بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
حياكم الله وبياكم وجعل الجنة مثوانا ومثواكم. ما زلنا مع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في مادة الحديث المستوى الأول في هذه القناة المباركة قناة زاد، وكنا قد تكلمنا في الدرس الماضي في الدرس السادس عن الأخلاق وأهميتها وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» متمماً لمكارم الأخلاق لصالح الأخلاق.
لحسن الخلق أيها الأحبه، ذكرنا لكم في اللقاء الماضي أن الأخلاق هي أربعة أركان، تقوم على أربعة أركان: خلق بين الناس وبين ربهم، بيني وبين الله، وخلق بيننا وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخلق بيننا وبين بعضنا، وخلق بيننا وبين أنفسنا. هذه هي أركان الأخلاق التي تقوم عليها الأخلاق، بل لما نقول بيننا وبين الآخرين، حتى العجماوات والبهائم -أكرمكم الله- والملائكة لهم علينا حق.
العجماوات، نعم العجماوات! فما بالكم ببني آدم؟ النبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا عن امرأة دخلت النار في هرة حبستها، لا هي أطعمتها ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض، فدخلت النار بسبب الهرة هذه؛ ظلمت هرة، قطة! تخيلوا امرأة تظلم قطة فتدخل بسببها النار. إذاً حتى العجماوات، وفي كل كبد رطب صدقة. فإذاً هذه المخلوقات التي خلقها الله يجب علينا أن نتعامل معها بأخلاق.
أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن امرأة بغي من بني إسرائيل -امرأة بغي -أكرمكم الله والملائكة- من بني إسرائيل- رأت كلباً يأكل الثرى من شدة العطش، فنزلت إلى بئر وملأت موقها -خُفّها- وأمسكته فيها وصعدت، يعني منتهى الخطورة، لكنها أحسنت إلى كلب. ما النتيجة؟ شكر الله لها وغفر لها وأدخلها الجنة. إذاً الأخلاق سواء كانت مع العجماوات والبهائم مطلب، مع بني آدم مطلب، ترى حتى أنا أقول لكم مع الجمادات مطلب، لا تتعجب! النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى أحد جبل يابس جامد، إيش قال؟ قال: «أحد جبل يحبنا ونحبه». شوفوا الأخلاق حتى مع الجمادات! يحبنا ونحبه.
فلما صعد على الجبل اهتز، قال: «اثبت أحد، فإنما عليك نبي وصديق وشهيد أو شهيدان». إذاً حتى الجمادات تستحق من الأخلاق. لما كان صلى الله عليه وسلم يخطب على جذع يابس، فعمل له منبر، فلما صعد عليه بكى الجذع، وكل من في المسجد سمعوا صياح هذا الجذع، أخذ ينوح كما تنوح الناقة على صغيرها، فقطع الخطبة ونزل واحتضن الجذع حتى هدى، ثم أسر له شيء، ثم قال صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده، لو لم أفعل ذلك لبقي يحن إلى قيام الساعة». الله أكبر! الله أكبر! جماد، نعم، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107].
إذاً الأخلاق مطلب، مطلب في علاقتنا مع الله، في علاقتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، في علاقتنا مع الآخرين من حولنا، في علاقتنا مع أنفسنا. الأخلاق مطلب، لأن وجود الأخلاق معناه هذا صلاح المجتمع. النبي صلى الله عليه وسلم يحدثنا عن رجل راى غصناً في طريق المسلمين فأزاحه حتى لا يؤذي المسلمين، ما النتيجة؟ قال: «شكر الله له وغفر له». ثم يقول: «والذي نفسي بيده، إني لأراه الآن ينغمس في أنهار الجنة». بماذا دخل الجنة؟ لان الأخلاق تحركت؛ الأخلاق تحركت فأزاح شيء من طريق المسلمين حتى لا يؤذيهم. إذاً الأخلاق مطلب كبير جداً جداً جداً، نحن أمة الأخلاق والله أمة الأخلاق، ما هناك خلق إلا والاسلام والقرآن دلنا عليه وحثنا عليه.
لما نزل قول الله عز وجل: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199]، قال صلى الله عليه وسلم: «يا جبريل، ماذا أراد الله بهذه الآية؟» قال: «إن الله يأمرك أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك». هذه أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم، هذا هو مبدأ التعامل مع الآخرين. الأخلاق أن تصل من قطعك، تعطي من حرمك، تعفو عمن ظلمك. أي دين يأمر بمثل هذا إلا الإسلام؟
إذاً لما يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، ما الأخلاق ما جاءت من فراغ، ما جاءت من فراغ. بل النبي صلى الله عليه وسلم يقول -اسمعوا الحديث-: «ما من شيء -أثقل في ميزان العبد المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق، وإن الله يبغض الفاحش البذيء». شوف! ما من شيء، يجي واحد يقول لي: طيب التوحيد، وين التوحيد؟ مو التوحيد قلنا التوحيد من الأخلاق؟ التوحيد من الركن الأول من أركان الأخلاق؛ الذي خلقك وأوجدك وانعم عليك واعطاك واعطاك؛ حقه عليك أن تعبده ولا تشرك به شيئاً.
جاء في بعض الآثار يقول الله سبحانه وتعالى: «إني والعباد في نبأ عجيب؛ أخلق ويعبد غيري، أرزق ويشكر سواي، خيري إليهم نازل، وشرهم إلي صاعد، اتحبب إليهم بالنعم ويتبغضون إلي بالمعاصي». هذه ما هي أخلاق هذه، هذه ما هي أخلاق أبداً. الأخلاق أنك تحسن إلى من أحسن إليك، ترد الجميل. ترى ما يمكن أن نحسن إلى الله لأن كل شيء من الله، لكن اعظم ما نتقرب به إلى الله التوحيد؛ حقه علينا أن تعبده ولا تشرك به شيئاً. إذاً لما يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من شيء أثقل في ميزان العبد المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق»، أعظم قضية هي من قضايا الأخلاق؛ التوحيد والإخلاص لله سبحانه وتعالى، «وإن الله يبغض الفاحش البذيء».
هذا المؤمن يا أحبه، ويعني الإسلام شامل؛ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: 208]. الذي أمرنا بالصلاة والصيام والزكاة والحج والتوحيد، أمرنا كذلك بالأخلاق العظيمة الأخرى. ولذلك ما هناك انفصال بين العقيدة، بين الشريعة وبين وبين السلوك والأخلاق والتعامل، هذه مشكلة في المجتمع؛ إذا شفنا واحد يصلي ويصوم ويخاف الله ها وأخلاقه سيئة، لا راجع إيمانك يا رعاك الله، راجع إيمانك!
لذلك النبي صلى الله عليه وسلم إيش قال؟ قال: «إذا أتاكم من ترضون دينه وماله -لا، دينه ونسبه؟ لا، دينه- سكت، لا- إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض». يجيك واحد يتزوج أو يخطب بنتك ولا اختك، إياك أن تزوجه لدينه فقط، لا! قد يكون انسان عنده دين، لكن دينه يشوبه كثير من النقص؛ لابد مع الدين الأخلاق. يجيك واحد عنده أخلاق ما عنده دين، ما تزوجه؛ تزوج انسان عنده دين وعنده أخلاق.
يعني كما قلت لكم بعض الناس عنده انفكاك، مع الأسف، عنده انفكاك؛ صلاة وصيام وزكاة وكذا، لكن عنده سوء خلق، عنده بخل، عنده شح، عنده لسان طويل، عنده يد طويلة، لا لا! احرص على ابنتك وعلى موليتك أن تختار لها صاحب الدين وصاحب الخلق. يجي واحد يقول لي: هل هناك يعني انسان عنده دين وما عنده أخلاق؟ نعم، موجود كثير، لأنه كما قلت قد تكون غل، خلل في التربية، خلل في السلوك، في التوجيه، خلل في البيئة. لذلك نحرص نحرص أن يكون عندنا الدين والأخلاق.
إذاً الأخلاق مبدأ مهم جداً في حياتنا، الأخلاق الأخلاق تقودنا إلى معالي الأمور، معالي الأمور. ومن الأخلاق يعني كما قلنا احنا الحياء من الله عز وجل، لما يكون عندك حياء من الله تستحي أن يراك الله على معصية أو على تقصير أو على نظر محرم أو على سبعة محرم، لا، لا أنت تتعامل مع الله في الليل قبل النهار وفي السر قبل العلن لماذا؟ الحياء، حياء تعلم أن الله مطلع عليك قريب منك.
يوم القيامة ياتي بعض الناس يريدون حوض النبي صلى الله عليه فتعدي الملائكة فتطردهم، فالرسول يقول: «أمتي أمتي!» يعرفهم غراً محجلين -شوف! غراً محجلين من آثار الوضوء- لكن كان عنده مشكلة في الأخلاق المتابعة كانت عندهم فيها نقص وفيها انحراف، فتقول
الملائكة: إنك لا تدري ماذا أحدث بعدك. الأحداث من الأخلاق؛ نعم ينبغي أنك تحب رسولك صلى الله عليه وسلم، فهذا الحب يدعوك إلى أن تتأسى به في كل صغيرة وكبيرة. إنك لا تدري ماذا أحدث بعدك فيقول: سحقاً سحقاً. إذاً، الأخلاق مهمة جداً جداً في كل أبواب الحياة، في كل تعاليم الشريعة لا بد أن تكون الأخلاق حاضرة.
ليس هناك انفكاك بين العقيدة وبين الأخلاق، ما في انفكاك؛ العقيدة تأمرك أن تكمل الأخلاق، والأخلاق تأمرك أن تحقق العقيدة، فتسير الحياة جنة الدنيا قبل جنة الآخرة. إذاً، هذه الأحاديث وهذه النصوص التي جاءت من الرسول صلى الله عليه وسلم ما جاءت من فراغ، ديننا ما هو دين فقط أنك تخش المسجد أو تدخل المسجد وتصلي وتركع وتسجد، لا، كما أنت مطالب بما في المسجد أنت مطالب بأن تقيم الدين خارج المسجد.
أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها لما سئلت عن خلق النبي صلى الله عليه وسلم قالت: كان خلقه القرآن. إذاً، ما في تنافر بين العقيدة وبين الشريعة أو بين السلوك، لا، كان خلقه القرآن؛ يعني كان متمثل القرآن في حياته؛ توحيد موحد، أخلاق صاحب خلق حسن، صدق في التعامل، صادق في التعامل، وهكذا وهكذا.
صدقوني، معظم مشاكلنا الأسرية والمجتمعية بسبب سوء الأخلاق وقلة الأخلاق، مع أننا أمة الأخلاق أمة الأخلاق، لكن المشاكل، المحاكم الآن مليئة مليئة بالقضايا، الأخ يشتكي أخاه، وربما الابن يشتكي أباه، وربما الجار يشتكي جاره، وربما القريب، ليش؟ الأخلاق ضعفت ضعفت، وبالتالي ظهرت المشاكل. في اللقاء الماضي قلت لكم: عمر يحكم أو يقضي بين المسلمين سنة كاملة ما حكم بين متخاصمين، لأن كل واحد عرف الذي له فأخذه، والذي عليه فآداه، هذا الذي نريده الآن، الأخ ياخذ حقه، ينظر في حق أخته أو في حق أخيه، ليش؟ الأخلاق.
يعني لا يظن الناس فقط أن أعيد وأكرر هذه الجملة: الإسلام ليس صلاة وصيام وحج وزكاة فقط، هذه الأركان مع التوحيد الخامس كلها تدعونا إلى مكارم الأخلاق، كلها تدعونا إلى أن نحقق الأخلاق في المجتمع، وأن ننشر الخير، وأن نتأسى برسولنا صلى الله عليه وسلم. أكثر ما يدخل الناس الجنة تقوى الله وحسن الخلق، وأكثر ما يدخل الناس النار الأجوفان: الفم والفرج.
ولذلك أيها الأحبه، الإنسان يحرص على أن يطبق الأخلاق وأن يأخذ نفسه، أن يؤطر نفسه على الأخلاق، لا يجيني واحد يقول لك: يا اخي الله خلقني كذا، أنا غضوب، أنا لست بصبور، لا لا، الله وضع عندنا الفطرة السليمة. ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم ماذا يقول: «إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم، ومن يتحرى الخير يعطه، ومن يتق الشر يوقه». إذاً، خذ نفسك بالعزيمة بالاصرار بالهمه العاليه، مرة واثنين وثلاثة وعشرة، ستصبح حليماً، ستصبح صبوراً، ستصبح لين العريكة في تعاملك.
ويقول صلى الله عليه وسلم: «من يستعفف يعفه الله»، إذاً عندك، لابد يكون عندك أنت مبادرة؛ «ومن يستغني يغنه الله»، عندك مبادرة؛ «ومن يتصبر يصبره الله»، إذاً لا بد يكون عندنا مبادرات مع أنفسنا. بعض الناس يضع لومه، يقول لك: يا اخي الله خلقني كذا، لا يا حبيبي، الله خلقك نعم ولكن أعطاك ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: 7-10]. إذاً الأخلاق يا أحبه إذا اردنا أن نعيش جنة الدنيا، الأخلاق والله جنة الدنيا والله جنة الدنيا، ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 97].
إذاً تذكروا ايها الاحبه ان الاسلام دين الاخلاق، ان الرسول صلى الله عليه وسلم اعظم من مثل الاخلاق في البشريه، اعظم من من تحلى بالاخلاق من بني ادم هو قدوتنا واسوتنا صلى الله عليه وسلم. اسال الله سبحانه وتعالى ان يوفقنا واياكم لكل خير وان يجعل اعمالنا واعمالكم خالصتا لوجه الكريم، وصل اللهم على محمد وعلى اله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين.
د. موفق كدسة الغامدي