحيداً وتموت وحيداً». وفعلاً عاش وحيداً، ترك الناس ما كان يتحمل ما كان فيه الناس من أمر، ومات لوحده، ووضعته زوجته على قارعة الطريق، فجاء ابن مسعود ومن معه، وإذا به بصاحبه أبي ذر، فينزل ويصلي عليه ويدفنه.

الشاهد أيها الأحبة، هذا الرجل والصحابة؛ أنا دائماً أقول: دعونا نقرأ سيرة الصحابة الكرام، أفضل الخلق بعد الأنبياء والرسل هم صحابة النبي صلى الله عليه وسلم. خذوها كلمة: أفضل الخلق بعد الأنبياء والرسل صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك من يطعن فيهم، أو ينتقص منهم، أو والعياذ بالله يلعنهم، فهذا لا نجده إلا زنديقاً منحرفاً. لا أريد أن أطيل في الكلام أكثر من هذا فقد تكلمت في هذا كثيراً، ولا ينتقص صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا رجل في دينه. ذهب بعض أهل العلم إلى أن من لعن الصحابة كفر وارتد وخرج من الملة، وعلى هذا كثير من العلماء.

لذلك صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم خط أحمر، عرض لا يستباح أبداً، لهم منا الحب والتقدير والثناء والدعاء والتزكية، والشهادة بأنهم أفضل الخلق بعد الأنبياء والرسل. ولعن الله من لعنهم، ولعن الله من انتقص منهم، ولعن الله من وقع في عرضهم؛ كيف لا وهم صحابة محمد صلى الله عليه وسلم، رضي الله عنهم وأرضاهم.

أعود إلى الحديث: شرح المفردات، الدثور جمع دثر وهو المال الكثير، وقيل الكثير من كل شيء. قال: «وفي بضع أحدكم»، البضع يطلق على الجماع ويطلق على الفرج. كذلك أيها الأحبة الأفاضل، وقفات مع هذا الحديث الكريم العظيم الجليل.

أول وقفة نقف مع هذا الحديث أيها الأحبة، ألا وهو حرص الصحابة على الخير، ليس حرصهم على الدنيا. ماذا يقولون؟ يصلون كما نصلي، يصومون كما نصوم، لكن في مشكلة بيننا وبينهم يا رسول الله. ما المشكلة؟ ليس عندهم فلوس، نحن ما عندنا؛ لا، القضية عندهم قضية أنهم يتصدقون ولا نتصدق. فرق بين من يجمع المال للدنيا ولنفسه، وبين من يجمع المال ليتصدق به، فكانت المشكلة عند الصحابة هؤلاء رضي الله عنهم: يا رسول الله نبغى فلوس نتصدق، ما نبغى فلوس نأكل، نتصدق لأنهم يعرفون ماذا في الصدقة من أجر ومن خير.

ولذلك فعلاً كان الصحابة يتسابقون للصدقة، ما بعضهم قد لا يجد إلا شيئاً يسيراً ما يبخل على نفسه بهذا الفعل. كان هناك مسابقة بين أبي بكر رضي الله عنه وعمر، لكن من طرف واحد، من طرف عمر؛ دائماً عمر يريد أن يسبق أبا بكر في العمل الصالح: ﴿وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: 26].

يوم من الأيام النبي صلى الله عليه وسلم طلب الناس للصدقة، قال عمر: اليوم أسبق أبا بكر. فذهب وجاء بنصف ماله، مال كثير، ووضعه أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما رآه صلى الله عليه وسلم هلل وجهه وأشرق وتبسم، قال: «يا عمر، ماذا تركت لأهلك؟» قال: مثله يا رسول الله. وجلس قليلاً ويأتي أفضل رجل في هذه الأمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم، يأتي أبو بكر بمال كثير. فقال صلى الله عليه وسلم: «يا أبا بكر، ماذا تركت لأهلك؟» قال: تركت لهم الله ورسوله، يعني ما في شيء خلاص، كل ما عندي هذا هو. دعا له صلى الله عليه وسلم، وعمر يقول في نفسه: والله لا سابقتك بعد اليوم أبداً.

