تسجيل الدخول

المحاضرة 17 - حديث: (كل سلامى من الناس...)

موفق كدسة الغامديد. موفق كدسة الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته. حياكم الله وبياكم، وجعل الجنة مثوانا ومثواكم. لقاء يتجدد في قناة زاد وأكاديمية زاد، وهذا البرنامج المبارك، وهذه القناة المباركة، ومع هدي النبي صلى الله عليه وسلم، ومع حديث الرسول صلى الله عليه وسلم. اليوم بإذن الله تعالى سنقف مع الحديث السادس عشر، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل سلامى من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس: تعدل بين الاثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة». متفق عليه، ولمسلم: «ويجزئ عن ذلك ركعتان يركعهما من الضحى».

أيها الأحبة الأفاضل، قبل أن نمضي في حديثنا نقف مع بعض معاني الكلمات. قوله: سلامى، السلامى المفاصل، وهي ستون وثلاثمائة كما عند مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «خلق الإنسان على ستين وثلاثمائة مفصل، على كل مفصل صدقة». وقوله: عليه صدقة، أي صدقة ندب وترغيب، لا إيجاب وإلزام. وقوله: تعدل بين الاثنين، أي تصلح بينهما بالعدل. وقوله: والكلمة الطيبة صدقة، سواء طيبة في حق الله كالتسبيح والتكبير والتهليل، أو في حق الناس كحسن الخلق. وبكل خطوة تخطوها إلى الصلاة صدقة، سواء بعدت المسافة أم قصرت. وإذا كان قد تطهر في بيته وخرج إلى الصلاة لا يخرجه إلا الصلاة، لم يخطُ خطوة إلا رفع الله بها درجة، وحط عنه بها خطيئة، فيكتسب شيئين: رفع الدرجة وحط الخطيئة.

قال: وتميط الأذى، أي تزيل ما يتأذى به الناس من حجر أو قمامة وغير ذلك. قال: ويجزئ عن ذلك ركعتان يركعهما من الضحى، وذلك أن صلاة هاتين الركعتين يحصل بهما تحرك المفاصل في هذه العبادة وهي الصلاة، فتكون مجزئة عن الصدقة في ذلك اليوم. أحبتي في الله، حديث عظيم من رسول كريم صلى الله عليه وسلم، من أول الدروس والعبر التي نأخذها من هذا الحديث: الإعجاز العلمي في القرآن والسنة. الآن هناك مؤتمرات ولقاءات وكتب وموسوعات تتكلم في الإعجاز العلمي، سواء كان في القرآن الكريم أو في السنة النبوية المطهرة.

وإن كان هناك بعض العلماء يقف موقفاً من هذا الأمر حتى لا يصبح القرآن والسنة ملعوبة عند البعض؛ وقد يثبت الآن شيء ويخالف بعد فترة، لكن نقول: الحقائق اليقينية العلمية التي قامت على الدليل وعلى التجربة، حينما نأتي إلى كثير مما في القرآن والسنة نجد أنهما متطابقتان تماماً. فنجد أن هناك كثيراً من الأمور الإعجازية العلمية التي أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم. مثال ذلك أيها الأحبة حديث الذبابة، وفي البخاري: «إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء أو شفاء». وجاء العلم وأثبت أن في أحد جناحي الذبابة داء وفي الأخرى دواء، من أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الحقيقة العلمية قبل أكثر من ألف وأربعمائة سنة؟ إنه الله.

ولذلك مثل هذه الحقائق العلمية التي يأتي بها العلماء ويكتشفها الغرب، الغرب الكافر الذي لا يعرف شأن الإسلام، فتأتي متوافقة مع حديث النبي صلى الله عليه وسلم، هذا مما يزيد الإنسان إيماناً واطمئناناً ويقيناً. أيضاً قضية لما جاء أحد الصحابة إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشتكي أن أخاه يؤلمه بطنه، قال: «اسقه عسلاً»، ثم جاء قال: ما زاد إلا استطلاقاً، قال: «اسقه عسلاً»، وفي الثالثة قال: «اسقه عسلاً، صدق الله وكذب بطن أخيك»، فلما سقاه في الثالثة برأ الرجل بإذن الله سبحانه وتعالى. ولذلك الله يقول عن العسل: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ﴾ [النحل: 69].

كثير من الحقائق؛ لما إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم يغسله سبعاً إحداهن بالتراب. فجاء العلم الآن وأثبت أن في لعاب الكلب والعياذ بالله، أكرمكم الله والملائكة، شيئاً من البكتيريا لا يزول إلا بالتراب مع الماء؛ بالماء مجرد لا يذهب، لا بد من غسله بالتراب، ولو وضعنا كثيراً من المحاليل الطبية أو التنظيف وكذا، لا يفيد أبداً إلا أن يغسل بالتراب. من أعلم النبي صلى الله عليه وسلم بمثل هذه الحقائق العلمية؟ من أعلم النبي صلى الله عليه وسلم أن مفاصل الإنسان ثلاثمئة وستون مفصلاً في زمن ما في مستشفيات ولا في مراكز أبحاث ولا فيه معامل ولا فيه مختبرات؟ ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ [النجم: 3-4].

كثير أيها الأحبة، العلاج بالكي، علاج انتشار الأوبئة؛ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا سمعتم ببلد فيه وباء فلا تدخلوها، وإذا ظهر وأنتم فيه فلا تخرجوا منها». كيف يهتم الإسلام بالصحة العامة حتى لا تنتشر الأوبئة؟ يأتي رجل فيسأل النبي صلى الله عليه وسلم: كيف يكون الرجل أشبه إلى أبيه أو إلى أمه؟ فيقول صلى الله عليه وسلم: «إذا سبق ماء الرجل ماء المرأة كان أشبه بوالده، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل كان أشبه بأمه». من أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك؟ الشاهد أيها الأحبة أن هناك كتباً كثيرة وموسوعات كثيرة تتكلم على الإعجاز العلمي الثابت، وكما يقولون: والحق ما شهدت به الأعداء. هذه الحقائق العلمية في الكتاب والسنة، كما قلت، تزيد المسلم ثقة ويقيناً.

وبالمناسبة، كثير من الملاحدة أو أصحاب اللوثات الفكرية أو الذي عنده تخبط فكري، يكون علاجاً له مثل هذه الحقائق العلمية. من أخبر النبي صلى الله عليه وسلم الرجل الأمي الذي كان لا يقرأ ولا يكتب بهذه الحقائق التي يأتي العلم بعد أربعة عشر قرناً فيثبت كلام النبي صلى الله عليه وسلم؟ ولذلك الذي عنده لوثة عقلية أو فكرية يبحث في مثل هذه الأمور، الإعجاز العلمي في القرآن، الإعجاز العلمي في السنة، يزال كثير مما عنده من تخبط أو من لوثات فكرية. فاصل أيها الأحبة، ثم نعود إليكم مرة أخرى.

منذ أن فارقت النبي صلى الله عليه وسلم، وهو لا يزال يذكرها بأرق الكلمات وأطيب العبارات، وفاءً لها واعترافاً بجميلها، حتى قال لإحدى زوجاته حين غارت منها: «إني قد رُزقت حبها». إنها أم المؤمنين خديجة بنت خويلد بن أسد القرشية رضي الله عنها. الزوجة الوفية والمؤمنة الصابرة التقية، أولى زوجات النبي صلى الله عليه وسلم وأم جميع أولاده سوى إبراهيم. ولدت بمكة سنة ثمان وستين قبل الهجرة، وكانت من أعرق بيوتات قريش نسباً وحسباً وشرفاً، ولذا نشأت على الأخلاق الكريمة والصفات الحميدة، فكانت عفيفة رصينة ذات عقل وحزم. وحين سمعت بخبر الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم رغبت في أن تجعله يعمل في تجارتها فعمل فيها، فربحت أضعاف ما كانت تربح مع غيره، فوسطت من عرض عليه الزواج منها، فوافق عليه الصلاة والسلام وتزوجها.

كانت رضي الله عنها تعد للنبي صلى الله عليه وسلم الزاد الذي يكفي حينما كان يتعبد في غار حراء، وقد هرع إليها بعدما فاجأه الوحي وهو في الغار فطمأنته بقولها: كلا والله ما يخزيك الله أبداً، فكانت أول من أسلم من الناس قاطبة، وواسته بنفسها ومالها. ظلت مع النبي صلى الله عليه وسلم وفية صابرة على أذى قريش حتى وقع حصار قريش على بني هاشم وبني المطلب في شعب أبي طالب، التحقت بزوجها في الشعب وعانت معه في سبيل الله ما عاناه بنو هاشم من جوع ومرض مدة ثلاث سنوات. وتوفيت رضي الله عنها قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم بثلاث سنوات، فذهبت وبقي أثرها. من فضائلها ما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة قال: أتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، هذه خديجة قد أتتك، معها إناء فيه طعام أو إناء فيه شراب، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها عز وجل ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. عودة مرة أخرى أحبتي في الله، تكلمنا عن أهمية الإعجاز العلمي في القرآن وفي السنة، وقلت إن الإعجاز العلمي مما يعطي الإنسان زيادة في الإيمان، وتثبيتاً في اليقين، وصدقاً وطمأنينة في القلب. وقلت أكثر من يحتاج هذا أصحاب اللوثات الفكرية الذين عندهم بعض الوساوس وبعض الأفكار وبعض الترهات، فمثل هذه الحقائق حينما تلقى عليهم تزيدهم ثباتاً وهداية بإذن الله سبحانه وتعالى.

أعود إلى صلب الحديث، النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «كل سلامى من الناس عليه صدقة». كل عضو فيك، كل مفصل فيك يحتاج إلى صدقة، يحتاج إلى أن نشكر الله سبحانه وتعالى، وبالشكر تدوم النعم. هذه الأعضاء التي تتحرك التي أعطانا الله إياها ونستعملها كيفما نريد، بأي وضع وبأي أمر تريد أن تفعله؛ تمد يدك، تقبض يدك، ترفع يدك، تخفض يدك، تمشي، تجلس، تنام، تستلقي، تذهب، تأتي، تجد أن هذه المفاصل تساعدك في حياتك الطبيعية. ولذلك كما قلت: بالشكر تدوم النعم، لا بد أن نشكر الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: 7]. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: 243].

ولذلك القرآن مليء بالآيات والنصوص التي تحث الناس على الشكر، أن نشكر الله على نعمه: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: 34]. ولذلك يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: 13]. ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا ۚ وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: 13]. ولذلك من شكر الله عز وجل على هذه المفاصل التي في جسد الإنسان، ثلاثمئة وستون مفصلاً، نحتاج أن نشكر الله بهذه الصدقة. ولذلك النبي حثنا: «كل سلامى من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع عليه الشمس: تعدل بين الاثنين صدقة، تعين الرجل في دابته فتحمله عليها صدقة، أو ترفع له عليها متاعه صدقة، الكلمة الطيبة صدقة، كل خطوة تمشي بها إلى المسجد صدقة».

إذاً المسلم أيها الأحبة يكون دائماً إيجابياً، دائماً يعمل الخير، دائماً يتقرب إلى الله سبحانه وتعالى. والله سبحانه وتعالى كذلك أعاننا، هذه الإعانة أنه جعل لنا مثل هذه الأعمال التي ربما بعضنا يعملها بدون أن ينتبه لا تحرم أجرها، هذه الأعمال التي تكون في نظر كثير منا أعمال بسيطة يسيرة، لكن عند الله عظيمة. ولذلك أحبتي في الله الصدقة مهمة، وتكلمنا عنها مراراً وتكراراً، وسنتكلم عنها الآن وسنتكلم عليها لاحقاً؛ لأن الصدقة من أعظم أبواب الجنة، كما قال يحيى بن معاذ الرازي رحمه الله: الصلاة تحملك إلى نصف الطريق، والصوم يوقفك على باب الملك، والصدقة تدخلك عليه. ولذلك جاءت نصوص كثيرة، وهذا من النصوص التي حثنا النبي صلى الله عليه وسلم فيها على الصدقة وأن تستشعر الصدقة وهذه الأعمال.

قال الله سبحانه وتعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: 103]. إذاً الإنسان أيها الأحبة ما دام عنده قدرة على البذل والعطاء والإنفاق واستشعار هذه الأعمال، يبذل. هذه النعم التي فيك، هذه المفاصل التي فيك، هذه العافية تحتاج أن نحيطها بالشكر، فيبارك الله سبحانه وتعالى لنا فيها. هذه الأعمال أيها الأحبة، وإن كانت عند بعض الناس أعمال يسيرة لكنها عند الله عظيمة. ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم كما قلت حث الأمة على الصدقة، إن استطعت بمالك فهذا أفضل، إن لم تستطع فاستشعر هذه الأعمال: تعين إنساناً، تمشي إلى صلاة، ترفع لإنسان حاجته، تقضي لإنسان حاجته وهكذا. كل الأعمال التي يمكن أن تقدمها لا تبخل بها على نفسك، ترى أنت ما تدري ما هي الحسنة التي تدخلك الجنة.

تزيل أذى من الطريق، النبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا أن رجلاً رأى غصن شوك في طريق المسلمين فأزاحه حتى لا يؤذي المسلمين، قال صلى الله عليه وسلم: «فشكر الله له وغفر له وأدخله الجنة». العمل اليسير، حتى إنه يقول: «والذي نفسي بيده إني لأراه ينغمس الآن في أنهار الجنة». إذاً المسلم دائماً مفتاح للخير، مغلاق للشر، أي عمل تستطيع أن تتقرب به إلى الله فافعله. لا يأتيك الشيطان فيخذلك، لا يأتيك الشيطان فيمنعك. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «أربعون خصلة، أعلاها منيحة العنز، ما من مسلم يعمل بخصلة منها رجاء ثوابها وتصديق موعودها إلا أدخله الله الجنة». منيحة العنز أن إنساناً يعطي إنساناً عنزاً يستفيد من حليبها وما فيها، هذه أعلى شيء، وما دون ذلك بقية الأربعين.

إذاً أنت يا عبد الله، أنت يا أمة الله، متى ما وجدت أي عمل تتقرب فيه إلى الله بادر به، بادر به. يعني حقيقة بعض الناس عنده فن في اصطناع المعروف، فن في بذل المعروف للناس. ولذلك أيها الأحبة ينبغي أن نكون كذلك، نحن عندنا فن اغتنام الفرص في قضاء حوائج الناس، في مساعدة الناس، ونتذكر حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس».

النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يا رسول الله، من أحب الناس إلى الله؟ وما أحب الأعمال إلى الله؟» وقال صلى الله عليه وسلم: «أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس».

أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس؛ يعني ما دمت تنفع الناس، الصغير والكبير، والقليل والكثير، والظاهر والباطن، وإن احتاجوا لك وإن لم يحتاجوا لك، دائماً أنت تعرض خدماتك للناس، فأنت من أحب الناس إلى الله. الخلق عيال الله؛ أي يعولهم، ولذلك من أحب الناس إلى الله من يقوم على خدمة عيال الله الذين يعولهم الله، فيكون سبباً ومفتاحاً للخير مغلاقاً للشر. فأحب الناس إلى الله أنفعهم للناس، فالإنسان أيها الأحبة دائماً يكون -كما يقولون الآن- إيجابياً؛ بمعنى دائماً يحسن، لا يسيء، دائماً مفتاح للخير مغلاق للشر.

ثم قال صلى الله عليه وسلم: «وأحب الأعمال إلى الله». يا سلام، أحب الأعمال ما هي؟ الجهاد في سبيل الله، قيام الليل، بر الوالدين، صوم رمضان، الجلوس في المساجد، الصلاة في وقتها، كلها مطلوبة وعظيمة جداً، لكن النبي صلى الله عليه وسلم ينبه الأمة إلى بعض الأعمال التي يغفلون عنها، فقال: «سرور تدخله على مسلم». يا الله! سرور لو كان بكلمة، بابتسامة منك أدخلت على إنسان سروراً؛ هذا من أحب الأعمال إلى الله. «أو تكشف عنه كربة، أو تسد عنه جوعاً، أو تقضي عنه ديناً». يا الله! كم من الأعمال بإمكاننا أن نقوم بها أيها الأحبة؟ وبعض الناس في غفلة.

ولذلك هنا هذا الحديث يبين، أنت وأنا وكل واحد فينا عليه كل يوم حوالي ثلاثمئة وستين صدقة، لكل عضو يحتاج صدقة، أن تحفظ هذه الأعضاء صدقة. كم عندنا من الأعمال؟ كثيرة جداً، وكما سمعنا في الحديث، فالنبي صلى الله عليه وسلم رغب في خدمة الناس؛ العلاقات الاجتماعية مهمة، العبادة يا أحبابي والدين ليس علاقة محضة بينك وبين الله في المسجد خاصة، لا، الدين شامل؛ بينك وبين الله في ذات نفسك، وبينك وبين الله أيضاً في النفع المتعدد للآخرين؛ تكون دائماً مفتاحاً للخير مغلاقاً للشر.

يقول صلى الله عليه وسلم: «ولأن أمشي في حاجة أخي المسلم أحب إلي من أن أعتكف في هذا المسجد -المسجد النبوي- شهراً». المعتكف شهراً ماذا يصنع أيها الأحبة؟ كلها عبادات، ومع ذلك لأن أمشي في حاجة أخي المسلم أحب إلي ممن اعتكف في هذا المسجد شهراً. إذاً يا أيها الأحبة، علينا فعلاً باصطناع المعروف بالصدقات، وكما جاء في الحديث أنت مطالب بأقل شيء ثلاثمئة وستين صدقة في اليوم، الآن تحتال كيف تحتال؟ إما بالمشي إلى المساجد، إما بالأموال، إما بمساعدة الناس، وإما بالحل الأخير الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم: قضية ركعتي الضحى، نتكلم عنها إن شاء الله بعد الفاصل. وصلى الله على محمد، والحمد لله رب العالمين.

من أعظم الأخطار التي تهدد المجتمع وتجعل بناءه هشاً ضعيفاً جهل المرأة بما تحتاج إليه من أمور دينها ودنياها وشؤون حياتها، فهي الساعد الآخر لبناء المجتمع. فالمرأة الجاهلة لا يمكنها القيام بتربية صحيحة أو إعانة أبنائها على التعلم والرقي، بل ربما أنشأتهم على أفكار خاطئة أو معتقدات فاسدة. وبالجهل تتبرج المرأة فتفتن نفسها وغيرها، وبالجهل تضيع المرأة حق زوجها وتنفره من البيت فيتفرق شمل الأسرة، وبالجهل وقعت كثير من النساء في الخرافات والسحر والشعوذة.

فالواجب على المرأة أن تحرص على طلب العلم، وألا يمنعها الحياء من ذلك، فإنه لا حياء في طلب العلم، كما قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: نعم النساء نساء الأنصار؛ لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المرسلين وقائد الغر المحجلين، سيد الأولين والآخرين، عليه أفضل صلاة وأتم التسليم. وبعد، فما زلنا مع هذا الحديث العظيم العجيب، أحبتي في الله، لا تقل ما عندي عمل أستطيع أن أقدمه، ما عندي قربة أستطيع أن أفعلها، لا، أنت عندك الشيء الكثير، وإذا لم تجد فاعلم أنك جاهل، تحتاج أن تعلم نفسك، أن تتعلم، ولمثل هذه الأعمال من يعجز عنها أيها الأحبة؟ ما أحد يعجز عنها إلا الغافل، وبالتالي الإنسان يحرص، هذه نماذج ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم.

طيب، أنا لا أقدر أذهب وما أقدر أخرج وأنا في البيت جالس؟ قال: «والكلمة الطيبة صدقة». الكلمة الطيبة سواء مع الله عز وجل بسائر أنواع الأذكار التي مرت معنا سابقاً: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، والصلاة على رسول الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، حسبي الله ونعم الوكيل، سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم، سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته. عندك ذكر عظيم وكثير جداً، القرآن، قراءة القرآن، الفاتحة، الإخلاص، قصار السور. الشاهد أن الإنسان دائماً يغتنم أوقاته، ما يمر علي وقت وهو غافل، ما يمر علي وقت وهو ناسي، لا يا أخي بادر بادر قبل أن تُبادر.

الكلمة الطيبة صدقة، النصيحة بين الناس، الإصلاح بين الناس، هذا مطلب أيضاً، الإنسان يحرص، هناك خصومة بين اثنين، رجل وامرأته، جار وجاره، بين اثنين من الناس عامة الناس، يحاول، الكلمة الطيبة صدقة. الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: 83]. قل لعبادي يقولوا التي هي أحسن، إن الشيطان ينزغ بينهم، ولذلك الكلمة الطيبة مطلب يا أحبابي، الكلمة الطيبة مطلب، تؤلف القلوب وتؤنس الوحشة.

وهكذا، كل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة يا أحبابي. المساجد لماذا وضعت؟ لماذا وضعت للصلاة؟ المساجد مدارس، المساجد بيوت الله سبحانه وتعالى، ما وضعت فقط للجمال ولا الفن المعماري، لا يا عبد الله، يقول صلى الله عليه وسلم: «من سمع النداء فلم يأته فلا صلاة له إلا من عذر». كيف تسمع حي على الصلاة، حي على الفلاح ولا تجيب؟ ولذلك ترغيباً ترغيباً من النبي صلى الله عليه وسلم، يعني حتى ذهابك، كل خطوة يرفعك الله بها درجة، ويحط الله بها عنك خطيئة، ويكتب الله لك بها حسنة.

يقول صلى الله عليه وسلم: «أعظم الناس أجراً في الصلاة أبعدهم إليها ممشى». وبنو سلمة لما أرادوا أن ينتقلوا بجانب المسجد قال صلى الله عليه وسلم: «مكانكم تكتب آثاركم». إذاً المشي إلى المسجد أجره عظيم جداً، كذلك من خرج من بيته متطهراً، يقول صلى الله عليه وسلم: «من خرج من بيته متطهراً لا يخرجه إلا الصلاة، غفر له ما تقدم من ذنبه»، فلا تغتروا. وفي حديث آخر يقول صلى الله عليه وسلم: «من خرج من بيته متطهراً إلى صلاة مفروضة فأجره كأجر حجة». حديث صحيح، إذاً حتى هذا المشي إلى بيوت الله لك فيه أجر عظيم.

«تميط الأذى عن الطريق صدقة»، تكلمنا عنه، لأن بعض السلف يا أحبابي إذا رأى أذى في الطريق أخذه وقال لا إله إلا الله، قالوا لي ما تفعل ذلك؟ قال: أحببت أن أجمع بين أعلى شعب الإيمان وأدنى شعب الإيمان. الإيمان بضع وستون شعبة، وفي رواية بضع وسبعون شعبة، أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، ثم قال: «والحياء شعبة من الإيمان». إذاً الإنسان يستشعر دائماً مثل هذه الأمور العظيمة التي هي في أيدينا، ما يمكن الإنسان أن يعتذر منها.

هنا يقول صلى الله عليه وسلم: «ويجزي عن ذلك ركعتان يركعهما من الضحى». أحبتي في الله، قبل أن نتكلم عن صلاة الضحى، حقيقة المسلم دائماً يتحلى بمكارم الأخلاق، وكما رأينا في الحديث كله أعمال تبين لك حسن خلق أصحابها، ولذلك الإسلام مهتم بالأخلاق، «ما من شيء أثقل في ميزان العبد المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق، وإن الله يبغض الفاحش البذيء». فهذه الأعمال كلها تحفيز للأمة على التعامل الحسن، الأخلاق الحسنة التي ينبغي أن تنتشر بين المسلمين وفي المجتمع الإسلامي.

المشي إلى الصلاة مهم جداً، إماطة الأذى عن الطريق، وبالمناسبة قال بعض أهل العلم: الطريق الحسي والمعنوي؛ بمعنى الطريق المادي الحسي تمشي فيه، والطريق المعنوي طريق الإسلام، فإذا رأيت بدعة أو شبهة أو محرماً كذلك لابد أن تميط، لابد أن تنكره، لابد أن تبين للناس.

صلاة الضحى، الصلاة مفتاح خير يا أحبابي، الصلاة مفتاح خير، ولذلك الإنسان يحرص على الصلاة، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة»، «حبب إلي من دنياكم النساء والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة». لكن هنا كلامي عن صلاة الضحى، هذه الصلاة العظيمة جاء عنه صلى الله عليه وسلم حديث صحيح في صحيح الترغيب والترهيب للشيخ الألباني رحمة الله عليه، ما هو الحديث؟ «من صلى الضحى اثنتي عشرة ركعة، بنى الله له قصراً في الجنة من ذهب». اثنتا عشرة ركعة، كم تأخذ منك يا عبد الله؟ اثنتا عشرة دقيقة، ربع ساعة، لا بأس في ذلك، لكن ما النتيجة؟ قصر في الجنة من ذهب بكل ما فيه.

إذاً ركعتي الضحى، قال بعض أهل العلم أقلها ركعتان وأكثرها ثماني ركعات، لكن هذا الحديث الذي في صحيح الترغيب والترهيب يبين لنا أن من صلى الضحى اثنتي عشرة ركعة بنى الله له قصراً في الجنة من ذهب، إذاً هذه فرصة الإنسان ما يفوتها، ما يفوتها.

طيب أشير إلى قضية ثانية، ألا وهي الله سبحانه وتعالى ماذا يقول؟ يقول: «يا ابن آدم، لا تعجز عن أربع ركعات أول النهار أكفك آخره». حديث صحيح، وفي رواية: «يا ابن آدم، اركع لي أربع ركعات أول النهار أكفك آخره». ذهب ابن تيمية وابن القيم رحمهم الله إلى أنها سنة الفجر وصلاة الفجر، وذهب كثير من العلماء على أن المقصود بها سنة الضحى؛ أربع ركعات لا تعجز عن أربع ركعات أول النهار أكفك آخره. أكفك، والذي يقول هذا الكلام هو رب العالمين، أحبتي في الله.

فإذاً هذه الركعات الأربع حصن حصين وحرز مكين من رب العالمين لك ولي ولكل من يأتي بها، أربع ركعات ما تأخذ خمس ست دقائق يا أحبابي، فهي ضحى، وهي حرز، وهي كفاية، وهي فضل من الله سبحانه وتعالى، وهي نور لك، وتفتتح يومك بالصلاة. يا الله يا أحبابي، ما أعظم الصلاة؟ يكفيك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «والصلاة نور». إذاً لا تنسوا هذه الفضيلة: «يا ابن آدم، لا تعجز عن أربع ركعات أول النهار أكفك آخره». صاحب الهم والغم والدين والألم والكرب والحاجة والقلق وما يكدر عليك، يا أخي أربع ركعات في الصباح، الضحى أو بعد الإشراق، أكفك آخره.

إذاً نعم عظيمة عندنا يا أحبابي، الله الله في المحافظة، والله الله في المواظبة، والله الله أن نتمثل هذا الخير الذي جاءنا من الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم. نكتفي بهذا، وأسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته أن يرزقنا جميعاً العلم النافع والعمل الصالح، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا جميعاً مفاتيح للخير مغاليق للشر، وأن يجعلنا ميسرين ولا يجعلنا معسرين، وأن يجعلنا مبشرين ولا يجعلنا منفرين، وأن يغفر للمسلمين والمسلمات. وصل اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.