تسجيل الدخول

حديث: (... فليقل خيرا أو ليصمت) المحاضرة 10 - الحديث - المستوى الثالث - د . موفق كدسة الغامدي

موفق كدسة الغامديد. موفق كدسة الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته. أسأل الله العظيم رب العرش الكريم، بأسمائه وصفاته، أن يرزقنا جميعاً علماً نافعاً، ورزقاً واسعاً، وشفاءً من كل داء.

اليوم أيها الأحبه مع الحديث العاشر؛ حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه». متفق عليه.

شرح المفردات؛ يقول: من كان يؤمن؛ هذه جملة شرطية جوابها: فليقل خيراً أو ليصمت. والمقصود بهذه الصيغة الحث والإغراء على قول الخير أو السكوت. والخير نوعان: خير في المقال نفسه، وخير في المراد به.

أما الخير الذي في المقال فانه يذكر الله عز وجل، ويسبح، ويحمد، ويقرا القرآن، ويعلم العلم، ويأامر بالمعروف، وينهى عن المنكر. هذا إذا كان الخير الذي في القول. أما الخير الذي في غيره؛ كان يقول قولاً مباحاً ليس خيراً في نفسه، لكنه من أجل إدخال السرور على جلسائه، فإن هذا خير لما يترتب عليه من الأنس، وإزالة الوحشة، وحصول الألفة.

والصمت كله خير. إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب كما يقولون، والصمت كله خير. وقد قيل: إذا تم العقل نقص الكلام. وقيل في الصمت: هو زينة بدون حلية، وهيبة بدون سلطان، وحصن بدون حائط. قال الشاعر: رأيت الكلام يزين الفتى، والصمت خير لمن قد صمت. فكم من حروف تجر الحتوف، ومن ناطق ود لو سكت.

وقوله: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره» أي جاره في البيت. والظاهر أنه يشمل حتى جاره في العمل، لكنه في جار البيت أظهر. وكلما قرب الجار منك كان حقّه أعظم.

أيها الأحبة الأفاضل، هذا الحديث ثلاث فوائد عظيمة، وكل فائدة تحتاج إلى لقاءات متعددة. لكن كما يقولون: يكفي بالقلادة ما أحاط بالعنق. أولاً، قبل أن نخوض أو نتكلم في هذه الأمور الثلاثة، قضية حرص النبي صلى الله عليه وسلم على تعزيز الإيمان بالله واليوم الآخر. أنت عبد لله سبحانه وتعالى، وإن طال الزمان بك وإلا قصر ستوافيك يوم القيامة، ستوافق للحساب، ولا هناك مفر أبداً من الورود على الله سبحانه وتعالى.

ولذلك النبي دائماً يربط المسلم بربه في أفعاله كلها؛ دائماً من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، من كان يؤمن بالله واليوم الآخر. إذاً عندك إيمان بالله، هذا الإيمان سيكون له أثر عظيم على سلوكك، وعلى أخلاقك، وعلى تعاملك، وعلى بيعك، وعلى شرائك، وعلى ليلك، وعلى نهارك، وعلى سفرك، وعلى حلك، وعلى منشطك، وعلى مكرهك. سيكون الإيمان بالله مسيطر عليك تماماً.

وأعظم نعمة، أعظم نعمة؛ أن المسلم دائماً يستشعر أن الله معه، أن الله ينظر إليه، أن الله يعلم حاله، أن الله يسمع كلامه، أن الله مطلع عليه ومعه أينما كان: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَكُنتُمْ﴾ [الحديد: 4]. ولذلك أعظم محفز، وأعظم موجه، وأعظم مرغب؛ الله سبحانه جل في علاه، الإيمان بالله عز وجل.

