تسجيل الدخول

المحاضرة 10 - حديث: (حفت الجنة بالمكاره...)

موفق كدسة الغامديد. موفق كدسة الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

يا راغبا في كل علم نافع، متطلعا لزيادة الإيمان، وتريده سهلا نوال ميسرا يأتيك ميسورا بأي مكان؛ زاد أكاديمية ينبوعها صاف ليروي غلة الظمآن، والسنة الغراء شارحة له، فهما لنا من ربنا، ووحينا بشرنا، زاد أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، أما بعد؛ سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، حياكم الله وبياكم وجعل الجنة مثوانا ومثواكم.

لقاء يتجدد مع مادة الحديث الشريف، واليوم أيها الأحبة مع الحديث العاشر من أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم، يرويه لنا الصحابي الجليل خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنس بن مالك، يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات». أربع كلمات، متفق عليه. أربع كلمات: الجنة حفت بالمكاره، والنار حفت بالشهوات. افهم الرسالة يا عبد الله، افهم الرسالة. تريد الجنة؟ اصبر في أمور قد النفس تكرهها. تريد النار -كذلك والعياذ بالله- اترك لنفسك هواها؛ انتبه، تترك نفسك هواها تكون القضية إلى النار، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

قبل أن نبحر في هذا الحديث، نقرأ ما ذكر هنا من معاني الكلمات والمفردات: قال في قوله «حفت الجنة»: من الحفاف، وهو ما يحيط بالشيء حتى لا يتوصل إليه إلا بتخطيه، (حفتهم الملائكة) أي أحاطت بهم. «بالمكاره»: جمع مكرهة، وهي ما يكرهه المرء ويشق عليه من القيام بحقوق العباد على وجهها، كإسباغ الوضوء في الشتاء، وتجرع الصبر على المصائب ونحوه. و«حفت النار بالشهوات»: أي الملذات التي منع الشرع من تعاطيها، أو التي قد تؤدي إلى ترك الواجبات أو الوقوع في المحرمات.

هذا الحديث من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم كما قال ابن حجر، وبديع بلاغته في ذم الشهوات وإن مالت إليها النفوس، والحث على الطاعات وإن كرهتها وشقت عليها. أحبتي في الله، كما قلنا، هذا الحديث من جوامع الكلم، وصدقوني هذا الحديث يمكن أن يؤلف فيه مجلدات، ولا أبالغ في هذا، لا أبالغ في هذا؛ هذا الحديث على أربع كلمات، لكن يمكن أن الدين كله يدخل تحت هذا الحديث فقط: حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات.

صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: لما خلق الله الجنة -اللهم اجعلنا من أهلها- قال الله لجبريل: يا جبريل، اذهب فانظر إليها. ذهب جبريل نظر إليها ثم عاد، قال: يا ربي وعزتك وجلالك لا يسمع بها أحد إلا دخلها. فأمر الله سبحانه وتعالى بالجنة فحفت بالمكاره، قال: يا جبريل، اذهب فانظر إليها. ذهب جبريل ثم عاد، قال: يا ربي وعزتك وجلالك، لقد خشيت ألا يدخلها أحد.

فخلق الله النار، قال: يا جبريل، اذهب فانظر إليها. ذهب جبريل ثم عاد، قال: يا رب وعزتك وجلالك لا يسمع بها أحد إلا لم يدخلها. فأمر الله سبحانه وتعالى بالنار فحفت بالشهوات، قال: يا جبريل، اذهب فانظر إليها. ذهب ثم عاد، قال: يا ربي وعزتك وجلالك، لقد خشيت ألا ينجو منها أحد.

النار ما أحد يطيقها ولا يحبها ولا يتمناها، لكن مع الأسف أيها الأحبة، الأحاديث ماذا تقول؟ إن أهل النار إلى أهل الجنة يعني إلى واحد واحد في الجنة و999 في النار. أين العقول؟ ولذلك أيها الأحبة ماذا يقول صلى الله عليه وسلم عن الجنة -أسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهلها-؟ قال: «ما رأيت كالجنة نام طالبها». الذي يعرف الجنة وما فيها، وماذا أعد الله لعباده الصالحين فيها، ينام؟ يكسل؟ يغفل؟ ينحرف؟ يعصي؟ أين عقلك؟ «وما رأيت كالنار نام هاربها».