هذا هو أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه، ما كان يتكلف يا أحبابي أبداً، كان العمل عنده سجية. النبي صلى الله عليه وسلم يوم من الأيام يقول: «من أصبح منكم اليوم صائماً؟» سؤال تلقائي، قال أبو بكر: أنا يا رسول الله. قال: «من أصبح منكم اليوم صائماً؟» قال أبو بكر: أنا. قال: «من عاد منكم اليوم مريضاً؟» قال أبو بكر: أنا. قال: «من اتبع منكم اليوم جنازة؟» قال أبو بكر: أنا. قال: «من تصدق منكم اليوم بصدقة؟» قال أبو بكر: أنا، مباشرة بدون اتفاق، فقال صلى الله عليه وسلم: «ما اجتمعت هذه الأربعة في رجل في يوم إلا دخل الجنة»؛ صيام، اتباع جنازة، عيادة مريض، صدقة. هذا فعل أبي بكر.

ما زلنا أيها الأحبة نتكلم عن حرص الصحابة على البذل والصدقة والعطاء، وهذا باب عظيم جداً؛ قضية الصدقة لأنها قضية تزكية للنفس وترفع عن حظوظ النفس والذات. طبعاً الرسول صلى الله عليه وسلم القدوة في هذا، يعطي عطاء من لا يخاف الفقر، ويقول: «والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تفتح عليكم الدنيا، أو تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على الذين من قبلكم، فتتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم». فالفقر ما منه خوف، الخوف من الغنى الذي غير منضبط، غير مقيد بالكتاب والسنة. ولذلك أحبتي في الله، رسولنا صلى الله عليه وسلم قدوة في كل شيء، وفي هذا الباب يعطي عطاء من لا يخاف الفقر، وهكذا كان أبو بكر، وهكذا كان عمر، وهكذا كان عثمان.

طيب، نجي عند علي، هل هكذا كان علي ولا ما كان علي رضي الله عنه وأرضاه تلميذ مدرسة النبوة؟ إلا أنه كان فقيراً، حتى إنه يوم من الأيام من شدة الجوع أخذ سيفه يبيعه، من يشتري هذا السيف؟ فكأنه طال ما جاهدت به أمام وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولكن علي رضي الله عنه له مقالات عظيمة جداً في الصدقة والبذل وتحفيز الناس، كان بيت المال أمامه ومع ذلك لا ينظر إليه، كان يقول: يا دنيا يا غرورة، غري غيري، فقد طلقتك ثلاثاً.

رضي الله عن علي، رضي الله عن الصحابة أجمعين، كم ضربوا الأمثال العظيمة، أروع الأمثال في كل باب من أبواب الخير ومن أبواب البر. أبو الدحداح رضي الله عنه وأرضاه يشتري نخلة في الجنة بحائط فيه 600 نخلة في الدنيا، ربح البيع أبا الدحداح، ربح البيع. عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وأرضاه وكم بذل وكم أعطى وكم أنفق للدين. عثمان يشتري الجنة بماله مرتين، وبعد موت رسول الله الثالثة. الشاهد أقول أيها الأحبة، الإنسان حينما يترفع عن الذات وعن الشهوة الذاتية وحب التملك، تصبح أعماله سجية لله سبحانه وتعالى، دائماً مفتاح للخير مغلاق للشر، يبحث عن وجوه البر ووجوه الخير والناس المحتاجة فيذهب إليهم، ما يحتاجون هم يأتون إليه، هكذا كان سلفنا الصالح.

ولذلك هؤلاء الصحابة مشكلتهم أنهم يريدون مالاً لا للتملك الذاتي، لا للصدقة، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم أحل لهم إحلالاً عملاً آخر. وهنا لفتة مهمة أيها الأحبة، دائماً يا إخواني بعض الناس إذا نظر إلى باب حصن مقفل وقف عند الباب ينتظر متى يفتح. لا يا أخي، إذا وجدت باباً مغلقاً ابحث عن أبواب أخرى، صدقني أن الله عز وجل يضع أبواباً كثيرة، لكن بعض الناس لا ينظر إلا لهذا الباب المقفل، خلاص أنا عند هذا الباب حتى يفتح؛ طيب افرض ما فتح، تظل عنده واقف؟ لا لا يا أخي، وخذوها قاعدة، لا تقف عند الباب المغلق؛ مرة، اثنتين، ثلاث، ما فتح، اذهب ابحث عن باب آخر.

