تسجيل الدخول

المحاضرة 8 - شَرحُ حديث (إنك تأتي قومًا أهل كتاب...)

موفق كدسة الغامديد. موفق كدسة الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً أما بعد. سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، حياكم الله في لقاء جديد في أكاديمية زاد، ومع الحديث السادس في مادة الحديث.

وهذا الحديث يرويه الصحابي الجليل عبد الله بن عباس، حبر الأمة وترجمان القرآن، الذي دعا له صلى الله عليه وسلم فقال: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل». ابن عم رسولنا صلى الله عليه وسلم، وخالته ميمونة أم المؤمنين، فكان يبيت عند خالته وينام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته وربما على نفس الوسادة. هنيئاً لك يا ابن عباس رضي الله عنك وأرضاك، هذا رجل كان كبار الصحابة يتعلمون عنده التفسير ويجلسون عنده وهو صغير.

وكان عمر يدنيه كثيراً، حتى إن بعض كبار الصحابة عتبوا على عمر: كيف تدخل هذا الغلام الصغير ونحن كبار كذا؟ فكان يأتي بالآية فيعرض عليهم فيفسرونها، ثم يعرضها على ابن عباس فيقول: والله ما أعلم منها إلا ما يعلم عبد الله بن عباس. أقول أيها الأحبة، رجل له مكانة عظيمة في الأمة وفي الإسلام، وهو صاحب حديث رسولنا صلى الله عليه وسلم حينما كان خلف النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يا غلام إنّي أعلّمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف».

الشاهد أيها الأحبة، هذا رجل مات صلى الله عليه وسلم وهو ما زال صغيراً، لكنه طلب العلم حتى أصبح حبر الأمة، وكل المفسرين عيال على عبد الله بن عباس رضي الله عنهما وأرضاه. هذا الصحابي يروي عن معاذ بن جبل أن لما أرسل النبي صلى الله عليه وسلم معاذاً إلى اليمن. تعالوا بنا، تكلمنا عن ابن مسعود دقيقتين ثلاث، دعونا نتكلم عن معاذ بن جبل. من معاذ بن جبل أيها الأحبة؟ والله سيرة من أجمل وأحسن السير التي ينبغي أن نهتم بها يا إخواني في زمن ضعفت فيه القدوات، وانصرف الناس إلى قدوات تافحة -اسمحوا لي في هذه الكلمة- تعالوا بنا نعرف صحابه رسولنا صلى الله عليه وسلم.

يا إخواني، معاذ بن جبل أسلم وعمره ثماني عشرة سنة، وعاش في الإسلام سنة ومات وعمره ست وثلاثون عاماً. الفترة التي قضاها في الإسلام ثماني عشرة سنة بس، ماذا خلف للأمة من علم؟ والله علم عظيم جداً، لو جلسنا هذه الحلقة كلنا نتكلم عن معاذ ما أوفينا حقه. كان ممن حضر بيعة العقبة الثانية. شوفوا هذا الرجل معاذ بن جبل، تميز بأوسمة كثيرة من الرسول صلى الله عليه وسلم. شوف من اعظم الأوسمة: وسام لم ينله لا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي ولا بقية الصحابة، ما هو الوسام؟ يوم من الأيام النبي صلى الله عليه وسلم يقول لمعاذ بن جبل: «يا معاذ بن جبل، والذي نفسي بيده إنّي لأحبك، والذي نفسي بيده إنّي لأحبك، لا تدعن دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك».

ما سمعنا أن النبي حلف لأحد إلا لمعاذ، والله ما سمعنا أنه حلف لأبي بكر ولا لعمر ولا لكثير من الصحابة، الوحيد الذي جاءنا في السنة أن النبي اقسم على حبه هو معاذ بن جبل، دل على ماذا؟ على مكانته وفضله. ولذلك يقول صلى الله عليه وسلم وسام ثاني في صدر معاذ: «أعلم أمتي بالحلال والحرام معاذ». ما قال أبو بكر، ما قال عمر، ما قال ابن مسعود، ما قال ابن عباس، ما قال كبار الصحابة، «أعلم أمتي بالحلال والحرام معاذ بن جبل».

اللهم صل على رسول الله، معاذ بن جبل، بل هناك أوسمة عظيمة جداً نالها هذا الرجل. كان صلى الله عليه وسلم يردفه خلفه، وهو من القلائل الذي كان صلى الله عليه وسلم يردفه خلفه، وكان يثني عليه كثيراً. ولما أراد أن يرسله إلى اليمن انظروا، خرج أو أرسله النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن في السنة العاشرة، قال: «يا معاذ اركب على راحلتك»، فركب معاذ على راحلته، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم يقودها، تخيلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقود ناقة معاذ ومعاذ جالس على راحلته! يا رسول الله دعني أنزل، قال: «ما تنزل». فأخذ يقوده حتى أخرجه من المدينة، ثم نظر إليه قال: «يا معاذ لعلّك لا تراني بعد عامي هذا، ولعلك تمر بقبري وبيتي». فبكى معاذ رضي الله عنه، وفعلاً ما عاد معاذ من اليمن إلا وقد لحق بالرفيق الأعلى رسولنا صلى الله عليه وسلم.

