تسجيل الدخول

المحاضرة 5 - شَرحُ حديث (الإيمان بِضع وستون شُعبة ...) (2)

موفق كدسة الغامديد. موفق كدسة الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً أما بعد. سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، حياكم الله وبياكم وجعل الجنة مثوانا ومثواكم. حي الله طلبة العلم وأهل العلم ومن أوصانا بهم النبي صلى الله عليه وسلم خيراً: «استوصوا باهل العلم وطلاب العلم خيراً» أو كما قال صلى الله عليه وسلم، هم وصية النبي عليه الصلاة والسلام.

ما زلنا أيها الأحبه في الحديث الرابع، حديث شعب الإيمان، حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، الذي يقول صلى الله عليه وسلم فيه: «الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة، فأعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان».

أحبتي في الله، في اللقاء الماضي تكلمنا عن الأخلاق وأهميتها، وطفنا فيها كثيراً ولا بد أن نتكلم فيها وسنتكلم فيها لا بد؛ لأنه أيها الأحبه كما قلت سابقاً: هذا الدين العظيم هو أخلاق، أخلاق بكل ما تعنيه الكلمة، التوحيد أخلاق، الإيمان أخلاق، الإسلام أخلاق، الاحسان أخلاق، المعاملات أخلاق، العقوبات أخلاق، كل شيء في هذا الدين يعتمد على الأخلاق. يقول صلى الله عليه وسلم: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» لصالح الأخلاق، ولذا نحن أمة الأخلاق، لكن لكن لكن ماذا؟ عندنا أزمة، صدقوني عندنا أزمة في أخلاقنا، يعني الآن المحاكم وما تعج به من مشاكل كارثة، البيوت والطلاق والمشاكل والضرب والشتم والهجر وأشياء كثيرة جداً، يعني نحن أمة الأخلاق ومشكلتنا في الأخلاق، كيف يعني؟ ما يتأتى هذا المعنى؟

النبي صلى الله عليه وسلم لما قال: «أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وخيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي». تعالوا عندنا المقطع هذا يا إخواني: وأنا خيركم لأهلي، ما معنى ذلك؟ يعني أتأسف لما أسمع أنه هناك مشاكل، يعني بعض الناس يقول: يا اخي أنا مشغول، عندي تجارة، عندي أعمال، عندي عندي عندي، وطيب هل أنت أكثر انشغالاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ رسول الله صلى الله عليه وسلم علاقة مع السماء، مع جبريل، مع رب العالمين، مع الملائكة، مع الناس، مع البشر، مع الجن، مع العجماوات، مع البهائم، مع كل شيء، هل أنت أكثر انشغالاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ومع ذلك كان يعجن لأهله، يعجن صلى الله عليه وسلم، يخصف نعله، يساعد أهله في البيت ها، ويفعل، كان في مهنة أهله، مهنة أهله كما تقول أمنا عائشه رضي الله عنها وأرضاها، يعني رسول الله فاضي ما عنده شغل؟ مع الأسف الأعذار الواهية اللي عندنا كارثة! يا اخي أنا مشغول ماني فاضي.

مع الأسف يعني ندخل بيوتنا، أنا السلطان، ما فيش إلا ايش؟ أمر ونهي، افعلوا، هاتوا، ودوا، أحضروا، اطبخوا، انفخوا، ليش يا اخي؟ حتى كاس الماء: هات الكاس! لا يا إخواني، «خيركم خيركم لأهله»، يعني لابد أن نرفق، لابد أن نحلم، لابد أن تكون أخلاقنا أول من يناله أقرب الناس إلينا، لذلك أنا يمكن أن أتزيّن بالدين وبالأخلاق الظاهرة مع الناس والناس يثنون علي والناس يحبونني ويمدحونني، لكن تبغى تعرف حقيقتي؟ شوف علاقتي باهلي، أي إنسان تريد أن تعرف حقيقتي انظر كيف يتعامل مع أهل بيته، مع والديه، مع زوجته، مع أبنائه، مع إخوانه، هنا تظهر الصورة الحقيقية غير المزيفة؛ لأن التزييف ممكن كل واحد فينا يعني يقوم به، تزييف: ساخرج أمامكم وأنا لابس زي العلماء والمشايخ والدعاة وكذا، ولكن من يعرف حقيقتي؟ أهل بيته. وكذلك كل واحد فينا اهل بيته هم من يعرفه على حقيقته، لذلك: «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي».

إذاً أحبتي في الله نحتاج أن نزرع الأخلاق أولاً في بيوتنا مع أقرب الناس إلينا، مع زوجتك، مع أبنائك وبناتك، مع أقرب، مع جيرانك يا مسلم يا عبد الله، لابد أن نطبق ديننا هكذا، يعني لا يكون أبعد الناس هم أولى باخلاقنا من أقرب الناس، كن رحيماً، كن رفيقاً! يا اخي اسمع ما يقول صلى الله عليه وسلم: «إن الله إذا أحب أهل بيت أدخل عليهم الرفق»، سمعت يا رعاك الله؟ أن الله إذا أحب أهل بيت أدخل عليهم الرفق، «إن الله إذا أراد باهل بيت خيراً أدخل عليهم الرفق»، من يحرم الرفق يحرم الخير كله، «إن الله رفيق يحب الرفق، يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف». طيب، من أولى الناس بالرفق؟ الأسرة، ثم الجيران، ثم الإخوان والأحباب والأقارب والبيئة التي حولك، طبعا طبعا، لا يعني لا أكابر أقول الوالدان، لكن إذا كان قد لحق بالرفيق الأعلى فإذا الزوجه والأبناء وكذا، لكن قبل ذلك في الأساس الاب والام.

أعود فأقول أيها الأحبه: ديننا دين الأخلاق، ديننا دين الأخلاق، ولذلك حديث المفلس: حديث المفلس يقول صلى الله عليه وسلم: «أتدرون من المفلس؟» قالوا: المفلس منا من لا درهم له ولا متاع، هذا عرف الناس. فقال صلى الله عليه وسلم: «المفلس من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وصدقة» وفي رواية: «بحسنات كالجبال، فياتي وقد ضرب هذا، وشتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا»، عنده عمل، لكن ما عنده أخلاق! قال: «فيەطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، وهذا من حسناته، فان فنيت حسناته قبل أن يقضى عليه أخذ من سيئاتهم وطرحت عليه ثم قذف في النار»، هذا المفلس بتعريف النبي صلى الله عليه وسلم! عنده صلاة، وعنده صيام، وعنده صدقة، وأعمال صالحة، ايش اللي ما عنده يا إخواني؟ ما هو الشيء الذي كان يفتقده؟ الأخلاق! الأخلاق! رأيتم أهمية الأخلاق؟ شتم، قذف، أكل، سب، لا لا لا لا، هذا مو ديننا! لذلك يقول صلى الله عليه وسلم: «وإن سوء الخلق ليفسد العمل كما يفسد الخل العسل»، «وإن سوء الخلق ليفسد العمل كما يفسد الخل العسل»، «إنكم لن تسعوا الناس باموالكم، ولكن تسعوهم باخلاقكم»، ما نقدر نسع الناس بأموالنا، لكن ما الذي يجعلنا نصل إليهم؟ أخلاقنا.

هكذا كان صلى الله عليه وسلم، وشعب الإيمان، شعب الإيمان كلها أيها الأحبه تقوم على قضية ايش؟ على قضية الأخلاق: أخلاق مع رب العالمين، أخلاق مع الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، أخلاق مع الناس، أخلاق مع النفس، أخلاق حتى مع العجماوات والبهائم! هل سمعنا بأخلاق مع العجماوات والبهائم؟ نعم، نعم أيها الأحبه، يقول صلى الله عليه وسلم: «دخلت امرأة النار في هرّة حبستها، لا هي أطعمتها ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض»، سمعتم؟ هرّة! ما يجوز أعذب الهرة، ما يجوز تقتل بدون سبب، ما يجوز أبدا.

وامرأة بغي من بني إسرائيل، بغي يا إخواني، بغي! امتهنت البغاء والعياذ بالله، الزنا والفواحش، أصابها العطش فمرت على بئر، فنزلت في البئر فشربت، صعدت، لما صعدت وجدت كلباً حول البئر يلهث يأكل الثرى من شدة العطش، قالت: لقد بلغ به ما بلغ به من العطش! فنزلت للبئر مرة ثانية، ترى هذا نزول، نزول قد لا تصعد بعده لأن ما ظنت الهلكة، قدم هنا وقدم هنا ويد هنا ويد هنا وخطوة هنا وهنا إلى أن وصلت إلى قعر البئر، أخذت خفها ملأته ماء، أمسكته بفمها، صعدت مرة ثانية إلى أعلى، إلى أعلى، إلى أعلى، يعني بينها وبين الموت لحظات، لا، فصعدت إلى أعلى البئر فسقت الكلب، ما النتيجة؟ ما النتيجة؟ شكر الله لها، غفر لها، أدخلها الجنة! أدخلها الجنة! وإن لنا لأجراً يا رسول الله في هذه؟ قال: «في كل كبد رطبة صدقة».

إذاً حتى العجماوات والبهائم لابد أن نححسن أخلاقنا معهم! لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً قد وسم حماراً على وجهه ايش قال؟ «لعن الله من فعل هذا»، الرحمة المهداة صلى الله عليه وسلم الذي يقول عنه رب

وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين. يقول: لعن الله من فعل على هذا، لا، في أشياء خطوط حمراء لا يجوز الاقتراب منها أبداً. يوم من الأيام النبي صلى الله عليه وسلم خرج بالجيش، الجيش الإسلامي، القائد الأعلى محمد صلى الله عليه وسلم والجنود أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وخالد وغيرهم وغيرهم وابن مسعود، جيش خارج.

فجأة النبي صلى الله عليه وسلم يلمح منظر عجيب، ما هو المنظر؟ رأى حمرة، عصفور صغير يطير فوق الجيش، يذهب ويأتي ويذهب ويقبل ويدبر، فالنبي صلى الله عليه وسلم أمر الجيش بالتوقف فتوقف الجيش. ما الخبر يا رسول الله؟ نعود المدينة، نغير الخطَّة؟ بكل بساطة بكل بساطة بكل سهولة، وإذا بالرحمة صلى الله عليه وسلم ماذا يقول: من فجع الحمرة بصغارها؟ الله أكبر، جيش الإسلام يتوقف من أجل عصفور بريالين ولا بخمسه ريال ها، عصفور صغير ما له قيمة، الجيش بذاته كله يتوقف بأمر النبي صلى الله عليه وسلم من فجع الحمرة بصغارها؟ فقال ابن مسعود: أنا يا رسول الله. قال: رد عليها صغارها. لا إله إلا الله، هذه الأم المفجوعة المكلومة على صغارها، هذه العصفورة على صغارها، ومع ذلك النبي صلى الله عليه وسلم يقف لينصر بعد الله عز وجل ويأامر الصحابي أن يعيد صغارها إليها.

أي أخلاق هذه؟ أين دعاة حقوق الحيوان، حقوق الإنسان؟ ما عندكم شيء، هذه جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم. جيش يقف من أجل عصفور، ثم يمضي الجيش. لا إله، أي أخلاق هذه؟ هذه التي نريدها في حياتنا يا أحبابي في الله.

النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث القادم في صحيح البخاري، كان يخطب الجمعة على جذع نخل يابس، جذع نخل يابس يصعد عليه صلى الله عليه وسلم يخطب في الناس، فصنع له منبر فترك الجذع وصعد المنبر، ما الذي حدث؟ اسمع رعاك الله. بمجرد بدأ النبي صلى الله عليه وسلم يخطب، وإذا بذلك الجذع يصيح صيحة سمعه كل من في المسجد، الجذع، الجذع من أنطقه؟ أنطقه الله الذي أنطق كل شيء، وأخذ يصيح بصوت سمع كل من في المسجد.

فيقطع النبي صلى الله عليه وسلم الخطبة وينزل، يذهب إلى الجذع، ثم يحتضن الجذع إلى صدره، يحن كما تحن العشار، وما زال صلى الله عليه وسلم يحتضن حتى هدأ وسكت، جماد، جذع. ثم ثم يقول صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده، لو لم أفعَل به هكذا لبقي يحن إلى قيام الساعة. كان يبكي على الذكر الذي فارقه، كان يبكي على رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي فارقه. الحديث في أين يا إخواني؟ في صحيح البخاري. شفتوا أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم حتى مع الجمادات، حتى مع الجمادات!

إذاً أحبتي في الله نحن أولى بالأخلاق مع أنفسنا مع بعضنا. يوم من الأيام النبي صلى الله عليه وسلم يدخل حائط لِلأنصار بستان، وجمل قد هاج على أهله، وأهل البادية يعرفون الجمل إذا هاج، فتقدم إليهم النبي صلى الله عليه وسلم، الصحابة خشوا على رسول الله وخافوا عليه. قال: دعوه. فانطلق الجمل إلى النبي صلى الله عليه وسلم مسرعاً ثم وقف عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووضع رأسه على صدر محمد صلى الله عليه وسلم، وأخذ الجمل يبكي، الجمل يبكي، ثم أخذ يهمس في أذن النبي صلى الله عليه وسلم، فالنبي التفت: من صاحب الجمل؟ قال الشاب الأنصاري: أنا يا رسول الله. قال: إن الجمل يشتكي أنك تحمله ما لا يطيق ولا تطعمه إلا القليل، أفلا أحسنت إليه؟ قال: أفعل يا رسول الله. ما درت المشكلة؟ من الذي علم الجمل أن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

إذاً أحبتي في الله الأخلاق مهمة مهمة جداً، شعب الإيمان تقوم على الأخلاق، تقوم على الأخلاق. نتوقف أيها الأحبة في فاصل ثم نعود إليكم.

ورتل القرآن ترتيلاً. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ ۚ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: 7]. زاد، تزود. إذا أحبتي أن تتعرف على دينك أكثر، أن تزداد علماً وتنهل خيراً، أن تسمع وترى ما يقربك من ربك ويحببك في نبيك وتزكو به نفسك، في قناة زاد تجد ذلك وأكثر. تصفح وتجول في واحة إيمانية من مقاطع مميزة من إنتاج مجموعة زاد، تتنوع بين المادة العلمية والرقائق الإيمانية والفواصل الدعوية المحترفة إعلامياً، أصناف منهجية تخاطب الرجال والنساء الكبار والصغار، تدعو البعيد وتؤنس القريب، مقاطع موشن جرافيك مميزة، دورات علمية متخصصة، فواصل درامية شيقة، لقاءات دعوية ممتعة، برامج تلفزيونية وندوات شرعية. شاهد، شارك، انشر.

بسم الله الرحمن الرحيم، وعوداً عودة مرة أخرى أحبتي في الله، عشنا الدقائق الماضية مع الأخلاق وأهميتها ولن نتوقف عن الكلام عنها، لأنه سيأتي الآن الكلام عن الحياه. قبل أن نتكلم عن الحياة أيها الأحبة، كما قلت في أول كلامي: كل خلق حسن الاسلام دعا إليه وكل خلق سيء الاسلام حذر منه، لذلك أنا أدلكم على كتاب جميل جداً في هذا الباب، نظرة النعيم، كتاب نظرة النعيم 12 مجلداً. قام عليه الشيخ صالح بن حميد، الدكتور صالح بن حميد إمام الحرم وفقه الله، ومعه ثلة من العلماء، قرابة 30 عالماً من علماء الحديث والفقه.

والمجلد الأول جمع سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم بعد ذلك قسم الأخلاق إلى أخلاق حسنة وأخلاق سيئة. الأخلاق الحسنة 200 خلق حسن، يعني هذه الأخلاق الحسنة تكلم من الناحية اللغوية ومن ناحية القرآن والسنة وفعل النبي وتمثل النبي بها وأثار هذا الخلق، خلق حسن مبوبة مرتبة على الأحرُف المعجم. ثم كذلك قرابة 200 خلق سيء، نفس القضية، معناها من اللغة وورودها في القرآن وفي السنة وتعامل النبي صلى الله عليه وسلم معها وتحذيره منها وآثارها السلبية. يعني عندنا قرابة 400 خلق، 200 خلق حسن وأقل من 200 بقليل، حوالي 198 خلق سيء. هذه الأخلاق اهتم بها الإسلام، وهذه ما هي إلا إلا إلا نبذة عن الأخلاق التي التي اهتم بها الإسلام، أما دفعاً وأما رفعاً، أما فعلاً الأخلاق الحسنة، وأما منعاً الأخلاق السيئة.

ولذلك كما قلت أيها الأحبة الأخلاق مهمة جداً جداً جداً. حتى الناس، الناس يحبون الأخلاق الحسنة، مو بالناس بس صدقوني حتى العجماوات والبهائم والطيور. يعني أنا أضرب مثال، أحد الأخوة قبل فترة أراني بعض الصور لحديقة في في الغرب، يقف الحمام يأتي على رأسه وعلى يده يأكل الحب من اليد ويلتقطها، فصنعت مقارنة بين حمامنا وحمامهم. أما حمامهم فيأتي على رأسك على يدك، تضع الطعام فيأتي إليك، وأما حمامنا نحن فبمجرد أن تقترب منه 20 30 متر فر منك! تعرف لماذا يخاف منك؟ يخاف منا صدقوني. يعني حتى العجماوات هذه إذا ألفت الإنسان في تعامله، ألفت الإنسان في تعامله تحبه، وإذا رأت منه شدة أو رعباً أو إخافة تفر منه، هذه أخلاق. فالعجماوات، العجماوات والله أرى بعض الأوقات مقاطع رجل يعيش مع 20 أسد، مع 20 ذئب، مع تمساح، مع نمر، مع كذا، سبحان الله! كيف قلبت هذه الجبلة؟ أنا أسأل نفسي، كيف قلبت هذه الجبلة؟ هذه الأسود والنمور والذئاب مفترسة، جبلت على الدم على أكل الحيوانات، طيب هذا الذي يعيش معها لماذا لا تفترسه؟ لماذا لا تهاجمه؟ تعرفون ماذا استخدم؟ الأخلاق، الرفق. والله يفتح فم الأسد ويضع يده في فم الأسد ما يؤذيه، الضبع وهو ضبع يفتح فمه ويضع يده في فم الضبع وينزعها ما يؤذيه، ما الذي فعله؟ الأخلاق. تعامل معها بأخلاق فقلبت جبلتها، أصبحت أليفة مستانسة.

إذا كان هذا مع ايش؟ مع حيوانات مفترسة، طيب ما يمكن أن نطبق هذا مع مع أنفسنا البشر؟ خذوا القصة الطريفة هذه، امرأة ذهبت إلى أحد العلماء في إحدى القرى كنا نسميه فقيه، قالت يا شيخ أنا زوجي ما يحبني وأبغاك تسوي لي عمل حتى يحبني الرجل، كذا فاهم. قال: طيب أبشر، أنا أعطيك، لكن بشرط أن تأتي لي بشعرة من رمش عين أسد، وأنت بنفسك تجيبينها. كانت سهلة، وفعلاً أسبوعين زمان وجايبة منديل: تفضل يا شيخ. قال: ايش هذه؟ قالت: هذه شعرة من رمش عين الأسد.

قرد، قالت: أنت أخذتني بنفسك؟ قالت: نعم. قال: أخبرني كيف؟ قالت: جنب البيت قرود، فكنت كل يوم أعطيهم موز وتفاح فواكه خبز فصاروا يألفونني، ويوم والثاني والثالث فأصبحوا يأتون عندي، فصرت أعطي القرد الشيء بيدي فيأخذ، وبعد يومين ثلاثة أصبح القرد يأتي عندي وأعطيه بيدي فيأخذها، فاضع يدي على رأسه فيغمض، فسحبت لك شعرة قرد وجبتها لك هيلا شيخ ايش بتسوي؟ فنظر الشيخ إليها متعجب، قال: سبحان الله استطعت أن تروي قرد وما قدرت تروي زوجك كارثه.

إذا عندنا هدف سنفعل ذلك بس أنا ما عندي استعداد، أنا لي كرامتي، أنا لي مكانتي، لا لا لا ما في شيء بين الرجل وبين زوجته، لابد أن نكون فعلا كما قال صلى الله عليه وسلم أو كما قال الله سكن ورحمة، هذه الأخلاق مهمة يا أحبابي في الله، ولذلك من الأمور المهمة كيف نطبق الأخلاق مع بعضنا، يا اخي أنا أبو ذر رضي الله عنه وأرضاه يقول لزوجته يقول، إذا أنا أبو الدرداء أستغفر الله أبو الدرداء يقول لزوجته: إذا أنا غضبت فرضني، وإذا أنت غضبت رضيتك وإلا لم تدم الحياة بيننا، لا أنت غلطان، لا أنا غلطان، لا أنت غلطان، لا ونبدأ في شد جزر، ليش يا أخي؟ إذا شفتني أنا زعلان خذيني على قد عقلي حتى أهدأ، وأنت إذا شفتك أنا زعلانه أنا سأصبر عليك، هكذا الحياة تستمر وهكذا حتى المدير مع موظفيه، وهكذا الحياة وهكذا المجتمع أخلاق محمد صلى الله عليه وسلم.

جاء رجل يهودي، يهودي قرأ في التوراة صفات النبي صلى الله عليه وسلم فعرفها إلا صفة واحدة لم يتبينها بعد، ما هي؟ أن حلمه يسبق غضبه. يوم من الأيام استدان النبي صلى الله عليه وسلم من هذا الرجل مالا إلى أجل محدود ومعلوم، اليهودي جاء قبل المال ودخل المسجد وبدأ يرفع صوته على النبي صلى الله عليه وسلم: يا ابن عبد المطلب يا محمد رد لي مالي إنكم قوم مطل، وبدأ يتفلسف ويرفع صوته على رسولنا صلى الله عليه وسلم في مسجده. عمر موجود قف خطر ممنوع الاقتراب عمر موجود! وإذا بابن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه يمسك هذا اليهودي من تلابيبه ويرفع فوق يريد أن يبطش به يريد أن يفتك به من حضرتك تتكلم في رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

مباشرة النبي صلى الله عليه وسلم قال: مهلا مهلا يا عمر مهلا، اصبر وقف شوي، مهلا يا عمر مهلا يا ابن الخطاب، إنني وإياه في حاجة إلى خير من هذا، أن تأمره بحسن الاقتضاء وأن تأمرني بحسن القضاء يا الله! هو جاي يتهجم عليك يا رسول الله؟ قال: أعطوه ماله وزيدوه عليه جزاء مخافة عمر له. ما النتيجة؟ وإذا بهذا اليهودي يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك يا محمد رسول الله، والله ما لي حاجة للمال لكني قرات في التوراة أن حلمك يسبق غضبك فأردت أن أتثبت، فالحمد لله الذي هداني للإسلام. دخل يهودي وخرج ايش يا إخواني؟ خرج مسلم، إنه زيد بن سعنة رضي الله عنه وأرضاه، هكذا الأخلاق تصنع، هذا الذي نريده في حياتنا أيها الأحبة، هذا الذي نريده.

إbrahim بن أدهم رحمه الله كان ماشي يوم فقابله رجل يهودي -أكرمكم الله- في يده كلب، اسمع اليهودي ماذا يقول، يقول: يا ابن أدهم. قال: نعم. قال: أيهما أطهر لحيتك أم ذيل كلبي؟ تخيلوا أنتم الآن في نفس الموقف أنا يا يهودي يا أحفاد القردة والخنازير يلي فيكم ما يخطئ، لا هذه مو أخلاق الصفوة، هذا اليهودي يريد أن يستفزه، ايش قال إبراهيم بن أدهم رحمه الله؟ قال: اسمع، إن كنت في الجنة فلحي أطهر من ذيل كلبك، وإن كنت في النار فذل كلبك أطهر من لحيتي. اليهودي استصعبه، قال: والله ما هذه إلا أخلاق الأنبياء، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. هذه الأخلاق هكذا تصنع، هذه الأخلاق التي نريدها في مجتمعاتنا مع القريب ومع البعيد، الأخلاق تفعل في الناس ما لا تفعله القوة والشده، إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم ولكن تسعوهم بأخلاقكم.

هذه شعب الإيمان أيها الأحبة، هذه الشعب التي تامرنا ببسط الوجه والابتسامة وكظم الغيظ وأن نعفو عن الناس وأن نتلطف معهم وأن نعدل معهم، هذه أخلاق النبوة أحبتي في الله، هكذا كان سلفنا الصالح هكذا كان رسولنا صلى الله عليه وسلم، هذا الذي نريده يا إخواني مع القريب ومع البعيد مع المسلم ومع الكافر، هناك أخلاق أعظم من هذا يا إخواني، لذلك فعلا الأخلاق اصطلحت الأمم والشرائع والمجتمعات على أهمية الأخلاق وعلى مكانة الأخلاق وعلى فضل الأخلاق. هذا الذي نريده في مجتمعاتنا، في بيوتنا، في مساجدنا، في أسواقنا، في محاكمنا، أما أننا أمة الأخلاق وعندنا أزمة في أخلاقنا يا إخواني؟ أنا يعني أنا أتعجب من هذا أتعجب من هذا، ولذلك أنظر النبي صلى الله عليه وسلم ركز الكلام على ايش؟ على الحياء، لماذا اختار النبي صلى الله عليه وسلم قال: والحياء شعبة من الإيمان. ما الحياء إن شاء الله أيها الأحبة نتكلم عنه بعد الفاصل بإذنه تعالى، وصلى الله على محمد.

هل انت حريص على تصحيح عباداتك؟ هل ترجو أن يتقبلها الله؟ اطلب العلم إذ لا تصح العبادة إلا به، قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: 19]. شرط قبول طلب العلم الإخلاص فيه بأن لا تريد به إلا وجه الله، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزُمَر: 11]. وبالأخلاق ترزق صحة الفهم وقوة الاستنباط، قال صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين». وبالأخلاق المتعلم الحق ويقبل النقد، قال الذهبي: علامة المخلص أنه إذا عوتب لا يبرئ نفسه بل يعترف ويقول: رحم الله من أهدى إلي عيوبي.

ويجب أن يتوفر الإخلاص في التعلم والتعليم والتأليف، قال أبو داود الطيالسي: ينبغي للعالم إذا حرر كتابه أن يكون قصده بذلك نصرة الدين لا مدحه بين الأقران لحسن التأليف. فأخلص النية واحذر من فسادها كطلب العلم لأجل المال والثروة أو الجاه والشهرة أو المراء والجدل، فإن ذلك يفسد العمل، قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: 23].

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. نعود أيها الأحبة إلى حديثنا، الإيمان بضع وست أو بضع وسبعون شعبة، فأعلاها لا إلاله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، قال صلى الله عليه وسلم: «الحياء شعبة من الإيمان».

يا ترى أيها الأحبة لماذا النبي صلى الله عليه وسلم اختص هذا الخلق بالذات؟ طيب ليش ما قال مثلا الصدق؟ ليش ما قال الوفاء؟ ليه ما قال الرفق؟ لماذا ركز النبي صلى الله عليه وسلم على قضية الحياء؟ الحياء مهم جدا. الحياء بعد تتبعي لكثير من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وجدت أن الإسلام اهتم بهذا الخلق لأن هذا الخلق له علاقة متعددة، له علاقة مع الله سبحانه وتعالى فيكون الإنسان ايش؟ يستحي من الله سبحانه وتعالى، وله علاقة مع الآخرين فالإنسان يستحي من الآخرين، بل حتى أن الإنسان يستحي من نفسه بعض الأوقات يزيد الحياء حتى أن الإنسان يستحي من نفسه.

وفعلا إذا رزق الإنسان الحياء صلح حاله مع رب العالمين، وصلح حاله مع الناس، وصلح حاله حتى مع نفسه ومع أقرب الناس إليه. مر النبي صلى الله عليه وسلم على رجل ينصح أخاه في الحياء، يعظ أخاه في الحياء: اترك الحياء الحياء مو كويس. قال: «دع فإن الحياء لا يأتي إلا بخير»، إن الحياء لا يأتي إلا بخير، ولذلك خصه صلى الله عليه وسلم يقول عليه الصلاة والسلام: «إن لكل دين خلقا وخلق الإسلام الحياء».

كل دين أو كل شريعة اختصت بخلق، والاسلام اهتم واختص بخلق الحياء، ولذلك جاء في بعض الأحاديث: «استحِ من الله كما تستحي من الرجل الشريف في قومك»، أو كما قال صلى الله عليه وسلم. الحياء مهم جدا يا إخواني، الحياء أن تراقب الله عز وجل في جميع أحوالك.

الليل وفي النهار، في السر وفي العلَن، في الخلوة وفي الجلوة، في القليل وفي الكثير، في الظاهر وفي الباطن. إذا رزق الإنسان الحياة هذه نعمة من الله سبحانه وتعالى، ولذلك الحياء هو خلق يبعث على فعل الجميل وترك القبيح.

وبالمناسبه يا إخواني وأحبابي في الله، الحياء عمل قلبي. الحياء عمل قلبي؛ فإذا استحيا الإنسان من الله عز وجل، كان أثر الحياء على الجوارح. ضد الحياء والعياذ بالله المجاهرة، وضد الحياء يعني أن الإنسان يبارز الله بالذنوب والمعاصي ويباري الناس أيضًا بالتعدي والخطأ عليهم.

لذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك الحديث الجميل المشهور: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحي فاصنع ما شئت». ما معنى هذا الحديث؟ إذا لم تستحي فاصنع ما شئت. قال العلماء: هذا الحديث له معنيان.

المعنى الأول -وهو الذي يظهر عند الناس كلهم- أن الإنسان إذا فقد الحياء صنع كل شيء، خلاص؛ إذا فقد الإنسان الحياء صنع كل شيء، إذا لم تستحي فاصنع ما شئت. الإنسان إذا فقد الحياء والعياذ بالله صنع كل كبيرة وكل صغيرة وكل ظاهرة وكل باطن، ما في حياء، هذا معنى.

المعنى الثاني أيها الأحبه، قالوا: إذا لم تستحي فاصنع ما شئت، بمعنى أنه أي عمل لا تستحي من إظهار للناس فافعله، فإنه لا باس فيه. أي عمل لا تستحي منه -لا يستحي منه هو صاحب الفطرة السليمة، صاحب العقل السليم، صاحب العلم السليم- فافعله. عكس الأول، أي عمل تستحي من الناس فافعله فهو خلاص غير مقبول. إذاً، إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستحي فاصنع ما شئت له معنيان: ظاهر وباطن.

الظاهر أو الواضح أو الجلي أنه الإنسان إذا فقد الحياء يصنع كل شيء. والمعنى الآخر أن العمل إذا كان مما لا يُستحى منه فاعمله فلا باس فيه؛ لأن الناس أيها الأحبة لا تجمع على ضلال أبداً، لا تجمع على ضلال، فإذا الناس قبلوا شيئاً فهو مقبول بإذن الله سبحانه جل في علاه.

أنواع الحياء أيها الأحبة، وهو مهم جداً: الحياء من الله سبحانه وتعالى. الحياء مع الله وهو أعظمه، وأعظم الأنواع أن نستحيي من الله. قال صلى الله عليه وسلم: «استحيوا من الله». قلنا: يا رسول الله، إنا نستحي من الله. قال: «ليس ذاك، ولكن من استحيى من الله حق الحياء فليحفظ الرأس وما وعى، وليحفظ البطن وما حوى، وليذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الحياة الدنيا؛ فمن فعل ذلك فقد استحيى من الله حق الحياء» أو كما قال صلى الله عليه وسلم.

سمعتم أيها الأحبة، النبي صلى الله عليه وسلم يندبنا إلى أن نستحيي من الله. طيب ما هو الحياء الحقيقي من رسول الله؟ كيف نستحيي من الله؟ قال: «من استحيى من الله فليحفظ الرأس وما وعى»: العين، الأذن، اللسان، العقل، هذه كلها نعم من الله سبحانه وتعالى. عينك لا تنظر إلا فيما أحل الله، سمعك لا تسمع إلا ما أحل الله، لسانك لا يخرج منه إلا ما يرضي الله سبحانه وتعالى، عقلك لا يفكر إلا فيما ينفع النفس أو الناس.

يحفظ الرأس وما وعى؛ لأن الرأس أيها الأحبة يعني عضو خطير جداً، إذا صلح -إذا صلح الرأس صلح البدن باذنه تعالى- الفكر صلح، اللسان يصلح، العين تصلح، الأذن تصلح، فتكون منافذ طيبة للجسم، فلا يفكر إلا في النافع، لا يتكلم إلا في الصالح، ولا يسمع إلا الخير، ولا ينظر إلا إلى الحلال.

معظم مصابنا يا إخواني، معظم مصائب الناس: إما ينظر فيما حرم الله، أو يسمع ما حرم الله، أو يتكلم فيما حرم الله، أو العياذ بالله يحتال، يسرق، يغش، يخون، وهكذا. لا، احفظ هذا الرأس، احفظ الرأس. مَن يحفظ؟ يقول صلى الله عليه وسلم: «من يضمن لي ما بين لحييه وما بين فخذيه أضمن له الجنة».

ولذلك اللسان كارثة، صغير الجرم كبير الجرم. فلا بد تستحي من الله أن تحافظ على الرأس وما وعى: نظراً، سمعاً، كلاماً، فكراً.

طيب، وليحفظ البطن وما حوى. هذا بطنك لا يدخل فيه إلا الحلال؛ لماذا؟ «كل جسد نبت من سحت فالنار أولى به» هكذا يقول صلى الله عليه وسلم.

وليذكر الموت والبلى، اذكر القبر وحينما يأتي الدود يأكل جسدك، هذه قضية مسلمة ما في واحد يسلم أبداً، ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَرْتِ﴾ [آل عمران: 185]. لذلك أكثروا، يقول صلى الله عليه وسلم: «أكثروا من ذكر هادم اللذات مفرق الجماعات». هناك حفرة ستدخلها، قبر ستدخله شئت أم أبيت. زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة، كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإنها تذكركم الآخرة.

مهم جداً أيها الأحبة دائماً نتخيل ذلك اللقاء المهيب، حينما يضعك أقرب الناس في ذلك القبر والهيل عليك التراب، لا تغفل عن ذلك يا عبد الله.

ومن أراد الآخرة ترك زينة الحياة الدنيا. دنيا اسمها دنيا، يقول صلى الله عليه وسلم: «إن مثل الدنيا في الآخرة كمثل أحدكم يضع إصبعَه في اليم، فلينظر بم يرجع». و﴿مَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُُورِ﴾ [آل عمران: 185]. أبداً ما لها قيمة، ما لها قيمة أيها الأحبة.

يقول صلى الله عليه وسلم: «لأن أقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر؛ أحب إليّ مما طلعت عليه الشمس». فرحانين فيها ليش؟ مع الأسف، النبي صلى الله عليه وسلم يقول عن الدنيا: «الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه، أو عالماً أو متعلماً». نحب فيها ونبغض فيها، ونتجاوز ونبر فيها، ونقتتل، ما قيمتها؟

يقول صلى الله عليه وسلم: «لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء». لكنها ما تعدل، والله ما تعدل مع الأسف. مع الأسف أصبحنا سكرنا بحبها. على إيش؟ على ماذا؟ دامت لغيرك والله لن تدوم لك.

لذلك أيها الأحبة، لا بد أن نعرف قيمة الدنيا، ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: 185]. هي الدنيا تقول بملء فيها: حذاري حذاري من بطشي وفتكي، فلا يغرركم مني ابتسام؛ ففعلي مضحك وقولي مضحك والفعل مبكي، كارثه! فنقول أيها الأحبة ننتبه.

ومن أراد الآخرة ترك زينة الحياة الدنيا؛ فمن فعل ذلك فقد استحيى من الله حق الحياء. النبي صلى الله عليه وسلم ضرب لنا أروع الأمثله في التزهد في الدنيا.

يدخل عمر رضي الله عنه وأرضاه يوم من الأيام وهو نائم على حصير أثر في جنبه صلى الله عليه وسلم، لما رآه عمر بكى. قال: ما الذي يبكيك يا ابن الخطاب؟ قال: يا رسول الله، كسرى وقيصر ينامون على الحرير والديباج، وأنت رسول الله تنام على الحصير! فقال صلى الله عليه وسلم: «أوفي شك أنت يا ابن الخطاب؟ أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟».

الله أكبر، هذا الميزان الحقيقي. أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟ ترى والله ما حرمنا شيء، ترى الدنيا عندنا والله الدنيا عندنا والحمد لله، لكن أن نسكر بحبها، أن تصبح هي حشاشة القلب وهي الهدف؟ لا والف لا، ما دام في موت وفي قبر ما له أمان.

ولذلك أحبتي في الله، النبي يحذر: ومن أراد الآخرة -جنة عرضها السماوات والأرض- ترك زينة الحياة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيى من الله حق الحياء.

إذاً أيها الأحبة الأفاضل، نستحيي من الله أن نراقب الله في كل شيء، في كل صغيرة وفي كل كبيرة. نحن مع رب العالمين، إذا رزقك الله الحياء -والله يا إخواني متى ما رزق الإنسان الحياء- تستقيم حياته، عبادته، معاملته، أكله، شربه، نومه، استيقاظه، كل شيء ينضبط إذا رزقك الله الحياء منه سبحانه وتعالى.

ولذلك أيها الأحبة، إذا ذُكر الحياء نذكر عثمان رضي الله عنه. يعني النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة؟». يوم من الأيام كان الرسول في البيت جالس، فجاء أبو بكر وكانت فخذاه مكشوفتان صلى الله عليه وسلم ما غير حالته، دخل عمر ما غير حالته، دخل عثمان فقام.

صلى الله عليه وسلم فغير حالته وستر فخذيه، عائشة تنظر تقول: يا رسول الله، دخل أبي وعمر وما غيرت، دخل عثمان فغيرت هيئتك؟ ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة؟ اللهم صل على رسول الله. عثمان رضي الله عنه وأرضاه أيها الأحبة، ما كان يغتسل قائماً حياءً من الله، ويقول: ما مست يدي فرجي منذ أن صافحت بها النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يغتسل في الظلام حياءً من رب العالمين.

لذلك أيها الأحبة، الحياء عظيم جداً، خلق إيماني قلبي، ولذلك أكد عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأفرده: «والحياء شعبة من الإيمان». الحياء من الناس مهم جداً، استحي من الله كما تستحي من الرجل الشريف في قومك، فإذا جاء جانب الحياء من الناس وجاء في الظاهر، وجانب الحياء من الله في الباطن، كمل جانب الحياء واستقامت حياة الإنسان، فأصبح يرى بنور الله، يأمر بما أمر الله، ينهى عما نهى الله، يعيش حياته كأنه في جنة لأنه يتعامل مع رب العالمين ما يتعامل مع البشر.

ولذلك أكد عليه النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث: «والحياء شعبة من الإيمان». أحبتي في الله، نصل إلى نهاية حديثنا في هذا الحديث أو كلامنا في هذا الحديث، وكما ترون هذا الحديث يحتاج إلى لقاءات كثيرة، أنا أحيلكم إلى الكتب التي تكلمت عن شعب الإيمان، وأشهرها البيهقي وغيرهم ممن تكلم في شعب الإيمان وأفرد لها مجلدات كثيرة، وهم يتكلمون عن هذه الشعب فهي ديننا، وهي شريعتنا، وهي عقيدتنا، ولذلك نحرص أيها الأحبة على تعلمها.

تذكر يا عبد الله أن الإيمان ليس عملاً واحداً، بل أعمال كثيرة، من أعمال الإيمان ما هو ترك مخرج من الملة كالتوحيد، ومنها ما ينقص بالعمل كغيره كما سمعنا، ولذلك ينبغي أن ندخل في هذا الدين كافة، ناخذ كل شيء الظاهر والباطن، القشر واللب، الإسلام ما فيه قشر، لب الإسلام كتلة واحدة لا تتجزأ أبداً.

شكر الله لكم، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا وإياكم الإخلاص في القول والعمل، وأن يجنبنا وإياكم مواطن الزلل، والى لقاء آخر، هذا وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.

راغباً في كل علم نافع متطلعاً لزيادة الإيمان، وتريد سهلاً نوال ميسراً يأتيك ميسوراً بأي مكان.

زاد، أكاديمية ينبوعها صاف ليروي غلة الظمآن، هذه عقيدتنا الصحيحة فطرة تنفي الشكوك بواضح البرهان.

بشرى لنا زاد، أكاديمية للعلم كالازهار في البستان.