وهكذا النبي صلى الله عليه وسلم، النبي صلى الله عليه وسلم فتح لهم مفتاحاً عظيماً جداً؛ طيب ما عندك مال؟ أه، طيب عندك شيء مقابل المال، إيش هو؟ الذكر، الأعمال الصالحة. فقال صلى الله عليه وسلم: «إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة». انظر كيف النبي صلى الله عليه وسلم يربطهم بالباقيات الصالحات، كيف يربطهم بالذكر.

تكلمنا عن الذكر ونتكلم عنه وسنتكلم عنه أيضاً، تعرفون لماذا؟ لأن الذكر من أعظم العبادات. اقرأ القرآن تجد شيئاً عجيباً، كيف أن الله عز وجل يندب الناس ويحث الناس عن الذكر: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: 152]، ﴿فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: 9]، ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: 10]، ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: 45]. والنبي صلى الله عليه وسلم ماذا يقول: «ألا أخبركم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟» قلنا بلى يا رسول الله، قال: «ذكر الله».

ذكر الله يا أحبابي، الذكر أحيط بهالة كبيرة جداً من النصوص، لأنه العمل الذي ما يكلفك شيئاً. أذكر كلمة لأحد مشايخنا بارك الله فيه وحفظه، يقول كلمة تكتب بماء الذهب، ماذا يقول؟ أسهل عبادة على الإطلاق ذكر الله، وأصعب عبادة على الإطلاق ذكر الله. قلنا كيف؟ قال: أما أسهل عبادة فكل إنسان ممكن يقول سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، لا حول ولا قوة إلا بالله، حسبي الله ونعم الوكيل، سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم؛ يمكن. طيب الصعوبة فين؟ الصعوبة في الاستمرار أيها الأحبة، في المداومة، أه، المداومة هنا الصعوبة.

ولذلك الأعمال حينما يكون فيها مداومة تكون من أعظم الأعمال أجراً ومن أشد الأعمال على الشيطان، ولذلك يقول صلى الله عليه وسلم: «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل»، وكان صلى الله عليه وسلم عمله ديمة. لذلك خذوها قاعدة: العمل الذي فيه مداومة من أشد الأعمال على الشيطان، ومن أعظم الأعمال أجراً في الميزان. دائماً إذا عملت عملاً أثبته، داوم عليه، هكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم، وهكذا كان الصحابة، وهكذا كان الجيل السابق العظيم السلف الصالح. ولذلك ذكر الله يا أحبابي من أعظم العبادات ومن أعظم العبادات والقربات، خاصة الباقيات الصالحات: سبحان الله.

الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، ورد فيها أكثر من 30 حديثاً. ومن تلك الأحاديث قول النبي ﷺ: «أحب الكلام إلى الله: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. لا يضرك بأيِّهنَّ بدأت». أحب الكلام إلى الله، اسمع يا رعاك الله، أحب الكلام إلى الله. ويقول صلى الله عليه وسلم: «لأن أقول سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر؛ أحب إلي من الدنيا وما فيها».

تخيل الدنيا منذ أن خلقها الله إلى قيام الساعة! يا أحبابي اسمعوني، ترى والله هذا كلام عربي ومفهوم، لكن بعض الناس ما عنده استشعار لهذا الأجر. الآن يقول لك علماء الجيولوجيا إن الأرض خلقت قبل 700 مليون سنة، والأرض بما فيها من نعم، وما ندري متى تقوم الساعة. كل هذا لا يساوي هذه الكلمات الأربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. هذا كلام النبي صلى الله عليه وسلم، يا أحبابي والله ما لأن أقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر أحب إلي مما طلعت عليه الشمس.

ويقول صلى الله عليه وسلم في حديث آخر: «أفضل الكلمات بعد القرآن أربع، وهن من القرآن: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر». جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا رسول الله إنني لا أستطيع القرآن، ما أقدر أحفظ القرآن، دلني بعمل يجزيني عن القرآن. قال: «عليك بسبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر».