لذلك أيضاً من مناقبه، يقول صلى الله عليه وسلم: «يقدم معاذ بن جبل يوم القيامة أمام العلماء برتوة». ما رتوة؟ قال العلماء: رمية بسهم. الله أكبر! شاب صغير لكنه ملئ علماً، أععلم أمتي بالحلال والحرام معاذ بن جبل رضي الله عن معاذ وأرضاه. ولذلك هذا الرجل مات في طاعون عمواس، والنبي أخبر صلى الله عليه وسلم أن من مات بالطاعون فهو شهيد. عمر كان يجله، الصحابة كانوا يحبونه، كان يفتي في المدينة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة من المهاجرين وثلاثة من الأنصار، منهم معاذ بن جبل رضي الله عنه وأرضاه، وكان إذا جلس في مجلس وتكلم الصحابة كلهم ينظر إليه هيبة لهذا الرجل معاذ بن جبل رضي الله عنه وأرضاه.

أقول أيها الأحبة، سيرة هذا الرجل سيرة عطرة وسيرة عظيمة جداً، حضر كل الغزوات مع النبي صلى الله عليه وسلم، وأدناه صلى الله عليه وسلم منه كثيراً، وكان يعني له مكانة عظيمة. أنا أخشى أن أتكلم عن معاذ وأنسى لقاء اليوم، دعونا ندخل في الحديث. النبي صلى الله عليه وسلم اختار معاذ رضي الله عنه وأرضاه لما يتوسم فيه من نجابة ومن علم ومن فضل، حتى يرسله إلى اليمن يدعوهم ويفقههم، فبدا النبي صلى الله عليه وسلم يعطيه منهج الدعوة إلى الله.

نلاحظ أيها الأحبة أن هذا الحديث لم يجمع على كل أركان الإسلام، لماذا؟ قال العلماء: لأن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يعلم معاذاً منهج الدعوة وطريقة الدعوة لا أن يعلمه الدين، فمعاذ أعلم الأمة بالحلال والحرام، لكن النبي بدأ ايش يعلمه؟ منهج الدعوة. دعونا ناخذ الحديث ثم نعود بعد ذلك إلى التفصيلات.

قال: «إنك تأتي قوماً أهل كتاب». أيوه، هنا الآن النبي صلى الله عليه وسلم بين له ما نسميه الآن في العصر الحديث الشريحة المستهدفة، واقع الدعوة واقع الناس، قال: «فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله». تأتي قوماً أهل كتاب، يعني يعرفون الله، يعرفون الدار الآخرة، يعرفون الأنبياء، يؤمنون بالغيب، إذاً أنت الآن قد تصورت هذا المجتمع، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، التوحيد. «فإن هم أطاعوا لذلك، فعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة. فإن هم أطاعوا لذلك، فعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم. فإن هم أطاعوا لذلك، فاياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فانه ليس بينها وبين الله حجاب».

أيُّها الأحبة الأفاضل، كما قلت لكم الآن، النبي صلى الله عليه وسلم يبين لمعاذ الدعوة كيف تكون؛ وأنا أقول كل داعية ينبغي عليه أن يتعرف على هذا الحديث، كيف تدعو إلى الله سبحانه وتعالى؟

أولاً لابد أن نعرف، أيُّها الأحبة، المجتمع الذي ندعو فيه، من هم؟ أن نعرف واقعهم، أن نعرف من هم المتلقين لكلامنا حتى نصل لهم بأقصر طريقة، إذ أذكر من الطرائف حدثني أحد المشايخ رحمه الله عليه يقول: جاءنا داعية من مكان بعيد، يقول فأخذناه إلى منطقة من المناطق الفقيرة جداً جداً جداً، يقول فأراد أن يخطب الجمعة فخطب في الترهيب من الدنيا ومن حب الدنيا، يقول: ناس يعيشون في عشاش وفي صفيح، ما عندهم شيء من الدنيا، وهذا الأخ جزاه الله خيراً يخطب جمعة كاملة عن التحذير من الدنيا.

يقول: بعد الصلاة قمت وقلت: لا يا إخواني ويا أبنائي، الإنسان المفروض أنه يعمل ويكد ويشتغل ويصرف على نفسه وعلى أهله وعلى بيته وعلى كذا، يقول: فلما صعدنا السيارة قال لي: يا شيخ أنت أبطلت خطبتي كلها! قال: يا أخي، أنت تكلمت عن الدنيا؟ قال: نعم، قال: فين الدنيا هذه؟ فين الدنيا؟ ما عندهم دنيا دول! دول يعيشون فقر مدقع!

إذا اردت أن تقبل دعوتك، أول شيء تعرف على الشريحة المستهدفة؛ من سيسمع كلامك؟ ماذا يريدون؟ ماذا يحتاجون؟ ما هو مستوى تفكيرهم؟ ما هو مستوى إدراكهم؟ ما عندهم من علم؟ إذا عرفت هذه الأمور فإن هذا أدرى أن يتقبل منك، أما يجي إنسان يتكلم في الشرق والناس في الغرب، ما يصير يا أخي! اعرف المجتمع المتلقي حتى تصل إليه بأسهل طريقة وأسهل عبارة، والشيء الذي يتناسب مع عقولهم ومع إدراكهم.

