بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، حياكم ربي وبياكم وجعل الجنة مثوانا ومثواكم.
اللقاء الثاني في مادة الحديث الشريف، ومعنا اليوم حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم». متفق عليه، رواه البخاري ومسلم.
أيها الأحبة، شرح المفردات: قوله: ما نهيتكم عنه. النهي: طلب الكف على وجه الاستعلاء، جهة عالية، تقول: لا تفعل، افعل. فاجتنبوه: أي ابتعدوا عنه، فكونوا في جانب وهو في جانب آخر، تنبه، يكون جانب وأنت في جانب. وما امرتكم به: الأمر طلب الفعل على وجه الاستعلاء كما قلنا في النهي. فأتوا منه ما استطعتم: أي افعلوا ما استطعتم، أي ما قدرتم عليه. الذين من قبلكم: يعني يشمل اليهود والنصارى وغيرهم، والمتبادر أنهم هم اليهود والنصارى. قوله: مسائلهم. أي أسئلتهم. وقوله: واختلافهم على انبيائهم. أي وأهلكهم عدم الطاعة والانقياد لأنبيائهم.
هذا الحديث له مناسبة، ما مناسبة هذا الحديث؟ هذا الحديث أيها الأحبة، النبي صلى الله عليه وسلم يوم من الأيام يقول للصحابه: إن الله قد فرض عليكم الحج فحجوا. فقال أحد الصحابه: أفي كل عام يا رسول الله؟ الرسول صلى الله عليه وسلم لما سمع هذه الكلمة سكت، سكت حتى أن الرجل أعاد ثلاث مرات، حتى رؤي الغضب في وجه النبي صلى الله عليه وسلم واحمر وجهه، ثم تكلم فقال صلى الله عليه وسلم: «لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم، لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم». طبعا في كذا رواية: ذروني ما تركتكم، فانما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم أو اختلافهم على أنبيائهم، أو كما قال صلى الله عليه وسلم. طبعا هنا النص الذي عندنا: ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما امرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، فانما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم.
النبي صلى الله عليه وسلم وصفه ربه فقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]، ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: 128]. إذاً الذي ينظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإلى رأفته ورحمته بالأمة عجب عجاب، يعني يكفي شهادة ربنا سبحانه وتعالى، شهادة الله عز وجل لهذا النبي الأمي صلى الله عليه وسلم: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: 128]. فليس هناك مشقة إلا وكان صلى الله عليه وسلم يجتهد ألا تكون على أمته، ولذلك بين لهم: لو قلت نعم لوجبت، لوجبت إذا كان الله يقول: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجِّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: 97]. تخيلوا يا إخواني لو أن الضابط الأخير فقد، كلمة من استطاع غير موجودة، ملياران الآن كيف يحجون؟ مليار كيف يحج مليار ألف مليون؟
لذلك هذا الدين أيها الأحبة يقوم على السماحة واللين، هذا الدين يقوم على اليسر ما يقوم على العسر. ولذلك الحمد لله ديننا واضح، كما مر معنا في الحديث السابق حديث النعمان بن بشير: أن الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعهن كثير من الناس إلى آخر الحديث. فالحمد لله الدين واضح، المشقة غير موجودة، عندنا قواعد في الدين ماخوذة من النبي صلى الله عليه وسلم ومن قواعد الشريعة العامة: لا ضرر ولا ضرار، المشقة تجلب التيسير، الأمر إذا ضاق اتسع. فنجد أن هذا الدين يقوم على اليسر واللين ما يقوم على الشدة والتعنت، أي قضية فيها شدة على الناس سبحان الله يرخص لهم: صلي قائما إن لم تستطع فقاعدا، إن لم تستطع فعلى جنبك. الحمد لله، إنسان صائم يا اخي أنت مسافر افطر. إذاً إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق.
هل تذكرون قضية صلاة التراويح؟ النبي صلى الله عليه وسلم صلى التراويح أول ليله في المسجد ثم الثانية ثم الثالثة، طبعا الناس يتسامعون الليله الثالثة المسجد ما كاد يسع أحد من كثرة الناس، الليله الرابعة لم يخرج النبي صلى الله عليه وسلم، لم يخرج. لماذا لم يخرج؟ هل هو بغضا في الصلاه؟ لا قدر الله، لكن خشي أن تفرض على أمته، وهو رؤوف رحيم بهذه الأمة كما وصفه الله سبحانه وتعالى، وبالتالي كان صلى الله عليه وسلم حريص على هذه الأمة ألا تكلف فوق طاقتها. وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن اشد الناس عذابا -معنى الحديث- من سال عن شيء فحرم على الأمة بسبب سؤاله. فالإنسان أيها الأحبة خذ ما شأك، كما قال صلى الله عليه وسلم: ما نهيتكم عنه فاجتنبوه.
طبعا شوف الضابط الثاني غير موجود في الأمر، الأمر الأول: وما امرتكم به فأتوا منه ما استطعتم. لماذا قال أهل العلم إن الكف أهون من الفعل؟ لا تفعل كذا، لا تفعل كذا، لا تفعل كذا، ممكن خلاص استطيع. لكن افعل كذا، وافعل كذا، وافعل كذا، هذا الفعل مامور به. لكن هنا قال: ما استطعتم، ما كل انسان يستطيع مثلا أن يصوم يوم ويفطر يوم، ما كل انسان يستطيع أن يحج، ما كل انسان يستطيع أن يصوم مثلا النوافل الاثنين والخميس. وبالتالي احبتي في الله يعني النهي كان مطلقا، ما نهيتكم عنه فاجتنبوه. حرم الله الخمر، خلاص حرم الخمر قليله وكثيره، ما اسكر كثيره فقليل حرام. حرم الإسلام الربا قليله وكثيره، درهم ربا والعياذ بالله اشد من ستة وثلاثين زنية في الإسلام. إذا هناك اشياء إذا انتهينا خلاص امر انتهت القضية، ما في يعني قول آخر، انتهينا انتهينا.
لكن الفعل لا، الفعل يقوم على الاستطاعة، والاستطاعة تختلف من شخص إلى آخر، ومن مجتمع إلى آخر، ومن مكان إلى آخر، ولذلك قال: فأتوا منه ما استطعتم. إذاً هذا الدين يا احبابي عظيم، والتكاليف التي فيه والله يا احبابي أن هذه الأوامر والتكاليف التي علينا ما هي شيء من الآصار ولا الأغلال ولا الأمور التي بعض الناس يضيق بها، لا والله، والله ما أمرنا الله بعبادة إلا فيها مصلحة لنا. الله غني عن عبادتنا وعن معصيتنا وعن وجودنا أصلا، لكن هذه العبادات وهذه الطاعات من المستفيد الأول والأخير؟ أنا وانت وكل مسلم، كل مسلم هو المستفيد الأول والأخير من العبادات، وإلا فالله سبحانه وتعالى غني عنا فضلا عن عبادتنا. نقف هنا أيها الأحبة ثم نعود بعد الفاصل بإذن الله. وصلى الله على محمد.
ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته. وما زلنا مع الحديث الثاني حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، قوله عليه الصلاة والسلام: «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما امرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم».
أقول أيها الأحبة: النهي له مقامات، له أحوال. هناك نهي تحريم ونهي كراهة، وكذلك الأمر أمر وجوب وأمر استحباب. فما الفرق بين هذا وبين هذا؟ للنهي أيها الأحبة صيغ ذكرها المصنف في المقرر، وهي: لا تفعل، مثلاً. وينقسم النهي في دلالة النصوص الشرعية إلى قسمين: نهي تحريم، وهو كل ما نهى عنه الشرع من فعل أو عن فعله على سبيل الالزام، كالنهي عن شرب الخمر مثلاً والزنا والعياذ بالله والربا والغيبة والنميمة، وهذا يعاقب المكلف على فعله ويثاب على تركه امتثالا للشرع.
إذاً هذا النوع الأول، قضية ايش؟ قضية المنع. حينما تنهى تنهى الزاماً، حرم الإسلام الخمر، حرم أكل الميته، حرم الغيبة، حرم النميمة، حرم السرقة، حرم قطيعة الرحم، حرم والعياذ بالله الشرك، حرم اتخاذ الأنداد مع الله سبحانه وتعالى سواء كانت في العقيدة أو في المعاملات، حتى البيوع المحرمة لا يجوز لك أن تقترب منها أبدا. فكل ما منعك الإسلام ونهاه الإسلام على سبيل الالزام يجب أن تبتعد عنه، يجب.
ولذلك الصحابه رضوان الله عليهم ضربوا أروع الأمثله في هذا، قبل أن يحرم الخمر التحريم النهائي كان الصحابه في أحد المجالس في المدينة يحتسون الخمر، وهم يشربون الخمر وإذا بهم يسمعون داعي النبي صلى الله عليه وسلم: ألا إن الله حرم الخمر في كتابه. ما الذي حدث؟ الذي في يده شي من الخمر سكبه، والذي في فمه شي من الخمر مجه، والذي في بيته شي من الخمر أراقه وسكب. انتهينا، انتهينا خلاص. فهل أنتم منتهون؟ نعم انتهينا خلاص. قضية جاء الأمر خلاص على العين والرأس، ما هناك يعني داعي الإنسان يأخذ ويعطي ويقول لا يمكن، لا لا أبدا.
الصحابه لما كانوا يصلون تجاه بيت المقدس فمر عليهم أحد الصحابه وقال: أشهد الله أني صليت مع رسول الله تجاه الكعبة. وهم في صلاتهم يلتفون يلتفون يلتفون حتى قصدوا مكة ثم صلوا وأكملوا صلاتهم تجاه مكة في نفس الوقت. وهنا مكانة الصحابه وفضل الصحابه وعلو كعب الصحابه، ومهما تكلمنا وأطرينا ومدحنا في صحابه رسول الله صلى الله عليه وسلم والله لن نوفيهم حقهم، حقهم عند رب العالمين أن الله عز وجل اختارهم لصحبه نبيه صلى الله عليه وسلم.
وصحابه النبي خط أحمر، لا يجوز الاقتراب منه لا من قريب ولا بعيد إلا بالخير، إلا بالدعاء والثناء والترضي عنهم، ولا يجوز لكائن من كان أن يقدح فيهم. الشيء بالشيء يذكر لا يجوز، انتبه، إذا رأيت إنسان يقدح في صحابه رسول الله اعرف أنه بعيد عن الخير، اعلم أنه زنديق، خذها مني: من يقدح في صحابه النبي صلى الله عليه وسلم فهو زنديق. لأن هؤلاء اختصهم النبي اختصهم الله بصحبه نبيه عليه الصلاة والسلام، فضربوا أروع الأمثله في الامتثال فعلاً وفي الامتثال تركاً وفي الامتثال حُباً وفي المتابعة قولاً وفعلاً واعتقاداً.
ولذلك هؤلاء كما قلت صفوة صفوة اختارهم الله، حتى المسيء منهم وحتى العاصي منهم له القدح المعلى وله المكانة العالية، ولا يجوز لكائن من كان أن يتكلم في عرض الصحابه. الصحابه الذين امنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم وماتوا وهم مؤمنون به صلى الله عليه وسلم، نسمع بين الفينة والأخرى من يأتي يتكلم فيهم أو يقدح فيهم أو في بعضهم أو في أحدهم أو في كلهم، لا أضرب بعرض الحائط. نشهد الله على محبة الصحابه والترضي عن الصحابه والدعاء للصحابه وأن نافع عن الصحابه لأنهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم سيدنا وقدوتنا عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
أعود إلى قضية النهي، فإذا كان هناك النهي التحريم فعلى سبيل الالزام: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: 7]، قضية واحدة خلاص انتهينا انتهينا، كما فعل الصحابه نحن نفعل رضي الله عنهم وأرضاهم. لذلك الذي يقع في هذه المنهيات يعاقب يعرض نفسه للعقوبة، ومن تاب تاب الله عليه. ومن يتركها امتثالاً -النفس قد تدعو إلى مثلاً الحرام تدعو إلى حب الخمر والزنا والعياذ بالله تدعو إلى المحرمات- فانت تسجر لله عز وجل، تثاب على هذه النية أنك تركتها لله سبحانه وتعالى.
وعندنا نهي الكراهة، نهي الكراهة لا على سبيل الالزام وإنما على سبيل الحث مثلاً والاستحباب، كالنهي مثلاً عن التخصر في الصلاة -إنسان يقف في الصلاة ويوضع يديه في خصره هذا منهي عنه- وفرقعه الأصابع وتشبيكها في الصلاة هذا منهي عنه، والنهي عن الأكل متكئاً هذا أيضاً منهي عنه، وهذا لا يعاقب على فعله ويثاب على تركه امتثالاً للشرع. إذا هذه أمور نهى الإسلام عنها، مثلاً الشرب قائماً، نهى الإسلام الإنسان يشرب قائماً، لكن لو شربت نقول هذا حرام؟ لا، ما هو حرام. لكن النبي صلى الله عليه وسلم يعني لما جاه الرجل وقد شرب قل، يعني أخرج هذا الماء الذي شربته إن شرب ماء حلال، لكن الإسلام يحرص على كل ما ينفع الإنسان في دينه ودنياه وفي معاده. إذاً النهي عندنا قسمين: نهي التحريم ونهي الكراهة.
ناتي إلى الأمر الثاني: الأمر، الأمر له عدة صيغ أشهرها افعل. وينقسم
الأمر في دلالة النصوص الشرعية إلى قسمين: أمر إيجاب وأمر استحباب. فالقسم الأول، فأمر الإيجاب هو كل ما أمر به الشرع على سبيل الإلزام؛ كإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج لمن استطاع إليه سبيلا، والصوم. هذا كله أيها الأحبة من الأمور التي يجب علينا فعلها، ويثاب فاعله ويعاقب تاركه.
إذن، الأمور التي أمرنا بها يجب علينا فعلها بدون أن يكون لنا الخیر في أمرنا. انتهينا، خلاص فعلنا ما أمرنا به، ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: 7]. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «كلكم يدخل الجنة إلا من أبى». قال: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: «من اطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى». أنت تطيع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أمرك به وجوباً وفيما أمرك به استحباباً.
وهذا أيها الأحبة يقودنا إلى قضية النوع الثاني من الأمر: الاستحباب، السنة. يا إخواني، لماذا التقصير في باب السنن؟ يعني في باب الواجبات ما نقصر، الحمد لله. طيب السنن، يا اخي يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه، هذا من الخور في الدين، هذا من الضعف في الدين. شيء سنة لك، قدوتك صلى الله عليه وسلم افعله؛ «من رغب عن سنتي فليس مني». نحن نفعل هذا في الدنيا لأرباب الدنيا؛ إذا رأينا أهل الدنيا والكبار في الدنيا يحبون شيئاً نسارع إلى فعله من أجلهم، لا نفعل ذلك من أجل رسولنا صلى الله عليه وسلم اقتداءً به صلى الله عليه وسلم وهو لماذا فعله عليه الصلاة والسلام؟ هو سنة لنا ولم يوجبه علينا وما سنه لنا إلا للفائدة. المحصلة الأخيرة أيها الأحبة، أريد أن أصل إلى قضية مهمة؛ ما هي القضية؟ أن هذا الدين أوامره ونواهيه والله المستفيد الأول والأخير. نحن الله غني عنا وعن عباداتنا وعن كل ما نفعل، فالعبادات والطاعات التي أمرنا بها أنت يا عبد الله المستفيد الأول والأخير، حطها قاعدة في عقلك؛ صلاة، صيام، زكاة، حج، أي طاعة أمرت بها سواء على سبيل الوجوب أو الاستحباب، أنت المستفيد الأول والأخير، لا تنظر على أنها آثار وتكاليف جُبِرنا عليها، لا، انظر إلى أنها نعم أنعم الله بها علينا. شوف لما تكون هذه النفسية كيف سيكون أداء عبادتك؟ والله أن ذلك فضل الله علينا، لكن المشكله النفوس الجامحة والنفوس المتسرعة التي لا تنتبه لهذه القضايا. شَنَّ شيخ الإسلام هجوماً عنيفاً جداً في المجلد الأول على أولئك الذين يصفون الطاعات بأنها آثار وتكاليف. لا أبدا والله، نعمة من الله علينا أن أعطانا هذه العبادات نتنعم بها ونسعد بها في هذه الدنيا. فاصل ثم نعود إليكم مرة أخرى بإذن الله تعالى.
مع التوجيه الأخير في هذا الحديث، قال: ﴿فَإِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَثْرَةُ مَسَائِلِهِمْ وَاخْتِلَافُهُمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ﴾. الأسئلة والسؤال لا يكره لذاته ولا يذم لذاته. السؤال إذا كان من على سبيل التعلم، اسأل واستبرئ نفسك أمام رب العالمين، وانزع عنك الجهل، وانزع عنك الغفلة. الإنسان يسال ويتعلم، لا باس في ذلك، لا باس في ذلك، فالسؤال المحمود هو الذي يسأل الإنسان ليتعلم ليزداد علماً وتقوى وورعاً. ودين الله عز وجل يقول: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: 7].
اسألوهم. الصحابة -لا أخفيكم- الصحابة كانوا يتهيبون سؤال النبي صلى الله عليه وسلم، وكانوا يفرحون بالأعراب إذا جاءوا يسألون، يفرحون. لكن مات النبي صلى الله عليه وسلم وبقي العلم الموجود الآن، ولذلك السؤال هو أداة من الأدوات وفعل من أفعال اكتساب العلم. لكن هناك اسئله منهي عنها، وذكر هنا صاحب المصنف أو صاحب الكتاب قال: هناك اسئله مذمومة، مثل ماذا؟ السؤال عما أخفاه الله تعالى عن عباده واستأثر بعلمه. آه، هناك بعض الأمور الغيبية الصحابه سكتوا عنها، نجي احنا نسأل: الرحمن على العرش استوى كيف استوى؟ ومَن لك هذا السؤال؟ هل أنت أحرص في العلم من الصحابة؟ لا والله، لا والله ما هناك أحرص في العلم من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم. هل سالوا؟ ما سالوا، إذاً اسكتوا، امروها كما جاءت. الرحمن، لذلك لما دخل الرجل على الإمام مالك بن انس وقاله: يا امام، الرحمن على العرش استوى، كيف استوى؟ سكت الإمام رحمه الله حتى علاه الرَّحْضَاء والعرق، ثم قال تلك الكلمه التي شهد لها التاريخ: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، ثم أمر بإخراجه. هناك أمور في الغيب لا يعلمها إلا الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: 34]. أسماء الله وصفاته كُنْهُها لا تعرفها ولا أحد يعرفها. يا رسول الله، أَرَيْتَ رَبَّكَ؟ قال: «نور أنا أراه». إذن هناك أمور أخفاها الله سبحانه وتعالى لا يجوز لنا السؤال عنها، نؤمن بها كما جاءت.
وهناك نوع آخر من الأسئلة المذمومة: السؤال على وجه العبث والتعنت والاستهزاء، كسؤال الكفار للانبياء عناداً واستكباراً. الله أكبر، القرآن ذكر لنا كثير من مثل هذا، أن أقوام الأنبياء يسألون تهكماً، سخريةً، تعنتاً؛ يسألون عيسى عليه السلام أن ينزل عليهم مائدة من السماء، يا سلام! مائدة من السماء، لا. واليهود يسألون مثلاً موسى عليه السلام: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: 153]، يا سلام! هكذا هل هذا إيمانكم يأمركم بهذا؟ ولذلك أيها الأحبة، قضية ذكر لنا القرآن كثير من هذه القضایا. مثلاً حتى كفار قريش سألوا: يا محمد، أرنا آية. أراهم الله عز وجل آية عظيمة جداً؛ انشقاق القمر في الفلقتين، القمر ينفلق فلقتين: فلقة هنا وفلقة هنا. فهذا على سبيل التعنت، لكن القضية إذا حدث التكذيب أنزل العذاب وهذا لا يجوز.
قضية السؤال تعنتاً واستهزاءً؛ حتى كفار قريش طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يقلب جبال مكة ذهباً، وأن يقلب الجزيرة العربية مروجاً وأنهاراً. ليش، لماذا هذا؟ إيمان، يجب عليك أن تؤمن بالله، أن توحد الله سبحانه وتعالى وجوباً وإلزاماً، لكن التعنت، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
أيضاً سؤال العلماء عن الأغاليط تحرياً لزلاتهم. هذا كذا بعض الناس يذهب إلى هذا العالم يسأله سؤالاً، ويذهب إلى العالم الآخر ويسأله سؤالاً: طيب الشيخ فلان قال خلاف كلامك، طيب الشيخ فلان قال خلاف كلامك، ويبدأ تضارب العلماء وكذا. أيضاً هذا لا يجوز.
السؤال عن المسائل النادرة الوقوع التي لا طائل من ورائها. بعض الناس يقول: أرايت إن وقع كذا، أرايت إن وقع كذا؟ ذهب رجل إلى ابن عمر فسأله عن مسألة فقال: وقعت؟ قال: لا. قال: رأيت عمر يزجر، بل قرأت يلعن الذي يسأل مثل هذه الأسئله التي لم تقع. ذهب الرجل إلى أبي بن كعب فنهاه؛ وقعت؟ قال: لا، فنهاه. إلى زيد بن ثابت فنهاه أن يسأل شيئاً لم يقع، أن البلاء موكل بالمنطق. لذلك الإنسان لا يسأل على الأشياء التي لم تقع.
أيضاً الإنسان يحذر من قضية التعنت في الأسئلة. جاء رجل للإمام أحمد رحمه الله وقال: يا أبا عبد الله، هل يجوز الوضوء من ماء الباقلَّاء؟ فقال: هل تعرف أركان الصلاة؟ قال: لا. قال: هل تعرف واجبات الصلاة؟ قال: لا. قال: تعلمها فهي خير لك من معرفتك هل يجوز الوضوء بماء الباقلَّاء أم لا؟ يعني انظروا، لا يعرف أركان الصلاة ولا واجبات الصلاة ويمكن ولا شروط الصلاة، ومع ذلك يسأل عن هل يجوز الوضوء بماء الباقلاء أم لا يجوز؟ إذن تعنت في الأسئلة، ولذلك قضية أرايت إن وقع كذا أرايت إن وقع كذا ما ينبغي ذلك، إلا إذا كان هناك أهل العلم الذين يتدارسون في علم وهم يتناقشون في مسائل علمية وهم أهل اجتهاد وأهل مكنة في الحديث والفقه، هذا شيء آخر. لكن أسئلة العوام كارثه؛ أهلك من كان قبلكم اليهود والنصارى كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم.
جاءت يمكن قصة صبيغ بن عسل المشهورة في التاريخ؛ سمع عمر رضي الله عنه وأرضاه أن رجلاً يضرب آيات القرآن بعضها ببعض، يقول: الله كذا ويقول كذا، طب كيف نجمع؟ يقول الله كذا ويقول كذا كيف نجمع؟ فسمع به، قال: ائتوني به. جاء به من الشام، فلما دخل عليه قال: أنت صبيغ بن عسل؟ قال: نعم. قال: أنا عمر بن الخطاب. قال: أنت الذي تضرب آيات الله بعضها ببعض؟ قال: والله ما اردت إلا خيراً، ما اردت إلا خيراً. فأمَسَكَه عمر فضربه وجلده حتى أغمي عليه. احملوه. اليوم الثاني أتوا به: أنت صبيغ بن عسل؟ قال: نعم. قال: أنا عمر بن الخطاب. فأمَسَكَهُ وجلده حتى أغمي عليه، ثم قال: احملوه. اليوم الثالث، قال: يا أمير المؤمنين، والله قد كان في رأسي شيء فزال، لن أسال عن شيء بعد اليوم. فقربه إلى العراق.
إذاً يا أحبابي، الدين ما هو يعني انسان يضرب قوله هذا بقول هذا، أنا أقول: الحمد لله، ديننا واضح، ديننا بين. الله عز وجل شهد بكماله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً﴾ [المائدة: 3]. فإذاً هذا الدين واضح بين، ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: 7]. السؤال يكون من باب طلب العلم والاستزادة والشفاء من كل داء. وصل اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين.
د. موفق كدسة الغامدي