مع الأسف يقول مالك بن دينار رحمه الله: لولا أن أفعل شيئا لم أسبق إليه، لجعلت على كل جبل ورابية رجلا ينادي بأعلى صوته: النار، النار، النار، النار. أحبتي في الله، هم طريقان لا ثالث لهما؛ فريق في الجنة وفريق في السعير، غير كذا ما في. ولذلك أيها الأحبة، العاقل لا بد أن ينتبه، لا بد أن ينتبه. يا أخي الجنة وما أعده الله لعباده في الجنة كيف تنام عنها؟ الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَىٰ قَلْبِ بَشَرٍ﴾. ما خطر على قلب بشر.

إذا دخل أهل الجنة الجنة، نادى مناد: يا أهل الجنة، إن لكم أن تحيوا فيها فلا تموتوا أبدا، إن لكم أن تشبوا فيها فلا تهرموا أبدا، إن لكم أن تسعدوا فيها فلا تشقوا أبدا. يا أهل الجنة خلود فلا موت، يا أهل النار خلود فلا موت. يعني المنغصات التي في الدنيا غير موجودة في الآخرة في الجنة؛ إذاً حياة بلا موت، شباب بلا هرم، صحة بلا سقم، سعادة بلا شقاء، ماذا تريد بعد ذلك؟

أهل الدنيا الآن أيها الأحبة يسعون إلى هذه الأمور بأموالهم وعقولهم واحتياجهم، ما وجدوها، أما في الجنة فلا، سن واحدة 33 سنة، شباب وقوة ونضارة وسعادة. يعني حتى النوم في الجنة ما فيه أيها الأحبة؛ أنت تنام في الدنيا لأنك تتعب، أما الجنة ما فيها تعب فما فيها نوم. ولذلك أيها الأحبة يقول صلى الله عليه وسلم: «إن أقل أهل الجنة من يملك عشرة أضعاف الدنيا منذ أن خلقت». أقل واحد في الجنة يملك عشرة أضعاف الدنيا. وفي حديث آخر: «إن أقل أهل الجنة منزلة من ينظر في ملكه ألف سنة». ألف سنة ينظر في ملكه! أنا لأجيب الكرة الأرضية، أنا أنظر فيها في ثوانٍ، في ثوانٍ أنظر الكرة الأرضية، لا! هذا أقل واحد في الجنة ينظر إلى ملكه ألف سنة ما انتهى، كم حجمها؟ كم حجمها؟ الله أكبر يا أحبابي! لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما عليها.

ولذلك أعلى نعيم الجنة ما هو؟ النظر إلى وجه الرحمن، اللهم اجعلنا ممن ينظر إلى وجهك الكريم. هذا أعلى نعيم في الجنة أيها الأحبة، لا تقل لي حوريات ولا قصور ولا ذهب ولا طعام، لا، أعلى نعيم الجنة -لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد- النظر إلى وجه الله سبحانه وتعالى. ولذلك هذا نعيم، وأهل الجنة يرون ربهم في كل أسبوع يوم الجمعة، وهناك أعلى نعيم الجنة من يرى الله عز وجل في كل يوم مرتين، في الصباح غدوة وعشية.

فاصل ثم نعود إليكم بإذن الله تعالى.

التعليم في الصغر كالنقش على الحجر، إنه كلام صحيح، ولكن ذلك لا يعني حرمان كبار السن من طلب العلم، ولا ييأس كبير السن من التعلم؛ فإذا علم الله منه حسن النية وفقه لجمع العلم الكثير في الزمن القليل. ولا يستحي كبير السن من الجلوس في حلق العلم مع الصغار، قال مجاهد: لا يتعلم العلم مستحي ولا مستكبر. وزامل ابن الجوزي ابنه في تعلم القراءات العشر وهو ابن 80 سنة، فانظر إلى هذه الهمة العالية. وقد تعلم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في كبر سنهم، وكذا كثير من العلماء كابن حزم والكسائي والعز بن عبد السلام.

ولا أن يتعلم المسن خير من أن يستمر على التفريط، سئل مسن: أيحسب أن يتعلم؟ فقيل له: لأن تموت طالبا للعلم خير من أن تموت قانعا بالجهل. وليعلم الكبير والصغير أن أبواب العلم مفتحة للراغبين، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: 69].

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، أما بعد؛ سلام الله عليكم ورحمته وبركاته. ما زلنا أيها الأحبة نتكلم عن الحياة الآخرة، فريق في الجنة وفريق في السعير. فالجنة أيها الأحبة فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ما خطر على قلب بشر. سنتكلم عن ماذا؟ عن ثمارها، عن أشجارها، عن حورياتها، حصباؤها، بناؤها لبن من ذهب ولبن من فضة، ماذا نتكلم أيها الأحبة؟ مهما لا يمكن أن نوفيها حقها.

ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم جمع هذا الموضوع فقال: «ما رأيت كالجنة نام طالبها». والله يا إخوان لو كانت فرصة من فرص الدنيا؛ أرض عقارية ولا مساهمة أسهم أو كذا، ما ننام الليل نبحث عن هذه الفرص، كيف بجنة عرضها السماوات والأرض! الجنة يا أحبابي 100 درجة، ما بين كل درجة وأخرى كما بين السماء والأرض، أهل الغرف يترون كالكوكب الدري. الله أكبر يا أحبابي، لذلك لذلك نحرص. الجنة فكر فيها، لا تغرنك الدنيا وشهواتها وملذاتها، وما فتح الله علينا فيها تنسينا الدار الآخرة. يا أخي مهما عشت ستموت، مهما ملكت ستفقد، مهما تعافيت ستمرض، إذاً أين؟ لا يمكن أن نقع في مثل هذه الأمور، نتلافاها في الجنة.

ثم النار؛ قضية أيضا ثانية، سلم فيها يا أحبابي. النار قضية كارثة، كارثة بكل ما تعنيه الكلمة، نسأل الله أن يعافينا وإياكم. «وما رأيت كالنار نام هاربها». الموقن ما يهرب منها، الموقن بهذا الكلام ما يهرب من النار يا أحبابي. كيف أهرب من النار؟ فعل الطاعات، اجتناب المحرمات. النار، النار، نسأل الله أن يعافينا وإياكم.

في حديث يقول صلى الله عليه وسلم: «اشتكت النار، اشتكت النار». نار تشتكي يوم القيامة يا أحبابي! حتى الأنبياء والرسل والملائكة كلهم يجأرون إلى الله خوفا من النار. ما تزال تكبر وتكبر وتكبر: ﴿هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾، ﴿هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾، ﴿هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾، فلا يوقفها إلا الرحمن سبحانه وتعالى حينما يضع قدمه عليها، فتنزل وتنزوي على بعضها وتصيح: قط، قط، قط، قط. يعني يكفي يا رب، يكفي، خلاص خلاص ما عاد أعيدها، تلتئم؛ ما يلمها إلا قدم الرحمن سبحانه وتعالى حتى لا تكبر.

وقودها الناس والحجارة، يجثو الأنبياء والملائكة على ركبهم يجأرون إلى الله، يدعون الله خوفا من النار. إذاً مخلوق عجيب! يقول صلى الله عليه وسلم: «يؤتى بجهنم يوم القيامة، لها 70 ألف زمام، مع كل زمام 70 ألف ملك يجرونها». تخيلوا، يجرونها وهي تصيح، تتمنع وتشخر كما يقول ابن عباس، إذا رأت الكافر تصيح. 70 ألف زمام مع كل زمام 70 ألف ملك يجرونها، يعني 4 مليار و900 مليون ملك يجرون نار جهنم! أي حجم هذا؟ أي حجم هذا؟

الصحابة كانوا عند النبي صلى الله عليه وسلم فسمعوا وجبة، انفجار، ارتطام، فزع الصحابة، فقال صلى الله عليه وسلم: «أتدرون ما هذا؟». قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: «هذا حجر ألقي من شفير النار منذ 70 خريفا، الآن انتهى إلى قعرها». لا إله إلا الله! الحجر 70 سنة يسقط، يسقط، يسقط، يسقط، يسقط، وصل إلى بعد 70 سنة! أي حجم؟ أي حجم؟ ولذلك في الحديث: «اشتكت النار إلى ربها». تعالوا نسمع الشكوى، ليش يا إخواني؟ ليش يا أحبابي؟ قالت: يا رب، أكل بعضي بعضا. النار تشتكي من نفسها! «أكل بعضي بعضا، فأذن لي أتنفس، بس يا رب أتنفس». قال صلى الله عليه وسلم: «فأذن الله لها بنفسين، نفس في الصيف ونفس في الشتاء، فأشد ما تجدون من حر فهو نفسها في الصيف، وأشد ما تجدون من زمهرير فهو نفسها في الشتاء».

عرفنا الآن سر الحرارة يا أحبابي في الجو في الأجواء؟ أما يقول صلى الله عليه وسلم: «إن شدة الحر من فيح جهنم، من فيح جهنم»، نسأل الله أن يعافينا وإياكم. إذاً الإنسان ما عنده عقل يبتعد عن هذه، يفر منها؟ أما يقول صلى الله عليه وسلم: «الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك». وين العقول؟ لذلك يا عبد الله، الإنسان يحرص، هذه النار -﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾- يضرب الجسر على نار جهنم، على نار جهنم. النار تحت والجسر فوقها.

بالمناسبة، أما سأل أحدكم نفسه عن طول هذا الجسر؟ يعني هذا الجسر كم؟ يعني 20 متر؟ 100 متر؟ كيلو؟ 5 كيلو؟ 10 كيلو؟ كم طول هذا الجسر؟ نار جهنم تحت، كارثة، صياح ونار وفزع وخوف، والجسر عليها، أحد من السيف، أدق من الشعرة، أروغ من الثعلب أو الثعبان كما جاء في بعض الروايات، مدحضة مزلة. يمر المؤمن كلمح البصر، ومنهم من يمر كالخيل، أجود الخيل، ومنهم من يمر عليه يجري، منهم من يمشي، منهم من يزحف. لكن كم؟ تخيل هذه نار جهنم إذا قلنا كما سمعنا 70 ألف ملك في كل زمام، يعني 4 مليار و900 مليون ملك يجرونها؛ النار كم حجمها؟ كم حجمها؟

والصراط، والله بعض كتب العقيدة لما تذكر تذكر بعض الأقوال في هذا، الإنسان يعجب، جاء في بعض الأقوال أن صعوده 5000 سنة، والمشي عليه 5000 سنة، والهبوط منه 5000 سنة، يمر عليه المؤمن كالبرق. لذلك أحبتي في الله هناك قضايا في الدار الآخرة لا بد أن نسأل عنها وأن نفهمها، هذه قضية مسلمة: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾. لذلك النار يا أحبابي، النار -أسأل الله أن يحفظنا وإياكم- يقول صلى الله عليه وسلم: «من سأل الله الجنة في يوم ثلاث مرات قالت الجنة: اللهم اجعله من أهلي، ومن استجار بالله من النار في يوم ثلاث مرات قالت النار: اللهم لا تجعله من أهلي».

يا إخوان، إذا كان أقل واحد في النار -أسأل الله أن يجيرنا وإياكم من نار جهنم- أقل واحد في نار جهنم من يوضع في أخمص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه، يغلي، شفت القدر؟

هذا أقل واحد في نار جهنم وهو يرى أنه أعظم واحد، لا بل هذا أقل واحد عم النبي صلى الله عليه وسلم أبو طالب، نسأل الله العافية والسلامة. جاء في بعض الروايات: لو أن قطرة من الزقوم قطرت في الدنيا لأفسدت على أهل الأرض معايشهم، قطرة! لو أن رجلاً من أهل النار تنفس في مئة ألف رجل من أهل الدنيا لأحرقهم. مجلس الكافر في جهنم كما بين مكة إلى المدينة، أربعمئة كيلو حجم المجلس فقط! ما بين منكبيه مسيرة ثلاثة أيام.

ضرسه كجبل أحد، ثلاثة كيلو ونصف في سبعة كيلو ونصف، جلد سمكه أربعون ذراعاً، ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء: 56]. ماذا أقول بعد ذلك؟ ماذا أقول؟ حيات وعقارب كالجبال، شيء عجيب يا أحباب. زبانيه في نار جهنم يتولون تعذيب الناس. يقذف الجوع على أهل جهنم، ماذا يأكلون؟ الزقوم، يأكلون فينش في حلوقهم، يبغون ينزلونه، يتذكرون أن في الدنيا إذا نشبت اللقمة في الحلق يشرب الماء، يشربون ماء حميماً وغساقاً، يقرب وجهه يبغى يشرب فروة وجهه تسقط في الماء، فإذا شرب قطعت الأمعاء ونزلت والعياذ بالله من دبره. من يتحمل هذا؟ هما طريقان لا ثالث لهما: جنة عرضها السماوات والأرض، أو عياذ بالله ناراً تلظى. فاصل ثم نعود إليكم بإذن الله.

لقد شرع الله الدين للناس رجالاً ونساءً، ووعد الجميع الجنة والحياة الطيبة إذا قاموا بواجباتهم، فقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 97]. وقد جاء الإسلام فأكرم المرأة، وحملها مع الرجل مسؤولية النهوض بالمجتمع وحسن الرعاية له، فقال عليه الصلاة والسلام: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته». وقد شغلت المرأة في العهد النبوي وما بعده مكاناً رفيعاً بمشاركاتها العلمية والاجتماعية والتربوية، وتصدر اسمها في قائمة المساهمين في بناء المجتمع وصياغة هوية الأمة والمحافظة على ثوابت الدين.

ولا زال التاريخ يذكر أم المؤمنين خديجة، وأم المؤمنين عائشة، ونسيبة بنت كعب، وأم حرام بنت ملحان، وحفصة بنت سيرين، وفاطمة بنت عبد الملك، وزبيدة بنت جعفر وغيرهن رضي الله عنهن ورحمهم. ومن هنا كان للمرأة المسلمة دورها المهم والخطير في صياغة المجتمع، مما أكسبها قيمة واعتباراً واحتراماً لا مثيل له في المجتمعات الأخرى، كما اعترف بذلك المنصفون من الغربيين، وبأنهم إنما تعلموا احترام المرأة من مسلمي الأندلس. يقول المفكر الفرنسي مارسيل بزارد: إن الشعراء من المسلمين هم الذين علموا مسيحي أوروبا عبر إسبانيا احترام المرأة. فللمرأة على ثغر الحياة الزوجية أثر خطير، وفي التربية على الدين والخلق دور كبير، وفي التعليم والدعوة والطب والرعاية مكانة ومسؤوليات. وقيام المرأة المسلمة بهذا وغيره له أثره الإيجابي في إصلاح المجتمع كله أسراً وأفراداً، وصدق عليه الصلاة والسلام حين قال: «إنما النساء شقائق الرجال».

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أيها الأحبة، أخذنا ثلثي الوقت في الجنة والنار والكلام عنهما، وهذا شيء مهم جداً، لكن لا أنسى الكلام عن قضية "حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات". أحبتي في الله، طريق الجنة محفوف بالمكاره، الأمور التي تكرهها النفس، النفس الأمارة. لكن حقيقةً، النفس إذا تعودت العبادة أصبحت العبادة عندها سعادة، وما أصبح هناك نوع من المشقة، بالعكس، يمكن الكلام هذا على الأغلب، لكن المؤمن إذا تعود العبادة أصبحت عنده سعادة. أنا في المنهج أقول إن طريق الجنة وعر؟ أبداً ما هو وعر، أبداً ما هو وعر. طريق الجنة صحيح فيه أمور تكرهها النفس التي انفلتت، أما النفس التي تعلقت بالكتاب والسنة تجدها دائماً مسرعة إلى الصلاة، مسرعة إلى المسجد، مسرعة إلى الصدقة، مسرعة إلى الصيام، مسرعة إلى القرآن، مسرعة إلى كل خير. فبعض الناس المساكين الذين ما تعودوا الطاعة يجدون فيها صعوبة. لا، المؤمن إذا استقر الإيمان في قلبك، والله لو بذلت روحك في سبيل الله لتصبح رخيصة.

فحفت الجنة بالمكاره، أي المكاره التي تكرهها النفس المجردة، لكن النفس المجردة إذا عرفت الإيمان أصبحت العبادة قمة السعادة، أصبح الإنسان يتلذذ بكل عمل شاق كلف به. الصيام شاق؟ تجده يسعد بالصيام، يتلذذ بالصيام، يتلذذ بقيام الليل، يتلذذ بالحج، يتلذذ بالصدقة، يتلذذ بكل الأفعال الصالحة، وإن كان فيها مشقة عند النفس المجردة. ولذلك يقاسي ربما تأتيه البلايا فيصبر؛ لأنه يعرف أن عاقبة هذا خير وحسن.

الطريق الآخر النار، الشهوات، النفس المجردة إذا خلت من الإيمان انساقت للشهوات، وتصبح تتلذذ بالشهوات، النظر الحرام، الشراب الحرام، الأكل الحرام، الفرج الحرام، المحرمات والفواحش، أبداً وما يشبع منها. هل تظن الآن أن هذا الذي يقع في المحرمات والشهوات سيجد السعادة؟ والله ما يجدها، والذي لا إله إلا هو إن صاحب المعصية لا يجد السعادة أبداً. يقول الحسن البصري رحمه الله: وإن هملجت بهم البراذين وطقطقت بهم البغال، أبى الله إلا أن يذل من عصاه، إن ذل المعصية لفي محياهم. إذاً المعصية عمرها ما كان فيها سعادة.

أذكر كلمة جميلة للشيخ علي الطنطاوي رحمه الله عليه، يقول: قرأت آلاف الكتب والمجلدات، فما خرجت بمثل هذه الفائدة: مشقة الطاعة تذهب ويبقى أجرها، ولذة المعصية تذهب ويبقى وزرها. سمعنا أيها الأحبة، الطاعة مهما كان فيها مشقة، الحج مشقة، العمرة مشقة، الصيام مشقة، صلة الأرحام مشقة، قيام الليل مشقة، لكن مهما بلغت مشقة الطاعة تزول المشقة ويبقى أجرها وفضلها وخيرها. والمعصية، لذة المعصية مهما تلذذ الإنسان بها ستزول ويبقى إثمها. العاقل يختار، بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره. ولذلك أيها الأحبة طريق الجنة هو طريق السعادة، طريق الطمأنينة، طريق الرضا، طريق الهداية، النهاية السعيدة، وإن صادفتك بعض الأمور التي قد تكلفك، تصبر عليها، الصبر. والنار طريق الشقاء والتعاسة والذل والضيق والضياع، نسأل الله أن يعافينا وإياكم.

أذكر كلمة جميلة لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، يقول: بالصبر واليقين تنال الولاية في الدين. يعني الصبر، قال العلماء الصبر يسد منافذ الشهوات، واليقين يسد منافذ الشبهات؛ لأن الذنوب أيها الأحبة إما شهوات أو شبهات، ذنوب الدنيا إما شهوة أو شبهة. فيقول رحمه الله: الصبر يسد منافذ الشهوات، واليقين يسد منافذ الشبهات، فإذا جاء الصبر وجاء اليقين، فماذا بعد عندك من الذنوب والمعاصي؟ شهوات مقفل عليها، شبهات مقفل عليها، هنا ستصل إلى الإمامة في الدين. وكذلك يقول ابن القيم رحمه الله كلمة قريبة من هذا، يقول: إذا تزوج الصبر باليقين نتج عنهما الولاية في الدين.

ولذلك أيها الأحبة، الصبر باب عظيم جداً. العلماء لما تكلموا في الصبر، واسمحوا لي وقفة سريعة لا أريد حينما نتكلم على الصبر أن يكون كلاماً مجرداً، لا، نريد كلاماً تطبيقياً. دائماً نقرأ الصبر ثلاثة أنواع: صبر على الطاعة، صبر عن المعصية، صبر على أقدار الله. طيب قف قليلاً، تحملني شوي، افهم هذا الكلام: صبر على الطاعة، ثق تماماً والله لن تقوم بطاعة بعد توفيق الله إلا والصبر معك، ما الذي يجعلك تتوضأ وتلبس ملابسك وتذهب للمسجد؟ الصبر. ما الذي يجعلك تصوم؟ الصبر. ما الذي يجعلك تقرأ القرآن؟ الصبر. ما الذي يجعلك تتصدق، تذكر الله؟ الصبر. إذاً صبر على الطاعة، النفس ما تبغى شيئاً يقيدها، فيأتي الصبر يؤطرها على الطاعة تأطيراً.

طيب نأتي للقسم الثاني: الصبر عن المعصية. يا الله، الدنيا كلها مصائب، شهوات، فتن، خاصة في هذا الزمان أيها الأحبة، الفتن منتشرة بشكل، المقروءة والمسموعة والمرئية. طيب إذا ما عندك صبر يردعك؟ ترى جيبك فيه جهاز عبارة عن كارثة، قنبلة نووية، هذا الجهاز الجوال إذا ما تنتبه له يدمرك. أنت في مكان لا يراك فيه أحد، يمكنك أن تدخل على ملايين المواقع، إذا ما عندك صبر ستنجر خلف الشهوات، البصر المحرم، النظر المحرم، السماع المحرم، وأنت ربما تكون في المسجد، يجي الصبر يمنعك: لا، اتق الله، نظر حرام لا، سمع حرام لا، قراءة حرام لا، انتبه. ولذلك إذا لم تستصحب الصبر بعد توفيق الله والاستعانة بالله، الدنيا كلها شهوات، خاصة أعداء الدين أيها الأحبة يضخون هذه الشهوات وهذه البليات على شباب الأمة، فإذا ما عندك صبر ستنساق، ستنساق لا محالة إلا أن يتداركك الله برحمته.

النوع الثالث: الصبر على أقدار الله. ما فينا واحد في الدنيا سيسلم، ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: 2]. لا، ما دام أنت في الدنيا وطن نفسك على البلاء والاختبار، سياتيك بلاء في نفسك، في مالك، في أهلك، في عملك، في وظيفتك. إذا جاك البلاء اصبر، ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 155-157]. ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10]، والله مع الصابرين، والله يحب الصابرين.

إذاً الصبر ما هو كلام تنظيري يا أحبابي، لا، الصبر واقع تطبيقي؛ تصبر على طاعة الله مهما كانت الطاعة فيها مشقة، اصبر عاقبتها سعادة وعاقبتها فوز. اصبر عن المعصية وإن دعتك نفسك، اصبر، ألزمها كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، راقب الله قبل أن تراقب الناس. كذلك اصبر على أقدار الله مهما نزل بك من مصاب، تذكر رسولك محمداً صلى الله عليه وسلم، وإذا أتتك من الأمور مصيبة فاذكر مصابك في النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

وبالتالي أحبتي في الله، حفت الجنة بالمكاره؛ نعم أمور تكرهها النفس، النفس التي ما عندها إيمان. لما تقرأ سيرة الأنبياء، الصحابة، التابعين، سلفنا الصالح، أبداً، خلاص، الإيمان لما يصل للقلب واليقين تصبح العبادات مهما صار فيها من مشقة لا شيء. حفت النار بالشهوات، انتبه، النفس تترك للدنيا والشهوات، احذر، اصبر، راقب الله سبحانه، واتق الله سبحانه وتعالى. أنت تريد الجنة، إذاً تصبر، تضحي، الدنيا، تذكر المشقة، تزول مشقة الطاعة ويبقى أجرها، ولذة المعصية تزول ويبقى إثمها، فريقان في الجنة وفي السعير. أسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهل الجنة.

وصلنا إلى نهاية لقائنا اليوم، وأسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته أن يرزقنا خشيته في الغيب والشهادة، وأن يجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه. اللهم يا حي يا قيوم برحمتك نستغيث، أصلح لنا شأننا كله ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين. اللهم اغفر لآبائنا، وارحم أمهاتنا، وأصلح نياتنا وذرياتنا وأهل بيوتنا. وصل اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.