يا راغباً في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم بتقنياته ومجالاته، ومعه نطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي. أكاديمية زاد، زاد أكاديمية ينبوعها صفي صافٍ ليروي غلة الظمآن، والسنة الغراء شارحة له. فما لنا من ربنا وأحياني بشرى لنا، زاد أكاديمية للعلم كالازهار في البستان.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، حياكم الله وبياكم وجعل الجنة مثوانا ومثواكم. اللهم إنا نسألك علماً نافعاً، ورزقاً واسعاً، وشفاءً من كل داء.
لقاء يتجدد في أكاديمية زاد وفي مادة الحديث بالذات. اليوم أيها الأحبة لقاؤنا الثالث، وهو مع حديث من أعظم الأحاديث إن لم يكن أعظمها على الإطلاق. هذا الحديث هو حديث عمر، وما أدراك ما عمر! الفاروق رضي الله عنه وأرضاه، الذي يقول عنه صلى الله عليه وسلم: «لو كان بعدي نبي لكان عمر». كان يقول أيهم يا ابن الخطاب؟ والله ما سلكت وادياً ولا فجاً إلا وسلك الشيطان وادياً أو فجاً آخر، حتى إن الشيطان ليفرق من عمر! هذا الرجل الذي كان ينزل القرآن مسدداً لكلامه وموافقاً رأيه لأمر الله سبحانه وتعالى، وكان في وجهيه خطان أسودان من كثرة البكاء.
ماذا نقول عن عمر؟ يحتاج لقاءات كثيرة أيها الأحبة، أتمنى أن نعود لسيرة هذا الرجل. يقول صلى الله عليه وسلم: «رايتني في المنام أتيت بقدح فشربت، ثم أعطيت فضلي عمر فشربه، حتى خرج من بين -رايت الري يخرج من تحت أظافره- قال: ما أولت ذلك يا رسول الله؟ قال: العلم». ويقول: «رايت الناس وعليهم قمص، ورايت عمر يلبس ثوباً يجره، قال: ما أولته؟ قال: العلم». الشاهد أيها الأحبة، هذا الرجل هو الذي بفضل الله سبحانه وتعالى جعله سببا في تدمير أكبر إمبراطوريتين في التاريخ في ذاك الزمان؛ فارس والروم. ولذلك يقفون منه موقف سوء، يعرفون من عمر رضي الله عن عمر وأرضاه.
عمر يروي هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيقول عليه الصلاة والسلام: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه». متفق عليه.
وهذا الحديث يسميه بعض العلماء أو كثير من العلماء حديث أم قيس، ومناسبته أن رجلاً أراد امرأة أن يتزوجها أسلمت، فلما ذهبت إلى المدينة هاجرت، هاجر لأجل هذه المرأة. فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما الأعمال بالنيات، من كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه».
وبالمناسبة، كما قلت في أول كلامي، هذا الحديث هو اعظم حديث في الدين؛ الإسلام كله يقوم على هذا الحديث. قال بعض أهل العلم: الإسلام يقوم على حديثين: هذا الحديث، وحديث عائشة رضي الله عنها: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد». ولذلك أحبتي في الله، أي عمل في الإسلام، أي عمل في الدين لا يقبل إلا بشرطين! لا يقبل إلا بشرطين: الشرط الأول: الإخلاص، أن يكون العمل لله سبحانه وتعالى. الشرط الثاني: المتابعة، بمعنى الموافقة لهدي النبي صلى الله عليه وسلم.
فإذاً، لابد للمسلم حينما يعمل أي عمل في الدنيا أولاً أن يبتغي به وجه الله سبحانه وتعالى؛ لا رياء، لا سمعة، لا حب الثناء، لا حب الإطراء، لا حب المدح. انتبهوا انتبهوا أيها الأحبة، أي عمل ليس فيه إخلاص كامل باطل! لذلك يقول الله سبحانه وتعالى: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه». لذلك الإنسان ينتبه دائماً، يستحضر الإخلاص في عمله، وأن جميع الأعمال من صلاة وصيام وزكاة وجهاد ونفقة وذكر وقران، كل الأعمال إنما نرجو بها وجه الرحمن سبحانه جل في علاه. أنت هذا الشرط الأول.