الإيمان بالله؛ يعني قد يكون هناك محفزات دنيوية؛ مال، وظيفة، شهادة، مرتبة، وتجد الإنسان يستميت من أجلها. أما تستميت من أجل الله عز وجل؟ أما تستميت من أجل جنة عرضها السماوات والأرض؟ أما تستميت في قضية حتمية لازمة لك ستواجهها شئت أم أبيت؟ لذلك أيها الأحبة دائماً النبي صلى الله عليه وسلم يربط الناس البشر بالله. وهذا أعظم رابط، والله أعظم رابط، أن نرتبط بالله في كل أمورنا. الله يحب هذا، الله يكره هذا، الله مثلاً يعطي على هذا الشيء الكثير، الله يغضب من هذا شيئاً كثيراً، وهكذا وهكذا.

فالمحب والموجه والمرغب؛ يعني بعض الناس لو تقول له مثلاً العمل الفلاني لك 2 مليون، لك شهادة ترقيه، لك بيت، قصر؛ تجد الواحد يستميت، يستميت والله من أجل مبلغ زهيد أو ترقية بسيطة. أما تتحفز ولأجل الله ومرضاة الله، والله معك، والله ينظر إليك، والله معك أينما كنت، والله ينعم عليك في كل لحظة نعم لا تتخيلها، نعم لا تحصى، نعم عقلك لا يستشعرها.

لذلك أيها الأحبة نحن فقراء إلى الله، نحن عالة، نحن عجزة، نحن ضعاف، نحن لا نملك شيئاً أصلاً. النفس يدخل أنفك ويخرج، والله وبالله وتالله لا لك قدرة لا في إدخاله ولا في إخراجه. قلبك ينبض الآن، قلبك ينبض، من الذي ينبضه؟ دماؤك تجري، من الذي يجريها؟ البنكرياس يعمل، من الذي يعمله؟ الكبد تعمل، من الذي يشغلها؟ الكلى تنقي، من الذي يجعلها تنقي؟ في لحظة كل شيء يسحب منك، والله في لحظة كفيش أو كمقبض الكهرباء أو كذا خلاص اضغط عليه يفصل التيار. وأنت في لحظة من اللحظات يسحب منك التيار تسحب روحك فتسقط، تسقط. من الذي يحفظك؟ هو الله. من الذي يعطيك، يرزقك، يعافيك، يسددك، يلهمك؟ الله.

ولذلك دائماً النبي يربط؛ من كان يؤمن بالله واليوم الآخر. الله معك حاضر الآن وكل آن، واليوم الآخر سياتي عليك شئت ولا أبيت. إذاً أنت قدم، قدم، قدم. إذاً هذه قضية مهمة جداً.

من كان يؤمن بالله واليوم الآخر قال: «فليقل خيراً أو ليصمت». فليقل خيراً أو ليصمت؛ هذا اللسان. اللسان صغير الجرم، كبير الجرم، ميزان؛ إذا لم تضبطه ينحرف، وإذا ضبطته يستقيم طريقك إلى الجنة وطريقك إلى النار. اللسان، اللسان.

ولذلك تستطيع باللسان تذكر الله، تدعو، تنصح، تتعلم، تأمر بالمعروف، تنهى عن المنكر، تخطب في الناس، تعلم الناس، تصلح بين الناس؛ أفعال كثيرة جداً جداً جداً جداً. وباللسان نفسه، بنفس اللسان؛ تلعن، تشتم، تغتاب، تنم، تكفر، تطلق، تزوج، تفعل الأفاعيل، بنفس اللسان. لذلك فعلاً لما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أكثر ما يدخل الناس الجنة قال: تقوى الله وحسن الخلق. طيب يا رسول الله، ما أكثر ما يدخل الناس النار؟ قال: الاجوفان؛ الفم والفرج.

فصل ثم نعود إليكم بإذن الله، وصلى الله على محمد.

هل تحمل هم نفقات تطاردك ولا تستطيع تلبيتها؟ هل فكرت في أي حلول لسد هذه النفقات؟ أم أن أول ما تفكر فيه هو الاستدانه؟ فلتسأل نفسك: هل ساقت لامر ضروري؟ هل وقت الاقتراض مناسب؟ هل المبلغ الذي ساقت سيؤثر على ميزانية الأسرة؟ كيف سيسدد الدين وكم سيستغرق من الوقت؟

واعلم أن الدين وإن كان جائزاً إلا أن أمره خطير، ولذلك استعاذ منه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم». كما أنه صلى الله عليه وسلم لم يصلي على من مات وعليه دين. فلا ينبغي لعاقل أن يورط نفسه في الدين لأمور ترفيهية أو تكميلية، لأن الدين يصيب بالهم والغم، وقد يوقع في الكذب وأخلاف الوعد والمشكلات الأسرية.

ويستحب للدائن أن يخفف عن المدين، وقد وعد الله المقرض أجراً عظيماً على تفريج كربة مسلم. ولا يجوز للمدين أن يماطل في رد الحقوق مع القدرة. ولتعلم أن النية الصالحة سبب في قضاء الدين، ففي الحديث: «من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذ يريد إتلافها أتلفه الله».

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

ما زلنا مع هذه الدرة النبوية والإشراق المحمدية عليه أفضل صلاة وأتم تسليم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر». إذا استقر الإيمان في قلبك؛ إيمانك بالله بوجوده، وبتوحيد ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته وأفعاله، وما يليق به وما لا يليق به سبحانه. إذا استقر الإيمان في قلبك لا بد أن يظهر على جوارحك.

من ضمن الآثار للإيمان أيها الأحبة أن الإنسان يراقب الله عز وجل في امور في كل حياته. لكن هنا الحديث ركز على ثلاث قضايا؛ القضية الأولى: قضية اللسان. اللسان، ولذلك اللسان هذا ينبغي الإنسان أن يحرص، كما قلت قبل قليل، يحرص في استخدامه فيما يرضي الله سبحانه وتعالى.

النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «وإن أحدكم ليتكلم بالكلمة، كلمة لا يلقي لها بالاً، تهوي به في جهنم أبعد ما بين المشرق والمغرب». كلمة واحدة؟ نعم، كلمة واحدة في سخط الله تهوي به، وفي مرضاه الله ترفعه، وهو لا يدري وهو لا يعلم.

فإذاً اللسان مطلب مهم جداً أن تنتبه له. وكان أبو بكر يقول: هذا الذي أوردني الموارد. وحديث معاذ الكبير؛ حينما النبي صلى الله عليه وسلم قال حينما سأله معاذ: دلني على عمل يدخلني الجنة يبعدني عن النار؟ قال: لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من ييسره الله عليه؛ تعبد الله ولا تشرك به شيئاً... ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ ثم آخر شيء قال: ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قلت: بلى يا رسول الله. أخذ بلسانه وقال: «كف عليك هذا». أمسك لسانك يا معاذ، أمسك لسانك.

معاذ يقول: أو إنا لمؤاخذون بما نتكلم يا رسول الله؟ قال: «ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم؟» وين أنت يا معاذ، وينك؟ بعض الناس يقول لك: يا اخي اللسان ما تحت شوكة. لا، لا أبشرك، اللسان فيه اثنين متابعينك من الملائكة، بل والله جيش من الملائكة يتابعك: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18]. والله جيش من الملائكة؛ يقول صلى الله عليه وسلم: «يتعاقبون عليكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، الكتبة، فيجتمعون في صلاة الفجر وفي صلاة العصر، فيعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم الله: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون».

حالك، وقولك، وفعلك مقيد. ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: 49]. أحداً؛ انتبه، لا يظلم الله سبحانه وتعالى.

ولذلك اللسان ينبغي أن ننتبه له أيها الأحبة، انتبهوا لكلامكم: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ [الإسراء: 53].

خذ مثالاً بس، خذ مثالاً بسيطاً؛ تعرفون ما يحدث بين الضرائر نساء الرجل الواحد؟ حدث موقف مع عائشة رضي الله عنها وأرضاها، وهي عائشة، أمنا، حبيبة رسولنا، الصديقة بنت الصديق، الصديقة، أحب هذه الأمة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. عائشة، رأيتم عائشة؟ عائشة رضي الله عنها وأرضاها ولعن الله من ينتقصها.

عائشة رضي الله عنها، رسول الله صلى الله عليه وسلم عندها، فجاءت صفية الزوجة الثانية ومعها طعام أو كذا. المهم عائشة غارت؛ كيف تجي في يومي؟ فلما ولت صفية رضي الله عنها وأرضاها قالت: يا رسول الله، يكفيك من صفية أنها قصيرة! يسكت الرسول على الحرام؟ لا يسكت عن الغلط، لا يسكت عن التوجيه. قال: «ماه يا عائشة»؛ طبعا أحب الخلق إليه، أحب من أبيها وهو أبوها أبو بكر الصديق، ما هي عائشة؟ «والله لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته».

يبالغ صلى الله عليه وسلم؟ ما يبالغ، ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: 3-4]. الآن الدول الكبرى لما تريد أن تتخلص من النفايات النووية وين توديها؟ ترميها في البحار. لكن المعصوم صلى الله عليه وسلم يقول: «يا عائشة، قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته» لأنتنته وتعفنته. ايش قالت؟ قصيرة، هي قصيرة، لا، لكن هذا على سبيل الانتقاص والغيبه. ما يسكت صلى الله عليه وسلم.

إذاً اللسان خطير، إما أن تستخدمه في مرضاة الله وما يقربك، وإلا فاسكت. الكلام الطيب خير من السكوت، والسكوت أعظم من الكلام البدء أو الخطا. كان عمر يقول: من كثر كلامه كثر سقطه، ومن كثر سقطه كثرت ذنوبه، ومن كثرت ذنوبه كانت النار أولى به. ولذلك اللسان يحتاج إلى حبس، ترى الكلام فيه شهوة. احذر، احذر أن تتكلم بكلام لا تبتغي به وجه الله سبحانه وتعالى.

إذاً هذه أول قضية لابد أن يكون إيمانك بالله وأنك سترد على الله ويحاسبك على كل صغيرة وكبيرة مؤثر على كلامك؛ إما أن تتكلم فيما يرضي الله أو تسكت، خلاص، أو اسكت.

أيضاً القضية الثانية؛ قضية ايش؟ ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر قال: «فليكرم جاره». الجار، الجار! الله أكبر يا أحبابي، كم جعل الإسلام للجار من حق؟ بل النبي صلى الله عليه وسلم ايش يقول؟ يقول: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه». الله أكبر! ما زال يوصيني بالجار، يوصيني يوصيني، حتى ظننت أنه سيورثه، أي سيجعل له نصيباً من إرث جاره.

كثير من مشاكلنا الاجتماعية الآن بسبب الجيران؛ المحاكم مليئة بمشاكل الجيران، سواء المشاكل في البيت ولا في الأرض ولا قدام بعضهم البعض وإلا في عمارة واحدة ومشاكل وربما قتل! وربما أين حق الجار يا اخي؟ يؤذني يا اخي، يوقف سيارته أمام منزلي يا اخي، يزعجني، أين حق الجار بس؟ أين حق الجار يا اخي؟ كيف يأذيني؟ أين حق الجار؟ انتبه، ذكر نفسك بهذا، ذكر نفسك بهذا.

العرب في الجاهلية كانوا يعظمون الجار والجوار، وكانوا يقولون: الجار قبل الدار، الجار قبل الدار. وأيضاً الجار ولو جار، حديث. أسف، مثل الجار ولو.

جار لذلك جارك له عليك حق، ايش؟ أن تحسن إليه، أن تكف أذاك عنه، أن تتحمل أذاه، حق له؛ إذا أذاك أن تتحمل أذاه تقرباً إلى الله سبحانه وتعالى. ولما ترى النبي صلى الله عليه وسلم في معاملته والسلف الصالح وكيف أنه في جار له حق، وجار له حقان، وجار له ثلاثة حقوق؛ أما الجار الذي له حق فهو الكافر، شوف، كافر، يهودي، نصراني، له حق. جارك، جارك لله عليك حق، يهودي، نصراني، لله عليك حق. طيب، الجار له الحقان: جار المسلم له حق الجوار وله حق الإسلام، القريب ثلاثة حقوق: حق الجوار، حق الإسلام، حق القرابة.

لذلك أقول أيها الأحبة، ينبغي أن نهتم بهذه القضية، نكرمهم، ما تتحملهم؟ لا، نكرمهم ولو، نكرم؛ فليكرم جاره إكراماً. حتى إذا طبخت مرقة ولا شيئاً أكثر، كما يقول النبي لأبي ذر: وتعهد جيرانك. جاء رجل النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا رسول الله إن لي جاراً يؤذيني، قال: اصبر. المرة الثانية: يا رسول الله جاري يؤذيني، قال: اصبر. المرة الثالثة: قال: أخرج متاعك إلى قارعة الطريق. أخرج الرجل متاعه إلى قارعة الطريق، كل ما جاء رجل: ايش عندك خير؟ قال: والله جاري آذاني، قالوا: لعنه الله. جاء الثاني: ايش قال؟ والله جاري آذاني، قالوا: لعنه الله. الرجل سمع الناس يلعنونه، ذهب إلى رسول الله: يا رسول الله الناس يلعنوني، قال: إن الله لعنك قبل أن يلعنك الناس، إن الله لعنك قبل أن يلعنك الناس. قال: يا رسول الله لا أعود. فذهب الرجل واستسمح منه. يا إخواني، تخيل أن الله لعنك قبل أن يلعنك الناس لأنك آذيت جارك، آذيت جارك.

ولذلك في الحديث أن الرجل لا يسرق من سبعة بيوت أهون عند الله من أن يسرق جاره، ومن الكبائر والعياذ بالله أن يزاني الرجل بحليلة جاره، مصيبة، كارثه! جارك يجب عليك أن تكرمه، تتلطف معه، تكف أذاك عنه، إن حصل تتحمل.

روي أن مسروقاً دان ديناً ثقيلاً، وكان على أخيه خيثمة دين، فذهب مسروق فقضى دين خيثمة وهو لا يعلم، وذهب خيثمة فقضى دين مسروق وهو لا يعلم. إنه الإيثار، أعلى منازل الكرم والسخاء، وأسمى مراتب البذل والعطاء، خلق يبعث على المودة والرحمة ويدل على الصفاء والنقاء. امتدح الله به أصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم من الأنصار، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِم خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: 9]. وللإيثار فوائد عظيمة وثمار جليلة؛ منها: انتشار التعاون والتعاضد بين المسلمين، جلب البركة ونماء الخير، وتحقيق الكفاية المادية في المجتمع، كمال الإيمان وحسن الإسلام، الوصول إلى محبة الله ورضوانه، حصول الألفة والمحبه بين الناس، البعد عن صفات الشح والأثرة، من علامات الرحمة التي توجب لصاحبها الجنة ويعتق بها من النار. فهنيئا لمن تزين بهذا الخلق الكريم وأصبح ممن قال الله فيهم: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: 9].

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد. ما زلنا مع هذه الأمور الثلاثة التي ربطها النبي صلى الله عليه وسلم بالإيمان بالله، معنى الإيمان ايش؟ أن تصدق، أن تؤمن إيمان يقين بالله وباليوم الآخر. إذاً نحن توقفنا عند إكرام الجار، إكرام الجار بالاحسان إليه لا بإذيته، إكرام الجار بالتودد إليه لا بإغضابه، إكرام الجار بأنك تؤدي إليه ما يحب لما يغضبه. الجار ولو جار، ذكر النبي صلى الله عليه وسلم امرأة تقوم الليل وتصوم النهار وتتصدق بالأموال الكثيرة لكنها تؤذي جيرانها، قال: هي في النار. وذكر للنبي صلى الله عليه وسلم امرأة لا تصوم إلا الفرض ولا تصلي إلا الفرض ولا تتصدق إلا بالقليل لكنها لا تؤذي جيرانها، قال: هي في الجنة، هي في الجنة.

لذلك يقولون: كان لأحدهم جار سوء، فقيل له: أبعت دارك؟ قال: بعت جاري ما بعت الدار. وكان لأبي الأسود الدؤلي بيت كبير فباعه بثمن بخس، فلامه الناس، قال: يلومونني إن بعت بالرخص منزلي، ولم يعلموا جاراً هناك ينغص، فقلت لهم: كف الملام، فبجيرانها تغلو البيوت وترخص. بل والله إن الجوار يشرى، قيل كان لابن المبارك رجل يهودي، وكان له جار، وكان يريد أن يبيع بيته، اليهودي: بكم تبيع البيت يا يهودي؟ قال: بألف دينار. قالوا: البيت لا يسوى إلا ألف دينار. قال: نعم، ألف دينار قيمة البيت، وألف دينار قيمة جوار ابن المبارك. فسمع ابن المبارك بهذا فأرسل له ألفي دينار وقال: امكث في بيتك.

نعم الجار، الجار يا أحبابي أقرب لك من قريبك، هو أقرب الناس إن وقعت لك مشكلة أو مساة أو أردت أن تستفز به جارك. جارك يا ناس أحسنوا إلى جيرانكم، توددوا إليهم، تقربوا إليهم، الجار ولو جار. بقي لنا القضية الثالثة والأخيرة نسأل الله أن يبارك في الوقت، قال: ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه. يا إخوان، الكرم مطلب عندنا في الإسلام، يا إخواني، الجاهلية في الإسلام كانوا يكرمون الضيف ويكرمون الحجيج وكانوا يبحثون عن الضيوف ويوقدون النيران في الليل الكبيرة تسحب لهم الضيوف. لذلك أقول أيها الأحبة جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكد هذه القضية.

أنا أسال سؤال، لو سالت الآن من أكرم العرب؟ من ستقول؟ ما هو جوابك؟ أظنك غلطان، أظنك غلطان أو أظنك غلطانة! ترى أكرم العرب والعجم والانس والجن هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. أنا دائماً أسأل في المساجد: من أكرم العرب؟ حاتم الطائي، من قال الكلام الفاضي هذا؟ لا أبدا، والله ما أكرم العرب، أكرم العرب هو رسولنا صلى الله عليه وسلم، لأن حاتم الطائي كان يكرم للسمعة والثناء، يحب الناس يذكرون فلان كريم، أما رسولنا صلى الله عليه وسلم فكان يكرم لوجه الله، يعطي لله، لا يقول لا أبداً، لا يقول لا أبداً.

أهدي له صلى الله عليه وسلم يوم من الأيام جبة، وكان محتاجاً لها، فجاء أحد الصحابه، لما راها علي، قال: يا رسول الله اكسنيها، قال: نعم. الصحابه لاموا الرجل: كيف تطلب رسول الله وهو لا يرد أحد؟ شوف الشاهد هنا: لا يرد أحد. قال: والله ما طلبته إلا لتكون كفني، وكانت كفنه.

يأتي رجل موفد من قبيلة من القبائل، وقد عاد النبي صلى الله عليه وسلم من غزوة وقد غنم غنماً بين جبلين، الرجل لأول مرة يرى هذا المنظر في حياته، فالنبي صلى الله عليه وسلم راى الرجل ينظر إلى رسول الله وينظر إلى الغنم، وينظر إلى رسول الله وينظر للغنم، فأدرك، قال: أعجبتك؟ قال: نعم. قال: هي لك، هي لك! غنم بين جبلين، الرجل كاد يجن، فذهب إلى قومه: يا قومي اسلموا، والله لقد جئتكم من عند رجل يعطي عطاء من لا يخاف الفقر أو الفاقة. فدخلت القبيلة كلها في الإسلام، ما كان يظن أحد يفعل هذا.

يا إخواني في حنين، في حنين غزوة حنين، غنائم المسلمين كثيرة، فبدا الكريم صلى الله عليه وسلم: أين أبو سفيان؟ قال: لبيك يا رسول الله. قال: مئة من الإبل. أين صفوان بن أمية؟ قال: لبيك يا رسول الله. قال: مئة من الإبل. أين عيينة بن حصن؟ قال: لبيك يا رسول الله. قال: مئة من الإبل. وأخذ يوزع مئة مئة مئة. الآن من يعطيه مئة هذا الزمان؟ فضلاً عن الزمن السابق. هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا القدوه.

ولذلك كان صلى الله عليه وسلم يعطي عطاء، وربما مر عليه الهلال والاثنين والثلاثة ما أوقد، والهلال والثلاثة ما أوقد في بيوت آل محمد نار، ومعك أكرم الناس! أكرم الناس يأتيه ضيف فلا يجد ما يكرمه أو يطعمه، فيقول: من يستضيف ضيف رسول الله؟ فينبغي الصحابة... الشاهد، إكرام الضيف مرتبط بالإيمان، دينك يأمرك بهذا، ما هو منك تكرم، ما هو منك يعني فضل، من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم، كن كريماً معطاء، هذا المسلم، المسلم كريم سخي لأن الله كريم يحب الكرم، سخي يحب الأسخياء، جواد يحب الذين يجودون. ديننا لا يأمرنا بالبخل يا أحبابي، ما يأمرنا بالبخل، السخي قريب من الله، قريب من الناس، قريب من الجنة، بعيد عن النار، والسخي والشحيح بعيد عن الله، بعيد عن الناس، بعيد عن الجنة، قريب من النار. وجاهل سخي أحب إلى الله من عابد بخيل، فالإسلام يأمرنا بالكرم، من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه.

جائزته، قال: وما جائزته يا رسول الله؟ قال: يوم وليلة. فإذا طرق عليك الضيف الباب تفتح وتضيف وترحب بالموجود ولا تتكلف، وإن فعلت سيخلف الله سبحانه وتعالى عليك، سيخلف الله عليك يا إخواني. الذي لا يكرم ضيفه سيلتلي الله عز وجل بمن يكرم ذلك الضيف، يخزيه.

ما الدليل؟ أبو سعيد الخدري رضي الله عنه وأرضاه كان مع بعض الصحابه فجاؤوا إلى قوم فاستضافوهم فلم يضيفوهم، وهذا نادر عند العرب أن ياتيك قوم ولا تضيفه، فالله سبحانه وتعالى يغار على أصحاب رسول صلى الله عليه وسلم، يلدغ سيد ذلك الحي، يلدغ! لدغ من عقرب ولا من حية، جند من جنود الله. فجاؤوا إلى أبي سعيد الخدري ومعه: هل عندكم من راق؟ فقال أبو سعيد: نعم، لكن لا نرقي إلا بجعل، انتم ما أضفتمونا ونحن نعاملكم بالمثل. فاتفقوا على قطيع من الغنم، لو أنهم تكرموا بشاه واحدة لما... فاتفقوا على قطيع من الغنم، يقول أبو سعيد: فتقدمت للرجل أقرأ عليه الفاتحة وانفث، أقرأ الفاتحة وانفث، فكأنما نشط من عقال، ما به شي، فأعطوهم الجعل. فقال أبو سعيد: لا ناخذ ولا نقسم حتى نخبر رسول الله. لما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وما أدراك أنها رقية؟ اقسموا واضربوا معكم فيها بسهم. دلالة على أنها حلال، ما أضافوهم فسلط الله عليهم وأتى من يضيفهم غصباً عنهم، أضافه الله بهذا الفعل.

إذاً إكرام الضيف مطلب، وكذلك العرب كانوا ايش يعني يقولون: العجلة مذمومة إلا في ثلاثة أمور، من ضمنها إكرام الضيف. أول ما يجيك الضيف أكرمه، أكرم الضيف، أما أن تنتظر وتصلي ركعتين استخارة، ها، لا لا لا لا، هذه ليست من أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم.

الوقت انتهى أيها الأحبة، وثلاثة أمور ينبغي أن ننتبه لها: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يكرمنا وإياكم فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين.