تسجيل الدخول

المحاضرة 15 - حديث: (الطهور شطر الإيمان...) (1)

موفق كدسة الغامديد. موفق كدسة الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

يا راغباً في كل علم نافع، متطلعاً لزيادة الإيمان، وتريده سهل النوال ميسراً، يأتيك ميسوراً بأي مكان. زاد أكاديمية ينبوعها صافٍ ليروي غلة الظمآن، والسنة الغراء شارحة له، فهماً لنا من ربنا. وحياني بشرى نال زاد أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد. سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، أسأل الله العظيم رب العرش الكريم بأسمائه وصفاته أن يرزقنا جميعاً علماً نافعاً، ورزقاً واسعاً، وشفاءً من كل داء. وما زلنا معكم أيها الأحبة الأفاضل في مادة الحديث في هذه الأكاديمية المباركة، أكاديمية زاد.

اليوم الحديث الخامس عشر، حديث أبي مالك الأشعري وهو أخ لأبي موسى الأشعري رضي الله عنهم جميعاً، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماوات والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها» رواه مسلم. حديث من أمهات الأحاديث وجوامع الكلم، وفيه من التوجيهات النبوية الكريمة الشريفة ما الله به عليم.

راوي الحديث كعب بن عاصم أبو مالك الأشعري، وكما قلت لكم هو أخ لأبي موسى الأشعري رضي الله عنه وأرضاه، قدم في السفينة مع الأشعريين على النبي صلى الله عليه وسلم وأسلم وصحِبَه وغزا معه وروى عنه، توفي في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه سنة 18 من الهجرة.

معاني الكلمات كثيرة جداً، الطهور يقال الطهور بالضم والطهور بالفتح، وإذا أريد به الفعل -فعل الطهارة الذي هو المصدر- يقال الطهور والوضوء بفتح أولهما، وإذا أريد به الماء الذي يتطهر به، وكذلك السحور والسحور. بمعنى الطهور الذي هو بالضم هو الفعل، الطهور بالضم الفعل، والطهور بالفتح هو ما يتطهر به الماء. شطر أي نصف. والوضوء بضم الواو إذا أريد به الفعل هو بالضم الفعل.

قال هنا: الطهارة قسمان، طهارة معنوية وطهارة بدنية. الطهارة المعنوية طهارة القلب بالإخلاص لله تعالى بالتخلص من الحقد والحسد وغيره من الضغائن. والطهارة البدنية الحسية طهارة البدن من الحدث الأصغر والأكبر. قوله: «وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماوات والأرض» لأن هاتين الكلمتين مشتملتان، الحمد لله، فحينما تقول سبحان الله فأنت تنزه الله عن كل نقص، وحينما تقول الحمد لله فأنت تمدح الله بكل وصف كمال يستحقه سبحانه جل في علاه.

قال: «والصلاة نور» أي أنها تمنع من المعاصي وتنهى عن الفحشاء والمنكر وتهدي إلى الصواب كما أن النور يستضاء به. ثم يقول: «والصدقة برهان»، البرهان هو الشعاع الذي يلي وجه الشمس، ومنه سميت الحجة القاطعة برهاناً لوضوح دلالتها على ما دلت عليه، فكذلك الصدقة برهان على صحة الإيمان. «والصبر ضياء» أي الصبر المحبوب في الشرع وهو الصبر على طاعة الله، والصبر عن معصيته، والصبر على النائبات وأنواع المكاره، والمراد أن الصبر محمود ولا يزال صاحبه مستضيئاً مهتدياً مستمراً على الصواب.

قال: «والقرآن حجة لك أو عليك» أي تنتفع به إن تلوته وعملت فيه وإلا فهو حجة عليك. «كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها»، كل إنسان يسعى بنفسه، فمنهم من يبيعها لله بطاعته فيعتق من العذاب، ومنهم من يبيعها للشيطان والهوى باتباعها يهلكها بفعل المعاصي والعقوبة عليها.