الشرط الثاني: الموافقة، المتابعة للنبي صلى الله عليه وسلم. بمعنى أن جميع العبادات التي تقوم بها موافقة لهدي الرسول صلى الله عليه وسلم. أنا أضرب لكم مثالاً الآن، فرضنا أن إنساناً أراد أن يصلي الظهر ست ركعات! والله اليوم الحمد لله أنا نشيط اليوم، والحمد لله يعني ما شاء الله تبارك الله، وأريد أن أتقرب إلى الله فأصلي الظهر ست ركعات! أنا ما نقصت، أنا زودت ركعتين لله عز وجل، والله وجه الله ما أبغى، لا أبغى ريا ولا سمعة. نقول: عمل باطل يا اخي! مخلص أبغى؟ عمل باطل! ليش يا أخي؟ لأنه مخالف لهدي النبي صلى الله عليه وسلم، مخالف.
ولذلك، قضية الإخلاص، وقضية المتابعة لله سبحانه وتعالى؛ الشرط الأول، الشرط الثاني نبذ البدع. المتابعة الموافقة لهدي النبي صلى الله عليه وسلم. لابد أيها الأحبة أن نتبع النبي صلى الله عليه وسلم في كل صغيرة وكبيرة. نعم، «خذوا عني مناسككم»، «صلوا كما رأيتموني أصلي»، «من ترك سنتي فليس مني». ولذلك الموافقة، لابد للمسلم دائماً أن يخلص في عمله، أن يوافق سيرة وهدي نبيه صلى الله عليه وسلم.
يعني الآن، كما قلت لكم، الآن جاءني إنسان وقال لك: يا أخي أنا كل جمعة باخذ عمرة! ليش يا أخي؟ قال: يا أخي عمرة لله. طيب ما اختلفنا، وترا فيها.. إذا تاخذ عمرة يوم الجمعه حيكون لك فيها بركة طوال أسبوعك! من فين الكلام هذا؟ من أين أتيت به يا أخي؟ أنت لما تبدأ الجمعة تأخذ عمرة حيكون باقي الأسبوع كله بركة بسبب العمرة! يقول: لا. كونك قيدت أجراً أو عملاً بغير تقييد من رسول الله صلى الله عليه وسلم باطل.
طيب يا أخي أنا والله يوم الجمعة فاضي، كل جمعة فاضي وأبغى أروح أخذ العمره بس لهذا السبب، قال: لهذا السبب لا ما في بس، الله يوفقك ويتقبل منك ما في مشكلة، لكن أن ترتب أجراً أو أثراً على عبادة بغير دليل، بدعة! لا يجوز العمل به. يجيني واحد يقول: أنتم والله أستمتحن بدع بدع! لا يا أخي الكريم القضية ما هي قضية تعنت، القضية قضية حب السنة، حب فقه النبي صلى الله عليه وسلم: «من رغب عن سنتي فليس مني».
يقول صلى الله عليه وسلم: «يؤتى يوم القيامة بأناس يقضمن علي على حوضي فأعرفه، فتاتي الملائكة فتطردهم، فأقول: أمتي أمتي! يعرفون غير محجلين من آثار الوضوء، فتقول الملائكة: إنك لا تدري ماذا أحدث بعدك! فأقول: سحقاً سحقاً». هل نرضى بهذا أيها الأحبة؟ لذلك ينبغي للإنسان أيها الأحبة أن يتزود من العلم، وإذا عمل عملاً فليعلم: هذا العمل كيف؟ هل هو خالص لوجه الله؟ هل هو موافق لهدي رسول الله ولا لا؟ ولذلك انتشار البدع في الأمة الإسلامية كارثة! «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد»، «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد».
