بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً أما بعد. سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وأسأل الله العظيم رب العرش الكريم، بأسمائه وصفاته أن يرزقنا جميعاً علماً نافعاً، ورزقاً واسعاً، وشفاءً من كل داء.
ما زلنا معكم مع مادة الحديث الشريف، واليوم معنا الحديث التاسع، حديث أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستحي فاصنع ما شئت» اخرجه البخاري.
إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستحي فاصنع ما شئت. نقف وقفات مع المفردات: قوله أدرك الناس أي بلغهم وعلموهم ممن سبق. كلام النبوة الأولى أي من شرائع الأنبياء التي لم تنسخ لاتفاق العقول عليها، ولذلك كان مما اتفق عليه الأنبياء جميعهم ودعوا إليه.
قوله إذا لم تستحيي الحياء في اللغة الحشمة، وفي الاصطلاح خلق يحمل على إتيان الحميد وترك القبيح. هذا معنى الحياء. ثم هنا يقول في تفسير هذا المعنى وللجمله معنى؛ الأول: إذا لم يكن عندك حياء يمنعك من فعل القبيح فاصنع ما شئت، فيكون الأمر للتهديد؛ أي افعل ما بدا لك فإنك ستعاقب عليه، كما في قوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت: 40]. أو أن مثل ذلك لا يحصل إلا ممن ذهب حياؤه أو قل.
إذاً المعنى الأول إذا لم تستحي فاصنع ما شئت من باب التهديد، خلاص الإنسان إذا زال حياؤه أصبح كالبهيمة. الثاني: قال إذا كان ما تفعله ليس مما يستحى منه فاصنع ما شئت، فيكون الأمر للإباحة، يعني مثلاً لو قلنا ايش استخدامك لهذا القلم لا يضر، خلاص إذن ليس من خوارم المروة فاصنع ما شئت، بمعنى أن المعنى إذا لم تستحي فاصنع ما شئت بمعنى أن الأمر إذا لم يكن يستحى منه فافعل ولا تتردد. هذا المعنى الثاني.
أيها الأحبة، حقيقة هذا الحديث أعجوبة، وفيه من الفوائد الشيء الكثير. يتكلم هذا الحديث عن خلق الحياء؛ هذا الخلق كما قال ابن القيم وغيره يبعث على فعل الجميل وترك القبيح. الإنسان إذا فقد حياءه والعياذ بالله أصبح يفعل ما شاء، ويأكل ما شاء، ويعاقب من شاء، وما عنده ضابط لا في خلوته ولا في جلوته، ولا في ليله ولا في نهاره، ولا في سره ولا في جهاره، خلاص فقد الحياء.
سناخذ نحن الحديث في المعنى الأول؛ أن الإنسان إذا فقد الحياء، إذا لم تستحي فاصنع ما شئت. لذلك أيها الأحبة، إذا وجد الحياء في الفرد أو في الأسرة أو في المجتمع تعدلت الأمور، واستقامت الأخلاق، واستقام السلوك، واهتدت العقول، وانضبطت الأوامر. لكن المشكلة إذا فقد الحياء؛ يعني بعض الناس قد الدين لا يردعه، لكن الحياء من الناس يردعه، هذا أيضاً جيد يعني أخف الضررين كما يقولون.
لكن هنا هذا الحديث يبين لنا أهمية الأخلاق عامة وهذا الخلق خاصة، ومر معنا سابقاً أيها الأحبة كيف اهتم الإسلام بالأخلاق عامة، وأن المسلم ما من شيء أثقل في ميزان العبد المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق، وإن المسلم ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم. وأكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، فنجد أن الإسلام اهتم بالأخلاق كاملة، ثم جاء عند هذا الخلق الحياء بذاته.
لأن لنا معه وقفات أيها الأحبة، يقول صلى الله عليه وسلم: «إن لكل دين خلقاً، وخلق الإسلام الحياء»، لأن اعظم خلق في الإسلام الحياء، لأن الحياء معك في كل أوقاتك، الحياء لا يمكن أن ينفصل وأن ينفك عنك أبداً. إذا رزق الإنسان الحياء خلاص أصبح يراقب الله قبل أن يراقب الناس، ولو غلبته شهوته ولو غلبه هواه فإنه أيضاً سيحي من الناس، وبالتالي خلق الحياء خلق عظيم جداً جداً جداً.
يمر النبي صلى الله عليه وسلم على رجل ينصح أخاه في الحياء، وإنك لتستحي اترك الحياء، قال: «دعه فإن الحياء لا يأتي إلا بخير». اسمع يرعاك الله أن الحياء لا يأتي إلا بخير. ولما تكلم النبي صلى الله عليه وسلم عن شعب الإيمان قال: «الإيمان بضع وستون شعبة، أو بضع وسبعون شعبة، أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان».
طب لماذا؟ سؤال: لماذا ذكر الحياء بذاته؟ لم يذكر اليقين، لم يذكر الافتقار، لم يذكر التقوى، لم يذكر الرجاء أو الخوف أو المحبة، لا قال والحياء شعبة من الإيمان. إنما هو هذا للتركيز عليه، لإظهار أهميته في حياة المسلم وفي شعب إيمانه وفي سلوكه وأخلاقه، والحياء شعبة من الإيمان، الحياء شعبة من الإيمان.
إذاً الحياء يقودك إلى الإيمان، يقودك إلى خشية الله، يقودك إلى مراقبة الله، يقودك إلى استحضار عظمة الله عز وجل ومعية الله لك. أنت حينما تسول لك نفسك معصية أو ذنب أو تقصير، تعلم أن الله معك، أن الله ينظر إليك، أن الله يسمع كلامك، أن الله يعلم حالك، أن الله مطلع على سرائر و ظاهر وباطنك، حينئذ ستشعر بالخجل، ستشعر بالخجل لا محالة.
ولذلك اصطلح العلماء على أن أعمال القلوب أعظم من أعمال الجوارح، وأعمال القلوب أعظم من أعمال الجوارح والحياء من الله سبحانه وتعالى من أعمال القلوب. لذلك أقول أيها الأحبة، الله سبحانه وتعالى يستحق منا أخلاقاً كثيرة كثيرة جداً، منها: المحبة، الخوف، الرجاء، المراقبة، الانكسار، الافتقار لله سبحانه وتعالى، تعظيم الله، استشعار عظمة الله.
لكن لما يأتيك الحياء، الحياء يسحب الأخلاق كلها خلفه. الحياء من الله ثق تماماً إذا تحقق الحياء في قلبي وقلبك، كل أعمال القلوب الأخرى جاءت تسعى خلف الحياء لأنه يسحبها ويجذبها. إذا رزقك الله الحياء منه هنيئاً لك، وهنيئاً لك يا أمة الله، نعم الحياء يجذب كل الأخلاق، فإذا أصبح الإنسان يستحي من الله خلاص أصبح يحبه، يخاف منه، يرجوه، يراقبه، يدعوه، ينكسر له، يفتقر إليه، يستغيث به. لماذا؟ لأنه رزق الحياء من الله سبحانه وتعالى، رزق الحياء من الله.
إذاً هنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن لكل دين خلقاً وخلق الإسلام الحياء»، سواء مع الله أو مع الناس أو حتى مع نفسك أنت.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. عدنا إليكم مرة أخرى أيها الأحبة، وما زلنا مع هذا الخلق العظيم، خلق الحياء. أقول أيها الأحبة بالمناسبة، الله سبحانه وتعالى من صفاته الحياء، يقول صلى الله عليه وسلم: «إن الله حيي كريم، يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفراً».
الله عز وجل الغني العظيم الملك الجبار القادر القدير المقتدر ملك الملوك سبحانه، ومع ذلك يستحي منك، ويستحي منك، ويستحي منا، الله وهو الغني؟ نعم يستحي حياء يليق به سبحانه وتعالى لا كحيائي وكحك. كما أن جميع صفات الله عز وجل تليق بالله، فكذلك الحياء. الله سبحانه وتعالى حيي كريم عليم، يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفراً.
الله أكبر الله أكبر، ما أعظم صفات الله سبحانه وتعالى، ما أعظم صفات الله وهو الغني عنا ونحن الفقراء إليه، وهو العزيز ونحن الفقراء، هو الملك ونحن العبيد، هو العظيم ونحن الأذلاء، ومع ذلك تقول: يا ربي، فيقول الله: لبيك عبدي، سبحانه. هل استشعرنا هذه الصفة؟ وأن الله بمجرد أن تقول يا رب لا يردك، الله سبحانه وتعالى يستحيي من عبده.
من أنت؟ من أنا؟ من نحن أيها الأحبة؟ ما لنا قيمة في هذه الدنيا، ما لنا قيمة أصلاً، هو الذي خلقنا، هو الذي أوجدنا، هو الذي أنعم علينا سبحانه جل في علاه. ومع ذلك تقول: يا رب، يقول: لبيك عبدي، ملك الملوك سبحانه وتعالى. كل ليلة ينزل في الثلث الأخير إلى السماء الدنيا يقول: أنا الملك، أنا الملك، من ذا الذي يسالني فأعطيه؟ من ذا الذي يدعوني فأستجيب له؟ من ذا الذي يستغفرني فأغفر له؟ ملك سبحانه.
الحيي يحب من عباده الحياء، كما أن الكريم يحب من عباده الكرماء، والعليم يحب من عباده العلماء، كذلك الحيي سبحانه يحب من عباده أن يستحوا منه. ولذلك قبل أن نتكلم عن بعض الأمور المتعلقة بهذه الأمور، دعوني أتكلم عن أنواع الحياء.
أنواع الحياء: هناك حياء من الله وهو أعظمها، وهناك حياء من الناس يأتي في المرتبة الثانية، وهناك حياء من النفس. فالحياء من الله أن تستحي من الله أن يراك على معصية أو على ذنب أو على تقصير أو على سيئة، لا لا لا لا لا، الإنسان دائماً يستحي من الله، أن يستحي من الله سبحانه وتعالى.
أعدى رجل على امرأة ترعى الغنم وكان قوياً، فتمكن منها وأراد أن ينال منها ما ينال الرجل من زوجته، فانتفضت وارتعبت، وقال لها: مالك مالك؟ والله ما يرانا إلا هذه الكواكب! فقالت: أين مكوكبها؟ أين الله؟ فانتفض الرجل وقام وتركها. نعم هذا الذي نريده، أن نستحي من الله سبحانه وتعالى. هذا الحياء الأول وهو معك اينما كنت، أن تستحي من الله أن يراك على معصية.
جاء رجل إلى الإامام إبراهيم بن أدهم رحمه الله وقال: يا إمام إنني نفس كلما تابت عادت، وابت إلا أن ترتكب الذنوب والمعاصي، حاولت أن أتوب، حاولت أن أتراجع، ما استطعت، هل أجد عندك علاجاً؟ قال: نعم، خمسة أمور إذا فعلتها اعص الله كيف ما شئت. قال: عجل بها عجل بها.
قال: أول واحدة إذا أردت أن تعصي الله سبحانه وتعالى فاعصه في مكان لا يراك فيه. فنظر الرجل إليه قال: واين أذهب؟ كل مكان يراني الله فيه. قال: أما تستحي من الله تعصي الله وهو يراك؟ الرجل انتفض، قال: عجل بالثانية.
قال: إذا أردت أن تعصي الله سبحانه وتعالى فاعصه في غير ملكه. قال: أين؟ كل شيء هو ملك لله، الأرض والبيت والطريق والسوق كلها لله. قال: ما تستحي من الله؟ الله سبحانه وتعالى أنت تعيش في ملكه وتعصيه، ما تستحي من الله؟
قال: الثالثة. قال: الثالثة إذا أردت أن تعصي الله سبحانه وتعالى فانزع نفسك من نعم الله. قال: كيف ذلك؟ حياتي وروحي وسمعي وبصري وكل قواي من نعم الله. قال: أما تستحي من الله ينعم عليك كل هذه النعم وتعصيه؟
قال: هات الرابعة. قال: وما فعلت في الثلاث الأول؟ قال: عجل بها. قال: الرابعة إذا جاءك ملك الموت يريد أن يقبض روحك فدعه ينتظر حتى تتوب. قال: هذه ما استطيع، فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون.
قال: الخامسة يا إمام. قال: إذا ساقتك ملائكة العذاب إلى النار فلا تذهب معهم، لا تذهب معهم. قال: هذه اعظم وأعظم. قال: إذاً اتق الله وتب. قال: تبت إلى الله ورجعت إليه.
أقول أيها الأحبة هذه أمور لو كل إنسان استشعرها وبدأ يفكر فيها، والإامام يقول له: فعلاً أنت الآن تعيش في ملكه وهو ينظر إليك ويعلم حالك، وأنت في نعم الله عز وجل، وأنت لا يمكن أن تبعد الموت عنك إذا جاء ولا تعلم متى يأتي، وإذا ساقتك ملائكة العذاب إلى النار لا يمكن أن تخالفهم. هذه كلها ما تعطيك أمور توقظك من هذه الغفلة.
لذلك كان بعض السلف يقول وهو يحاسب نفسه: الله ينظر إلي، الله يعلم مكاني، الله يسمع كلامي. هذه الأمور تجعل الإنسان يا اخوان ايش يستشعر، يستشعر أن الله معه، المعية لله سبحانه وتعالى؛ المعية العامة والمعية الخاصة، المعية العامة لكل الخلق، والمعية الخاصة لعباده المؤمنين.
ولذلك مما يعيننا على الحياء من الله سبحانه وتعالى يا أحبابي أمور؛ منها استشعار صفات الله سبحانه وتعالى وأسمائه، بمعنى أن تعلم أن الله هو السميع البصير، فالله يسمع كلامك ويبصر مكانك. الأمر الثاني: أن توقن بعلم الله سبحانه وتعالى.
بحالك الله يعلم كل شيء، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، يعلم كلامك، يعلم فعلك، يعلم حتى ما يدور في نفسك وفي فؤادك. الله عز وجل بصير بعباده خبير بهم، خبير بهم وبحالهم، الله سبحانه وتعالى مطلع عليهم، الله عز وجل ظاهر على كل شيء لا يخفى عليه شيء، ظاهر بعلمه، ظاهر بقوته، ظاهر بسلطانه، ظاهر بنعمه سبحانه جل في علاه.
كذلك الله باطن لا يخفى عليه شيء، مهما حاولت أن تخفيه يعلم كل شيء، ولذلك كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فلا شيء بعدك، وأنت الظاهر فلا شيء فوقك، وأنت الباطن فلا شيء دونك»، لا شيء دون الله عز وجل، لا شيء يخفى على الله سبحانه وتعالى.
وإذا خلوت بريبة في ظلمة والنفس داعية إلى الطغيان فاستحي من نظر الإله وقل لها إن الذي خلق الظلام يراني. استحي من نظر الإله، استحي من الله عز وجل، لذلك نحن أيها الأحبة كارثتنا ومصيبتنا الحياء من الله فعلا. لو أن الإنسان رزق بالحياء وأخذ ينمي الحياء في قلبه ودائما يذكر نفسه بعلم الله وقدرة الله ونظر الله وسمع الله وعلم الله وبصيرة الله عز وجل، حينئذ سينتهي عن أمور كثيرة، وهذا الفرق بين المؤمن وغير المؤمن.
المؤمن يستشعر هذه الأمور ويعلم أنه سيلاقي الله سبحانه وتعالى، أما غيره فيعيش حياة البهائم، كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: 179].
روي أن مسروقا دآن دينا ثقيلا، وكان على أخيه خيثمة دين، فذهب مسروق فقضى دين خيثمة وهو لا يعلم، وذهب خيثمه فقضى دين مسروق وهو لا يعلم. إنه الإيثار، أعلى منازل الكرم والسخاء، وأسمى مراتب البذل والعطاء، خلق يبعث على المودة والرحمة، ويدل على الصفاء والنقاء.
امتدح الله به أصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم من الأنصار فقال: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَان بهم خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: 9]. للإيثار فوائد عظيمة وثمار جليلة، منها: انتشار التعاون والتعاضد بين المسلمين، جلب البركة ونماء الخير وتحقيق الكفاية المادية في المجتمع، كمال الإيمان وحسن الإسلام، الوصول إلى محبة الله ورضوانه، حصول الألفة والمحبه بين الناس، البعد عن صفات الشح والأثرة، من علامات الرحمة التي تنجي لصاحبها الجنة ويعتق بها من النار. فهنيئا لمن تزين بهذا الخلق الكريم وأصبح ممن قال الله فيهم: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: 9].
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد. سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
ما زلنا معكم أيها الأحبة في هذا الحديث العظيم، حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحي فاصنع ما شئت». النبي صلى الله عليه وسلم يوم من الأيام يقول للصحابة: «استحيوا من الله». قالوا: يا رسول الله، إنا نستحي من الله. قال صلى الله عليه وسلم: «من استحيى من الله حق الحياء فليحفظ الرأس وما وعى، وليحفظ البطن وما حوى، وليذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينه الحياة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيى من الله حق الحياء».
إذا الحياء مطلب، وهذا الحياء له أثر، أثر على ظاهرك وعلى باطنك. قال صلى الله عليه وسلم، كما سمعنا: «من استحيى من الله حق الحياء فليحفظ الرأس وما وعى». تحفظ لسانك مما يغضب الله سبحانه وتعالى وتستعمله في طاعة الله سبحانه جل في علاه، لا يخرج منه إلا حلال، ولا تتكلم به إلا في مرضاه الله، لا تلعن، لا تغتاب، لا تنم، لا تسب، لا تشتم، كل ما يغضب الله تبتعد عنه، هذا اللسان إما أن تتكلم به خيرا أو يصمت. فليحفظ الرأس وما وعى، إذا اللسان، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من يضمن لي ما بين لحييه وما بين فخذيه أضمن له الجنة، أضمن له الجنة»، ولذلك اللسان صغير الجرم كبير الجرم.
البصر، هذا البصر نعمة من نعم الله، ولذلك يجب عليك وجوبا ألا تنظر إلا فيما أحل الله، أن تستخدم هذه النعمة فيما يعينك، أما كسب دنيوي مباح، أو عمل دنيوي مباح، أو تفكر في هذا الخلق وفي هذه المخلوقات: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: 190-191]. البصر نعمة عظيمة عظيمة عظيمة لا تقدر بثمن، ولذلك يجب علينا وجوبا أن نستخدمها فيما يرضي الله سبحانه وتعالى، وألا ننظر فيما حرم الله، خاصة في هذه الأزمنة: كثرة الفتن، وكثر التبرج، وكثر السفور، وكثر قلة الحياء من كثير من الخلق مع الأسف، فأصبح النظر إلى النساء والنظر إلى المردان والنظر إلى الأجانب غير المحارم سهلا، لذلك الإنسان ينبغي أن يتقي الله سبحانه وتعالى، لا ينظر إلا فيما يرضي الله سبحانه وتعالى، وهذا النظر كارثة إذا لم يستخدم في طاعة الله سبحانه وتعالى، وإذا سلب منك فصبرت فهنيئا لك الجنة، الله سبحانه وتعالى إذا ابتلى الرجل بفقد حبيبتيه فصبر فله الجنة.
السمع، هذا السمع نعمة من نعم الله، لا تتجسس، لا تسمع كلام قوم وهم له كارهون، لا تسمع الموسيقى ولا الغناء ولا ما حرم الله، وما أسهلها هذه الأيام مع الأسف، ما أسهلها! إذا هذه الأذن نعمة نعمة عظيمة، فالإنسان يحذر، لا تتلصص ولا تتجسس على الناس، قال صلى الله عليه وسلم: «من استمع لحديث قوم وهم له كارهون فكانما صب في أذنيه الآنك»، أي الرصاص المذاب.
هذا الدماغ الذي أنعم الله به عليك استخدمه في مرضاه الله سبحانه وتعالى، في إقامة الدين، في خدمة الإسلام، في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، لا تستخدمه فيما حرم الله ولا فيما يغضب الله أو يؤذي الناس. إذا يحفظ الرأس وما حوى، وليحفظ البطن وما حوى. البطن لا يدخل فيه إلا حلال، أكلا، شربا، طعاما، مالا، لا يدخل في جوفك إلا حلال، ولذلك لما جيء لأبي بكر رضي الله عنه وأرضاه بغلام له جاء بتمر، وكان أبو بكر جائع فأكل تمرة، فالغلام يقول: لما لم تسألك من أين هذا الطعام؟ قال: من أين؟ قال: كنت تكهنت في الجاهلية وأنا لا أحسن الكهنة، يعني مال محرم، فأراد أن يخرجها، ما استطاع، أدخل أصبعه في فمه ما استطاع، فأخذ يشرب ويشرب ويشرب الماء حتى أخرجها، كاد أن يهلك نفسه.
الصحابة قالوا: يا خليفة رسول الله، كدت أن تهلك نفسك! قال: والله لو لم تخرج إلا بخروج نفسي لأخرجتها، سمعت خبيلي صلى الله عليه وسلم يقول: «كل جسد نبت من سحت فالنار أولى به، وكل جسد نبت من سحت فالنار أولى به». الإنسان يتقي الله عز وجل في أكله وشربه ومطعمه ومشربه، والنبي ذكر الرجل يطيل السفر، يمد يديه إلى السماء: يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟ ولذلك في الحديث: «أطب مطعمك تستجب دعوتك».
إذا هذا البطن يا أحبابي لا يدخل فيه إلا حلال، الإنسان يحذر من الكسب المحرم: سرقة، رشوة، غصب، احتيال، حتى لما تعمل اعمل في مكان مباح، ما تعمل في أي مكان، اجتنب البنوك الربوية، اجتنب الأماكن التي فيها شبه، هذا جسدك أنت أولى به.
ليحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وليذكر الموت والبلى. لا يغيب عنك دائما ذكر الموت، لأن الإنسان إذا نسي الموت يا أحبابي ركن إلى الدنيا. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها فإنها تذكركم الآخرة، أكثروا من ذكر هادم اللذات ومفرق الجماعات». إذا ذكر الموت مطلب يا أحبابي، الموت نذكره لأن حتى الإنسان لا ينسى، ستموت والله ستموت، والله سنموت جميعنا، الموت لا والدا يبقي ولا ولدا، هذا الطريق إلى ألا ترى أحدا.
كان النبي صلى الله عليه وسلم لو خلد لأمته.. لو خلد الله خلقا قبله لخلد، والله ما يخلد أحد، ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: 185]، ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن: 26]. وليذكر الموت والبلى، سيبلى هذا الجسم، النظارة، هذا الجمال، الشكل الجميل، سيموت وينتفخ ويتعفن وتاكله الديدان ويبقى هيكل عظمي تحت الأرض شئت أم أبيت، ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: 185].
ثم قال صلى الله عليه وسلم: «ومن أراد الآخرة ترك زينة الحياة الدنيا». من أراد جنة عرضها السماوات والأرض يترفع عن الدنيا وسفاسفها، لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما عليها، أقل رجل في الجنة من ينظر في ملكه ألف سنة، ألف سنة يا أحبابي ألف سنة واحد في الجنة! يقول صلى الله عليه وسلم: «أقل أهل الجنة من يملك عشرة أضعاف الدنيا منذ أن خلقها الله إلى قيام الساعة». من أراد الآخرة، جوار الرحمن، جوار الأنبياء، الأماكن العظيمة، ترك زينة الحياة الدنيا، ترفع عن هذه الدنيا المغرورة التي يقول عنها صلى الله عليه وسلم: «لو كانت تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافرا شربه ماء». هذه الدنيا يقول صلى الله عليه وسلم: «الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه، أو عالما أو متعلما».
أقول أيها الأحبة، الحياء مطلب مطلب مطلب عظيم جدا، يعينك على فعل الجميل وترك القبيح، ولذلك لا يتجرا الواحد منا على معصية إلا إذا ترك الحياء، وإلا مستحيل أن يرزق الإنسان الحياء ويتجرأ على المعصية، وقد جاء في بعض الأحاديث: «استحي من الله كما تستحي من الرجل الشريف في قومك». فإذا كان نحن نستحي من الناس أن يرونا على معصية أو على تقصير، أما نستحي من الله أن يرانا على تقصير وهو العظيم القوي سبحانه؟
نكتفي بهذا، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا خشيته في الغيب والشهادة، وأن يرزقنا الحياء منه في السر والعلن، وأن يغفر الذنب ويستر العيب ويتجاوز عن الخطيئة، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.
د. موفق كدسة الغامدي