أحبتي في الله، نحن مع هذا الحديث وهو من جوامع كلم النبي صلى الله عليه وسلم وفيه من التوجيهات الكريمة والإشارات العظيمة ما الله به عليم. نبدأ بقوله: «الطهور شطر الإيمان»، أيها الأحبة، لم يهتم دين على وجه البسيطة بالطهارة مثل الإسلام قديماً وحديثاً، ولذلك الإسلام أسس شريعته على الطهارة، الطهارة المعنوية والطهارة الحسية. الطهارة المعنوية ترك الذنوب والمعاصي، ترك كل ما يغضب الله، ترك كل ما ينهى الله عنه، ترك كل ما لا يرضاه الله سبحانه وتعالى سواء في أعمال القلوب أو أعمال الجوارح، فلا بد أن تتطهر؛ ترك الذنوب والمعاصي الضغائن الحقد الحسد الغل، إحلال ما يحبه الله الإخلاص الأعمال الصالحة أعمال القلوب أعمال الجوارح كل ما أمرنا الله به فهذا من الطهارة؛ فالطهارة تخلية وتحلية، تخلي قلبك وجوارحك عما يغضب الله وتحليها بما يرضى الله سبحانه وتعالى.

إذا تكلم عن الطهارة المعنوية نأتي إلى الطهارة الحسية، الطهارة البدنية، نجد أن الإسلام اهتم بهذا أيضاً، أن تكون بعيداً عن الحدث الأكبر وكذلك بعيداً عن الحدث الأصغر، والمسلم أيها الأحبة يكون دائماً على طهارة، هذا الأصل فيه، وهكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم. يا أحبابي حتى لو انتقض وضوؤك يستحب لك أن تذهب فتتوضأ فتكون دائماً على طهارة كما كان صلى الله عليه وسلم على نظافة. وبالمناسبة، ليس هناك دين على وجه الأرض اهتم بالنظافة الحسية مثل ما اهتم بها الإسلام. في حديث مشهور عند الناس "النظافة من الإيمان"، معناه صحيح لكنه غير صحيح في سنده، ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم لكن معناه صحيح؛ نظافة قلبك نظافة حسية ومعنوية، نظافة بدنك نظافة حسية معنوية، نظافة صحيفتك ما فيها ذنوب ما فيها معاصي.

نأتي قضية النظافة الحسية وهي مهمة جداً؛ كيف الإسلام اهتم بنظافة الجسد، الوضوء خمس مرات في اليوم وكل مرة تغسل العضو ثلاث مرات. أذكر قصة قرأتها زمان من زمن أن شاباً مسلماً كان في الغرب يتوضأ فكان أحد الكفار يعتب عليه، يتهكم عليه من هذا الفعل الذي فيه نوع من عدم الانضباط وبعثرة الماء، فقال له: إن قدمي أنظف من وجهك، فغضب وأزبد وأرعد كيف تقول الكلام هذا؟ قال له: طيب لحظة أنا أسألك سؤال، كم مرة تغسل وجهك في اليوم والليلة؟ قال له: مرة واحدة. قال له: طيب، أنا أغسل قدمي في اليوم والليلة 15 مرة، أيهما أنظف قدمي أو وجهك؟ فبهت الذي كفر. شاهد، نعم نحن كمسلمين النظافة عندنا مبدأ، مبدأ مهم جداً وهو متعلق بعبادات كثيرة. سنعود إليكم إن شاء الله بعد الفاصل لنكمل حديثنا بإذن الله تعالى.

الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، والصدقة تبرهن على صدق العبد مع ربه، والصدقة من أعظم أسباب نيل البركة في المال والرزق. وتوجيه نبوي لعلاج أخطر المشكلات الاقتصادية والاجتماعية في واقعنا المعاصر، وهي البطالة؛ وترجع أسبابها إلى احتقار بعض المهن أو رفضها بحجة عدم المناسبة، اعتماد بعض الشباب على الوالدين، المعدلات المنخفضة للنمو الاقتصادي، التقدم التكنولوجي والاستغناء عن العمالة، ضعف نظم التعليم والتدريب. وتكمن خطورة تلك الظاهرة في آثارها والتي منها الإصابة بالإحباط وعدم الثقة مما يولد اكتئاباً وقلقاً وشعوراً بالفشل، التوجه للجريمة والانحراف كالمخدرات والسرقة والتطرف، إهدار الطاقات الإنتاجية، الفراغ القاتل الذي يؤدي إلى عواقب لا تحمد نتائجها.

ويتوقف علاج تلك الظاهرة على تنشئة الشباب على حب العمل والإيجابية، تقديم القدوات الجادة الناجحة، توفير فرص العمل المناسبة، تقديم الدورات التدريبية المؤهلة للمشاريع الصغيرة والأعمال الفردية وإنظار المعسرين منهم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده».

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد. ما زال حديثنا أيها الأحبة عن «الطهور شطر الإيمان»، قلت إن الإسلام اهتم بالنظافة أيما اهتمام، كثير من العبادات في الدين مرتبطة بالنظافة، أنا أتكلم الآن عن النظافة الحسية؛ يعني الوضوء يومياً خمس مرات، السنة غسل الجنابة هذا مهم جداً. كذلك الأحبة الاهتمام بنتف الإبط وحلق العانة وتقليم الأظافر وغسل البراجم والادهان وغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم، الطيب، الثوب الأبيض، الملابس الجميلة، الابتعاد عن كل ما يخدش المسلمين من سواء من روائح الثوم أو البصل أو غير ذلك.

يعني عندنا أمور كثيرة جداً أيها الأحبة، أنت مطالب بأن تقيم في بيتك في حياتك في أسرتك في دينك كلها تدل على النظافة. استخدام السواك أيها الأحبة، السواك ورد فيه قرابة 70 حديثاً، مطهرة للفم مرضاة للرب، يعني حتى التنفس حينما تشرب ما تتنفس في الإناء، كل بيمينك. الغسل غسل الأيدي قبل الطعام وبعد الطعام، كذلك ما تنام ويدك فيها ريحة زفر أو طعام، أشياء كثيرة جداً جداً جداً أيها الأحبة في ديننا، كل ذلك دلالة على أن الإسلام يهتم بنظافة الإنسان.

يا أحبابي ما هناك في عظمة ديننا دين ولا في جمال رسالته دين أبداً، ديننا أعظم وأكرم وأجمل وألطف وأحلى، ولذلك ما هناك شيء النفس البشرية تحبه إلا الإسلام دعا وحث عليه، ولا هناك أمر الطباع السليمة تنفر منه إلا الإسلام حذر منه. وبالتالي فعلاً نجد أن الإسلام كما اهتم بالشرائع والدين اهتم كذلك بالإنسان وجماله وسلامته؛ يعني حتى في الأوبئة مكان فيه وباء ما تدخله وإذا كنت فيه لا تخرج منه، يعني هذا شرع ربنا يا أحبابي، ولذلك هنا العظمة. «الطهور شطر الإيمان»، طبعاً يا أحبابي الإيمان مر معنا حديثاً سابقاً، «الإيمان بضع وستون شعبة أو بضع وسبعون شعبة، أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان».

فالإيمان فيه أفعال وفيه ترك، ولذلك قال «الطهور شطر الإيمان»، طهر نفسك قلبك بالطاعات والقربات والحسنات وما يحبه الله سبحانه وتعالى وما يرضاه الله سبحانه وتعالى، ابتعد عن الذنوب والمعاصي، الحقد، الغل، الكراهية، البغض، كل ما تنفر منه الطباع السليمة ابتعد عنه. كن طاهراً طاهراً معنوياً وطاهراً حسياً، كن مثالاً كما كان صلى الله عليه وسلم، يا أحبابي لقد كان لنا في رسول الله أسوة حسنة، ولذلك ينبغي للإنسان أن يقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم في طهارته الحسية وفي طهارته البدنية المعنوية، دائماً تتشبه بالرسول صلى الله عليه وسلم في كل صغيرة وفي كل كبيرة.

نأتي للجملة الثانية، «والحمد لله تملأ الميزان»، يا الله، يا الله، يا الله، لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك. الميزان هو الميزان الذي وضعه الله لوزن أعمال العباد، وهو ميزان حقيقي كفتان ولسان، توزن فيه أعمال بني آدم. وفي الحديث أنه يؤتى بالرجل السمين يوم القيامة فيوضع في الميزان فلا يزن عند الله جناح بعوضة. وفي الحديث أن رجلاً ينشر له 99 سجلاً، السجل مد البصر ذنوب، فيقول الله له: عبدي أظلمك كتبتي شيء؟ فيقول: لا يا رب. هل لك من عمل؟ قال: يا رب ما عندي شيء. قال: لا، عندك لنا عندنا بطاقة. قال: يا رب ما تصنع البطاقة أمام هذه السجلات؟ قال: اليوم يوم الفصل، فتوضع السجلات في كفة 99 سجل، والبطاقة في كفة فيحدث العجب وإذا بالبطاقة هذه ترجح والسجلات تطيش. ما هو مصدق فيذهب يأخذ هذه البطاقة وإذا فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، إذاً الميزان له كفة توزن به الأعمال.