ولذلك النبي قال: «إنك تأتي قوماً أهل كتاب»، إذاً يهود ونصارى، إذاً عندهم علم، إيش؟ بالأخوة، بالموت، بالقبر، بالرسل، بالكتب، إذاً أنت الآن قطعت شوط كبير جداً.

وقد تأتي إلى قوم لا تعرف ما هي حاجتهم فما تعرف تتكلم في ماذا، ما يستفيد منك، فإذاً أيها الأحبة، الداعيه لابد أن يعرف حينما يتكلم من هو المتلقي لدعوته لكلامه حتى يكون أبلغ في العبارة وفي الإشارة.

قال: إذاً الآن عرفنا الشريحة المستهدفة، واقع الدعوة، الناس المستهدفين، فبدأ النبي صلى الله عليه وسلم الآن أيضاً القضية الثانية، قضية التدرج في الدعوة.

التدرج في الدعوة بمعنى أن نبدأ بالأهم في المهم، أنت متدرج في دعوتك، لا تبدأ بالصغار دون الكبار، لا، ابدأ بالامور المهمة، ابدأ بأركان الإسلام، يعني إنسان مثلاً تارك للصلاه وهو مدخن، فتتكلم عن التدخين وخطورة التدخين وأنه حرام؟ يا أخي، الرجل ما يصلي عندك! إذاً ابدأ بالأهم فالمهم في دعوتك، لا تبدأ بالصغائر وتترك الكبائر يا عبد الله.

لذلك احبتي في الله، الانسان لما يعرف التدرج فهو مبدأ مهم جداً جداً جداً، وهذا ما سنتكلم عنه ان شاء الله بعد الفاصل باذنه سبحانه جل في علاه، ولذلك مبدأ مهم جداً احبتي في الله لابد أن ننتبه له، فاصل ان شاء الله ثم نعود اليكم، وصلى الله على محمد.

كلمات قصيره تحمل بين طياتها تنبيهاً وتحذيراً خطيراً، وتوجه حواسنا ومداركنا إلى دورنا الحقيقي الذي سنحاسب عليه: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته».

فمن أهم أدوارنا الجديرة باهتمامنا في هذه الحياة، التركيز على مسؤوليتنا تجاه رعيتنا؛ فالآباء والأمهات لهم الأثر الأعظم بعد الله في مستقبل الأبناء والأجيال، لذلك خصهم النبي صلى الله عليه وسلم بالذكر فقال: «والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها».

إن الأبناء زهرة الحياة وقرة أعين الآباء والأمهات، وبصلاحهم ودعائهم ترفع الدرجات في الآخرة، ولكن يجب أن ندرك أن ذلك مرهون بححسن تربيتهم وصلاح نشأتهم، فهنا كان لزاما علينا البحث عن أبرع الطرقات وأفضل الأساليب في التربية والتوجيه، ليكون أبناؤنا في قابل أيامهم مصدر بر وسعاده لنا، وسواعد خير وبناء للمجتمع والانسانية.

حرص الإسلام على زرع المحبة والود بين المسلمين، وعلى اقتلاع أسباب التباغض والشحناء من بينهم، ومن المعاملات التي تورث التباغض بين المسلمين: بيع المسلم على بيع أخيه أو شراؤه على شراء أخيه.

لذلك نهى عنها الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: «لا يبع بعضكم على بيع أخيه».

والشراء مثل البيع، فيحرم شراء المسلم على شراء أخيه، ومثال البيع على البيع: اشترى زيد من عمر سيارة بعشرة آلاف، فذهب رجل إلى زيد وقال له: أنا أعطيك مثلها بتسعة، أو أعطيك أحسن منها بعشرة، أو أبيعك مثلها بعشرة، فهذا بيع على بيع المسلم، لا يحل.

ومثال الشراء على الشراء: باع زيد لعمر سلعة بتسعة، فجاء آخر وقال للبائع: بعتها على فلان بتسعة؟ قال: نعم، قال: أنا أعطيك فيها عشرة، أو بعها لي أنا بتسعة ودعك منه.

والراجح أن البيع على البيع حرام، سواء كان ذلك في زمن الخيار أو بعد تمام البيع، لأنه مما يورث الشحناء والبغضاء بين المسلمين.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.

عودة مرة أخرى أحبتي في الله، لابد الداعية أن يتعرف على ميدان الدعوة، الشريحة المستهدفة، واقع الناس، ثم كما قلت يبدأ في قضية التدرج، الأهم في المهم؛ قضية التوحيد، أهم شيء في حياتنا في حياة الأمة كلها، لابد الداعي أن يفهم هذا والدعاة أن يفهموا هذا، لابد أن نركز على التوحيد، التوحيد كل انبياء الله يا إخواني وكل رسل الله: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّن إِلَٰهٍ غَيْرُهُ﴾ [المؤمنون: 32].

معاذ رضي الله عنه وأرضاه كان خلف النبي صلى الله عليه وسلم على حمار اسمه عفير، فقال: يا معاذ بن جبل! قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك. فسكت ثم مضى. قال: يا معاذ بن جبل! قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك. فسكت ثم مضى. قال: يا معاذ بن جبل! قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك. قال: «هل تدري ما حق الله على العباد؟ وما حق العباد على الله؟» قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله أن لا يعذبهم إن هم فعلوا ذلك».

الله أكبر! حق ربنا علينا أن نعبده لا نشرك به شيئاً، حقنا على الله الذي هو حق على نفسه احبتي في الله أن لا يعذبنا إذا نحن فعلنا ذلك، ولذلك احبتي في الله، الداعي لابد أن يهتم بقضية التوحيد.

يقول الله سبحانه وتعالى: «يا ابن آدم، انك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي. يا ابن آدم، لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك. يا ابن آدم، انك لو اتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة».

سمعت يا عبد الله؟ سمعت يا أمة الله؟ انك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً!

إذاً أهم قضية في حياتي وحياتك وحياة الأمة التوحيد، والشرك كذلك، الشرك مهم؟ نعم، مهم جداً جداً جداً، كيف مهم؟ اه، اعرف التوحيد حتى أطبقه، وأعرف الشرك حتى أحذر منه، عرفت الشر لا للشر أبتغي، ولكن لتوقيه، ومن لا يعرف الخير من الشر يوشك أن يقع فيه.

قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 48]، ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: 116].

احبتي في الله، هذه قضية مهمة على الدعاة أن ينتبهوا لها، أولياء الأمور! انتبهوا للتوحيد! انتبهوا للتوحيد! يعني لو كان هناك فرصة ثانية يا إخواني، يعني تمشي، لكن ما في فرصة ثانية، من مات مشركاً دخل النار! قول واحد! قول واحد أيها الأحبة!

يجينا واحد قال لك: يا أخي، يمكن يدخل الجنة؟ ما يمكن! ما يمكن! يا أخي، أنت تمنع رحمة الله؟ أنا ما أمنع رحمة الله، أنا أحفظ كلام الله وأبين كلام الله، أنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة، ومأواه النار، وما للظالمين من أنصار.

خذها من النهاية: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الحج: 31].

السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق. يؤتي برجل يوم القيامة فيوضع على شفير جهنم، طرف جهنم، فيقول الله: عبدي، لو كانت الدنيا عندك أكنت تفتدي بها؟ قال: نعم يا رب. قال: أردت منك أهون من هذا، أردت منك أن تعبدني ولا تشرك بي شيئاً، ثم يكبه على وجهه في نار جهنم.

ما الذي يلجأ إليه هذا أيها الأحبة؟ كثير من الأحاديث أيها الأحبة توحيد، توحيد، توحيد. بعض الناس يقول: ما عندكم توحيد؟ نعم، ما عندنا إلا التوحيد؛ لأن التوحيد إذا جاء جاء معه الخير كله، وإذا زال التوحيد زال الخير كله. ماذا كانت أمة العرب أيها الأحبة لما كان الشرك؟ ولا كانوا لا قيمة لهم، فلما جاء التوحيد أحكموا الأرض كلها، أحكموا الأرض كلها، عاشوا في سعادة في الدنيا قبل الآخرة كما قال ابن تيمية رحمه الله، والله يقول: ﴿وَإِنَّ فِي الدُّنْيَا لَجَنَّةً مَنْ لَمْ يَدْخُلْهَا لَمْ يَدْخُلْ جَنَّةَ الْآخِرَةِ﴾ قالوا: ما هي؟ قال: جنة الإيمان. يا إخواني، ترى أهل التوحيد يعيشون في سعادة عظيمة جداً.

التوحيد مفتاح لكل خير، ليس هناك حسنة أعظم من التوحيد، وليس هناك سيئة أعظم من الشرك، خذوها من النهاية، خذوها من النهاية، أبداً ما يمكن. جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا رسول الله، ما الموجبتان؟ قال: من مات وهو لا يشرك بالله شيئاً وجبت له الجنة، ومن مات وهو يشرك بالله شيئاً وجبت له النار. بس، انتهت القضية؟ توحيد، نعم، توحيد، توحيد. أنظروا يا إخواني إلى أذكار الصباح والمساء، كله توحيد، منذ أن تفتح عينك إلى أن تنام توحيد؛ أذكار الصباح، أذكار المساء، الصلوات، الأذان، الإقامة، أذكار بعد الصلاة، قبل الصلاة، كلها توحيد يا إخواني. التوحيد ما في مثله أبداً، أعظم حسنة في الدنيا التوحيد.

موسى عليه السلام لما قابل الله عز وجل، لما حدثت المقابلة في طور سيناء، إيش قال له؟ قال: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر: 66]. هذا كلام لمن موجه يا إخواني؟ إلى رسولنا صلى الله عليه وسلم: ﴿وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾، ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾.

بعد ذلك أيها الأحبة يكون التهوين من قضية التوحيد؟ لا والله، ما نهون منها، ولا يهون من التوحيد إلا مغفل، خذوها مني، ما في إنسان يهون من قضية التوحيد إلا أحمق مغفل. مع الأسف يعني بليت الأمة الإسلامية الآن، بليت الأمة الإسلامية بمظاهر شركية والله يندى لها الجبين؛ الأضرحة والقبور والمشاهد الموجودة في العالم الإسلامي بالآلاف يا إخواني، بالآلاف، أين التوحيد؟ أين التوحيد بس؟ والله رأيت رجلاً يوصف أنه عالم، وحوله كثير من العلماء الذين هم على شاكلته، عند بعض القبور ينوحون عندها، ويبكون عندها، ويستغيثون بها: ما لنا إن تركتموه؟ من يغيثنا إن لم تغيثونا؟ من يرزقنا إن لم ترزقونا؟ ويبكون، ثم يلتفت إلى الغوغاء الذين حوله: حققوا لا اله إلا الله، حققوا لا اله إلا الله. وين لا اله إلا الله هذه؟ جالس تستغيث بالاموات والقبور وكذا، وبعد يقول: حققوا لا اله إلا الله! وين عقلك أنت المغفل، واللي عندك مغفلين؟ حققوا لا اله إلا الله، كيف نحققها؟ نحققها أن نصرف العبادة لله كلها خالصة، كل العبادات نصرفها لله، من صرف شيئاً لغير الله خرج من الدين، كفر وأشرك. مع الأسف، مع الأسف، هناك من يطبل ويزمر لمثل هذه الأمور التافهة التي تنتشر في بلاد الإسلام.

إخواني، الدولة العباسية لما أُبيدت على يد هولاكو متى أُبيدت؟ لما انتشرت الأضرحة والمشاهد والقبور والشركيات، سلط الله عليهم هولاكو فأباد مليوني في يوم واحد في بغداد، وسقطت الدولة العباسية في ذاك الوقت. الخلافة العثمانية سقطت كذلك لما انتشرت الطرق الشركية والصوفية الغالية وكثير من العياذ بالله المنكرات، ما عاد لهم كذا، أوكلهم الله إلى أنفسهم، سواء في الدولة العباسية وغيرها. لما جاءت جنود المغول ففزعوا إلى القبور والمشاهد يستغيثون بها بهم فقتلوهم ونحروهم على تلك القبور.

إخواني في الله، دعونا نشغل عقولنا بس، نفهم، نفهم الدين يا إخواني، لا تسمع كلامي ولا تسمع كلام فلان، يا اخي اقرأ القرآن، اقرأ السنة، طبق، طبق دينك يا عبد الله. الرسول يقول: إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، مو بسأل عبد القادر الجيلاني والبدوي والزيلعي والسيدة زينب! ليش يا اخي؟ حتى رسول الله والله ما يجوز لك أن تدعوه من دون الله، وهو رسولنا صلى الله عليه وسلم، ما تدعوه. وين عقولنا؟ الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: 186]. إذاً، فليدعوا بس يا إخواني، فعلا والله عقولنا مغيبة، عقول مغيبة مع الأسف. ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: 60]. هؤلاء الذين عكوف على الأصنام وعلى القبور وعلى المشاهد، وين عقولكم يا اخي؟ الله عز وجل يقول: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: 16]. يا اخي اسأل ربك، اسأل مولاك، توكل على إلهك، ظن بربك خيراً: أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء.

آلاف القبور والمشاهد في العالم الإسلامي، وين وين التوحيد؟ وين الدين؟ وين الإيمان؟ مع الأسف. وإذا تكلمنا قالوا: وهابية، وهابية! يا اخي لا تترك الوهابية ها، هات القرآن والسنة، هات القرآن والسنة الآن، طبق، طبق دينك! مع الأسف، مع الأسف، الشرك كارثه بكل ما تعنيه الكلمة، ولذلك ينبغي للدعاة أن يركزوا على هذه القضية؛ كيف يخرج الناس من الشرك إلى التوحيد، من الظلام إلى النور؟ التوحيد مهم جداً، من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة.

جاء في بعض الآثار أن رجلاً دخل النار في ذباب، ورجل دخل الجنة في ذباب. قالوا: كيف ذلك؟ قال: قوم لهم صنم لا يجاوزه إلا من يذبح له، جاء رجل قرب للصنم، قال: ما عندي شي، قالوا: قرب لو ذباباً، قال: أنا لا أذبح إلا لله، فقتلوه فدخل الجنة. جاء رجل آخر، قرب، قال: ما عندي شي، قالوا: ولو ذباباً، فذبح ذباباً للصنم فقربوه فدخل النار. يا إخواني القضية خطيرة جداً، خطيرة جداً، ولذلك لا بد أن نهتم بقضية التوحيد. الدعاة، ركزوا على التوحيد، دلوا الناس إلى ربهم، عرفوا الناس بخالقهم، عرفوا الناس بربهم، ادعوهم يعرف الله عز وجل معرفة حقيقية.

يا إخواني، ترى ما عندنا في الاسلام كهنوت أو قداسة لأحد، عندنا معظم علماء الأمة أيها الأحبة ماذا كانوا في السابق؟ كلهم موالي، أغلبهم موالي الحسن البصري وقس على ذلك. لما تذهب عند بعض أيوه اسمه الغلاة والعياذ بالله أو عند اليهود والنصارى عندهم كهنوت خاص، لا يا اخي، ما عندنا احنا كرسي اعتراف زي الكنيسة، يا اخي أينما تكون ارفع كفك إلى الله تجد الله أقرب إليكم من كل شيء. عرفوا الناس بربهم وبخالقهم يا إخواني يا دعاة، الناس يحتاجون، الناس يريدون منكم فعلاً أن تنتبهوا لهم، دلهم على الشيء الحق.

والwale والله بعض الناس أنا أشوف بعض المناظر المؤلمه لما أشوفها تجي في بعض القنوات وكذا، بعض الروافض وكذا، يزحف على بطنه 5 كيلو، 4 كيلو، حتى يصل إلى المشهد الفلاني القبر الفلاني! كيف اتعب نفسه في الباطل يا إخواني؟ ترى ديننا سهل، والله ديننا سهل، دل الناس إلى السهولة، دلوا الناس إلى الرحمة، دلوا الناس إلى المعتقد الصحيح، دلوا الناس إلى ربهم، ترى الله عز وجل غني عن تعذيبنا. والذي أراه ونراه كثير يا إخواني من بعض المنتسبين للإسلام والله كارثه، مؤلم؛ جلد النفس، وضرب النفس، وإدماء النفس، وأشياء كثيرة. اين هل هذا من الدين؟ والله ما هو من الدين، الرسول لما رأى رجلاً

واقفٌ الشمس. قال: ما به؟ قالوا: نذر ألا يستظل، وأن يظل واقفاً، أو كذا. فقال: إن الله غني عن تعذيب نفسه، مرُّوه فليستظل وليقع أو فليفطر، كما قال صلى الله عليه وسلم: «إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق».

فاصل أيها الأحبة، ونعود إليكم إن شاء الله.

لقد شرع الله الدين للناس، رجالاً ونساءً، ووعد الجميع الجنة والحياة الطيبة إذا قام بواجبه، فقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 97]. وقد جاء الإسلام فأكرم المرأة وحملها مع الرجل مسئولية النهوض بالمجتمع وحسن الرعاية له، فقال عليه الصلاة والسلام: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته». وقد شغلت المرأة في العهد النبوي وما بعده مكاناً رفيعاً بمشاركاتها العلمية والاجتماعية والتربوية، وتصدر اسمها في قائمة المساهمين في بناء المجتمع وصياغة هوية الأمة والمحافظة على ثوابت الدين، ولا زال التاريخ يذكر أم المؤمنين خديجة، وأم المؤمنين عائشة، ونسيبة بنت كعب، وأم حرام بنت ملحان، وحفصة بنت سيرين، وفاطمة بنت عبد الملك، وزبيدة بنت جعفر، وغيرهن رضي الله عنهن ورحمهن.

ومن هنا كان للمرأة المسلمة دورها المهم والخطير في صياغة المجتمع، مما أكسبها قيمة واعتباراً واحتراماً لا مثيل له في المجتمعات الأخرى، كما اعتراف بذلك المنصفون من الغربيين وبأنهم إنما تعلموا احترام المرأة من مسلمي الآن. يقول المفكر الفرنسي مارسيل بزارد: إن الشعراء من المسلمين هم الذين علموا مسيحية أوروبا عبر إسبانيا احترام المرأة. فللمرأة على ثغر الحياة الزوجية أثر خطير، وفي التربية على الدين والخلق دور كبير، وفي التعليم والدعوة والطب والرعاية مكانة ومسئوليات. وقيام المرأة المسلمة بهذا وغيره له أثره الإيجابي في اصلاح المجتمع كله، أُسراً وأفراداً، وصدق عليه الصلاة والسلام حين قال: «إنما النساء شقائق الرجال».

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد. سلام الله عليكم ورحمته وبركاته. اعظم قضية في حياتنا حياة الأمة؛ التوحيد. اقول أيها الأحبة: فهذا الحديث يبين كما قلت لكم التدرج، وينبغي الإنسان أيها الأحبة في الدعوة والداعية أن يسلك سبيل التدرج أبداً في الأهم، فالأهم، في المهم، وهكذا. نبدأ في الصلاة في التوحيد، في الصلاة، في الزكاة، في أركان الإسلام وما يلحق بها. مهم جداً أن نفقه هذا أيها الأحبة: ابدأ بالتوحيد ثم بالصلاة، وكما تعرفون أيها الأحبة، الصلاة الصلاة عمود الدين، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «حبب إلي من دنياكم النساء والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة».

قرة عيني في الصلاة، الصلاة خير موضوع، من استطاع منكم أن يستكثر فليستكثر. الصلاة خير موضوع. أحبتي في الله، أنا لا أريد منا الآن أن نتكلم عن حكم الصلاة وحكم تارك الصلاة، في مسلم ما يصلي؟ في مسلم عاقل ما يصلي؟ مع الأسف فيه، بس ما هو عاقل، ما هو عاقل يا إخواني. الصلاة صله بينك وبين الله، كل الشرائع حتى التوحيد فرضت علينا في الأرض، إلا الصلاة فرضت في السماء السابعة، ليش؟ لماذا؟ لأهميتها، لمكانتها، لفضلها. بل إن الله الرحيم، الرحمن، الكريم، الحكيم، اللطيف، الخبير، البصير، فرضها خمسين صلاة. أنا ليش ذكرت أسماء الله الحسنى هذه؟ حتى نعرف أنه لما فرض الله الخمسين ما فرضها اعتباطاً تعذيباً، لا، لأن الله عليم، خبير، بصير، حكيم، لطيف. أعطانا خمسين صلاة لأنها هي الفائدة الحقيقية لنا.

ولذلك لما تنظر في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم كيف كان يصلي؟ كان معظم وقت صلاة، يسمع لصدره عزيز كأزيز المرجل من كثرة البكاء، يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه الشريفتان. بعض الصحابة يصلون معه فيوشك أحدهم أن يجلس، ليش؟ يعرفون قيمة الصلاة. السلف الصالح كيف كانوا يصلون؟ لما نقرا في سيرة الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله، إمام أهل السنة والجماعة، كان يصلي في كل يوم وليلة ثلاثمائة ركعة، فلما كبر سنه ورق عظمه وفت ضعفت قوته جعلها مئة وخمسين ركعة! بس نافلة. السلف الصالح هكذا كان. أنا البارحة كنت أقرأ في بعض السنة، فيقول صلى الله عليه وسلم: «مررت ليله أسري بي بموسى في قبره يصلي، وعيسى في قبره يصلي، وإبراهيم في قبره يصلي».

الله أكبر، الله أكبر. الصلاة صلة بيننا وبين الله يا إخواني، والله العظيم إن هذا الذي لا يصلي أنه محروم، والله محروم، والله محروم. ما عرف حلاوة الصلاة، ما عرف لذة الصلاة، ما عرف الأنس بالله. مسكين محروم. بعض الناس يعني يجد حلاوة وأنس في المحرمات في الشهوات؛ لأن الشيطان قد نام على قلبه، نكس فطرته، لكن والله ما فيها راحة. الصلاة هي الراحة، كما قال صلى الله عليه وسلم: «جعلت قرة عيني في الصلاة». كان يقول لبلال: «أرحنا بالصلاة يا بلال، أرحنا بالصلاة». مو من الصلاة، بالصلاة؛ هي راحة وأنس لمن عرفها، لمن تلذذ بها. يعني لا تظن يا عبد الله إنسان ما يصلي وجاء الآن يبغى يكبر ويصلي ويشعر براحة، لا، بيشعر إنه مسجون؛ لأن الطبع مقلوب والفطرة منكوسة. متى؟ إذا استلذ بالصلاة، إذا حافظ على الصلاة، على الفرائض، على النوافل، على المستحبات، على التطوعات، بعد ذلك يدخل في الصلاة ما يبغى يخرج.

يقول بعض السلف: والله إني لأدخل في الصلاة فأحمل هم خروجي منها، أحمل هم خروجي. يقول: لما أتذكر إني بأخرج أهتم، أتألم. الآن بعض الناس إذا سمع الأذان قطب جبينه، بدنا صلينا مسرع رجت؛ لأنه مسكين الفطرة مريضة، مريض. كما قال عثمان: والله لو سلمت قلوبنا ما شبعنا من كلام ربنا. فكيف بالصلاة يا إخواني؟ صلة بينك وبين الله، صلة. يجي مسلم ما يصلي، مسلمة ما تصلي! إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من ترك صلاة العصر» تركها، «تركها فقد حبط عمله». صلاة واحدة! فكيف بغيرها؟ لا إاله إلا الله. أسوأ الناس سرقة الذي يسرق في صلاته. قالوا: كيف يسرق في صلاته؟ قال: لا يتم ركوعها ولا سجودها. الله أكبر يا إخواني.

الصلاة مفتاح عظيم للخير، للرزق، للهداية، للسعاده، للرضا من الله سبحانه وتعالى. يا أخي، صلة بينك وبين الله! كان صلى الله عليه وسلم إذا أهمه أمر أو حزبه أمر فزع إلى الصلاة. وين الصلاة في حياتنا؟ تنقر كنقر الغراب! ما عرفنا قيمة الصلاة. والله قرأت عن أحد السلف يقول: والله ما أحزنني منذ أربعين سنة إلا طلوع الفجر. أحزنني منذ أربعين سنة إلا طلوع الفجر، ليش؟ لأنه في أنس مع الله سبحانه وتعالى طول الليل يصلون. هكذا كان الصحابة يا إخواني. دعونا يا أيها الأحبة نتلذذ بالصلاة.

إذاً، الصلاة، الزكاه؛ أين الزكاة في حياتنا؟ طبعا كما قلت لكم الآن الرسول يعلم معاذ، ايش؟ التدرج. والزكاة يا إخواني حقيقة فعلا هي صدقة دلالة على صدق صاحبها، ولذلك تخرجها وأنت يعني سعيد بها، تاخذ اجرها. تخرجها وأنت نفسك غير متقبلة، تؤخذ منك غصباً عنك وليس لك فيها اجر. ولذلك الحب فعلا صدقة، تزكية، متطهر بها، اسمها زكاة؛ نماء وزيادة.

ثم يبين له ايش قال: «وإياك وكرائم أموالهم». يقول: لا تأخذ يا معاذ أحسن الأموال ولا أقلها، هذا حق لله عز وجل وهذا حق للفقراء، فخذ الشيء الوسط، الاعتدال مهم جداً في كل شيء، سواء في الزكاة أو في الدين كله، الاعتدال مهم جداً. ثم قال: «واتق دعوة المظلوم، فانه ليس بينك بينها وبين الله حجاب». الله أكبر، إياك ودعوة المظلوم! الظلم ظلمات يوم القيامة أيها الأحبة، الظلم ظلمات. انتبه، ترى الله عز وجل حتى الكافر لا يرضى أن يظلم، الكافر، فضلاً عن المسلم. ودعوة المظلوم ولو كان كافرا الله يقبلها، فإن كفره عليه، أما الظلم لا يقبله الله سبحانه وتعالى. «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا». انتبه، انتبه! الظلم ظلمات يوم القيامة، ولذلك انتبه لا تظلم أحداً، حتى نفسك ما تظلمها. وأعظم الظلم أيها الأحبة الشرك بالله، أعظم الظلم، ثم حقوق الناس، فالإنسان ينتبه. يقول صلى الله عليه وسلم وهو يبين أن الإنسان يأخذ حقه في الدنيا إلا في

آخرة؛ يقول صلى الله عليه وسلم: «لتؤدن الحقوق يوم القيامة إلى أصحابها، حتى إنه ليقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء». من عدل الله يوم القيامة أن الشاة التي في الدنيا نطحت ما عندها قرون، يوم القيامة ينبت لها قرون، ويقول: اقتص هذا بين البهائم. فكيف بين البشر؟ الظلم ظلمات يوم القيامة.

أيها الأحبة الأفاضل، بقي لنا قضية مهمة جداً، الوقت لا يتسع، لكن لعلنا أن نوفيه في لقاء آخر، ألا وهي الدعوة إلى الله وأهميتها. الرسول صلى الله عليه وسلم كان يدعو حياته كلها دعوة إلى الله، وكان يرسل دعاته، ومن ضمنهم معاذ. أيها الأحبة، ليس هناك في الدنيا عمل أشرف من الدعوة إلى الله، والله وبالله وتالله ما هناك عمل في الدنيا أعظم من الدعوة إلى الله. ما الدليل؟ قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: 33]. ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن.

إذاً أحبتي في الله، هذا يحملنا أمانة أن نكون من الدعاة. يا أحبابي، اسمعوا إلى هذه البشارة، بشارة من النبي صلى الله عليه وسلم، يقول عليه الصلاة والسلام: «إن الله وملائكته وأهل السماء وأهل الأرض، والنملة في جحرها، والحوت في البحر، ليصلون على معلمي الناس الخير». سمعت يرعاك الله؟ ليصلون، لا يصلون على معلمي الناس الخير! الله، ملائكته، أهل السماء، أهل الأرض، النملة في جحرها، الحوت في البحر، كل شيء يصلي، يدعو على معلمي الناس الخير. أبعد هذا شرف؟ ما في شرف!

لذلك أيها الأحبة، الانسان يدعو إلى الله قدر ما يستطيع بنفسه، بفكره، بقلمه، بهيئته، بماله. يا اخي، ادعو إلى الله سبحانه وتعالى، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من دل على هدى فله مثل أجر من تبعه، دون أن ينقص من أجورهم شيء». اسمحوا لي أن أختم هذه الحلقة باستضافة علم، علم الدعوة في هذا الزمان، الدكتور عبد الرحمن الصميط رحمه الله عليه، هذا العلم الذي ألجمنا وأتعبنا، رجل طبيب بشري يدعو إلى الله حوالي ثلاثين سنة، يسلم على يده أكثر من أحد عشر مليون مسلم، يبني 5700 مسجد، يبني 86 ددرسة، جامعات، يحفر أكثر من 13000 بئر، يكفل أكثر من 15000 يتيم، ينفق على 95000 طالب وطالبة، وزع ملايين المصاحف. والله أنا لما أذكر هذه الشخصية أصاب بالعجز، لكن أنا أغبطه، أسال الله أن يتقبل عمله، 11 مليون مسلم في ميزان حسناته نحسبه والله حسيبه.

تخيل هو الآن في قبره رحمه الله عليه، وكل أعمالهم -نحسبهم والله حسيبهم- كل أعمالهم تجير مثلها إلى عبد الرحمن الصميط رحمه الله. هذا هو الكنز هنا يا إخوان، لما الآن نستشعر الدعوة مثل هذه الشخصيات التي قدمت للأمة. ولذلك أيها الأحبة، علينا فعلاً هذا الباب ألا نخر عنه، ما تقدر أنت بلسانك بكلامك بقلمك بمالك، اكسب اكفل الدعاه، سيرهم، الجمعيات التي تقوم على مثل هذا الامر ساهم فيها، لا تبتعد عن ركب الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، والله نعمه عظيمه جداً. ولذلك نقول أيها الأحبة، هذا الحديث يبين فضل الدعوة ومنهج الدعوة ووسائل الدعوة وطرق الدعوة، وأعظم من مثلها هو محمد صلى الله عليه وسلم ومن من بعده معاذ رضي الله عنه وأرضاه والصحابة الكرام.

إلى هنا ناتي إلى آخر اللقاء أيها الأحبة، أسال الله سبحانه وتعالى أن يستعملنا في طاعته وأن يجعلنا جميعاً مفاتيح للخير مغاليق للشر، وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم. اللهم إنا نسألك علماً نافعاً ورزقاً واسعاً وشفاءً من كل داء، أصلح أحوالنا وأحوال المسلمين، وصلى الله على محمد والحمد لله رب العالمين.

يا راغباً في كل علم نافع متطلعاً لزيادة الإيمان، وتريده سهلاً نوالاً ميسراً ياتيك ميسوراً بأي مكان. زاد أكاديمية ينبوعها صاف ليروي غلة الظمآن، والسنة الغراء شارحة لها فهماً لنا من ربنا وأحياني. بشرى لنا زاد أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان.