يا راغباً في كل علم نافع، متطلعاً لزيادة الإيمان، وتريده سهل النوال ميسراً، يأتيك ميسوراً بأي مكان. زاد أكاديمية ينبوعها صافٍ ليروي غلة الظمآن، والسنة الغراء شارحة له فهماً لنا من ربنا. وأحياناً بشرنا زاد أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، أسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته أن يرزقنا جميعاً علماً نافعاً ورزقاً واسعاً وشفاءً من كل داء. نحن معكم في هذه المادة الجميلة، مادة الحديث الشريف، الحديث الحادي عشر، حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قد أفلح من أسلم، ورزق كفافاً، وقنعه الله بما آتاه» رواه مسلم.
أما الصحابي فهو عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو غير عبد الله بن عمر بن الخطاب؛ بعض الناس لا يفرق، هذا رجل وهذا رجل، هذا صحابي وهذا صحابي. هو عبد الله بن عمرو بن العاص، أسلم قبل أبيه، كان مجتهداً في العبادة، غزير العلم، وكان من أكثر الصحابة حديثاً. استأذن النبي صلى الله عليه وسلم في كتابة ما كان يسمعه منه فأذن له، فكتب، وكان يسمي صحيفته تلك الصادقة، رضي الله عنه وأرضاه.
أيها الأحبة، وقفة مع معاني المفردات. قوله: «أفلح» من الفلاح، وهو الفوز والظفر بما يريد العبد في الدارين، والحديث قد جمع بينهما. وفي الكتاب العزيز: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: 1]، وقال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ﴾ [الأعلى: 14]، وفي أمر الدنيا: ﴿وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَىٰ﴾ [طه: 64]. قوله: «كفافاً» الكفاف هو الذي لا يفضل عن الشيء ويكون بقدر الحاجة إليه، فلا هو فقر ولا هو غنى. قال النووي رحمه الله: الكفاف الكفاية بلا زيادة ولا نقص. وقال القرطبي رحمه الله: هو ما تكف به الحاجات ويدفع الضرورات. وقوله: «وقنعه الله» أي جعله قانعاً بما أعطاه الله تعالى إياه، ولم يطلب الزيادة لمعرفته بأن رزقه مقسوم لن يعدو ما قدر له أبداً.
أيها الأحبة الأفاضل، وقفنا الآن وقفات سريعة مع معاني الكلمات، تعالوا بنا ننظر إلى هذا الحديث العظيم، وكما قلت لكم النبي صلى الله عليه وسلم أُعطي جوامع الكلم بأبي هو وأمي ونفسي صلى الله عليه وسلم. «قد أفلح»، هل أحد يكره الفلاح؟ لا والله يا أحبابي، الناس كلهم يسعون إلى الفلاح، وأعظم الفلاح ما كان في دين الله، ولذلك أيها الأحبة نحن في كل يوم خمس مرات نسمع المؤذن ماذا يقول: حي على الصلاة، حي على الفلاح، الله أكبر. فالصلاة مفتاح لكل فلاح في الدنيا والآخرة، يا أخي صلة بينك وبين الله، اتصال بين المخلوق والخالق، تتصل برب العالمين. حي على الصلاة، حي على الفلاح، تصلي فتفلح، لا تصلي لن تفلح، ليت شعري من هؤلاء الذين يتركون الصلاة ويهجرون المساجد ويقول لك أنا مسلم، أنا مؤمن، مسكين محروم. لذلك الذي يترك الصلاة للبحث عن السعادة سيجد السعادة في كل شيء وهمية مزيفة إلا في الصلاة؛ لأن الصلاة هي السعادة الحقيقية. مهما ورد الإنسان من سعادة فهي مزيفة، السعادة الحقيقية في دين الله، ويشهد النص بأيش؟ حي على الصلاة، حي على الفلاح.
إذاً الفلاح الذي نريده، وهنا النبي صلى الله عليه وسلم بين «قد أفلح من أسلم»، إذاً غير المسلم لا يمكن أن يفلح، والذي لا إله إلا هو أن غير المسلم لا يفلح لا في الدنيا ولا في الآخرة. الفلاح الحقيقي هو كما قال صلى الله عليه وسلم: من أسلم، ورزق كفافاً، وقنعه الله بما آتاه، تأتيك هذه الأمور الثلاثة. وبماذا بدأ النبي صلى الله عليه وسلم؟ بدأ بالإسلام، ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: 19]، ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: 85]. إذاً من أكبر النعم علينا أيها الأحبة أن نكون من المسلمين.
من نعم الله علينا أيها الأحبة أننا مسلمون نعبد الله سبحانه وتعالى، غيرنا يعبد البقر والشجر والحجر والقمر والكوكب والفأر وغير ذلك، وبعضهم ملحدة والعياذ بالله، لا يعرفون رباً ولا ديناً ولا إلهاً. أما نحن لا، نحن نعبد الله الذي لا إله إلا هو، ونحن من أهل السنة والجماعة، وهذه نعمة أخرى. من ينتصب للإسلام كثير، لكن من هو الذي على الصراط المستقيم؟ من هو الذي على الدين البين؟ من هو الذي على المحجة؟ إنه أهل السنة والجماعة، نحن ولا فخر نحن أهل السنة والجماعة، أصحاب المنهج السليم، المنهج الوسطي، المنهج الذي يقوم على كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، المنهج الذي كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم. أيضاً هناك من ينتهج هذا المنهج، منهج أهل السنة والجماعة وعلى منهج الصحابة، لكن قد يكون عنده غلو أو جفاء، لا، نحن الحمد لله -بإذن الله- نسأل الله الثبات على المنهج الذي كان عليه صحابة النبي صلى الله عليه وسلم بلا غلو ولا جفاء، ونحن على الوسط -بإذن الله- أمة وسطية.
إذاً حتى المنتسبون للإسلام يتفاوتون، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة». من هم يا رسول الله؟ قال: «من كان على ما كنت عليه أنا وأصحابي». إذاً الصحابة مقياس للحق، فالذي يتبع الصحابة هو الذي سينجو. طيب والذي يعادي الصحابة؟ الذي يعادي الصحابة منحرف، الذي يكره الصحابة والعياذ بالله، الذي يكره الصحابة ويلعن الصحابة ويتبرأ من الصحابة، إلى جهنم وبئس المصير بإذنه تعالى؛ لماذا؟ لأن الصحابة اختارهم الله عز وجل لرفقة نبيه صلى الله عليه وسلم. الصحابة قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه». الصحابة قال عنهم صلى الله عليه وسلم: «خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم»، رضي الله عنهم أجمعين، لهم القدر العالي، القدح المعلى، بعد الأنبياء والرسل يأتي صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ما زلنا نتكلم عن أهمية الإسلام ومكانة الإسلام، وأن الدين عند الله الإسلام، وأول فلاح للإنسان أن يكون مسلماً، أن يعود للفطرة الحقيقية التي كان عليها آدم عليه السلام. وبالمناسبة أيها الأحبة كل أنبياء الله عز وجل مسلمون، كل الأنبياء والرسل مسلمون كلهم نعم، كلهم من آدم عليه السلام إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم كلهم مسلمون. ما الدليل؟ ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: 67]. حنيفاً مسلماً، فالاستسلام هو الإسلام، هو الاستسلام لله، ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: 19]. من آدم جميع الأنبياء إلى النبي صلى الله عليه وسلم كلهم مسلمون، موسى مسلم وعيسى مسلم ونوح، كلهم مسلمون. الإسلام دين يا إخواني، الإسلام دين واحد، الشرائع قد تختلف لكن الدين واحد من آدم إلى النبي صلى الله عليه وسلم كلهم مسلمون.
ولذلك «قد أفلح من أسلم»، أسلم ظاهراً وأسلم باطناً، أسلم باطناً بالعقيدة السليمة والاعتقاد السليم وأركان الإيمان، وظاهراً بأركان الإسلام، فأصبح ظاهره وباطنه كلاهما معلقان بهذا الدين. إذاً «قد أفلح من أسلم» على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، الفلاح في الدنيا والفلاح في الآخرة، السعادة في الدنيا والسعادة في الآخرة، الفوز في الدنيا والفوز في الآخرة؛ لماذا؟ هكذا يقول صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى، قد أفلح من أسلم، إذاً الإسلام هذا ما في شك.
وبالمناسبة لن يدخل الجنة إلا مسلم. أنا سمعت قبل أيام واحداً يقول: اليهود والنصارى يعني صح كفار، لكن ما أقدر أقول إنه ما يدخلون الجنة، من قال ذلك؟ والذي لا إله إلا هو لن يدخل الجنة إلا مسلم. اليهود والنصارى والبوذيون وغيرهم والله لن يدخلوا الجنة أبداً إذا ماتوا على دينهم واعتقادهم، لذلك من نواقض الإسلام أن يعتقد الإنسان أن غير المسلم يدخل الجنة، من قال الكلام هذا؟ ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ ۖ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [المائدة: 72]. فبالتالي كما قال صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده، لا يسمع بي يهودي ولا نصراني ثم لا يتبعني إلا دخل النار» أو كما قال صلى الله عليه وسلم، فإذاً انتبهوا، هذه قضية خطيرة جداً، أهل الجنة هم أهل الإسلام، من مات يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ولم يأت بناقض من نواقض هذه الشهادة فهو في الجنة بإذن الله سبحانه وتعالى. أما يهودي، نصراني، لاديني، بوذي، غير ذلك، لا، لا، لا، معلش الجنة خاصة فقط لأهل لا إله إلا الله محمد رسول الله على الصراط المستقيم.
الجزء الثاني «ورزق كفافاً»، الله أكبر! شوف النبي صلى الله عليه وسلم كيف يربي الأمة، لا تركنوا إلى الدنيا. رزق كفافاً، أيها الأحبة يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما قل وكفى خير مما كثر وألهى». ولذلك قال ايش؟ «ورزق كفافاً»؛ لأن الإنسان لما يكون عنده كفاف، لا هو فقير فيحتاج الناس، ولا هو غني فربما يتبطر على الناس، إنما هو بين الخوف والرجاء، معلق بالله سبحانه وتعالى، يقول قوت لا تموت. لأن بعض الناس يا إخواني قد يأتيه الفقر فيقنط، وقد يصل به الغنى فيبطل، لا، ولذا «رزق كفافاً». رزق كفاف يعني أن الإنسان عنده ما يكفيه هو وأهله، لا زيادة ولا نقصان، وهنا تصبح القلوب معلقة بالله سبحانه وتعالى، لا تنسى الله سبحانه وتعالى ولا تبطر في نعمة الله سبحانه وتعالى. ولذلك ليس معنى هذا أيها الأحبة أن الإنسان يعيش فقيراً، لا، نعم المال الصالح للرجل الصالح، للعبد الصالح، لكن الإنسان لما يكون عنده رزقه كفافاً خلاص يصبح عنده ما يسده هو وأهله، فتصبح الحياة عندهم حياة طيبة، ليس فيها والعياذ بالله فقر وسؤال الناس وحاجة للناس، وليس فيها تكبر ولا بطر ولا نسيان الله سبحانه وتعالى. ولذلك كان من دعائه صلى الله عليه وسلم: «اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً»، وفي رواية: «كفافاً». كفافاً يعني يا إخواني قد المال الزائد يبطر الإنسان، ينسي الإنسان.
حديث قدسي جميل جداً، وإن كان فيه مقال، لكن رأيت ابن تيمية رحمه الله يستشهد به كثيراً، ورأيت كثيراً من علمائنا الأجلاء يستشهدون به، يقول الله سبحانه وتعالى: «إن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى ولو أفقرته لأفسد ذلك، وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر ولو أغنيته لأفسد ذلك، وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الصحة ولو أسقمته لأفسد ذلك، وإن من عبادي من لا يصلحه إلا السقم ولو أصححته لأفسد ذلك، إني أدبر عبادي كيف أشاء إني بهم خبير بصير، إني أدبر عبادي كيف أشاء إني بهم خبير بصير». ولذلك أيها الأحبة الذي يختاره الله لك.
ارضَ به، وارضَ بما قسم الله لك تكن أغنى الناس، واعلم أن رزقك أنت فيه مسيّر؛ كلنا يا أيها الأحبة في أرزاقنا مسيّرون. يقول صلى الله عليه وسلم: «إن روح القدس نفث في روعي أن نفساً لن تموت حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب». ولذلك أيضاً حديث ابن مسعود: «أن الروح لما تنفخ، ويرسل الله ملكاً، فيؤمر بكتب بأربع كلمات: بعمله، وأجله، ورزقه، وشقي أم سعيد». وبالتالي أيها الأحبة لا تذهب نفسنا حسرات، أنت ما تدري هل الدنيا إذا أقبلت هو خير لك ولا مو بخير لك؟ إذا أدبرت أنت لا تعلم؛ ولذلك ارضَ بما قسم الله لك تكن أغنى الناس. يقول صلى الله عليه وسلم: «إن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا من أحب». بالتالي أيها الأحبة القضية المهمة في حياتنا الدين؛ إذا جاء الدين جاء كل خير، وجاء كل فضل، وجاءت البركة، أما الدنيا بلا دين فما نريدها ولا نقبلها ولا نسألها أصلاً.
الدين مفتاح لكل خير، ولذلك أيها الأحبة الإنسان ينتبه، لا تبحث عن الدين يأتيك الخير كله. فإذا الاستكثار أو الإقلال اتركها لله سبحانه وتعالى الحكيم القدير سبحانه، أنت ما تدري الخيرة فين. وكم إنسان فُتحت عليه الدنيا لكنه ما استطاع أن يثبت، وكم من إنسان مُنعت عليه الدنيا فأصيب بالإحباط وباليأس. فالرزق هو من الله سبحانه وتعالى فهو الرزاق سبحانه، ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: 56-58]. فالرب والرزاق هو الله سبحانه وتعالى، ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: 22].
أين أنت من العلم وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «طلب العلم فريضة على كل مسلم»؟ فهناك مقدار من العلم يجب أن يتعلمه المتخصص وغير المتخصص، فعلى كل مسلم أن يتعلم ما تصح به عقيدته وعبادته. وعلى غير المتخصص أن يبدأ بالكتب الميسرة ثم يتدرج، ففي التوحيد مثلاً يبدأ بالأصول الثلاثة، والواسطية، ثم كتاب التوحيد، ثم الطحاوية، وهكذا سائر العلوم. وليسأل العلماء عما يشكل عليه ويقلدهم في الفتوى لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43]. وليتواصل مع طالب علم متخصص ليشرح له ما صعب عليه فهمه، إذ لا يتيسر له التواصل مع العلماء في كل حين، ويهتم بوسائل التقنية الحديثة لتعوّض انشغاله عن حضور مجالس العلم أو الالتحاق بالكليات الشرعية.
ويحتاج غير المتخصص إلى علو الهمة وقوة العزيمة، فمع ضيق الوقت لن يحصل العلم إلا بالمواصلة. وليستفد من تخصصه في إتقان العلم الشرعي، فالطبيب مثلاً تسهل عليه مسائل الحمل والجراحات، والمهندس تسهل عليه الفرائض لإتقانه الرياضيات، وليستغل ذكاءه في فهم دينه وخدمته، قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلْنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: 43].
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. أحبتي في الله، الفقر مو عيب، العيب في الدين إذا الدين قلّ أو زال هنا الكارثة؛ أما الفقر عمره ما كان عيب. النبي صلى الله عليه وسلم ماذا يقول؟ «اللهم أحيني مسكيناً، وأمتني مسكيناً، واحشرني في زمرة المساكين». رب أشعث أغبر ذو طمرين مدفوع بالباب لو أقسم على الله لأبرّه. يدخل فقراء أمتي قبل أغنيائهم بنصف يوم؛ كم نصف اليوم يا إخواني؟ 500 عام، 500 عام الفقراء يدخلون الجنة والأغنياء من أمة محمد يقفون للحساب. إذاً الفقر ما هو عيب، العيب أن الإنسان يضر بدينه، يقل في دينه، يبتعد عن ربه ومولاه. ولذلك في الحديث يقول صلى الله عليه وسلم: «ابغوني ضعفائكم، فإنما تنصرون وترزقون بضعفائكم»، بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم.
إذاً أيها الأحبة ارضَ بما قسم الله لك. كما قلت لك أنا لا أقول الإنسان يرضى بالخنوع للدنيا والفقر، لا، أنا أقول خذ الأسباب، ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك: 15]، لكن لا تذهب نفسك حسرات أبداً. ثم أيها الأحبة، الإسلام وضع لنا أسباب الرزق، ما هي أسباب الرزق؟ سأذكر لكم بعضها: أولاً من أسباب الرزق أيها الأحبة تقوى الله، ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: 2-3]. ثانياً الاستغفار؛ من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل بلاء عافية، ويرزقه من حيث لا يحتسب، ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح: 10-12].
ثالثاً الحج والعمرة، يقول صلى الله عليه وسلم: «تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب، كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة». والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة. كذلك رابعاً صلة الأرحام: «من أحب أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره، فليصل رحمه»؛ إن صلة الرحم محبة في الأهل، مثراة في المال، منسأة في الأثر. خامساً الصدقة؛ من أسباب الرزق الصدقة، يقول علي رضي الله عنه وأرضاه: "استنزلوا الرزق من السماء بالصدقة". والله سبحانه وتعالى يقول: "أنفق يا ابن آدم أنفق عليك"، ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 261].
كذلك من أسباب الرزق الزواج، ﴿إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [النور: 32]، فالزواج مصدر من مصادر الرزق. كذلك أيها الأحبة البكور؛ البكور الصبح يا أحبابي، الخروج في الصباح لطلب الرزق، يقول صلى الله عليه وسلم: «بورك لأمتي في بكورها». اللهم بارك لأمتي في بكورها؛ مع الأسف معظم المحلات ما تفتح إلا الساعة العاشرة، ذهبت البركة وذهب الخير. كذلك الدعاء، الإنسان إذا دعا الله سبحانه وتعالى فإن الله يرزقه ويعطيه، ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60]. هذه بعض الأسباب للرزق، الأسباب الشرعية. مع الأسف بعض الناس أخذوا المعادلات العالمية والأفكار الشرقية أو الغربية في التجارة، ونسوا ما في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
إذاً قال صلى الله عليه وسلم: «قد أفلح من أسلم، ورُزق كفافاً، وقنّعه الله بما آتاه». الإنسان صاحب الكفاف قريب من الله دائماً، يا رب يا رب، مع الله في الصلاة، وفي المسجد، وفي الخير، وفي البر، وفي العمرة، وفي الحج، ومع القرآن، ومع الذكر، ومع الصالحين؛ ليش؟ ما عنده شيء ما يشغله، أصحاب الدنيا ينشغلون، ينشغلون، لا حول ولا قوة إلا بالله. قال: "وقنعه الله بما آتاه"، هنا جينا إلى قضية مهمة جداً ألا وهي القناعة. القناعة كنز لا يفنى، القناعة يا أحبابي في الدنيا، أما القناعة في الدين لا، خذها مني كذا على البلاطة: تقنع في إيش؟ ما تقنع في الدين، ما تقنع في الصلاة، ما تقنع في الذكر، ما تقنع في قيام الليل، ما تقنع في أمور الدين، لا، اقنع في الدنيا. هي القناعة في الدنيا، لكن والله يا أخي أنا إنسان قنوع، ليش؟ قال: أنا بصلي الفرائض زي ما هي، لا في سنن ولا في رواتب، لا لا، هذا غلط، هذه ما هي قناعة، هذا تفريط. القناعة أيها الأحبة أن نقنع من الدنيا بما جاءنا ولا تذهب نفسنا عليها حسرات، كما قلت، يعني القناعة مو معناه ذلك الإنسان يعجز في الدنيا، لا لا، لكن لا تذهب نفسك حسرات خلف الدنيا وأهل الدنيا.
وإذا ما جاءك الشيء، والله ليش فلان وليش فلان؟ لا لا يا أخي هذه أقدار، وهذه أرزاق، والله سبحانه وتعالى يرزق من يشاء بغير حساب، والله سبحانه وتعالى له الحكمة، يمكن لو جاءك هذا الرزق قد تُصاب في دينك وأنت ما تدري. ولذلك القناعة يا أحبابي في الدنيا، اقنع بما عندك، لا تعرض نفسك للناس، لا تعرض وجهك للناس، احفظ ماء وجهك، وأما أمام رب العالمين فاطلب ما شئت، افعل ما شئت، يقول صلى الله عليه وسلم: «إذا تمنى أحدكم فليكثر، فإنما هو يسأل ربه». فأيها الأحبة سيتمنى مع رب العالمين، لكن في الدنيا فلا.
لذلك جاء النبي صلى الله عليه وسلم، جاءه جبريل فقال: «يا محمد، عش ما شئت فإنك ميت، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعلم أن شرف المؤمن قيام الليل، وأن عزّه استغناؤه عن الناس». أه، رأيتم أيها الأحبة؟ «يا محمد، عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارق، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، واعلم أن شرف المؤمن قيام الليل، وأن عزّه استغناؤه عن الناس». العز كل العز في الاستغناء عن الناس. ولذلك من الأمور التي بايع عليها النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه: «ألا تسألوا الناس شيئاً»، «ألا تسألوا الناس شيئاً». كان الرجل من الصحابة على البعير فيسقط سوطه، فينزل من البعير ويأخذ السوط ثم يركب البعير مرة ثانية، ولا يسأل الناس شيئاً. هذه من الأمور المهمة التي النبي صلى الله عليه وسلم أسسها في الصحابة، لا تسألوا الناس شيئاً، اسألوا الله سبحانه وتعالى.
ولذلك أيها الأحبة الإنسان يكون قنوعاً بما رزقه الله سبحانه وتعالى، لا تذهب نفسه حسرات على أمور الدنيا، «إن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا من أحب». ولذلك من أحبه الله أعطاه الله الدين. لما جاء رجل للنبي صلى الله عليه وسلم قال: يا رسول الله، دلني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس، سؤال جميل ورغبة في الخير، فقال صلى الله عليه وسلم: «ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس». ترى النظر في أموال الناس وفيما أيدي الناس يجعل الناس يهجرونك. التقى حاتم الأصم رحمه الله بالإمام أحمد، فقال الإمام أحمد رحمه الله لحاتم الأصم: كيف النجاة من الناس يا حاتم؟ قال: أن تعطيهم من مالك ولا تسألهم أموالهم، وأن تقضي حاجتهم ولا تسألهم قضاء حاجتك، والأمر الآخر أن تصبر على أذاهم ولا تؤذيهم، ثم ليتك تصبر، ثم ليتك تنجو، ثم ليتك تنجو، ثم ليتك تنجو. يعني الأذية من الناس حاصلة حاصلة حتى لو أنت أعطيتهم من مالك وتحملت مشاكلهم وقضيت حوائجهم، وليتك تنجو، ثم ليتك تنجو، ثم ليتك تنجو.
ولذلك أيها الأحبة القناعة، القناعة كنز لا يفنى. أعجبتني كلمات للشيخ الشافعي رحمه الله يقول: رأيت القناعة رأس الغنى فصرت بأذيالها ممتس فلا ذا يراني على بابه ولا ذا يراني به منهمك فصرت غنياً بلا درهم أمر على الناس شبه الملك لا أنا أحتاجكم ولا أنتم تحتاجوني.
ابن تيمية رحمه الله يقول كلمة جميلة، قال: "من احتاج إليك فأنت أميره، ومن احتجت إليه فأنت أسيره، ومن استغنى عنك واستغنيت عنه فأنت نظيره". ضع نفسك في المكان الذي تريده. أبو العتاهية رحمه الله له كلمة جميلة يقول: رغيف خبز يابس تأكله في عافية وكوز ماء بارد تشربه من صافية وغرفة ضيقة نفسك فيها راضية ومصحف تدرسه مستنداً لسارية خير من السكنى بأبراج القصور العالية وبعد قصر شاهق تُصلى بنار حامية.
الله أكبر، أبداً قضية الكفاف مهمة جداً، عدم الاستكثار، لكن ليت النفس تقنع، ليت النفس تقنع من هذا الجشع، مع الأسف خُلق الإنسان من طمع، ولذلك النفس إذا تركتها على هواها ستتعب يا عبد الله. ولذلك الإنسان أيها الأحبة يحرص على القناعة قدر ما يستطيع، لا تذهب نفسه حسرات، الدنيا جاءت أقبلت، اللهم اجعل الدنيا في أيدينا ولا تجعلها في قلوبنا. عمر رضي الله عنه وأرضاه بطنه يقرقر من شدة الجوع وخزائن الأرض تحت يده، يقرقر أو لا يقرقر، والله لا أشبع حتى يشبع أبناء المسلمين، حتى يشبع أبناء المسلمين.
لذلك أيها الأحبة وصية عظيمة: «قد أفلح من أسلم، ورُزق كفافاً، كفاه الله بما أعطاه، وقنّعه الله بما آتاه». بعض الناس يا إخواني عندهم ملايين ولم يقتنع، وكما قال صلى الله عليه وسلم: «لو كان لابن آدم واديان من ذهب لتمنى الثالث، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب». أسأل الله سبحانه وتعالى أن يكفينا وإياكم بحلاله عن حرامه، وأن يغنينا وإياكم بفضله عمن سواه، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.
د. موفق كدسة الغامدي