يجزيني عن القرآن، ورد فيها أحاديث كثيرة. ومن تلك الأحاديث أيضاً: أن النبي صلى الله عليه وسلم وجد غصن شجرة يابس فرفعه للصحابة فهزَّه، فتطايرت الأوراق حتى بقي الغصن أجرد ما فيه شيء. فقال صلى الله عليه وسلم: «إن سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر لتحاتُّ الخطايا كما يتحاتُّ هذا الغصن من أوراقه».

ويقول صلى الله عليه وسلم: «خمس ما أثقلهن في الميزان! ما أثقلهن في الميزان! ما هن يا رسول الله؟ قال: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، والولد الصالح يموت للرجل فيحتسبه». تخيل أجر هذه المصيبة يعادل هذا! إذاً كلمات عظيمة، ولذلك الرسول قال بكل تسبيحة وتحميدة وتهليلة وتكبيرة أجر. فعليك عبد الله ويأمة الله ألا يفتر اللسان عن ذكر الله أبداً، اللسان شغال. وراينا وسمعنا من يذكر الله وهو نائم، وهذا من توفيق الله لهم. فاصل ثم نعود إليكم، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين.

﴿فَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [آل عمران: 137]. التاريخ مخزن العبر ومعلم الأمم، فيه أخبار السابقين، وأسباب التمكين، وزوال الدول. من اعتبر بدروسه نجا، ومن تعامى عن حوادثه هوى. وقد عني القرآن بذكر الكثير من القصص والتنويع في أحداثها لتوجيه الأنظار إلى الاعتبار بأحوال الأمم في كفرهم وإيمانهم وشقاوتهم وسعادتهم. فلا شيء يهدي الإنسان كالمثل والوقائع، قال تعالى: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: 176].

ومن هنا ينجلي للعاقل أهمية العلم بالتاريخ وعلو شأنه. فإذا نظر الإنسان إلى أحوال الأمم السالفة وأسباب قوتهم وضعفهم وعزهم وذلهم، حمله ذلك على حسن الأسوة والاقتداء بأسباب السعادة والتمكين، واجتناب ما كان من أسباب الشقاوة والهلاك والتدمير. وإن التحولات في أحوال الأمم من رخاء إلى شدة، ومن شدة إلى رخاء، إنما هو من جراء أعمال العباد. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11].

فمن فوائد وثمرات دراسة التاريخ: الإحاطة بالتطبيق العملي للإسلام وذلك من خلال السيرة النبوية، العلم بأن الأمة مكلفة بهدف عظيم وهو عمارة الأرض بمنهج الله تعالى، العلم بأعداء الأمة، العلم بطبيعة الصراع بين الحق والباطل، فهم الحاضر لأن الحاضر جزء من الماضي فمن لم يعتبر بماضيه لن ينتفع بحاضره، إدراك سنن الله تعالى في هذا الكون وأنها لا تحابي أحداً، قال تعالى: ﴿فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ ۚ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر: 43].

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد أحبتي في الله، هذا التوجيه النبوي الكريم من الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وقفتان مهمة ذكرتها وأعيدها باب التأكيد. الوقفة الأولى: إذا وجدت الباب مقفلاً أمامك فلا تنتظر، ابحث عن باب آخر. وهذا الصحابة لما وقفوا عند مشكلة الصدقة: يا رسول الله نبغى نتصدق ما عندنا، طيب الرسول دلهم على أبواب أخرى. وأنت في حياتك يا أخي ما عندك مال تتصدق، في أبواب للبر كثيرة. طيب واحد يبغى بر الوالدين، أبواه ميتين، يمكن أن تبرهما أمواتاً، لكن إذا أردت أيضاً أموراً أخرى في بر الخالة وبر الأعمام، كل هذا يا أيها الأحبة أبواب بديلة. فبالتالي أنا أقول لا يقف الإنسان إذا ما وجدت القرآن مثلاً حتى أقرأ، خلاص ما أسوي شيء؟ لا يا أخي، القرآن ما وجدته وتقرأ، ما أنت حافظ؟ إذاً امسك الذكر، امسك الشيء الذي أنت تحفظه. كرر: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ عشر مرات، بيت في الجنة. ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تعدل ثلث القرآن، ثلاث مرات كأنك ختمت ختمة، وكرر ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ 100، 200، 300 مرة. ما عندك مصحف؟ ما في مشكلة، إذا ما عندي مصحف أنا ما أقرأ؟ لا، اقرأ سورة الفاتحة، أعظم سورة في القرآن، اقرأ ما تحفظ. الشاهد أيها الأحبة، إذا ما وجدنا الباب مفتوحاً ما معنى ذلك أننا لا ندخل ولا نلج، نبحث عن وسائل أخرى وطرق أخرى وأبواب أخرى، وهذا الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم. تبغى تصوم بس ما تقدر؟ أنا إنسان ما أقدر أصوم مثلاً، طيب هل الدين في الصيام لا؟ كان ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه لا يصوم كثيراً لأنه يمنعه عن ورده في القرآن، فالنوافل في الصيام قليلة لكن القرآن كثير. فإذا أقفل لك باب أو أغلق وضيق عليك في باب، هناك أبواب أخرى، وهذا الدرس المهم الذي ينبغي أن نخرج به اليوم.

الدرس الثاني وهو مهم أيضاً أنه فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون. خلي علاقة بينك وبين أهل العلم وأهل الذكر وأهل الفضل، لأنهم أكثر منك دراية وعلم وخبرة، وبالتالي سيرشدك. النبي صلى الله عليه وسلم أعطاهم هذه الأبواب الجميلة التي حملوها للأمة، الذكر ما فيه. وجاءت أيضاً أخيرة هذه جميلة قال: «وفي بضع أحدكم صدقة». الله أكبر! يعني أنا أسوي الشيء المباح فيكون لي فيه أجر؟ نعم، لك فيه أجر. لماذا؟ لأنك أنت لم تضعها في الحرام. يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته قال: «فيه أجر؟» قال: «نعم، أرأيت لو وضعها في حرام، أعليه وزر؟» فكذلك في الحلال، إذاً لك فيها أجر. وهنا كيف أيها الأحبة نحول العادات إلى عبادات، والمباحات إلى قربات بالنية. سنتكلم عنها بعد قليل، أشرت لها سابقاً لكن من باب التجديد. لكن قبل ذلك، أقول قضية العلاقة القوية بينك وبين أهل العلم والفضل والرأي والعقل والحكمة. يا إخوان الإنسان يفكر بعقل واحد، لكن لما يجيء إلى إنسان آخر يفكر بعقلين، لما يجيء إلى إنسان ثالث يفكر بثلاثة عقول، وكلما زادت العقول وكلما تميزت العقول كلما جاءت الثمرة ناضجة.

الذي قتل 99 نفساً من بني إسرائيل أراد أن يتوب، دله على عابد، عابد مش عالم، عابد جاهل يعبد الله على جهل، قال: ماذا فعلت؟ قال: قتلت 99، قال: اخرج اخرج ليس لك توبة، مالي توبة؟ قال: لا، ما لك توبة. قال: طيب، (فخربانة خربانة) وكمل بمئة! بدأت التوبة تتحرك فدله على عالم، ها شوفوا الفرق يا أحبابي بين العالم والعابد، قال: إيش سويت؟ قال: قتلت 100 نفس، لي توبة؟ قال: ما الذي يحول بينك وبينها؟ الله أكبر! العلم، العلم، ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾، يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات، ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. لذلك أحبتي في الله، الإنسان يظل يطلب العلم. يقول الشافعي رحمه الله: من أراد الدنيا فعليه بالعلم، ومن أراد الآخرة فعليه بالعلم، ومن أراد الدنيا والآخرة فعليه بالعلم. يكفي يا إخوان شرفاً أن أول آية في القرآن: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾. إذاً القرب من أهل العلم أيها الأحبة منجاة، ويعطونك فرصاً عظيمة ويعطونك خيراً كثيراً.

