بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً أما بعد، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته. حياكم الله وبياكم وجعل الجنة مثوانا ومثواكم. حيا الله أهل الحديث، حيا الله أهل العقيدة، حيا الله أهل الدين والشريعة.
ولقاؤنا الثاني يتجدد معكم ومع حديث عمر رضي الله عنه وأرضاه في هذه الأكاديمية المباركة أكاديمية زاد. إن كان من رجاء عندي شخصي أتمنى أيها الأحبة، أيها الإخوة والأخوات، أيها الأبناء والبنات، أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نحفظها التي تمر معنا، لأن فيها خيراً عظيماً، وكما قالوا: من حفظ المتون حاز الفنون. وفي أي مكان الإنسان يجلس يذكر حديث رسول الله صغيراً كان الحديث أم طويلاً فانه ميسر، تصبح عندك مخزون نستطيع أن نستحضره في أي لحظة.
اليوم حديثنا الثاني في هذه المادة المباركة حديث عمر، وما حديث عمر رضي الله عنه؟ رضي الله عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، الفاروق. يقول عمر رضي الله عنه وأرضاه: بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، إذ دخل علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد -طبعا مجتمع المدينة مجتمع معروف كل واحد كل اللي في المدينة، لكن هذا الرجل غريب، ومع ذلك لا يرى عليه أثر السفر، شعره أسود ما فيه غبرة السفر وأشعة السفر، ثيابه بيضاء جميلة، منظر ملفت- فدخل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع يديه على فخذيه كَهَيْئَةِ المستفتي. جلس أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع يديه على ركبتي هذا الرجل.
فقال: يا محمد، أخبرني عن الإسلام. الصحابة ينظرون إلى هذا المنظر؛ رجل غريب يدخل هكذا. قال صلى الله عليه وسلم: «الإسلام أن تشهد ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً». طبعا هذه مرت علينا في اللقاء الماضي. المفاجأة؛ قال: صدقت. السائل يصدق! يقول عمر: فعجبنا من الرجل يسأل ويصدق، بينظرون لموقف عجيب لأول مرة يحدث.
قال: فأخبرني عن الإيمان. قال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره». صدقت! المرة الثانية. قال: فأخبرني عن الإحسان. قال: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». قال: فأخبرني عن الساعة. وقال صلى الله عليه وسلم: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل». قال: فأخبرني عن أماراتها. قال: «أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعايا الشاء يتطاولون في البنيان». هذي من أماراتها، ترى الحفاة العراة الرعاء، رعاء الشاء يتطاولون في البنيان؛ حاجة بدو غنم صوف وبر، ومع ذلك يتطاولون في البنيان. ثم قام ومضى هذا الرجل.
انطلق الرجل، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول لعمر: «تدري من السائل؟» قلت: الله ورسوله أعلم يا رسول الله. قال: «فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم». جبريل يعلمكم أمور دينكم رواه مسلم. الحقيقة أيها الأحبة هذا من أعجب الأحاديث، هذا الدين كله، ولذلك أهل العلم والعلماء قالوا: هذا الحديث يبين مراتب الإسلام.
مراتب الدين؛ المرتبة الأولى: مرتبة الإسلام. المرتبة الثانية: مرتبة الإيمان. المرتبة الثالثة: مرتبة الإحسان. فالدائرة الكبيرة دائرة الإسلام؛ ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: 14]. فكل من شهد أن لا إله إلا الله محمد رسول الله وأقام الصلاة إلى آخر ذلك دخل دائرة الإسلام الدائرة الكبيرة. فإذا ترقى الإنسان في العبودية ترقى في العمل وترقى في الدرجات والإقبال على الله والتزود من الطاعات والقربات، ارتقى إلى الدرجة الثانية، المرتبة الثانية مرتبة الإيمان القلوب.
فاذا ترقى الإنسان في هذه المرتبة وصل إلى المرتبة العالية، مرتبة الإحسان. ما أجمل هذه المرتبة! أسأل الله أن يوفقنا وإياكم أن نكون من أهلها؛ أن تصل إلى درجة أنك تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. وهذه الدرجة كما قلت ما يصل إليها إلا الصفوة من الأمة. وبالمناسبة ديننا ما في كهنوت، ما في قداسة لأحد، ديننا ماذا قدمت لنفسك عند رب العالمين؟ ولذلك يمكن أن يكون أصغر فرد في الأمة هو أفضل فرد في الأمة لما ننظر في تاريخ الاسلام والمسلمين، نجد أن علماء الأمة أكثرهم موالي وأبناء موالي ومع ذلك بلغوا شأنا عظيماً جداً، التاريخ أصبح لهم الرموز العالية في الإسلام.
يعني بعض المنتسبين مثلاً عند اليهود، عند النصارى، عند بعض الفرق المنحرفة، تجد أن هناك يعتمدون على الجنس والدم واللون، لكن الإسلام لأن: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13]، من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه. وبالتالي أيها الأحبة الذي بيننا وبين الله هو الإيمان والعمل الصالح، أقل فرد في الأمة يمكن أن يصبح أعظم رجل في الأمة؛ لماذا؟ بدينه، بعلمه، بما قدم عند رب العالمين. ولذلك مرتبة الإحسان، كل المراتب الإسلامية أيها الأحبة متاحة للجميع، متاحة للجميع.
أنت تدخل الدائرة الأوسع؛ الإسلام حينما تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت، هذه الأعمال الظاهرة. إذا حافظت عليها ارتقيت إلى مرتبة الإيمان. ولا شك أيها الأحبة أن الإسلام والإيمان متداخلان لا ينفكان، قالوا: إذا اجتمعا إفترقا وإذا افترقا اجتمعا، لو صرت ما هو الإسلام؟ وقلت: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، كلام صحيح لكن في المرتبة مرتبة الإسلام مرتبة الإيمان حينما يكون القدم أوثق، ثم مرتبة الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك. هذي المرتبة أيها الأحبة كما قلت صفوة الأمة يصلون إليها، صفوة الأمة. نطبق أركان الإسلام الظاهرة، يثبت أركان الإيمان الداخلية، نرتقي إلى درجة الإحسان.
أحبتي في الله، المرتبة الأولى مرتبة الإسلام وتكلمنا عنها في اللقاء الماضي؛ شهادتان التوحيد، لا يمكن أن يكون الإنسان مسلماً إلا بالتوحيد. التوحيد أعظم قضية، وبالمناسبة اعظم ما عبد الله به التوحيد وأعظم ما عصي الله به الشرك. ولذلك أيها الأحبة لابد للمسلم والمسلمة أن يعرف هذه القضية؛ كيف نوحد الله وكيف نبتعد عن الإشراك بالله، بمعنى أنا أقول ينبغي أن نعرف التوحيد وأن نعرف الشرك، نعرف الثنتين؟ نعم. أعرف التوحيد فأطبقه، أعرف الشرك فأحذر منه؛ عرفت الشر لا للشر أتبغيه ولكن لتوقيه، ومن لا يعرف الخير من الشر يوشك أن يقع فيه. حذيفة رضي الله عنه وأرضاه يقول: كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحلال وكنت أسأله عن الحرام خشية أن أقع فيه، وكان يسمى فقيه الفتن رضي الله عنه وأرضاه.
إذاً أعرف التوحيد وأعرف الشرك، أعرف التوحيد فأطبقه وأعرف الشرك فأحذر منه. لذلك أيها الأحبة كل الأعمال الذنوب والمعاصي هذه كذا يعني وقفة سريعة، كل الذنوب والمعاصي أيها الأحبة تحت المشيئة؛ إن شاء غفر الله لك وإن شاء عذبك إلا شيء واحد؛ ما هو؟ الشرك لا يدخل تحت المشيئة مطلقاً أبداً، ما يدخل، قل له يا اخي ما في يمكن؟ من مات وهو مشرك بالله دخل النار أول واحد. إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، ومن يشرك بالله فقد افترى إثماً عظيماً.
نعم أيها الأحبة، ولذلك دائماً التوحيد، كل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ التوحيد التوحيد التوحيد، قضية عظيمة جداً جداً جداً، وسيكون لنا معها وقفات إن شاء الله في اللقاءات القادمة. التوحيد والشرك، أعظم ما يطاع الله به التوحيد، وأعظم ما يعصى الله به الشرك. فإذا بني الإسلام على هذه خمسة أمور كما مر معنا؛ الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمد رسول الله، إقام الصلاة، إيتاء الزكاة، صوم رمضان، حج البيت.
لمن استطاع إليه سبيلاً. قال صدقت، ننتقل الآن إلى الإيمان، الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره. ما هو الإيمان أيها الأحبة؟ الإيمان هو التصديق الجازم.
هذه الأمور الستة يسميها العلماء أصول الدين، أصول الدين هي الأمور: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، ستة أصول لابد أن تؤمن بها، لو نقص عندك واحد منها خرجت من الملة. فالايمان قول واعتقاد وعمل؛ قول باللسان، تصديق بالجنان، عمل بالاركان بالجوارح والاركان، يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان. هذا الإيمان أيها الأحبة، كلما زدت في العمل زاد إيمانك، وأيضاً سنتكلم عن هذا الموضوع في لقاءات قادمة.
الإيمان أيها الأحبة يقوم على ثلاثة أمور: القول باللسان تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، تعتقد بهذا في قلبك في جنانك، تطبق بجوارحك، هنا الإيمان. الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان سنتكلم عنها في لقاء آخر إن شاء الله.
أن تؤمن بالله أول ركن من أركان الإيمان أيها الأحبة: الإيمان بالله. هل يوجد هناك من لا يؤمن بالله؟ أوه كثير مع الأسف، أما لشبهة، وأما لشهوة، وأما لجهل، ولذلك أشهر من عرف بإنكار الخالق لإنكار الله هو فرعون، ومع ذلك الله شهد أنه يوقن بذلك، لكنه مكابرة: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّن إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: 38]، ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: 24].
ولذلك الله سبحانه وتعالى جعل له والعياذ بالله خاتمة سوء، فلما أدركه الغرق ما آمن مرة واحدة أكثر من مرة: ﴿آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: 90]. ما ينفع! إذاً الإيمان بالله بالفطرة. لكن دعونا نأخذ فاصل أيها الأحبة ثم بعد ذلك نرجع إليكم نكمل ما بدأنا.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. أيها الأحبة توقفنا عند أركان الإيمان، قلنا الركن الأول هو الإيمان بالله سبحانه وتعالى.
الإيمان بالله يقوم على أربعة أركان: أولاً أن تؤمن بوجوده، أن تؤمن بوجود الله سبحانه وتعالى، الركن الثاني أن تؤمن بتوحيد الربوبية، الركن الثالث توحيد الألوهية، الركن الرابع توحيد الأسماء والصفات. طبعا أيها الأحبة هذا الحديث حديث طويل جداً، لكن سأحاول أن ألقي عليه بعض الومضات، والحديث يحتاج إلى حلقات كثيرة ودروس كثيرة.
إذاً الإيمان بالله يقوم على كم ركن؟ على أربعة أركان. أن تؤمن بوجوده سبحانه وتعالى، كيف يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليله، وفي كل شيء آية تدل على أنه الواحد.
إذاً الله سبحانه وتعالى أدلة وجوده مبثوثة في الكون، أبداً الكون مليء بالآيات، سواء للعباقرة، سواء للجهلة، سواء لأنصاف العلماء، سواء لغير ذلك، الكون مملوء بالآيات. إذاً الإيمان بوجود الخالق سبحانه جل في علاه: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور: 35] هذه آية تكفي فقط.
ثم الإيمان بتوحيد الربوبية، بمعنى إفراد الله بأفعاله، لا خالق، لا رازق، لا مالك، لا مدبر، لا محيي، لا مميت إلا الله. الله سبحانه وتعالى هو المتصرف في كل شيء، فنحن نُوحد الله عز وجل بإثبات جميع أسمائه وصفاته وأفعاله له سبحانه جل في علاه بالملك والتدبير والعلم والقدرة.
النوع الثالث ألا وهو توحيد الألوهية، وهو توحيد العبادة، إفراد الله بأفعال العباد، فلا يُعبد إلا الله، ولا يُسأل إلا الله، ولا يُتوكل إلا على الله، ولا يُستغاث إلا بالله، صرف جميع العبادات لله سبحانه وتعالى، ولا يجوز صرفها لغيره أبداً، هذا هو توحيد العبادة الذي جاءت به الأنبياء.
ترى الأنبياء ما جاؤوا حتى يعرفوا الناس بربهم، هم يعرفون الله عز وجل، ما في ولا نبي ولا رسول قال لك تعالوا أخبركم من هو الله، يعرفون الله، لكن كل الأنبياء والرسل جاءوا يدعون أقوامهم إلى عبادة الله سبحانه وتعالى: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّن إِلَهٍ غَيْرِهِ﴾ [المؤمنون: 32].
الركن الرابع ألا وهو توحيد الأسماء والصفات، إثبات جميع الأسماء والصفات لله سبحانه وتعالى كما تليق به، من غير تحريف، ومن غير تعطيل، ومن غير تكييف، ومن غير تمثيل، كما جاءت نؤمن بها: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]. هذه أركان الإيمان بالله سبحانه وتعالى الأربعة: الإيمان بوجوده، الإيمان بتوحيد الربوبية، الإيمان بتوحيد الألوهية، الإيمان بالأسماء والصفات.
هذا الركن الأول من أركان الإيمان، الركن الثاني: الإيمان بالله وملائكته. الله أكبر، كم هم ملائكة الرحمن أيها الأحبة؟ لا يعلمهم إلا الله سبحانه وتعالى، خلق من نور، جبلهم الله لعبادته.
لذلك سؤال: هل الملائكة مكلفون؟ لا، ليسوا مكلفين، المكلف هو الذي يستطيع أن يعمل أو لا يعمل كالإنس وكالجن، أما الملائكة فقد جبلوا على العبادة فليسوا مكلفين، إنما هم مجبولون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.
ولذلك الملائكة أنواع كثيرة وأشكال كثيرة ولهم وظائف كثيرة جداً، لهم قوة مختلفة، قدرات مختلفة، يعني يكفي مثلاً لو قلت لك جبريل عليه السلام كان يأتي في صور بشر وكان أكثر ما يأتي في صورة دحية الكلبي رضي الله عنه وأرضاه، كان يأتي بهذه الصورة. الذين جاؤوا إلى لوط عليه السلام ثلاثة من الشباب هم جبريل وميكائيل وإسرافيل، جاؤوا في صورة شباب على قدر كبير من الجمال فتنة لقوم لوط، فالملائكة عندهم قدرة على التشكل، عندهم قدرات عظيمة جداً، جبريل عليه السلام اقتلع قرية اللوطيين من الأرض ورفعها إلى السماء حتى أن ملائكة السماء سمعوا نباح كلابهم وصياح ديكتهم فجعل عاليها سافلها.
هناك ملائكة موكلون بالأعمال البشر، هناك ملك للقطر للبوق للنفخ في الصور، هناك ملائكة بالأعمال كثيرة جداً، حفظة وغير ذلك، طبعا أعدادهم كثيرة جداً، يكفينا حتى نأتي بمثال بسيط عن البيت المعمور، البيت المعمور هو كعبة الملائكة، اسمه الضراح وهو فوق الكعبة في السماء السابعة فوق الكعبة لو سقط لسقط على الكعبة، هذا البيت المعمور كعبة الملائكة يدخله في كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون، لا يعودون منذ أن خلق الله السماوات والأرض إلى يوم القيامة، كم أعدادهم؟ لا يعرف ذلك إلا الله. قال صلى الله عليه وسلم: «أطت السماء وحق لها أن تُئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك ساجد أو راكع» أو كما قال صلى الله عليه وسلم.
يقول صلى الله عليه وسلم: «يؤتى يوم القيامة بجهنم لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها». اضرب سبعين ألف في سبعين ألف في أربعة مليارات وتسعمائة مليون ملك، أربعة مليارات وتسعمائة مليون ملك هذا بس يجرون النار يوم القيامة. قال صلى الله عليه وسلم: «أُذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام». الشاهد هؤلاء الملائكة خلق من خلق الله، خلقوا من نور كما أن البشر خلقوا من طين والجن خلقوا من مارج من نار.
ونحن نؤمن بهم، وإن أعظم الملائكة جبريل عليه السلام. طيب، إذاً الإيمان بالله وملائكته وكتبه، الإيمان بكتب الله سبحانه وتعالى أنزل كتباً كثيرة، ذكر لنا في القرآن أربعة وقيل خمسة حسب صحف إبراهيم وموسى. هل صحف إبراهيم هي أو صحف موسى؟ هل هي التوراة ولا لا؟ القرآن والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وصحف موسى إذا كانت غير التوراة. فهذه خمس كتب.
لكن نحن نؤمن بها إيماناً إجمالياً، أما الإيمان التفصيلي فلا نؤمن بالإيمان التفصيلي إلا بالقرآن، القرآن الكريم نؤمن به إيماناً إجمالياً وتفصيلياً، أما باقي الكتب فلها إيمان إجمالي؛ نعرف أن الله أنزل التوراة وأنزل الإنجيل والزبور وصحف إبراهيم، إيمان بأنها أنزلت لكنها محرفة إن وجدت، أما القرآن فقد تكفل الله بحفظه. إذاً، الإيمان بالله وملائكته وكتبه، بالمناسبة الله تكفل بحفظ القرآن: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9].
حطه تحت الكلمة وعشرين خط، ومن زعم أن القرآن ناقص فقد كفر لأنه خالف صريح القرآن، قد خرج من الدين والملة أبداً: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9]. فلا يجيء الإنسان يزعم أن القرآن ناقص وبديل محرف، لا، إلا القرآن، إلا القرآن، إلا القرآن، فإن الله قد تكفل بحفظه. طيب، الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسل. نعم، الإيمان بالرسل.
طيب، سؤال: كم أنزل الله من الأنبياء والرسل؟ ورد عند أبي داود وغيره رواية كان فيها مقال، أن الله عز وجل أرسل وأنزل للبشرية مئة وأربعة وعشرين ألف نبي ورسول. مرة ثانية، مئة وأربعة وعشرين ألف نبي ورسول، جلهم يمكن كلهم إلا أربعة فقط لبني إسرائيل، يعني أغلبهم لبني إسرائيل. ليش لبني إسرائيل؟ رحم الله الشيخ الشعراوي قال كلمة أذكرها وأنا صغير، يقول: إذا رأيت بيتاً والاطباء يدخلون ويخرجون ويدخلون ويخرجون، يقول: ماذا تستنتج؟ نستنتج أن أصحاب هذا البيت مريض. نعم، وهكذا هم بنو إسرائيل أيها الأحبة، يعني أكثر الأنبياء أغلب الأنبياء لبني إسرائيل.
طيب، العرب كم بعث فيهم؟ أربعة أنبياء هم من العرب، والباقين من الأعاجم. من بني إسرائيل عليهم صلوات الله وسلامه هم الأربعة، رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم، شعيب عليه الصلاة والسلام، صالح، هود؛ هؤلاء الأربعة هم العرب من جميع الأنبياء، وأما الباقين فليسوا عرباً، انتبهوا لهذا، ليس قدحاً فيهم، يعني مقام النبوة هذا مقام لا يدانيه شرف، لكن أتكلم عن تفصيلهم عليهم الصلاة والسلام.
أمرنا أن نؤمن بهم جميعهم لا نفرق بين أحد من رسله أبداً. نؤمن بهم، يعني لا يجيني واحد الآن أن بعض الناس قد يكون فيه شوية غفلة يقول لك: يا أخي ذا الحين ذولا ما هم يسبون رسولنا، يستهزؤون برسولنا، طيب، احنا نكاية فيهم نسب رسولهم ونستهزأ برسولهم؟ لا، اوقف، خطأ، ممنوع الاقتراب، الله، انتبه، خط أحمر، انتبه، هؤلاء ليسوا اتباعهم، هؤلاء مزيفون، هؤلاء اليهود وهؤلاء النصارى هم مزيفون، ليسوا اتباع موسى وليسوا اتباع عيسى، نحن الذين نحبهم ونؤمن بهم ونقر أنهم أنبياء من عند رب العالمين، هم لنا وليسوا لهم، نحن نؤمن بهم لأنهم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الأنبياء إخوة لعلات»، فنؤمن بهم إيماناً جازماً أنهم رسل الله.
ولذلك لا يجوز لأي مسلم أن يكفر بأحد منهم، يجينا واحد يقول لك: يا أخي أنا نكاية في النصارى سأكفر بعيسى، سأكفر بموسى. لا يا حبيبي، وقف، لا، لا. يقول صلى الله عليه وسلم: «أنا أولى بموسى منهم من اليهود». نحن نؤمن بهم جميعهم ونحترمهم ونصلي عليهم ونسلم عليهم، هؤلاء رسل الله، هؤلاء أنبياء الله سبحانه وتعالى، أعظم الخلق عليهم الصلاة والسلام.
طبعا الأنبياء كثر كما قلت، أولو العزم خمسة: نوح عليه السلام، إبراهيم عليه السلام، موسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام. أفضل الخمسة: إبراهيم وموسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام، أفضل هؤلاء الثلاثة رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم. لما أقول أفضل في المكانة والمرتبة، لكن ما يجيني واحد يقول لك: يا أخي أفضل من موسى ومن أجلال، انتبه، لا تفاضل بين الأنبياء، أنبياء الله سبحانه وتعالى لهم مكانة عظيمة جداً جداً جداً. الله أكرم إبراهيم بالخلة، وأكرم موسى عليه السلام بالكلام، اصطفيتك بكلام الرحمن سبحانه وتعالى، وأما رسولنا صلى الله عليه وسلم فقد نال الثنتين، هو خليل الرحمن وهو كليم الرحمن. إذاً، كل الأنبياء نؤمن بهم، لا نفرق بين أحد منهم أبداً، نؤمن بهم إيماناً جازماً، ومن كفر بأحد الأنبياء فقد كفر بمحمد صلى الله عليه وسلم.
طيب، إذاً، الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. اليوم الآخر نحن كذلك نؤمن باليوم الآخر. ما هو اليوم الآخر؟ يوم القيامة وما يتعلق به من أحكام، وما يتعلق به من مسميات، وما يتعلق به من أحوال. إخواني، الإنسان مهما عاش في هذه الدنيا سيموت، ستموت: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: 185]، ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن: 26]. ولذلك أيها الأحبة، المسلم لما يعرف هذه القضية ويعلم هذه القضية يكون عنده استقرار واطمئنان، بالعكس قد يكون يحب الموت، اشتاق للموت كما غيرنا يشتاق إلى الحياة ويحب الحياة. كان بعض قادة المسلمين: أتيناكم برجال يحرصون على الموت كما تحرصون أنتم على الحياة. وكان أبو بكر يوصي قادته: احرصوا على الموت توهب لكم الحياة.
المسلم يعلم أنه إذا مات ماذا سيحدث له بعد الموت، لكن الكافر مسكين ما يدري، يظن أن هذه الدنيا فرصة واحدة، فرصة واحدة إذا ذهبت لا يمكن أن تعود مرة أخرى. أما نحن كمسلمين لا، نعرف أن بعد هذه الحياة موت، ولكن بهذا الموت فيه حياة أخرى، حياة برزخية ثم حياة أخروية، أما إلى جنة واما إلى نار. وإن شاء الله نكمل بعد الفاصل بإذنه تعالى.
صلى الله على محمد والحمد لله رب العالمين. مجموعة زاد تقدم لكم نخبة مميزة من إصداراتها: كتاب كيف عاملهم صلى الله عليه وسلم للشيخ محمد صالح المنجد، أربعون نصيحة لإصلاح البيوت، أدرك أهلك قبل أن يحترقوا، المجمعات التجارية آداب وأحكام، زاد الحج، زاد الصائم، طوبى للشام، كيف تقرأ كتاباً، معاني الأذكار، اترك أثراً قبل الرحيل، وكتاب بدعة إعادة فهم النص. لمزيد من المعلومات يرجى زيارة المواقع التالية: قناة زاد العلمية، والعلم في كل وقت.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد. ما زلنا أيها الأحبة مع أركان الإيمان، تكلمنا عن وبدأنا في الكلام عن الركن الخامس ألا وهو الإيمان باليوم الآخر.
أقول أيها الأحبة، نحن كمؤمنين كمسلمين نؤمن بيوم القيامة، ولذلك ما في عندنا مشكلة. ليش ما في مشكلة؟ أنت الآن اليوم الآخر يشكل عندك هاجس، هذا لقاء يقيني، وبالتالي الإيمان باليوم الآخر له أثر إيجابي علي في الدنيا، كيف هذا؟ أنا سانتبه لأعمالي أني سأحاسب يوم القيامة، يوقفني رب العالمين يوم القيامة، وبالتالي أنا أتقي الله عز وجل قدر ما أستطيع، أراقب الله لأنني أعلم علم اليقين أنني ساقف يوم القيامة أمام رب العالمين: ﴿وَمَنْ نُوقِسَ الْحِسَابَ هَلَكَ﴾.
لكن الكفار الذين لا يؤمنون باليوم الآخر حياتهم حياة البهائم، حياة الضياع. صدقوني، أحد الشعراء المسيحيين الذين ما عندهم إيمان باليوم الآخر ماذا يقول؟ إيليا أبو ماضي يقول: جئت، لا أدري من أين أتيت، ولقد أبصرت قدامي طريقاً فمشيت، وسأظل ماشياً شئت هذا أم أبيْت. كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟ لست أدري. ولماذا لست أدري؟ لست أدري. ضياع بكل ما تعنيه الكلمة.
تعال الآن بطفل مسلم صغير قل له: من ربك؟ ما دينك؟ ما نبيك؟ أين ستذهب بعد الموت؟ يعطيك العقيدة كاملة. هذا هو سر الهدوء عند المسلم، الطمأنينة، السعادة التي يقول عنها ابن تيمية نحن، أو يقول عنها ليس ابن تيمية، إنما هو إبراهيم بن أدهم رحمه الله: نحن في سعادة لو علم بها الملوك وأبناء الملوك لجالدونا عليها بالسيوف. يعرف أو يعلم هو لماذا وأين سيذهب.
هكذا المؤمن أيها الأحبة. ابن ملحان رضي الله عنه وأرضاه لما جاءه رمح دخل من صدره وخرج من ظهره، صرخ بأعلى صوته: فزت ورب الكعبة.
فاز بالشهادة، وهكذا هم صحابة النبي، وسلفنا الصالح كانوا يحرصون على الموت حرصا على الحياة. من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ولذلك فعلا الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر.
المؤمن وإن كان في سعادة في الدنيا فهو في سجن الآخرة، لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. لذلك أيها الاحبة أتمنى أن نسأل أنفسنا هل نحب لقاء الله ولا لا؟ أسأل نفسك.
دخل أبو حازم الزاهد على عبد الملك بن مروان رحمهم الله جميعا، قال: يا أبا حازم، ما لنا نحب الدنيا ونكره الآخرة؟ قال: يا أمير المؤمنين، لأنكم عمرتم دنياكم وخربتم آخرتكم، المرء لا يحب أن ينتقل من العمار إلى الدمار، معادلة بسيطة جدا.
لذلك أيها الاحبة: من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه. متى نحب لقاء الله؟ إذا أحسنا مع الله. يشتاق الإنسان، أبو الوفاء بن عقيل الحنبلي رحمه الله صاحب أعجوبة أكبر كتاب في تاريخ الإسلام، ثمانمئة مجلد، لما جاءته سكرات الموت بكى أهله ونساؤه، قال: انصرفوا عني، والله لقد وقعت عن الله خمسين سنة، يعني أفتيت الناس، علمت الناس خمسين سنة، فدعوني أهنأ بلقاء ربي، لا إله إلا الله، كيف كانوا يشتاقون إلى لقاء الله.
بلال رضي الله عنه في سكرات الموت زوجته تقول: وبلالاه وافقداه! قال: اصمتي، بل أقول: واطرباه، غدا ألقى الأحبة محمدا وصحبه. الله أكبر، لذلك الإيمان باليوم الآخر عندنا عقيدة، لا يخاف إلا صاحب العمل السيء التقصير، أما صاحب العمل الصالح المتقي لله يتمنى لقاء الله.
طبعا يتمنى لقاء الله حبا في الله، ولا ترى يا إيخاني يوم القيامة فيه أهوال، عندك القبر وضمته، ومنكر ونكير، هول المطلع، وقوف الناس في يوم مقداره خمسين ألف سنة، والقنطرة. بالمناسبة، الصراط أيها الأحبة، يعني قرأت في العقيدة بعض الاقوال أن الصراط صعود خمسة آلاف سنة، والمشي عليه خمسة آلاف سنة، والهبوط منه خمسة آلاف سنة، بعض الناس يظن الصراط مئة متر، تحت يا اخي نار جهنم، كم مليار وتسع مئة مليون ملك يجرونها، كم حجمها والصراط يوضع على متنها، يعني كم! لكن المؤمن يمره كلمح البصر على قدر عملك.
ولذلك أيها الأحبة الإيمان باليوم الآخر يعطيك أنت دوافع وحوافز عظيمة جدا، لا تظلم، لا تسرق، لا تغتاب، لماذا؟ تعرف أن هناك حساب وعقاب. وهذا مما يصلح المجتمعات الإسلامية مهما كانت فاسدة، تظل بكل المقاييس أعظم من المجتمعات الكافرة الذين لا يعرفون الله واليوم الآخر.
إذا الإيمان باليوم الآخر عقيدة مهمة جدا، ولها أثر إيجابي في إصلاح المجتمعات وإصلاح الفرد. تعرف لو ظلمت هنا، لو ظلمت هنا لن تظلم هناك، لو هُضم حقك هنا ستنصف هناك عند رب العالمين: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7-8]. هذا الركن الخامس.
الركن الاخير الإيمان بالقضاء والقدر. يا سلام، ما أجمل هذا الركن أيها الأحبة! المؤمن في بحبوحة، المؤمن لا يقنط، لا يعترض، المؤمن يرضى، كما قال صلى الله عليه وسلم: «وارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس».
بعض الناس لو وقعت له مشكلة أو مصيبة: ليش يا ربي أنا ايش سويت؟ لا لا لا، الكلام هذا غير صحيح أبدا، قدر الله ما شاء فعل، واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، ورفعت الاقلام وجفت الصحف. يقول صلى الله عليه وسلم: «لا يقضي الله قضاء للعبد إلا كان خيرا له». حطه كذا أمام عينيك يا عبد الله ويا أمة الله، انتبه، الله عز وجل لا يقدر الشر المحض.
لكن نحن مشكلتنا فينا اندفاع نظرة قاصرة، بعض الناس يحدث له أمر فيتذمر وكذا، لكن بعد فترة يتبين أن هذا الصح، ولذلك فعلا: «وارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس». إن الله كتب مقادير السماوات والأرض قبل أن يخلقها بخمسين ألف سنة.
يجيني واحد يقول لك يا شيخ، هل الانسان مسير ولا مخير؟ يا اخي الكريم، سؤال يعني مسير أو مخير، أنت مالك يا اخي؟ أنت أمرت أن تعبد الله، أنت أمرت، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: 9-10]. خلاص يا اخي، هل الله يتدخل في أفعاله؟ يا اخي اتق الله، ما يحدث شيء في هذه الدنيا إلا بعلم الله سبحانه وتعالى، بمشيئة الله سبحانه وتعالى.
فقال العلماء: الإنسان مسير في أشياء ومخير في أشياء، وعلم الله يحوط كل شيء. إذا دخلنا الجنة فبرحمته، وإن أدخلنا النار فبعدله، ولا يظلمنا الله سبحانه وتعالى، يقول عن نفسه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 40].
إذا لابد الإنسان أن يعلم أنه عبد لله سبحانه وتعالى، وهذا الله عز وجل الملك سبحانه هو عليم، هو حكيم، هو عدل، هو لطيف، هو السميع البصير، بالتالي الله تعالى وحاشاه أن يظلم عبده أبدا سبحانه وتعالى، أبدا لا يمكن لأن يحيف الله على عبده، بل الله ألطف بنا من أمهاتنا ومن أنفسنا نحن كذلك.
ولذلك بالمناسبة، يعني الإنسان لما يؤمن بالقضاء والقدر تستقيم حياته يا إخواني. ترى أهل الجاهلية في الجاهلية كانوا يؤمنون بالقضاء والقدر، هل نعلم هذا ولا لا؟ أهل الجاهلية قبل الاسلام، الأعرابي يموت بعيره قال: قدر الله، أمر الله. يموت ولده يذهب ماله: أمر الله. ناس يعرف أن هذا بأمر الله، حتى عنتر بن شداد له بيت مشهور يقول: يا عبل أين من المنية مهربي إن كان ربي في السماء قضاها.
هذا عنتر بن شداد قبل الإسلام ببضع سنين يقول: أين من المنية مهربي إن كان ربي في السماء قضاها! يجيني مسلم يعبد الله عز وجل ويقول: ليش يا رب أنا ايش سويت؟ لا، انتبه، لا يجوز لك أن تقول هذا، بل قدر الله وما شاء فعل، اللهم اجرني في مصيبتي واخلفني خيرا منها. عندنا طرق شرعية في التعامل مع مثل هذه الامور.
إذا أيها الاحبة أركان الإيمان الستة هذه ما فيها أي مجال أن تقدم أو تأخر فيها: تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره. كلما زاد إيمانك فيها كلما زادت سعادتك وزاد يقينك وزاد انشراح نفسك وبساطة نفسك.
ذاك الإيمان أيها الاحبة فعلا الإيمان يعني فضل من الرحمن سبحانه وتعالى، يقول صلى الله عليه وسلم: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا، وبمحمد رسولا، وبالاسلام دينا»، «ثلاث من كن فيه فقد وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار».
إفًا الإيمان له لذة وله حلاوة، حلاوة الإيمان إذا جاءت والله لو الإنسان عاش حياة الظنك والشدة والالم والتعسف والعسر إنه يبتسم. شيخ الاسلام ابن تيمية لما أدخل السجن ماذا قال؟ أُقفل عليه الباب فتبسم. قال: ماذا يصنع أعدائي بي؟ إن سجني خلوة، وإن قتلي شهادة، وإن نفيي سياحة، جنتي وبستاني في صدري، أنى ذهبت فهي معي. هذا الإيمان.
ننتقل إلى المرتبة الأخيرة: مرتبة الإحسان. هذه مرتبة عظيمة يحتاج لها لقاءات كثيرة، لكن أيها الاحبة كما يقولون: يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق. الإحسان المرتبة العظيمة جدا: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فانه يراك».
الإحسان أيها الاحبة مرتبة استشعار معية الله، عظمة الله، علم الله، مراقبة الله سبحانه وتعالى. لما الإنسان يصل إلى هذا المستوى يستوي عنده الليل والنهار، الخلوة والجلوة، السر والعلن، أصبح يتعامل مع الله قبل أن يتعامل مع البشر. هذا المستوى الذي نريده، هذا المستوى الذي نطمع فيه أن نكون من أهل الإحسان، أن الإنسان يتلذذ بهذه الحياة.
في السر قبل العلن، في الليل قبل النهار، هو مع رب العالمين. لذلك أيها الأحبة، الإنسان كلما تزود من العلم الشرعي، كلما عرف الله حق المعرفة، وكلما وصل إلى مرتبة الإحسان.
الإحسان حينما القلب يتشبع ويتطلع بمعرفة الله وعظمة الله بأسماء الله وصفات الله وأفعال الله أو أقوال الله، هنا يصل إلى درجة يستوي عنده كل شيء؛ الليل والنهار، السر والعلن، أبدا هو مع رب العالمين، ما ينظر في الناس أبدا.
يا الله، يا إخواني، كم هناك من قصص للسلف الصالح كيف هي حياتهم مع رب العالمين! أبدا ما ينظر إلى أن مدحه الناس أو قلاه الناس أو ذمه الناس، هو مع الله سبحانه وتعالى، هذا الذي نريده.
أنك تستشعر مراقبة الله ومعية الله لك، أنت معه في سرك، في جهارك، في ليلك، في نهارك، في قليلك، في كثيرك، في ظاهرك، في باطنك، أنت مع رب العالمين.
أنت مع رب العالمين، هذه مرتبة الإحسان أيها الأحبة. مرتبة الإحسان ما أجملها من مرتبة أن تصل إلى قضية أنه خلاص، يقين، يقين عندك ما فيه شك أبدا. أبو بكر ابن النابلسي رحمه الله، عالم من علماء الأمة، وقف في وجه جوهر الصقلي هذا قائد الدولة العبيدية الفاطمية الاسماعيلية، وأفتى بقتالهم قبل قتال اليهود والنصارى، ومع ذلك جلده، بل سلخه حيا، حيا! جاء بجزار فسلخه حيا، فما كان يزيد على ذكر الله والقرآن. يقول: فأدركت اليهود الشفقة فوكزه بخنجره في قلبه فقضى عليه وهو ثابت.
والإحسان مرتبة عظيمة جدا الوقت لا يتسع لها، ثم بعد ذلك أيها الأحبة جبريل عليه السلام يسأل عن الساعة وأماراتها، فقال: أبدا ما المسؤول بأعلم منها من السائل. ذكروا بعض العلامات وهي عندنا علامات كبرى وعلامات صغرى وعلامات وسطى، الصغرى والوسطى أغلبها حذر، واما العلامات الكبرى فهي عشر علامات نسأل الله أن يحفظنا وإياكم منها.
هذا الحديث -حديث عمر أو حديث جبريل كما يقول عنه العلماء- فعلا هو شامل للدين كاملا، للإسلام وللإيمان وللإحسان. ولذلك أيها الأحبة، احرص على فهم الحديث، حفظ الحديث وفهم الحديث وفهم معانيه، أنا أقول هذا الحديث يحتاج يا إخواني إلى حلقات طويلة جدا، لأن الدين كله، كل الدين هنا في هذا الحديث، سواء كان الإسلام وأركانه، الإيمان وأركانه، الإحسان وركنه الوحيد.
إذا نحن نحتاج هذا الحديث وأن نفهمه وأن نفقه ما فيه، وأن نطبق ما فيه، وأن نبتعد عن كل شيء يخالفه؛ من بدع، من ضلالات، من شهوات، من شبهات، فانت تكون مع رب العالمين.
إلى هذا القدر نأتي من نهاية لقائنا اليوم أيها الأحبة، وأسأل الله عز وجل أن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح، وأيضا أذكر بقضية الواجب إن شاء الله في نهاية الأسبوع، ندخل على موقعك ثم على السؤال الذي سيوجه لك.
استودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه، وأسأل الله سبحانه وتعالى لنا ولكم التوفيق والسداد، وصلى الله على محمد، والحمد لله رب العالمين. يا راغبا في كل علم نافع، متطلعا لزيادة الإيمان وتريد سهلا والسنة.
د. موفق كدسة الغامدي