قال: «والحمد لله تملأ الميزان»، أحبتي في الله، هذه الكلمة تعدل أو يمكن لو قلنا من باب النسبة والتناسب يعني يمكن تعدل ربع الأرض، لأن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أحبابي ماذا يقول: «لأن أقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر أحب إلي من الدنيا وما عليها»؛ يعني أربع كلمات أعظم من الدنيا، لو قلنا بس من باب التقريب نسبة وتناسب يعني الكلمة الواحدة تعدل ربع الدنيا. كلمة الحمد لله تملأ الميزان، كلمة عظيمة يا أحبابي، النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله»، أفضل ما تدعو به ربك يا عبد الله أن تحمد الله. طيب ليش؟ إيش السر؟ إليك السر، لأن الله سبحانه وتعالى ماذا يقول: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: 7].

أنت كلما تقول الحمد لله، الحمد لله، الحمد لله، أنت تثني على الله، تدعو الله، وأن لك الحمد يا رب على كل نعمك، فالله يزيدك، يزيدك، يزيدك، وكلما حمدت الله زادك الله، ماذا تريد من هذا يا عبد الله؟ أفضل الدعاء الحمد لله، تحمد الله دعاءً فيعطيك الله أكثر وأكثر وأكثر وأكثر. جاء في حديث أن أحب العباد إلى الله يوم القيامة الحمادون، الحمادون من هم؟ الحمادون الذين يكثرون الحمد، يحمدون الله سبحانه وتعالى، ولذلك يقول صلى الله عليه وسلم: «إن الله ليرضى عن العبد إذا أكل اللقمة فحمد عليها أو شرب الشربة فحمد عليها»، يا الله، يعني الله يرزقني ويعطيني قوة وعافية وآكل وأشرب وأقول الحمد لله ويرضى الله عني، الله أكبر، الله أكبر. ﴿مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ [النساء: 147]، لذلك أيها الأحبة سبحان الله نتألم، لطف الله في كل شيء يظهر لطف الله يا أحبابي في كل شيء.

يرزقك ويعطيك العافية، وتأكل وتشرب وتقول: الحمد لله؛ فيغفر الله لك. من لبس ثوباً جديداً فقال: الحمد لله الذي كساني هذا ورزقني هذا من غير حول مني ولا قوة، غفر له ما تقدم من ذنبه؛ بل في رواية: ما تقدم من ذنبه وما تأخر. بمعنى كلما حمد الله؛ فإن الله يغفر له. يا أحبابي، كلمة عظيمة، والحمد لله تملأ الميزان. نحمد الله تعالى، فاصل ثم نعود.

من أعظم الأخطار التي تهدد المجتمع وتجعل بناءه هشاً ضعيفاً جهل المرأة بما تحتاج إليه من أمور دينها ودنياها وشؤون حياتها؛ فهي الساعد الآخر لبناء المجتمع. فالمرأة الجاهلة لا يمكنها القيام بتربية صحيحة أو إعانة أبنائها على التعلم والرقي، بل ربما أنشأتهم على أفكار خاطئة أو معتقدات فاسدة، وبجهل تتبرج المرأة فتفتن نفسها وغيرها، وبجهل تضيع المرأة حق زوجها وتنفر من البيت فيتفرق شمل الأسرة، وبالجهل وقعت كثير من النساء في الخرافات والسحر والشعوذة. فالواجب على المرأة أن تحرص على طلب العلم، وأن لا يمنعها الحياء من ذلك؛ فإنه لا حياء في طلب العلم، كما قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: نعم النساء نساء الأنصار؛ لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. وبعد، فما زلنا أيها الأحبة في الجملة الثالثة من هذا الحديث أو الجملة الثانية: والحمد لله تملأ الميزان. ولذلك قلنا لكم إن أفضل الدعاء كما قال صلى الله عليه وسلم: «الحمد لله»، تحمد الله فيعطيك ويزيدك، تحمد ويعطي، تحمد ويعطي. إذاً لا يفتر لسانك يا عبد الله؛ إن هذه الكلمة «الحمد لله» فيها من الأحاديث الشيء الكثير، وهي من أعظم الأعمال في ميزانك. يقول صلى الله عليه وسلم: «بَخٍ بَخٍ، خمسٌ ما أثقلهن في الميزان؛ ما هن يا رسول الله؟ قال: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، والولد يموت للرجل فيحتسبه عند ربه» أو كما قال صلى الله عليه وسلم. الشاهد ورد فيها أحاديث كثيرة جداً، والإنسان عليه أن يحمد الله سبحانه وتعالى؛ ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: 7]. بل نحمد الله ونشكر الله ونثني على الله، والله سبحانه وتعالى يتولى المزيد سبحانه جل في علاه. ولذلك كلمة عظيمة دائماً تذكروها: الحمد لله، الحمد لله، الحمد لله.

ننتقل للجملة الثالثة، ألا وهي قال: «وسبحان الله والحمد لله»، تلك الآن الحمد لله لوحدها، الآن جينا مركبة: «وسبحان الله والحمد لله»، كلمتان تملآن ما بين السماوات والأرض. يا الله! ما أعظمك وما أكرمك وما أجلّك! «وسبحان الله والحمد لله» تملآن ما بين السماوات والأرض. يا أحبابي، كلمتان تملآن ما بين السماوات والأرض.

كم بين السماء والأرض أيها الأحبة؟ في الحديث أنه ما بين الأرض والسماء الدنيا مسيرة خمسمائة عام، وسمك السماء الدنيا خمسمائة عام، وبين الأولى والثانية خمسمائة عام، وسمك الثانية خمسمائة عام، وبين الثانية والثالثة خمسمائة عام، والثالثة خمسمائة عام إلى العرش، يعني قرابة كم يا أحبابي؟ يعني قرابة ثلاثة آلاف وخمسمائة سنة. هذا في الحديث. طيب، العلم الآن يا أحبابي يذكر لنا بعض الإحصائيات، وما هي علوم المسلمين؟ ترى علوم الغرب الذين تفوقوا علينا في علوم الطبيعة بشكل كبير جداً. يا أحبابي، الآن آخر مجرة تم اكتشافها في هذا الكون، طبعاً نحن نعيش في مجرة درب التبانة، لا، مجرة غير هذه المجرات التي نعلمها، آخر مجرة بينها وبين الأرض كم تتوقعون يا أحبابي؟ 13.3 من مليار سنة ضوئية. عيد الرقم مرة ثانية: 13.3 من مليار سنة ضوئية. سنة ضوئية نعم، يعني بسرعة الضوء، الضوء يقطع في الثانية 300 ألف كيلو، وفي الدقيقة يقطع 18 مليون، وفي السنة يقطع 9 ترليون و46 ترليون في السنة. الأرقام أرقام علمية، الضوء يقطع في السنة الضوئية 9 ترليون و46 من الترليون كيلو في السنة الضوئية. فالآن المجرة الأخيرة التي تم اكتشافها بينها وبين الأرض 13.3 من مليار سنة ضوئية، لسه ما وصل للسماء الدنيا! وبكل بساطة يخبرنا قدوتنا صلى الله عليه وسلم وحبيبنا ورسولنا الكريم أن: «سبحان الله والحمد لله تملآن ما بين السماوات والأرض». العلم الآن يا أحبابي لم يصل إلى السماء الدنيا، وآخر مجرة تم اكتشافها بيننا وبينها كم قلنا؟ 13.3 من عشرة مليار سنة ضوئية. أي مسافة هذه؟ أي خلق هذا؟ تبارك الله أحسن الخالقين.

الذي يثير الاهتمام أيها الأحبة والتعجب أن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم يقول بكل بساطة: «وسبحان الله والحمد لله تملآن ما بين السماوات والأرض». تملآن ماذا يا إخواني؟ تملآن أجراً، تملآن أجراً! هل أنا وأنت ونحن في غنى عن هذا الأجر يا أحبابي؟ لو كان الآن نحن نسمع في بعض اللقطات في اليوتيوب والواتساب وكذا، يقول لك مثلاً حديث: هل تريد أن تكسب ألف حسنة؟ سبّح 100 تسبيحة. يا الله! ألف حسنة؟ لماذا الهمة هذه البسيطة؟ لماذا هذه الهمة الضعيفة؟ تبحث لي عن ألف حسنة؟ يا أخي عن مليون حسنة! تبحث لي عن مليار حسنة! همتك ضعيفة. ابن تيمية رحمه الله أدخلوه على السلطان مقيداً بالحديد، السلطان بن قلاوون من سلاطين المماليك، فيقول السلطان ابن قلاوون: يا ابن تيمية، إن الناس يزعمون أنك تريد ملكنا، ملك آبائنا وأجدادنا؟ فضحك ابن تيمية، قال: ملكك وملك أبيك وجدك؟ يقول: والله منذ أن وعيت إلى الدنيا لا أريد إلا جنة عرضها السماوات والأرض، خلِّ ملكك وملك آبائك لك. الله أكبر، الهمم العالية! وإذا كانت النفوس كباراً، تعبت في مرادها الأجسام. ولذلك يقول: أنا ما أفكر في ملكك، أنت أيش ملكك؟ أنت ملك جنة عرضها السماوات والأرض. ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «وسبحان الله والحمد لله تملآن ما بين السماوات والأرض». لو وعينا هذا الكلام، ولو كان عندنا يقين أيها الأحبة، ولو كان عندنا الصدق مع الله؛ والله ما جاءت شفة على أخرى، بل تتحرك صباحاً ومساءً: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. أما كلمتان فقط تملآن ما بين السماء والأرض، كيف بالأربع كلمات يا أحبابي؟

دعونا يا أحبابي نستشعر الأجور، ترى والله هذه ما هي من المتشابهات يا أحبابي، هذه النصوص ما هي متشابهات، هذه النصوص من اليقينيات المسلمات الواضحات البينات. «سبحان الله والحمد لله» تملآن ما بين السماء والأرض. يا أحبابي، العلم الآن ما وصل إلى السماء الدنيا بعد. إذاً أيها الأحبة، إن كان تقصير فنحن في التقصير، نحن المقصرون يا أحبابي.

سبحان الله والحمد لله، سبحان الله: أن ننزه الله عما لا يليق به، تنزيه الله عز وجل عن النقائص، عن كل ما لا يليق به سبحانه وتعالى، من الشريك والند والزوجة والولد وغير ذلك مما يزعمه كثير من أهل الباطل. ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]، سبحانه جل في علاه، ما أعظمه، ما أكرمه، ما أجله. فانت حينما تقول: سبحان الله، أنت تنزه الله. تنزيه. الحمد لله: إثبات صفات الكمال. «سبحان الله والحمد لله» تملآن ما بين السماوات والأرض. لذلك أيها الأحبة الباقيات الصالحات: «سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر». ما أعظمهن في الميزان يا أحبابي! تدور حول العرش، لهن دوي يذكرنا بصاحبهن في الدنيا. ألا تريد أن يكون لك من يذكر بك عند العرش؟ هذه الكلمات لها دوي حول العرش تذكر بك، جنة لك من النار، وقاية لك من النار. يعني كما قلت لكم، أكثر من 30 حديث وردت في الباقيات الصالحات، فإذا كان «سبحان الله والحمد لله» تملآن ما بين السماء والأرض، كيف بقية الكلمات يا أحبابي؟ كيف؟ فالذكر الذي يقول عنه صلى الله عليه وسلم: «ما عمل آدمي عملاً أنجى له من عذاب الله من ذكر الله»، «مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه كمثل الحي والميت»، وأعظم من ذلك قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: 45].

نتوقف أيها الأحبة عند هذا القدر ونكمل الحديث إن شاء الله في اللقاء القادم. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا جميعاً علماً نافعاً، ورزقاً واسعاً، وشفاءً من كل داء. اللهم أعنا على ذكرك وعلى شكرك وعلى حسن عبادتك. اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات. وصل اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.