بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، سلام الله عليكم ورحمة الله وبركاته. اللهم إنا نسألك علماً نافعاً، ورزقاً واسعاً، وشفاءً من كل داء.
مع اللقاء السادس في هذه السلسلة المباركة، مع هدي خير المرسلين مع النبي صلى الله عليه وسلم، ومع سنته ومع حديثه. حديثنا اليوم أيها الأحبة حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر» رواه مسلم.
الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر. الحديث أيها الأحبة فيه بعض المفردات: الجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان، يعني على تقدير صلاة الجمعة إلى صلاة الجمعة وصوم رمضان إلى صوم رمضان، مكفرات لما بينهن أي من الذنوب، والتكفير التغطية والمراد هنا المحو.
الكبائر هي كبائر الذنوب. قال المناوي رحمه الله: هي كل ما كبر من المعاصي وعظم من الذنوب. واختلف فيها على أقوال، والاقرب أنها كل ذنب رتب الشارع عليه حدا وصرح بالوعيد عليه.
هناك من زاد: من رتب عليه لعنة، كذلك كل ذنب لعن النبي صلى الله عليه وسلم فاعله، كذلك كل شيء فيه حد في الدنيا كالزنا أو وعيد الآخرة كآكل الربا، أو فيه نفي إيمان لا يؤمن أحدكم إلى ذلك إلى آخر ذلك، أو فيه براءة منه مثل قوله ومن غشنا فليس منا أو ما أشبه ذلك، فهو من كبائر الذنوب.
أحبتي في الله، الحديث فيه مسائل كثيرة. من المسائل أولاً: رحمة الله سبحانه وتعالى ماذا يقول؟ ﴿مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ [النساء: 147]. ما يفعل الله بعذابكم يعني هل المراد من خلقنا أن الله يعذبنا؟ لا أبدا.
والله يا أحبابي، الذي يقرأ النصوص؛ نصوص الكتاب والسنة يجد فعلاً سعة رحمة الله ظاهرة جداً. الله سبحانه وتعالى أعطانا مواسم للمغفرة كثيرة، وأعطانا مكفرات للذنوب كثيرة. اسمحوا لي أولاً دعوني استعرض معكم سريعا مواسم المغفرة مواسم المغفرة، ثم سأستعرض معكم مكفرات الذنوب.
كل هذه حتى نعرف فضل الله علينا، وهذا الخير الذي في هذا الحديث وأشباهه إنما دلالة على سعة رحمة الله وعلى رحمة الرحيم سبحانه، وأن الله عز وجل أرحم بنا من أمهاتنا. مواسم المغفرة المغفرة خمسة مواسم: آنية؛ آنية يعني في كل وقت وآن يمكن أن تأتيك، ومواسم يومية، ومواسم أسبوعية، ومواسم شهرية، ومواسم سنوية. كم صار عندنا؟ خمسة مواسم.
المواسم الآنية: الأذكار، عندنا مجموعة من الأذكار من قالها في أي وقت غفر الله فيها ذنوبه، مثل ايش؟ من قال سبحان الله وبحمده في يوم مئة مرة غفرت ذنبوبه وإن كانت مثل زبد البحر. في أي ليل، في أي ساعة من الليل أو من نهار: استغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه مرة أو ثلاث تغفر ذنوبك وإن كان فر من الزحف. ما على وجه الأرض أحد يقول لا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله إلا غفر له ما خلا من ذنبه، سيد الاستغفار. إذاً أحبتي في الله، عندنا في السنة مجموعة من الأذكار من قالها غفر الله له، كما سمعنا هذا الموسم الأول.
الموسم الثاني: مواسم يومية. المواسم اليومية: الصلوات الخمس الفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء. قال صلى الله عليه وسلم: «ما من مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وركوعها وخشوعها إلا كانت كفارة ما بينها وبين التي قبلها ما لم تغش كبيرة، وذلك الدهر كله» أو كما قال صلى الله عليه وسلم.
أي مسلم تحضره الصلاة يحسن الوضوء والخشوع والركوع والسجود والاقبال على الله فإنها تكن كفارة ما بينها وبين التي قبلها وذلك الدهر كله ما لم تغش كبيرة. بل حتى في الصلاة أيها الأحبة، يعني أضرب مثال سريع في الصلاة: يقول صلى الله عليه وسلم والحديث في البخاري: «إذا قال الإامام ولا الضالين فقولوا آمين» لم يا رسول الله؟ «قال: فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه». الله أكبر!
هذه تأتينا في اليوم ست مرات، مرتين في الفجر مرتين في المغرب مرتين في العشاء. شوفوا صلاة الجماعة يا أحبابي، إذا قال الإمام ولا الضالين فقولوا آمين، فمن وافق قوله قول الملائكة؛ الملائكة معنى يؤمنون، توافق قولنا وقول الملائكة غفر الله لنا ما تقدم من ذنوبنا، ست فرص في اليوم والليلة.
أيضاً في نفس الصلاة يقول صلى الله عليه وسلم والحديث في البخاري أيضاً: «إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا اللهم ربنا ولك الحمد، ربنا لك الحمد». لم؟ «قال: فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه». هذه فرصة تأتينا في اليوم والليلة سبعتاشر مرة: مرتين في الفجر، أربع في الظهر، أربعة في العصر، ثلاث في المغرب، أربعة في العشاء، سبعطعش! واللي قبلها ست، ثلاثة وعشرين فرصة اليوم والليلة يا عبد الله هل استشعرنا هذا فضل صلاة الجماعة؟
إذاً مواسم يومية. المواسم الأسبوعية يا أحبابي: صلاة الجمعة. الجمعة أخبر صلى الله عليه وسلم أن من اغتسل في بيته ثم مس من طيبه ودهنه ثم عمد إلى المسجد فاستمع الخطبة ولم يفرق بين اثنين وصلى، قال: «غفر له من الجمعة إلى الجمعة وزيادة ثلاثة أيام».
وفي الحديث أيضاً السنن وهو صحيح قال صلى الله عليه وسلم: «من غسل يوم الجمعة واغتسل وبكر وابتكر ومشى ولم يركب ودنا من الإمام فاستمع ولم يلغ» أربع شروط، «كتب الله له بكل خطوة أجر سنة صيامها وقيامها». أجر سنة صيامها وقيامها! يعني بينك وبين المسجد الف خطوة، هذي ألف سنة صيام وألف سنة قيام. عشر آلاف خطوة، عشر آلاف سنة صيام وعشر آلاف سنة قيام. نفرط في هذا؟
الموسم الرابع: مواسم شهرية. صيام الأيام البيض، أيام الأيام البيض: ثلثعش واربعطعش وخمسطعش. لماذا؟ «من صام يوماً في سبيل الله باعد الله عن وجهه نار جهنم سبعين خريفاً إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، عليكم بالصوم فإنه لا مثل له». شيء عجيب يا أحبابي.
الموسم الخامس: مواسم سنوية. المواسم السنوية موسم يأتينا يوم وموسم يأتينا خمسة أيام وموسم يأتينا عشرة أيام وموسم يأتينا ثلاثين يوم. يا ترى ما هي هذه المواسم الأربعة؟ موسم يأتينا يوم في السنة، موسم يأتينا خمسة أيام في السنة، موسم يأتينا عشرة أيام في السنة، موسم يأتينا ثلاثين يوم في السنة. أترك الإجابة بإذنه تعالى إلى بعد الفاصل، ثم نعود إليكم.
لا يكاد يوم يمر إلا ويعرض لنا أمر نحتار في حكمه الشرعي فكيف نتصرف؟ الحل أن نستفتي العلماء، قال تعالى: ﴿فَسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: 7]. وثم آداب ينبغي أن يتحلى بها المستفتي؛ آداب في نفسه وآداب مع العالم وآداب في طريقة السؤال.
فيستفتي أهل الذكر المتبعين للأدلة، ويتجنب من يفتون بالجهل أو الهوى. قال صلى الله عليه وسلم: «إن من أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضلين». ويعرض السؤال على حقيقته دون كذب أو كتمان، وليعلم أن تدليسه لا يحل له الحرام، فإنما يفتيه المفتي على حسب ما يسمع.
ويوقر مفتيه، قال صلى الله عليه وسلم: «إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه». ويتحين الوقت والحال المناسب للسؤال، ولا يقاطع الشيخ ولا يلح عليه إذا اعتذر عن الإجابة، ولا يضيع وقته بما لا علاقة له بالسؤال، ويترك السؤال عما لا يعنيه، قال صلى الله عليه وسلم: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه».
ويتقبل الحكم الشرعي ولو لم يكن على هوى، قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65].
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد، لعلكم الآن مشتاقون إلى هذه المواسم الأربعة: موسم يوم في السنة، موسم خمسة أيام في السنة، موسم عشرة أيام في السنة، موسم ثلاثين يوم في السنة.
أما الموسم الذي يأتينا في السنة يوم واحد: عاشوراء وعرفة. تصوم عاشوراء فيغفر الله لك ذنوب سنة ماضية، أو سنة تصوم عرفة يغفر الله لك ذنوب سنتين: سنة ماضية وسنة مستقبلة.
طيب، الموسم اللي يأتينا خمسة أيام في السنة: أيام الحج. «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه».
طيب، موسم يأتينا عشرة أيام في السنة: الأيام الأول من ذي الحجة. «ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه العشر». قالوا ولا الجهاد في سبيل الله؟ «قال: ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله ولم يرجع من ذلك بشيء».
طيب، موسم يأتينا ثلاثين يوم في السنة: صوم رمضان. «من صام رمضان إيمان واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه».
سمعنا أيها الأحبة؟ هذه مواسم المغفرة. أضف إلى ذلك أن الله عز وجل أعطانا أموراً كثيرة: الحسنة بعشر أمثالها، رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه، الفطرة عذر بالجهل. إذاً عندنا مواسم مغفرة عظيمة جداً، كل هذا يدل على ماذا أيها الأحبة؟ على سعة رحمة الله.
إذا تكلمنا أيها الأحبة عن مواسم المغفرة، دعونا نتكلم عن أسباب المغفرة. ايش الفرق بين هذا وبين هذا؟ هذه مواسم زمان يتعلق بها عبادات. وساذكر لكم الآن أيها الأحبة مكفرات الذنوب حتى نعرف سعة رحمة الله. ابن تيمية رحمه الله جمع مكفرات الذنوب في رسالة لطيفة بعنوان رفع الملام عن الأئمة الأعلام، فذكر عشرة مكفرات للذنوب نأخذها سريعا أحسب معي من مكفرات الذنوب:
واحد: التوبة يجب ما قبلها. اثنين: الاستغفار، فإن الاستغفار يغفر الله به الذنوب، الآيات كثيرة والأحاديث كثيرة. ثلاثة: الحسنات الماحية، الحسنة بعشر أمثالها إلى أضعاف كثيرة. أربعة: المصائب المكفرة. ما المقصود بها؟ قال صلى الله عليه وسلم: «ما يصيب المؤمن من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا غم حتى الشوكة يشاها إلا كفر الله بها من ذنوبه أو معاصيه». ما يزال البلاء بالعبد المؤمن حتى يمشي على الأرض ليس عليه خطيئة.
خامساً: دعاء المسلمين. دعاء المسلمين لبعضهم البعض يا إخواني من اعظم مكفرات الذنوب. سادساً: سكرات الموت، آلام الموت والنزع لن تحرم أجره يا عبد الله. سابعاً: عذاب القبر، فإن عذاب القبر أيها الأحبة مكفر، كما قال صلى الله عليه وسلم: «إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير»، فعذاب القبر لن تحرم أجره يكفر الله به من ذنوبك سيئاتك.
ثامناً: هول المطلع يوم القيامة، أيضاً ذاك الفزع لن تحرم أجره يا عبد الله. تاسعاً: شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم وشفاعة من يأذن الله له عز وجل بالشفاعة.
عاشراً وأخيراً، وهذا العاشر أعظم من كل ما سمعنا، أعظم من كل ما سمعنا، أعظم من التوبة وأعظم من الاستغفار وأعظم من الحسنات الماحية والمصائب المكفرة وأعظم من دعاء المسلمين لبعضهم البعض وأعظم من سكرات الموت وأعظم من عذاب القبر وأعظم من هول المطلع وأعظم من شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم: ما هو؟ رحمة أرحم الراحمين! ولا قبلها شيء رحمة أرحم الراحمين، أسأل الله أن يرحمنا وإياكم.
يقول صلى الله عليه وسلم: «اعملوا واعلموا أنكم لن تدخلوا الجنة بأعمالكم». قالوا ولا أنت يا رسول الله؟ «قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته إلا أن يتغمدني الله برحمته».
إذاً أحبتي في الله، سمعنا عن مواسم المغفرة، سمعنا عن مكفرات الذنوب، وكما قلت لكم يعني الله انزل لنا القرآن واعطانا الفطرة وارسل لنا الرسول صلى الله عليه وسلم وضاعف لنا الحسنات والحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف والسيئة بواحدة. ومع ذلك، مع ذلك يا أحبابي هناك من يأتي يوم القيامة مع الأسف فقير مفلس ما عنده شيء.
يقول صلى الله عليه وسلم لآدم عليه السلام، يقول يا آدم: «قال لبيك وسعديك والخير في يديك. قال: يا آدم أخرج بعث النار. قال: ومن بعث النار يا رب؟ قال: من كل ألف واحد في الجنة تسعمائة وتسعة وتسعين في النار». يعني أهل الجنة يا أحبابي لأهل النار واحد إلى ألف مع الأسف.
مع الأسف أنا لا أحب أن أقنطك يا عبد الله أو لكن أقول هذا هذه النصوص وهذا الخير بين أيدينا لكن أنا اقول: احرص، قوي عزيمتك، اعمل. أعجبتني كلمة لأحد السلف يقول: والله لأعملن، والله لأعملن، والله لأعملن، فإن دخلت الجنة فذلك فضل الله، وإن كانت الأخرى فقد أعذرت إلى الله لقد أعذرت إلى الله. لكن أقول دائماً أيها الأحبة: نحسن الظن بالله، نحسن الظن بالله، ونتذكر أيها الأحبة أن أهل الجنة مئة وعشرين صفاً.
أمة محمد صلى الله عليه وسلم، قال صلى الله عليه وسلم: «ثمانون صفاً من أمتي». هم من أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لذا أيها الأحبة نعمل ونحسن ظننا بالله سبحانه وتعالى ونغتنم هذه الفرص العظيمة. وكما سمعنا، الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن، إذا اجتنبت الكبائر.
أعود فأقول إن كلامي الأخير ليس فيه تقنيط، بل فيه حث وفيه همة. همة يا عبد الله ويا أمة الله، أن نعمل وأن نجد وأن نجتهد، وأن نسابق الزمان، وألا نغفل وألا ننام. هذه فرصة في الدنيا، والوقت إذا ضاع علينا فالدقيقة خسارة، والثانية إذا ضاعت علينا خسارة؛ لأنها ذهبت بدون فائدة. نام رجل بجانب مقبرة فرأى في المنام أن أهل القبور خرجوا عليه، فقالوا: يا هذا، ما أشد ما أنتم فيه من غفلة، وما أشد ما نحن فيه من ندامة على القبور! إنكم تعملون ولا تعلمون، ونحن نعلم ولا نعمل، ووالله إن تسبيحة أو تسبيحتان، أو ركعة أو ركعتان، أحب إلينا من الدنيا وما فيها. من يقول هذا الكلام؟ أصحاب القبور، وحيل بينهم وبين ما يشتهون.
ولذلك أيها الأحبة، أقول الوقت الوقت الوقت عظيم. الله عز وجل يقسم بالوقت؛ لماذا؟ لشرفه. ما مضى فات والمؤمل غيب، ولك الساعة التي أنت فيها، والوقت أنفس ما عنيت بحفظه وأراه أسهل ما عليك يضيع. مع الأسف، بعض الناس يقول: تعال نضيع وقتنا، ما عندنا وقت فراغ. أي مسلم عنده وقت فراغ؟ والله ما عنده وقت فراغ إلا البطالون الذين ما عندهم برنامج في الحياة، ما عندهم منهج في الحياة، الجاهل. أما أنا فعندي وقت فراغ؛ وقت فراغ كيف؟ يا أخي كل ثانية تعد كنزاً، كنزاً لماذا لا تغتنمه؟ الذين يعرفون قيمة الوقت يشترون الوقت بأموالهم، موظفين ومساعدين يعينونهم على أعمالهم ليتفرغوا لاغتنام الوقت. نقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، أحب إلي من الدنيا وما عليها؛ هذا من يعرف قيمة الوقت.
لذلك أيها الأحبة الوقت عظيم، نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ. اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، صحتك قبل سقمك، فراغك قبل شغلك، غناك قبل فقرك، حياتك قبل موتك.
العلم مراتب، فمنه فرض عين وهو تعلم ما لا يتأدى الواجب إلا به، كتعلم صفة الوضوء والصلاة، ومنه فرض كفاية كعلوم الحديث، ونفل كالتبحر في أصول الأدلة. فلا بد من التدرج فيه خطوة خطوة، فإن من رام أخذه جملة ذهب عنه جملة، ولكن الشيء بعد الشيء مع الليالي والأيام. ونراعي الأولويات في التعلم، فنبدأ بالعلوم الأصلية كالتفسير والفقه قبل علوم الآلة كمصطلح الحديث وأصول الفقه، ونبدأ بتعلم الفروض قبل النوافل. وفي الحديث القدسي: «ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه»، وقد قيل: من شغله الفرض عن النفل فهو معذور، ومن شغله النفل عن الفرض فهو مغرور.
ونبدأ بالأسهل قبل الأصعب، وبالمختصرات قبل المطولات، قال تعالى: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران: 79]، والرباني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره. ونبدأ بتعلم ما يترتب عليه ثمرة قبل المسائل النظرية البحتة، ونبدأ بالتعلم قبل التصدر للتعليم، فإن فاقد الشيء لا يعطيه. ونهتم بالفهم والتدبر ولا نقتصر على الحفظ والتلقين فتدرج في طلب العلم حتى تكون من الراسخين. قال صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين».
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد أيها الأحبة، تكلمنا عن مواسم المغفرة وعن مكفرات الذنوب وعن قيمة الوقت، الوقت الوقت، والوقت أنفس ما عنيت بحفظه وأراه أسهل ما عليك يضيع. إنا لنفرح بالأيام نقطعها، وكل يوم مضى يدني من الأجل، فاعمل لنفسك قبل الموت مجتهداً، فإنما الربح والخسران في العمل. أحبتي في الله، الحديث: الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر.
أولاً: ما هي الكبائر؟ كما قرأنا في أول اللقاء، الكبائر عددها فيه خلاف عند العلماء، وأبرز من كتب في الكبائر الذهبي رحمه الله في كتابه الكبائر وذكر كلام العلماء، معلوم منهم من قال الكبائر سبع، ومنهم من قال سبعين، ومنهم من قال أكثر. وابن حجر الهيتمي في كتابه الزواجر عن اقتراف الكبائر، ذكر مئات الكبائر ولا أبالغ. الشاهد أن الكبائر ما رتب عليها لعن والعياذ بالله، لعن الله من فعل كذا، أو رتب عليها النار، أو البراءة منه، أو حد من الحدود، كل هذه من الكبائر. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: 31].
إذاً الإنسان لا بد أن يعصي لأنه إنسان، يقع: «يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً فاستغفروني أغفر لكم». لكن لا تتعمد، وإذا ضعفت نفسك ارجع مباشرة، لا توغل حتى لا تصبح القضية إصراراً، وتنتقل من الصغيرة إلى الكبيرة عن طريق الإصرار، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
أود أن أعرج قليلاً على قضية الكبائر، موقف الفرق من الكبيرة؛ حقيقة هناك طرفان ووسط. طرف غلا في الكبيرة، وطرف جفا، وطرف توسط في حكم الكبيرة. مرتكب الكبيرة أيها الأحبة مؤمن بإيمانه، فاسق بمعصيته، هذا منهج أهل السنة والجماعة. أن الذي يقع في الكبيرة هو ما زال على إيمانه، مؤمن بإيمانه لكنه فاسق بمعصيته، وجمع له الإيمان والفسق.
الطرفان؛ الطرف الأيمن الذي نحى قال: مرتكب الكبيرة كافر، كافر كافر؛ لماذا قالوا كافر؟ هم الخوارج، والمعتزلة تشابهوا في هذه المسألة. الخوارج يقولون مرتكب الكبيرة كافر خالد مخلد في النار، والمعتزلة يقولون هو في منزلة بين المنزلتين في الدنيا، لا مؤمن ولا كافر، لكنه في الآخرة خالد مخلد في النار، فاجتمعوا مع الخوارج في الحكم الأخروي. في الدنيا الخوارج يقولون كافر والعياذ بالله، يعني حلال الدم وحلال كل شيء.
أما الطرف الآخر الذين جفوا، المرجئة؛ المرجئة ماذا يقولون؟ قال المرجئة: صاحب الكبيرة مؤمن كامل الإيمان، لا يضر مع الإيمان معصية، وهذه كارثة أيضاً؛ هؤلاء ضيعوا الدين، ضيعوا الشريعة، ضيعوا الأحكام، عطلوا الحدود. أي واحد يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله في عرفهم أنه كامل الإيمان، إيمانه كجبريل عليه السلام وكمحمد صلى الله عليه وسلم. ليش؟ قال: يا أخي الإيمان كل لا يتجزأ، والذي يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله فهو مؤمن كامل الإيمان، وإن سرق وإن زنى وإن شرب الخمر وإن ترك الصلاة وإن أهان القرآن والعياذ بالله وإن سب الله. هذا غلط، وهذا غلط، الغلو غلط والجفاء غلط. الخوارج والمعتزلة غلط لأنها تناقض النصوص الشرعية، والمرجئة غلط لأن فيه تعطيل للدين وتمييع له.
إذاً الصح هو منهج أهل السنة والجماعة، إنسان وقع في كبيرة، وقع في زنا مثلاً، وقع في شرب خمر، أكل ربا، أو قتل والعياذ بالله، نقول كافر؟ لا، مو كافر، إلا لو استحل. لكن إنسان وقع في معصية كبيرة من الكبائر، نقول هذا مؤمن بإيمانه، ما زال على الإيمان والإسلام، لكنه فاسق بمعصيته. الله سبحانه وتعالى ذكر في القرآن نصوصاً كثيرة: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: 9]، القتل كبيرة، ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾، فأطلق عليهم المؤمنين. فالشاهد أيها الأحبة أن النصوص في القرآن والسنة لا تكفر مرتكب الكبيرة أبداً، إلا إذا استحل، فهذا شيء آخر. لكن إنسان وقع في كبيرة، مهما كانت، وإن سرق وإن زنى، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وإن سرق وإن زنى» رغم أنف أبي ذر في الحديث المشهور.
إذاً مرتكب الكبيرة تحت المشيئة، إن شاء الله عز وجل عذبه، وإن شاء غفر له. المرجئة قالوا لا، صاحب الكبيرة كامل الإيمان، نسأل الله العافية والسلامة. ولذلك الكبائر أيها الأحبة، مثل ماذا؟ شرب الخمر، وذكر هنا صاحب الكتاب السحر، الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «اتقوا السبع الموبقات»، ذكر الإشراك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات. سماها النبي موبقة والعياذ بالله. طبعاً هناك أيضاً بعض الأشياء التي جاءت في الحديث، وذكر هنا أيضاً المصنف عدة أمثلة، التبرج، «صنفان من أهل النار لم أرهما: نساء كاسيات عاريات» إلى آخر ذلك، والنمص والوشم وتغيير الخلقة: «لعن الله الواشمات والمستوشمات والنامصات والمتنمصات والمتفلجات للحسن والمغيرات لخلق الله»، السحر، الشرك، أكل الربا. إذاً كل ما رتب عليه حد أو لعن أو نار فهو من الكبائر، لكن أرجع فأقول إن صاحب الكبيرة تحت المشيئة، إن شاء الله عز وجل غفر له والله أكرم وأحلم، وإن شاء عذبه بهذه المعصية.
هل الأعمال التي ذكرناها تكفر الكبائر؟ لا ندري، يمكن، لكن العلماء يقولون هذا الحديث واضح: «إذا اجتنبت الكبائر». فالكبائر لا يكفرها إلا التوبة بشروطها: الإقلاع عن الذنب، الندم، العزم على ألا يعود، إرجاع الحقوق إلى أهلها. التوبة الصادقة هي التي تكفر الكبائر، ورحمة الله واسعة. حقوق العباد أيها الأحبة تقوم على المشاحة، وحقوق الله تقوم على المسامحة، الله يسمح في حقه، لكن في حق العبد لا، إلا أن يسامح العبد نفسه، لا يغفر إلا أن يسامح العبد في حقه، وتجاوز يسامح في حقه خلاص، يغفر لفلان أخطأ في حقي، خلاص أنت صاحب حق، لكن الله سبحانه وتعالى يغفر فيما وقع في حقه سبحانه. أما حقوق العباد فتقوم على المشاحة، لك شيء عندي تأخذه، لي شيء عندك أخذه.
وهكذا أيها الأحبة، الوقت مر سريعاً جداً، وحديث رسول الله كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا وإياكم علماً نافعاً، ورزقاً واسعاً، وشفاءً من كل داء. اللهم اغفر لآبائنا وارحم أمهاتنا وأصلح نياتنا وذرياتنا، اشف مرضانا ومرضى المسلمين وارحم موتانا وموتى المسلمين، وصلي اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين.
د. موفق كدسة الغامدي