تسجيل الدخول

المحاضرة 6 - شَرحُ حديث (إنَّما بُعثتُ لأتمِّمَ مكارم الأخلاق...) (1)

موفق كدسة الغامديد. موفق كدسة الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد.

سلام الله عليكم ورحمته وبركاته. حياكم الله وبياكم، وجعل الجنة مثوانا ومثواكم. ما زلنا في هذه السلسلة المباركة، وفي هذا الدرس العلمي الجميل، ومع حديث رسولنا صلى الله عليه وسلم في هذه القناة المباركة قناة زاد. واليوم بإذن الله سبحانه وتعالى نبدأ في الدرس السادس من مادة الحديث المستوى الأول. وما أجمل أن نعيش مع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي ما ترك من خير إلا ودلنا عليه، ولا من شر إلا وحذرنا منه، بأبي وأمي ونفسي هو صلى الله عليه وسلم.

اليوم حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق». وفي رواية: «صالح الأخلاق»، وفي رواية: «حسن الأخلاق». رواه البزار وأحمد ومالك وصححه الألباني.

أيها الأحبة الأفاضل، ديننا هو دين الأخلاق، شريعتنا شريعة الأخلاق. ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم أعطانا عبارة حصر: «إنما بعثت متمماً لمكارم الأخلاق». الأخلاق هي إكسير الحياة. قد يقول قائل: أين التوحيد، أين العقيدة؟ التوحيد والعقيدة من الأخلاق. وأنا أقرب هذه القضية: الأخلاق تأمرنا بكل ما هو خير، وتنهانا عن كل ما هو شر. ولذلك الإنسان حينما يتعامل مع الله الذي أعطانا وأوجدنا وخلقنا، وحقق رجائنا، وأجاب دعاءنا، وفرج همنا، وكشف كربنا، وخلقنا من العدم، وأسبغ علينا وافر النعم، واعطانا إلى آخر ذلك، الأخلاق تقول إن الإنسان دائما يحسن إلى من أحسن إليه. نحن هذه بين البشر نفعل ذلك، فما بالكم برب البشر سبحانه وتعالى؟ إذاً الأخلاق تقودنا إلى أن نعبد الله ولا نشرك به شيئاً.

فإذا حينما نسمع حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، الأخلاق اسم عظيم جداً يدخل تحته كل خير. ولذلك عندنا أخلاق مع الله سبحانه وتعالى، وأخلاق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخلاق مع الآخرين، وأخلاق مع النفس، هذه أرکان الأخلاق. فعندنا أخلاق يجب علينا أن نظهرها لله عز وجل وهي كثيرة، وأخلاق للرسول صلى الله عليه وسلم وهي كثيرة، وأخلاق بيني وبين الآخرين وهي كثيرة، وأخلاق بيني وبين نفسي وهي كثيرة. لعلي أن أعطي موجزاً عن هذه الأركان الأربعة.

الأخلاق بيننا وبين الله كثيرة؛ الحب، الخوف، الرجاء، التوكل، الخشية، التقوى، الافتقار، الانكسار، التعلق، الرضا، الصبر، هذه كل أخلاق ينبغي أن التوحيد ينبغي أن تكون لله سبحانه وتعالى. ولذلك هذه الأخلاق كثيرة جداً، هناك خلق واحد لو أتينا به جاءت كل الأخلاق تسعى خلفه. ما هو هذا الخلق؟ خلق الحياء. الحياء، نعم. إذا جاء الحياء جاءت كل الأخلاق التي ينبغي أن نظهرها لله وأن نعملها لله تسعى خلفه. أن لكل دين خُلُقاً، وخُلُق الإسلام الحياء. لذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال: «استحيوا من الله حق الحياء». قالوا: يا رسول الله، إنا نستحي من الله. قال: «ليس ذاك، ولكن من استحيى من الله حق الحياء فليحفظ الرأس وما وعى، وليحفظ البطن وما حوى، وليذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الحياة الدنيا؛ فمن فعل ذلك فقد استحيى من الله حق الحياء». إذاً، إذا جاء الحياء من الله جاء التوحيد، جاءت المراقبة، جاء الخوف، الخشية، الرجاء، الحب، كل الأخلاق التي ينبغي علينا لله سبحانه وتعالى، فهذا الركن الأول من أركان الأخلاق.

الركن الثاني: الأخلاق مع النبي صلى الله عليه وسلم كثيرة جداً، كثيرة جداً، لكن هناك خلق إذا جاءت كل الأخلاق تسعى خلفه التي يستحقها منا رسولنا صلى الله عليه وسلم. يا ترى ما هو هذا الخلق؟ هذا الخلق هو الحب. ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: 31]. ولذلك متى ما أحببنا رسولنا صلى الله عليه وسلم المحبة الصادقة، المحبة الخالصة، المحبة التي هي بعيدة عن البدع والخرافات، كل الأخلاق التي يستحقها منا صلى الله عليه وسلم ستأتي خلف هذه المحبة. ولذلك الإنسان ينبغي دائماً أن يكون في قلبه أول محبة محبة الله سبحانه وتعالى، المحبة الثانية قبل أي مخلوق محبة الرسول صلى الله عليه وسلم. فاذا أحببنا رسولنا صلى الله عليه وسلم ثقوا تماماً أن أخلاقنا ستتشبه بالرسول صلى الله عليه وسلم، سنمشي خلف سلوك النبي صلى الله عليه وسلم، سننهج هدي النبي صلى الله عليه وسلم.

الركن الثالث من أركان الأخلاق، ألا وهو الأخلاق مع الآخرين، منها الصبر، ومنها المحبة، ومنها الإيثار، ومنها الرفق، ومنها أشياء كثيرة. لكن هناك خلق واحد، هذا الخلق إذا جاء فكل الأخلاق التي بعده تاتي خلفه. هذا الخلق هو أن نكون صادقين، أو قبل ذلك أن نحب لهم ما نحبه لأنفسنا، نحب لهم ما نحب لأنفسنا كما قال صلى الله عليه وسلم، وأن تأتي إليهم ما تحب أن يأتوه إليك. ولذلك هذه قاعدة مهمة جداً؛ أن نعامل الناس بما نحب نحن أن يعاملونا به. تريد الناس يحبوك أحبهم، يحترموك احترمهم، يوقروك وقرهم، لا يظلموك لا تظلمهم، وهكذا وهكذا. أن تؤدي إلى الناس ما تحب أن يؤدوه إليك، هذه قاعدة مضطردة، ووالله لو وجدت ما راينا المشاكل، ولا المحاكم، ولا راينا القطيعة، ولا راينا القتل، ولا راينا، لماذا؟ كل إنسان يعامل الناس بما يحب أن يعاملوه به.

أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه لما ولي الخلافة, عين عمر قاضياً للمسلمين. فمكث عمر رضي الله عنه وأرضاه سنة كامله يذهب كل يوم للمسجد ويعود، ما حكم بين متخاصمين! تخيلوا المجتمع المسلم ما فيه مشكلة بين اثنين. بعد سنة قال: يا خليفة رسول الله، ليس لي حاجة في القضاء. قال: أمن مشقة يا ابن الخطاب؟ قال: لا، لكن سنة كامدة ما حكمت بين متخاصمين. قال: ألما يخافون منك يا عمر مثلاً؟ اسمعوا المواصفات، مواصفات المجتمع المسلم الأخلاقي الذي رباه النبي صلى الله عليه وسلم وأسسه النبي صلى الله عليه وسلم، قال: عرف كل ما له فأخذه وما عليه فأداه، كبيرهم يحترم صغيرهم وصغيرهم يوقر كبيرهم، من غاب منهم سالوا عنه وتفقدوه، من احتاج منهم أعطوه، من مرض منهم عادوه أي زاروه، خلقهم النصيحة والامر بالمعروف والنهي عن المنكر، ففيما يختصمون؟ ففيما يختصمون؟ هذا مجتمع أسسه النبي صلى الله عليه وسلم. إذاً، تخيلوا مجتمع كامل سنة كاملة ما في مشكلة بين اثنين، لماذا؟ إكسير الأخلاق موجود، الأخلاق موجودة؛ حقي آخذه، الذي علي الواجب علي أعطيه، وهكذا هي الحياة.

بقي الركن الرابع من أركان الأخلاق، ألا وهي الأخلاق مع النفس. الأخلاق مع النفس كثيرة جداً ينبغي الإنسان أن يهتم بها، وهي مبثوثة في كتب السلوك، كتب الأخلاق، لكن هناك خلق أحسن لو جاء تاتي كل الأخلاق التي نحتاجها في حياتنا خلف هذا الخلق، ألا وهو خلق الصدق. الصدق: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: 119]. الإنسان لما يكون صادقاً، القضية ترى الصدق ما هي فقط في اللسان أو في الكلام، الصدق في الكلام، الصدق حتى في العبادة، الصدق في الدعاء، الصدق في التوبة، الصدق في المعاملة، الصدق مع الآخرين. هذا الخلق إذا وجد جاءت كل الأخلاق تسعى خلفه.

ولذلك الصدق مفهوم عام في كل شيء. بمعنى أن يكون الإنسان صادقاً حتى في دعائه، يا أخي الكريم النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من سال الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء ولو مات على فراشه». إذاً الصدق مطلب، الصدق في الدعاء، الصدق في التوبة، أنت كنت صادقاً في توبتك؟ صادق؟ بعض الناس يقول: الصلاة ما لها أثر في حياتي! ما أنت صادق في صلاتك، اصدق في صلاتك. مشاعرك مع الآخرين اجعلها صادقة، وهكذا إذاً.

هذه أركان الصد أو أركان الأخلاق: خلق مع الله، خلق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخلاق مع الآخرين، أخلاق مع النفس. هذه أركان الأخلاق، ولذلك لا تعجب حينما تسمع قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» صالح الأخلاق، حسن الأخلاق.

نعم، ديننا دين أخلاق، ديننا دين أخلاق. ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة معنا في المنهج بين مكانة الأخلاق في المجتمع وفي الدين وفي الشريعة. أنا سأسؤال سؤالاً: من منا يستطيع أن يقوم الدهر ولا يفتر، وأن يصوم الدهر ولا يفطر؟ لا أحد، لا أحد. لكن أنا وأنت، كل واحد فينا، يستطيع من خلال الأخلاق أن يصل إلى هذا المستوى؛ الصائم القائم. قال صلى الله عليه وسلم: «إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة القائم الصائم».

درجة القائم الصائم! يا الله، درجة عظيمة جداً لا نستطيعها بأعمالنا، لكن نستطيع أن نصل إليها بأخلاقنا. لذلك ربنا لما أثنى على رسوله في كتابه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]. ما من خلق يا إخواني حسن إلا والرسول صلى الله عليه وسلم بلغ فيه الكمال البشري، ولا خلق سيء إلا والرسول صلى الله عليه وسلم ابتعد عنه الكمال البشري؛ ابتعد عن كل الأخلاق السيئة. حتى أعداؤه في الجاهلية ما استطاعوا أن يتكلموا في أخلاقه، وكانوا يسمونه الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم.

هناك ترابط قوي بين الإيمان والأخلاق؛ أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وخيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهله. إذاً، الإيمان إذا جاءت الأخلاق خلفه، وأولى الناس بأخلاقنا أهل بيوتنا، الزوجة، الأولاد، البنات، وقبل ذلك الوالد والوالدة، الاقارب، الجيران. أنا استطيع أن أظهر هيئة الداعية والدكتور والمؤثر، استطيع أن أزف على الناس، لكن تريد أن تعرف حقيقتي؟ اسأل عني في بيتي، لأني في بيتي لا تكلف، ستعرف. ولذلك كم جاءني من اتصالات من بعض النساء تشتكي تقول: زوجي أمام الناس رجل يثنى عليه، لكن في بيته يعتبر حيوان متوحش!

وهذه قضية خطيرة، لأن هناك انفصال بين الإيمان والأخلاق. الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «وخيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهله»، «إن من أقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً»، «أنا زعيم ببيت في ربض الجنة -أطراف الجنة- لمن ترك المراء وإن كان محقاً، وزعيم ببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحاً، وزعيم ببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه». عرفتم الآن قيمة الأخلاق؟

يا رسول الله، ما أكثر ما يدخل الناس الجنة؟ قال: «تقوى الله وحسن الخلق». وما أكثر ما يدخلون الناس النار؟ قال: «الأجوفان؛ الفم والفرج». وبالتالي أحبتي في الله، الإسلام اهتم بهذه القضية لأنه من خلال الأخلاق نستطيع أن نصل للفردوس الأعلى. الله عز وجل حسن خلقنا وهذه الأمور الظاهرة، وأيضاً وضع فينا الفطرة السليمة. لكن الإنسان لا يقول: أنا الله كذا خلقني؛ لا، تستطيع أن تحسن من أخلاقك، «إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم»، «ومن يستغن يغن الله، ومن يتصبر يصبره الله». فنستطيع بإذن الله تعالى أن نصل إلى درجات عالية في الجنة عن طريق الأخلاق، بل مفتاح الجنة الأخلاق بعد لا إله إلا الله، لأن لا إله إلا الله من لوازم الأخلاق أن نوحد الله وأن نخلص في عملنا لله، هذا من لوازم الأخلاق التي ينبغي أن يعيش عليها المسلم.

أيها الأحبه، الوقت شرف على النهاية، ولكن أقول: تذكروا أن أكثر ما يدخل الناس الجنة تقوى الله وحسن الخلق. استودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه، وصل اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.