تسجيل الدخول

المحاضرة 16 - حديث: (الطهور شطر الإيمان...) (2)

موفق كدسة الغامديد. موفق كدسة الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

يا راغبا في كل علم نافع، متطلعا لزيادة الإيمان، وتريد سهلا يأتيك ميسورا بأي مكان، والسنة فما لنا من ربنا. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته. حياكم الله وبياكم، وجعل الجنة مثوانا ومثواكم. ولقاء يتجدد في مادة الحديث الشريف في هذه الأكاديمية المباركة، أسأل الله أن يجعلنا جميعا مفاتيح للخير مغاليق للشر.

أحبتي في الله، بدأنا في اللقاء الماضي حول الحديث رقم خمسة عشر، الحلقة اليوم ستة عشر، لكن استكمالا للحديث الماضي حديث أبي مالك الأشعري رضي الله عنه وأرضاه: «الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن -أو تملأ- ما بين السماوات والأرض، ثم قال صلى الله عليه وسلم: والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو، فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها» رواه مسلم.

تكلمنا في اللقاء الماضي عن «الطهور شطر الإيمان»، وتكلمنا عن قوله: «والحمد لله تملأ الميزان»، وتكلمنا عن قوله: «وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماء والأرض». ونبدأ اليوم في الأربع الجمل الأخيرة من الحديث، وإن كان هناك من تذكير بسيط فنقول: كلمة سبحان الله والحمد لله وردت في أحاديث كثيرة جدا وفي نصوص للقرآن. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: 44]. فذكر الملائكة هو سبحان الله وبحمده، وذكر المخلوقات سبحان الله وبحمده، وإن من شيء إلا يسبح بحمده.

ولذلك هنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماوات والأرض». إذا كلمتان عظيمتان، كلمة سبحان الله عظيمة والحمد لله عظيمة، واجتماعهما عظيم. ولذلك يقول صلى الله عليه وسلم: «من هاله الليل أن يكابده، أو بخل بالمال أن ينفقه، أو جبن عن العدو أن يقاتله، فليكثر من سبحان الله وبحمده، فإنها أحب إلى الله من جبل ذهب ينفقه في سبيل الله» صحيح لغيره. تخيلوا سبحان الله وبحمده! ما تقدر تقوم الليل، نفسك ما تعطيك على النفقة والصدقة، ما تقدر تقاتل في سبيل الله، عليك بسبحان الله وبحمده؛ فإنها أحب إلى الله من جبل من ذهب ينفقه أحدكم في سبيل الله عز وجل. كلمة واحدة.

يا أحبابي، الموازين الحقيقية، الموازين الحقيقية. الآن لو جاءك واحد يقول لك هذه خمسمائة ريال، قل جزاك الله خيرا، لو قال لك: يا أخي قل سبحان الله وبحمده، وش تختار هذه ولا هذه؟ تقول: لا والله، أبغى الخمسمائة، لأنها مشكلتنا ركنا إلى الدنيا ورضينا بما فيها. لا، الحديث واضح، ها يقول صلى الله عليه وسلم: «فليكثر من سبحان الله وبحمده، فإنها أحب إلى الله من جبل من ذهب ينفقه أحدكم في سبيل الله عز وجل». هذه الموازين الحقيقية يا أحبابي، هذه الموازين الحقيقية التي ينبغي أن ننتبه لها.

طيب، ننتقل إلى الجمل الباقية في الحديث أيها الأحبة، بعد أن ذكر النبي صلى الله عليه وسلم هذه الأذكار العظيمة التي سمعناها، قال صلى الله عليه وسلم: «والصلاة نور». الصلاة نور أحبتي في الله. يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة: 257]. وقفة مهمة: الظلمات كثيرة، أبواب الشر كثيرة، الفتن كثيرة، الشهوات كثيرة، الحق واحد، الصراط واحد، النور واحد. ولذلك لما يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «والصلاة نور»؛ لأن هذا النور الواحد إذا خرج كل الظلمات تزول. كل سبل الظلمات تزول، لأن النور إذا ظهر ظهر. انظر أنا الشمس إذا أشرقت الدنيا ظلام، تأتي الشمس تشرق فيأتي النور على كل الظلام.

وكذلك الصلاة، الصلاة نور لقلبك، نور لعقلك، نور لوجهك، نور لحسناتك، نور لهمك، نور لغمك، نور لبيتك، نور لرزقك، نور لعافيتك، نور لمرضك، نور لكل شيء. هذا كلام المعصوم صلى الله عليه وسلم: «الصلاة نور». ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم ماذا يقول؟ «حبب إلي من دنياكم النساء والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة». ما هو كل إنسان يستطيع أن يتزوج امرأة جميلة أو يشتري طيبا غاليا، لكن كل مسلم يستطيع أن يصلي. ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم أفرض الصلاة يا إخواني فين؟ في السماء السابعة، وآخر وصية النبي: «الصلاة الصلاة، وما ملكت أيمانكم». الصلاة خير موضوع، من استطاع منكم أن يستكثر فليستكثر، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة.

صلة بينك وبين الله، كان صلى الله عليه وسلم يا أحبابي إذا أهمه أمر أو حزبه أمر، فزع إلى الصلاة. مفتاح لكل خير، والله وبالله وتالله، ثلاث أيمان، أن الصلاة نور، مفتاح لكل خير، ولكل ظلمة، ولكل بلاء. صلي. انظر للنبي صلى الله عليه وسلم كيف كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه الشريفتان، كيف كان يقوم لوحة الصحابة؟ بعض الصحابة يصلون معه فيجلسون، كيف كان الصحابة رضوان الله عليهم يصلون، السلف الصالح.

يا أحبابي، الصلاة الصلاة، صلة بينك وبين الله. كم من إنسان عنده مشاكل الدنيا يغفل عن الصلاة فتتزايد وتتكاثر. لذلك أحبتي في الله، على الإنسان أن يحرص، يا أخي صل ما استطعت. والله تعجب لما تقرأ في سيرة الإمام أحمد رحمه الله، كان يصلي بقوته تطوعا في اليوم والليلة ثلاثمئة ركعة. ثلاثمئة ركعة! فلما كبر سنه ورق عظمه وضعفت قوته، خفض، كم خفض؟ مئة وخمسين ركعة في اليوم والليلة. يقرأ السلف كيف كانوا يصلون، كيف كانت حياتهم مع الصلاة أوقات بالصلاة، وبعضنا يجاهد حتى يصلي على الصلوات الخمس المفروضة.

طيب وين السنن الرواتب؟ وين النوافل؟ وين الضحى؟ وين قيام الليل؟ وين؟ وين؟ مسكين، أنت الآن تسعى في الدنيا، تريد للدنيا أن تأتيك، حلها بسيط، صلي وأكثر من الصلاة، وأكثر من السجود، وأكثروا من الدعاء. انظر كيف تأتيك الدنيا وهي راغمة، تأتيك الدنيا تسعى خلفك. كان صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر أهمه أمر. طيب عندك مشكلة في الرزق، البيت، في الزوجة، في الوظيفة، في العمل، مع الأولاد؛ يا أخي صلي، صل واجعل من صلاتك في بيتك النوافل، السنن، بس ترى صلاتك في بيتك النوافل والسنن أعظم أجرا من الصلاة في المسجد الحرام. الصلاة في المسجد الحرام يا أحبابي بمئة ألف صلاة، صلاتك في بيتك السنن أفضل، أما الفرائض لا، في المسجد. نتوقف ثم نعود إليكم بعد الفاصل، وصلى الله على محمد والحمد لله رب العالمين.

هل تظن أن أهل العلم يتعمدون مخالفة السنة؟ كلا، بل لهم في ذلك أعذار كاعتقاد ضعف الحديث أو نسخه، لكن كيف يتعامل العامي مع اختلاف العلماء؟ الراجح أنه يأخذ بفتوى أوثق المفتيين في نفسه وأعلمهما، لأن قول المفتي للعامي كالدليل للمجتهد. ويعرف العامي الأعلم بأخبار الثقة وبالمشاهدة، كأن يرى أحدهم يذعن له العلماء، وبالقرائن كأن يدعم أحدهما دون الآخر فتواه بالدليل، وتوافق أكثر العلماء على أحد القولين، وتصريح كثير من العلماء بتخطئة أحدهما في هذه الفتوى. ومنها تخصص أحدهما في موضوع السؤال، كأن يشتهر بعلم الفرائض والسؤال في توزيع تركة، وهكذا. وإذا تساوى عند المستفتي المفتيان من كل وجه، أخذ بالأيسر؛ لأن هذا موافق ليسر الإسلام، ولأن الأصل براءة الذمة.

ولا يجوز للسائل أن ينتقي من الأقوال بهواه، ولا أن يتتبع رخص العلماء. قال سليمان التيمي: لو أخذت برخصة كل عالم اجتمع فيك الشر كله. وإذا عمل السائل بالفتوى ثم ترجح بعد ذلك غيرها فلا تنقض الفتوى الأولى؛ لأن الاجتهاد لا ينقض بمثله. فاتبع العلماء الربانيين، واحذر الجهلاء وأصحاب الهوى. قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية: 18].

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. عدنا والعود أحمد. أيها الأحبة، تكلمنا عن الصلاة أن الصلاة نور، ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُورٍ﴾ [النور: 40]. ولذلك من أعظم وسائل الحصول على النور في الدنيا وفي الآخرة، نورك في قبرك الصلاة، نورك في عرصات يوم القيامة الصلاة، نورك على الصراط الصلاة. الصلاة صلة بينك وبين الله، إياك إياك أن تتخاذل أو تتكاسل أو تتجاهل الصلاة.

طيب، ننتقل الآن إلى التوجيه الثاني معنا في هذه الحلقة، قال صلى الله عليه وسلم: «والصلاة نور والصدقة برهان». يا أهل الصدقة، يا أهل البذل، يا أهل العطاء، الذي يريد أن يثبت لله صدق إيمانه وصدق عقيدته وصدق توكله وصدق يقينه، ينفق. المال محبوب للنفس، شهوة وأيما شهوة! كل شهوات الدنيا أيها الأحبة قد تنتهي، شهوة النساء وشهوة المنصب وشهوة كذا، لكن الشهوة التي لا تنتهي: المال. عمره تسعين سنة، خمسة وتسعين سنة، مئة سنة، وهو يبحث عن شهوة المال. من هذا الذي استطاع أن يستعلي ويترفع عن هذه الشهوة ويجعلها في يده لا يجعلها في قلبه؟ ويجعلها للناس لا يجعلها لنفسه؟ ولذلك انظر قال: «والصدقة برهان». برهان على إيش؟ برهان على يقينك، على إيمانك، على تصديقك، على ثقتك بالله سبحانه وتعالى.

لأن بعض الناس تقول له صلي، يقول لك: أبشر. حج، قال لك: أبشر. اعتمر، أبشر. قم الليل، أبشر. اقرأ قرآن، أبشر. تصدق، قال: ها.. إيش؟ ها هذه ها حنا نبغاها هنا، هنا المحك، هنا البرهان. كل إنسان يقدر يصلي ويصوم ويذكر الله ويدعو الله، لكن من هذا الذي يده سخية، الذي يده وعطاؤه الذي ينفق والنفقة أحب إليه من المسك، والعطاء أحب إليه من المنع؟ هذا الذي نريده، هذا المحك الحقيقي. ﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: 245]. هذا الذي نريده أحبتي في الله.

الصدقة برهان، من أعظم ما يثبت إيمانك ويقينك أن تبذل. وبالمناسبة طبعا القرآن مليء بنصوص كثيرة جدا يحث الناس. عائشة رضي الله عنها وأرضاها كانت إذا تصدقت تأخذ الدرهم وتغمسه في الطيب ثم تضعه في يد السائل وتقول: والذي نفسي بيده، إنه ليقع في يد الله قبل أن يقع في يد السائل. انظر كيف الاستشعار! لذلك السلف الصالح من رسولنا صلى الله عليه وسلم والصحابة ومن سار على نهجهم ضربوا أروع الأمثلة في هذا البذل والعطاء.

قال صلى الله عليه وسلم: «ثلاث أقسم عليهن: ما نقص مال من صدقة، وما ظلم عبد مظلمة فصبر عليها إلا زاده الله بها عزا، ولا فتح عبد على نفسه باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر.. ما نقص مال من صدقة». «أنفق ابن آدم، ينفق عليك». «ما من يوم تطلع الشمس إلا وينزل ملكان من السماء، يقول أحدهما: اللهم أعط منفقا خلفا، ويقول الثاني: اللهم أعط ممسكا تلفا». «يا رسول الله ما أفضل الصدقة؟ قال: أن تصدق وأنت صحيح شحيح، ترجو الغنى وتخشى الفقر». ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: 92]. أبدا، لازم. ﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: 245].