يعني أنا أذكر مثال قصة جويرية رضي الله عنها أم المؤمنين، لما دخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم في الضحى كان عندها، وبعدين جاءها في الضحى فوجدها في مصلاها، قال: «ما زلت على الحال الذي تركتك عليه؟» قالت: نعم يا رسول الله. تذكر الله ساعتين ثلاث ساعات جالسة في مصلاها تذكر الله، فقال صلى الله عليه وسلم: «لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات، تعدل ما قلت منذ أن أصبحت». أرأيتم العلم والعالم؟ جويرية رضي الله عنها يا أم المؤمنين، تخيل ثلاث ساعات على مصلاها تذكر الله، النبي بكل بساطة يقول: أربع كلمات ثلاث مرات تعدل ما قلتِ. قالت: ما ذاك يا رسول الله؟ قال: «سبحان الله وبحمده عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته»، «سبحان الله وبحمده عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته»، «سبحان الله وبحمده عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته». 20 ثانية، لكن ما قلتِ منذ أن أصبحتِ! هنا العلم، هنا العلم أيها الأحبة، ولذلك الإنسان يكون حريصاً جداً أيها الأحبة على الالتصاق بالعلماء وأخذ رأيهم وسؤالهم وخاصة في زمن الفتن. زمن الفتن أيها الأحبة الفتن إذا أقبلت لا يعرفها إلا العلماء، وإذا أدبرت عرفها كل أحد، لكن إذا أقدمت الفتن وجاءت ترى الناس ما عرفها غوغاء، لا يعرفها إلا أهل العلم، لكن إذا أدبرت الفتن وقعت المصيبة، وقع الفأس في الرأس، كل واحد عرفها. أكبر شاهد ما هو حول الآن من فتن، نسأل الله أن يحفظ بلادنا وبلاد الإسلام والمسلمين.

طيب إذاً نحن نحتاج إلى فعلاً أن نعيد علاقتنا بالعلماء، وأن نأخذ من علمهم، وأن نتعلم، ﴿وَخَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ﴾، ومن يريد الله به خيراً يفقهه في الدين. لكن دعونا نقف أيها الأحبة مع قضية «وفي بضع أحدكم صدقة»، كيف أستطيع أن أحول عاداتي إلى عبادات، المباحات إلى طاعات بالنية، وهذه من عظمة هذا الدين. يعني إنسان يريد أن ينام، طيب كيف تجعل نومك طاعة؟ أنت الآن بتنام، ممكن تنام وما لك أجر، وممكن تنام ولك أجر مضاعف، إيش الفارق؟ النية. بمعنى جئت تنام، ليش تنام يا فلان؟ والله ودي أنام عشان أنام بدري وأرتاح، وممكن أقوم أنشر آخر الليل أصلي ما كتب الله، وأقوم أصلي الفجر. هنا أنت احتسبت هذا النوم لإرادة فعل طاعة، فلك به أجر. فرق بين من ينام (وزي ما نقول إحنا نكبر المخدة) يبغى يريح الرجال، طيب ليش؟ والله يا شيخ تعبان. لا، هذا يريد أن يرتاح ليقوم الليل، ليقوم الفجر، ليصلي مع المسلمين في المسجد، له أجر. نومه هذا طاعة، يعني كل عاداتك، يعني مثلاً أكلك شربك، ليش تأكل ليش تشرب؟ والله يا أخي أولاً الأكل والشرب المحافظة على الحياة التي أمرنا بها، ثانياً أن نتقوى بها على الطاعة، فيصبح طعامك وشرابك عبادة. وظيفتك في العمل، ليش تشتغل؟ عشان أسمع؟ لا والله يا أخي هذه الوظيفة أكف بها نفسي، أحفظ بها وجهي، أتصدق، أنفق على أهلي، أصبح عندك منها هدف سامٍ، هدف يحبه الله، أصبح عبادة.

إذاً المسلم بقليل من احتساب، بقليل من تصليح النية، يمكن أن تتعدل كل عاداته إلى عبادات، والمباحات إلى طاعات بشيء من الاحتساب أيها الأحبة الأفاضل. جئنا لنهاية الوقت، وإن كان في الحديث أيضاً فوائد كثيرة، هذا كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أوتي جوامع الكلم، كما يقولون: يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا جميعاً علماً نافعاً، ورزقاً واسعاً، وشفاءً من كل داء. اللهم اغفر لآبائنا وارحم أمهاتنا، وأصلح نياتنا وذرياتنا، أصلح نساءنا، أصلح إخواننا وأخواتنا وأقاربنا والمسلمين وأحوال المسلمين في كل مكان. وصلِّ اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.