إذا الله سبحانه وتعالى يستقرضنا وهو الغني عنا؛ لينظر كيف نعمل. ولذلك يقول صلى الله عليه وسلم: «من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، فإن الله يستلمها بيمينه فيربيها لأحدكم، كما يربي أحدكم فلوه أو قلوصه، حتى تصبح مثل الجبل». وفي رواية: «مثل جبل أحد». تمرة، تمرة! كسب طيب، الله عز وجل غني عنا يا أحبابي، لكنه وعد بالإخلاف. ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 261]. يعني يضاعف، سبق درهم ألف درهم، سبق درهم خمسين ألف درهم، سبق درهم مئة ألف درهم.

آه، لله در يحيى بن معاذ الرازي رحمه الله، يقول: الصلاة تأخذ بك نصف الطريق، والصوم يوقفك على باب الملك، والصدقة تدخلك على الملك. الله أكبر! يقول الصلاة تقطع بك نصف الطريق، والصوم يوقفك على باب الملك، والصدقة تدخلك على الملك. إذا أحبتي في الله تصدقوا، ابذلوا. كان كثير من السلف لا يمر عليه يوم حتى يعطي، حتى يبذل، حتى يتصدق. وبعدين لا تخشى الفقر، بالعكس، من أعظم أسباب الرزق أيها الأحبة الصدقة. يقول علي رضي الله عنه وأرضاه: استنزلوا الرزق من السماء بالصدقة. استنزلوا الرزق من السماء بالصدقة.

أنفق يا ابن آدم ينفق عليك، ولا تخشى من ذي العرش إقلالا، الله يعطي، الله يضاعف لك، الله سبحانه جل في علاه خزائنه، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾ [الحجر: 21]. بالتالي أحبتي في الله، لا إنسان يخشى الفقر، والله ما تعود إنسان الصدقة إلا جلبت له الخير، وجلبت له البركة، وجلبت الأضعاف المضاعفة. سواء يعني صدق هذه النصوص الشرعية أو القصص الواقعية.

وكم نعرف من أناس حبب إليهم الصدقة فنمت أموالهم وزكت نفوسهم وأصبحوا يعطون عطاء ويخلف الله الشيء الكثير. يعني حينما تتصدق أنت تتصدق لمن؟ أنت تتصدق لله، هل ناله شيء؟ لا والله، إنما يناله التقوى منا. والله سبحانه وتعالى وعد بالإخلاف، ومن أصدق من الله حديثا ومن أصدق من الله قيلا. ولذلك الصدقة إيش؟ برهان. أيها الأحبة، تصدقوا، تصدقوا، ولا تستقل شيئا. ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7-8].

انتبه، البخل كارثة. ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه، والله الغني وأنتم الفقراء. وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم. الله عز وجل يستقرضنا وهو الغني عنا ليخلف علينا، ليرزقنا، ليبارك لنا. أين نحن من هذه المعاني العظيمة التي ينبغي للإنسان أن يحرص عليها؟ أنفق ابن آدم ينفق عليك، ولا توقِ فيوقى عليك. الصدقة باب عظيم لاسترضاء الله عنا، المرء في ظل صدقته يوم القيامة حتى يقضى بين الناس، والإنسان إذا أذنب ذنباً تصدق ليغفر الله سبحانه وتعالى له ذنبه.

ولذلك الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾ [المنافقون: 9-10]. يتمنى الميت أن يعود للدنيا، لماذا؟ ليتصدق. أيها الأحبة، تصدقوا وأنتم ما زلتم أحياء. نسأل الله أن يوفق الجميع لكل خير.

فارق كبير بين من يسافر لنزهة سياحية أو لمشاهدة مباراة، وبين من يسافر لطلب العلم؛ فالرحلة لطلب العلم موصلة إلى سعادة الأبد. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة». وبالرحلة يلقى الطالب العلماء وينوع المشايخ ويقارن بين المناهج ويجدد نشاطه ويزيد خبراته. قال الشعبي: لو أن رجلاً سافر من أقصى الشام إلى أقصى اليمن فحفظ كلمة تنفعه، رأيت أن سفره لا يضيع. وهل من شيء أشرف من العلم يرحل في طلبه؟ وقد رحل موسى عليه السلام في ذلك رحلة شاقة حتى بلغ مجمع البحرين أو أمضي حقباً.

ورحل الصحابة والعلماء من بعدهم في طلب العلم المسافات حتى سافر بعضهم شهراً في طلب حديث واحد، وقطع بعضهم في طلبه أكثر من خمسة آلاف كيلو سيراً على قدميه. فإن عجزت عن الرحلة في طلب العلم فلا أقل من التعلم عبر الشبكات والشاشات. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «سددوا وقاربوا والقصد القصد تبلغوا».

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد، ما زلنا مع هذه الدرة العظيمة وهذا الحديث الشريف. انتهينا من قوله: «والصدقة برهان»، قال: «والصبر ضياء». الصبر ضياء أيها الأحبة. الصبر، نحن لا نريد في هذا اللقاء أن ننظر، نريد أن نطبق. وكما يقال الصبر مر كاسمه مر مذاقته، لكن عواقبه أحلى من العسل. أحبتي في الله، العلماء لما يتكلمون عن الصبر، هو حبس اللسان عن التشكي والنفس عن الجزع والجوارح عما يغضب الله سبحانه وتعالى.

الصبر ما هو سهل، لكن انظروا الصبر يتدخل في حياتنا كلها، ولذلك لما قال العلماء الصبر ثلاث أنواع، حياتنا تقوم على الصبر. الصبر على طاعة الله: ما عندك صبر؟ لا يمكن أن نعبد الله سبحانه وتعالى، أنت الآن لماذا تجلس أمامي الآن تسمعني؟ معك صبر، لو لم يكن عندك صبر ما جلست. الصبر على الطاعة أن تصبر على الصلاة والصيام والقيام والدعوة والذكر وطلب العلم والحج وقراءة القرآن والأعمال الصالحة. ما عندك صبر ما يمكن أن تعبد الله.

الصبر عن المعصية: الفتن كثيرة، الشهوات كثيرة، الملهيات كثيرة، الفتن من كل مكان. كيف نعمل؟ لازم تصبر، الدنيا حلوة خضرة لازم تصبر، الحرام مشهي والشيطان يزين لك البعيد يقربه لك، والقبيح يحلي لك، لازم تصبر. لماذا؟ لأن النفس تريد، وإن حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات، هذه الشهوات يأتيك الشيطان والنفس والدنيا وتزينها لك، إذا ما تصبر تنساق.

الصبر على أقدار الله: من من أحد يصبر يا أحباب؟ من من أحد يسلم من المنغصات في الحياة؟ ما يمكن، ما دمت أنت في الحياة وطن نفسك على الابتلاء، ما دمت حياً ترزق وطن نفسك، ما دمت من أتباع النبي صلى الله عليه وسلم وطن نفسك على البلاء. قال صلى الله عليه وسلم: «أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى المرء على قدر دينه، فإن كان في دينه قوة كان البلاء قوياً، وإن كان في دينه رقة كان البلاء رقيقاً» أو كما قال صلى الله عليه وسلم. أنت في الحياة معرض للابتلاء، والبلاء بالخير والشر فتنة، سواء تبتلى بالخير أو بالشر.

الصبر كيف تصبر على هذه الأمور؟ كيف تسير في هذه الحياة صابراً على دينك وإقامته، صابراً عن المعصية مبتعداً عنها، صابراً على أقدار الله؟ اصبر، وما صبرك إلا بالله. هكذا يقول الله سبحانه وتعالى. أيها الأحبة نحن ضعفاء، لكن حينما نستعين بالله ونصبر يعيننا الله عز وجل. ولذلك الصبر أيها الأحبة ذُكر كما يقول ابن تيمية رحمه الله في كتاب الله في أكثر من سبعين موضعاً. أنت في الحياة تحتاج صبر، ما تصبر تهلك، وإذا ما تصبر تنحرف، ولذلك الصبر ضياء، ومن يتصبر يصبره الله هكذا يقول صلى الله عليه وسلم، وما أعطي أحد عطاء خيراً له وأوسع من الصبر.

يا أحبابي، لا تنضبط حياتنا إلا بالصبر، والمؤمن كلما كان عنده صبر كلما كان عنده قوة. «عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، وليس ذلك إلا للمؤمن». أيها الأحبة الأفاضل، القرآن مليء بآيات الصبر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 153]. شف، لما تأتيك الآن تقول لي اصبر، طيب ايش؟ ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. إذا صبرت ثق أن الله معك. ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 155-157].

يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه: اسمع يرعاك الله، إن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، ثم قال: ألا إنه لا إيمان لمن لا صبر له. ركز في المقولة: ألا إنه لا إيمان لمن لا صبر له. كيف يكون عندك إيمان وأنت ما عندك صبر؟ كيف تصلي؟ كيف تصوم؟ كيف تفعل الطاعات والقربات والحسنات؟ ما تقدر. يقول عمر رضي الله عنه وأرضاه: أدركنا خير عيشنا بالصبر. الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10].

كلمة قالها أحد السلف جميلة فيها بعض المعاني، يقول: ثلاثة أعمال لا تدخل في الميزان، بمعنى الميزان المعروف حسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، لا، هذه لها ميزان آخر. قالوا: ما هي؟ قالوا: الصوم؛ لأن الله يقول: «إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به». طيب والثانية؟ قال: الصبر؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. قال: والعفو؛ ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: 40]. هذه الأمور الثلاثة أجرها عند رب العالمين.

ولذلك أيها الأحبة، أعجبتني كلمة لأحد الدعاة يعلق على قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، لو قلت لك الحسنة بعشر أمثالها في الصبر فهي محسوبة، لو قلت لك الحسنة بمائة ضعف فهي محسوبة، لو قلت لك الحسنة بمليون ضعف في الصبر فهي محسوبة، لو قلت لك الحسنة بتريليون ضعف فهي محسوبة، الله يقول: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. إذاً وطن نفسك، الصبر مؤلم محزن، قد تتألم، قد تبكي، قد قد، لكن تذكر ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، وقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: 146]، ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. إذاً هذا كله ايش؟ يعطيك، مهما جاءتك من نكبات تذكر، وإذا أتتك مصيبة فاذكر مصابك في النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

إذاً أحبتي في الله، أحبتي في الله، تريد أن تعيش الدنيا اصبر. ما عندك صبر؟ لا يمكن أن تعيش صحيحاً أبداً، نفسك حسرات. صبر جميل، لما القرآن ذكر كل أنواع الصبر. ولذلك الله يقول ايش؟ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 200].

ننتقل بعد ذلك إلى الجملة قبل الأخيرة، قوله: «والقرآن حجة لك أو عليك». الله أكبر، كلام الله سبحانه وتعالى حجة لك أو عليك، إما أن تظفر به فتكون من الناجحين الناجين، وإما أن تكون من الخاسرين المحرومين، اختر ما في طريق ثالث. كيف يكون ذلك؟ قراءة القرآن، حفظ القرآن، تدبر القرآن، تحسين الصوت بالقرآن، خدمة القرآن وتعليمه، الاجتماع له والإنصات، العمل به، نشره، كل هذه حقوق للقرآن ينبغي للإنسان أن ينتبه لها.

ولذلك يقول صلى الله عليه وسلم: «إن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب». ويقول صلى الله عليه وسلم: «إن لله أهلين من الناس»، قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: «أهل القرآن هم أهل الله وخاصته». لذلك قال والقرآن حجة لك؛ إما أن تتمسك به فتنجو وإما أن تتركه فتهلك، اختر، اختر ما في طريق ثالث. القرآن مفتاح لكل خير، ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: 9]. في الدنيا وفي الآخرة.

ثم جاء الختم: «كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها». الناس كلهم سيغدون، ما في واحد لن يغدو، كل واحد سيعمل، لكن هناك من يعمل لله وهناك من يعمل للشيطان، يغدو فبائع نفسه فمعتقها يبيعها لله، أو يبيعها للشيطان فيوبقها والعياذ بالله، اختر. اذكر ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21]. فأعتق نفسك بطاعة الله ولقاء الله ومراقبة الله والعمل لله والاستعانة بالله والصبر لله، لا توبقها باتباع الشيطان فتهلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

جئنا إلى نهاية هذا اللقاء أيها الأحبة، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، ونسأله سبحانه وتعالى أن يرزقنا جميعاً علماً نافعاً ورزقاً واسعاً وشفاءً من كل داء، نسأله عز وجل أن يرزقنا خشيته في الغيب والشهادة، نسأله سبحانه وتعالى أن يرزقنا لذة النظر إلى وجهه والشوق إلى لقائه. اللهم اغفر لآبائنا وارحم أمهاتنا وأصلح نياتنا وذرياتنا، اشف مرضانا ومرضى المسلمين وارحم موتانا وموتى المسلمين. اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين، من أرادنا وأراد الإسلام بسوء فاشغله في نفسه واجعل كيده في نحره، وصلي اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.