أحبتي في الله، خلوني أركز على القسم الأول: الإخلاص. يا إخواني، رب عمل صغير جداً يعظمه أو تعظمه النية، ورب عمل كبير جداً تحقره النية بسبب ايش؟ إخلاص وعدم إخلاص. يعني لما يقول لك: سبق درهم ألف درهم! سبق درهم خمسين ألف درهم! سبق درهم مئة ألف درهم! النية.. قد الإنسان يا إخوان يكون عنده أموال كثيرة جداً ملايين ويتصدق بهذه الملايين لكن رياء وسمعة! ما له أجر. «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه».
لذلك أيها الأحبة لا بد أن نحرص دائماً على استحضار الإخلاص في جميع أعمالنا؛ صلاتنا، صيامنا، ذكرنا، صدقتنا، صلتنا، تأليفنا، وعظنا، خطبنا. الإخلاص ما في اخلاص؟ ما في بركة! خذها من النهاية: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: 110]. العمل الصالح: السنة. عدم الإشراك: الإخلاص.
لذلك أحبتي في الله، مهم جداً الإنسان دائماً يستشعر الإخلاص، ترى يعني القضية ما هي قضية الصور، ترى القضية قضية الجوهر. يقول صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى...»
أجسامكم ولا إلى أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم. الإخلاص هل فيه إخلاص ولا لا؟ لذلك فعلا لما يقول بعض السلف: رب عمل قليل أو صغير تعظمه النية، وربما عمل كبير جدا تحقره النية. الأول فيه إخلاص صدق مع الله سبحانه وتعالى، والثاني ما فيه، فكيف يكون ذلك؟
لذلك أيها الأحبه ينبغي للمسلم دائما أن يستشعر الإخلاص، وأن يستحضر الإخلاص في عمله، وأن يريد به وجه الله، ليس رياء ولا سمعة ولا إطراء؛ من راءى راءى الله به، ومن سمع سمع الله به. ولذلك المنافقون أيها الأحبه، لماذا سموا بالمنافقين؟ لأنهم أرادوا شيئا ظاهرا وأبطروا شيئا باطنا؛ أظهروا الإسلام وأبطروا النفاق والعياذ بالله. ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: 145]. ما في إخلاص! عبد الله بن أبي بن سلول كان يصلي في مسجد رسول الله، وخلف رسول الله، وكان يخطب في مسجد رسول الله أمام الناس، ومع ذلك: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: 145]. نحذر نحذر أيها الأحبه من عدم الإخلاص أبدا، انتبه به. ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: 5]. عمل بدون إخلاص باطل ما له قيمة، ما له قيمة. «إنما الأعمال بالنيات»، هكذا يقول صلى الله عليه وسلم. أساس الأعمال الإخلاص والمتابعة؛ إذا وجد الإخلاص والمتابعة قبل العمل، إذا ما في إخلاص وما في متابعة كيف يقبل العمل؟
لذلك أيها الأحبه كيف نحول عاداتنا إلى عبادات؟ هذا سؤال مهم. كيف بذلك؟ بطريق النية، بطريق النية. يعني الإنسان فينا ياكل ويشرب وينام ويمرح ويلعب. طيب أنا كيف استطيع أن أحول هذه العادات أعمالي أربع وعشرين ساعة أجعلها عبادة؟ النية! إذا أكلت احتسب أن هذا الأكل يقويك على العبادة، وأنه حلال وتتقرب إلى الله بأكل الحلال ليعينك ويسددك ويأخذ بيدك لكل خير، أصبح أكلُك عبادة. نومُك، تنام ليش تنام؟ واحد يقول والله طفشان أبغى أنام، وواحد يقول لا أنا أنام بدري عشان أقوم الساعة ثلاثة أتهجد أصلي، فأنا أنام حتى جسمي يرتاح وأخزن قوة وكذا وكذا، فأصبح نومه عبادة، نومه عبادة.
طيب خذوا أيضا شيئا أكثر غرابه؛ واحد جالس يلعب كورة أو يجري، واحد ليش تلعب كورة؟ قال: طفشان أبغى أللعب كورة أضيع وقتي، والثاني قال: لا والله أبغى أنشط جسمي، لا قدر الله صار في قتال جهاد، نجاهد الكفار، جاء عدو اعتدي علينا، نجاهد ضد ديننا وأنفسنا وأعراضنا. شوف الأول ما له اجر، والثاني يلعب ويمرح وله أجر؛ من الذي تغير؟ الصورة واحدة، الصورة واحدة، الذي تغير النية! أرايتم أيها الأحبه؟ أرايتم؟
لذلك العاقل البصير الذكي العبقري هو الذي يستشعر، يستشعر دائما كل هذه الأعمال أنها قربة إلى الله، كما قال ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه: إني لأحتسب عند الله قومتي ونومي. فالإنسان يستحضر، أكلُك شربُك دائما عملك مثلا مرحُك، كل هذا احتسب فيه النية، أريد بهذا وجه الله، أريد أن يكون هذا العمل يقويني على الطاعة، يقويني على الخير، يقويني على فعل المعروف وترك المنكر، بالتالي ستصبح كل حياتك عبادة في عبادة في عبادة، فتنجو بإذن الله.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إذا أصبحت في كل يوم فانوي الخير لكل الناس، انوي أنك تنفع كل الناس، تصبح حياتك كلها لله سبحانه وتعالى. توقف أيها الأحبه عند هذا الفاصل ثم نعود لكم بعد ذلك، وصلى الله على محمد.
لقد شرع الله الدين للناس رجالا ونساء، ووعد الجميع الجنة والحياة الطيبة إذا قام بواجبه، فقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 97]. وقد جاء الإسلام فأكرم المرأة وحملها مع الرجل مسؤولية النهوض بالمجتمع وحسن الرعاية له، فقال عليه الصلاة والسلام: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته».
وقد شغلت المرأة في العهد النبوي وما بعده مكانا رفيعا بمشاركاتها العلمية والاجتماعية والتربوية، وتصدر اسمها في قائمة المساهمين في بناء المجتمع وصياغة هوية الأمة والمحافظة على ثوابت الدين. ولا زال التاريخ يذكر أم المؤمنين خديجة، وأم المؤمنين عائشة، ونسيبة بنت كعب، وأم حرام بنت ملحان، وحفصة بنت سيرين، وفاطمة بنت عبد الملك، وزبيدة بنت جعفر، وغيرهن رضي الله عنهن ورحمهن.
ومن هنا كان للمرأة المسلمة دورها المهم والخطير في صياغة المجتمع، مما أكسبها قيمة واعتبارا واحتراما لا مثيل له في المجتمعات الأخرى، كما اعتراف بذلك المنصفون من الغربيين، وبأنهم إنما تعلموا احترام المرأة من مسلمي الأندلس. يقول المفكر الفرنسي مارسيل بزارد: إن الشعراء من المسلمين هم الذين علموا مسيحية أوروبا عبر إسبانيا احترام المرأة.
فللمرأة على ثغر الحياة الزوجية أثر خطير، وفي التربية على الدين والخلق دور كبير، وفي التعليم والدعوة والطب والرعاية مكانة ومسؤوليات. وقيام المرأة المسلمه بهذا وغيره له أثره الإيجابي في إصلاح المجتمع كله أسرا وأفرادا، وصدق عليه الصلاة والسلام حين قال: «إنما النساء شقائق الرجال».
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. ما زلنا أيها الأحبه في الإخلاص، وكيف نحول عاداتنا إلى عبادات؛ يعني النبي صلى الله عليه وسلم يا إخواني يقول: «وفي بضع أحدكم صدقة». في بضع أحدكم صدقة، يعني الإنسان يأتي أهله له به أجر. فالصحابه قالوا: يا رسول الله، يأتي أحدنا شهوته وله فيها أجر؟ قال: «نعم، أرأيتم إن وضع في حرام أكان عليه وزر؟» قالوا: نعم. قال: «وكذلك إن وضع في حلال».
إذا أيها الأحبه، لابد دائما وأبدا أن نستشعر النية في كل أعمالنا، أننا نريد بأعمالنا وجه الله؛ أكلُك، شربُك، نومُك، حتى إتيانك لأهلك، حتى لعبك مع أبنائك وأهل بيتك، حتى خروجك لأن تتمشى مع أهلك أو تتنزه مع أهلك، حضور مجالس العلم، الاجتماعات، اجعل حياتك كلها لله، اجعلها لله. الذي سيتغير فقط، أنت ستعمل ما حتغير شيئا، الذي سيتغير من داخل: النية! فنيتك هنا يا عبد الله، متى ما استحضرت نلت الأجر العظيم.
أيها الأحبه، أفضل أعمال القلوب مهم جدا أن ننتبه لها، أعمال القلوب؛ لأنها أهم من أعمال الجوارح صدقوني. القلوب وأعمالها إذا صلحت القلوب صلحت أعمالها. وأيها الأحبه ترى العمل بالحقيقة ليس بالصوره؛ يعني بعض الناس قد يصلي لي مائة ركعة، خمسين ركعة، عشر ركعات، ما له أجر، وقد يصلي الإنسان ركعتين مخلصا مقبلا على الله خاشعا متذللا، يرفعها الله بها في أعلى عليين.
﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: 1-2]. صحيح لا مو صحيح؟ ليبلوكم أيكم أكثر عملا؟ لا شك أن الكثرة مطلوبة، لكن ليست على حساب الكيفية ولذلك الله عز وجل قال: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: 2]. الحسن يقوم على الصواب والمتابعة؛ الإخلاص والمتابعة لله سبحانه وتعالى.
ولذلك اليهود يعني مثلا النصارى أكثر الناس عباده، ينقطعون في الفلوات وكذا، لكن أبدا ضالون والعياذ بالله. فالقضية ليست قضية كثرة، قضية كيفية وصلاح. إذا جاءت الكثرة مع الكيفية الطيبة، يا سلام! «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل». طيب، وإن كانت كثيرة؟ يا الله، نور على نور!
وبالتالي أيها الأحبه، لابد للمسلم أن ينتبه لأعمال القلوب. الإخلاص من أخص أعمال القلوب، فإذا وجد الإخلاص في القلب جاءت الخشية، جاء الخوف، جاء الرجاء، جاءت المحبة، جاء الشكر، جاء التواضع، جاء الافتقار، جاء الانكسار بمجرد الإخلاص أن يأتي لله سبحانه وتعالى.
ولذلك أيها الأحبه، نحرص على أعمال قلوبنا دائما؛ ندعو: اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على طاعتك. أم سلمة رضي الله عنها ماذا تقول؟ أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على طاعتك». هذا القلب، «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب».
ولذلك نحرص احبتي في الله على قضية ايش؟ القلب يحرص عليها؛ ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بَقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: 88-89]. فالاخلاص من اعظم اعمال القلوب، ولذلك لابد دائما أن نراجع أنفسنا؛ نراجع أنفسنا هل أعمالنا خالصة لله؟ فيها رياء؟ فيها سمعة؟ فيها
كذا أيها الأحبة الأفاضل، سأعطيكم حديثاً جميلا يبين أهمية النية الإخلاص، وأنك بنيتك قد تصل إلى أمور ما تستطيعها بفعلك. يقول صلى الله عليه وسلم وأرعن سمعك: «إنما الدنيا لأربعة نفر». من هم يا رسول الله؟ قال: «أما الأول رجل آتاه الله مالا وعلما، فهو يعرف لله فيه حقا ويصل به رحما -معنى الحديث يعرف لله فيه حقا ويصل فيه رحما- وينفقه في وجوه الخير». قال: «فهذا في أعلى المنازل؛ عنده علم وعنده مال، فهذا المال يسلط عليه العلم فيتقرب به إلى الله». قال: «فهذا في أعلى المنازل. ورجل آتاه الله علما ولم يؤته مالا، فيقول: لو أن لي مثل فلان من المال لفعلت مثله». ماذا قال صلى الله عليه وسلم؟ قال: «فهما في الأجر سواء». سمعت رعاك الله؟ هما في الأجر سواء! سؤال: الثاني سوى شيء؟ لا، ما عمل شيئا، لكن صدق في نيته: لو كان عندي فعلت مثله. قال: «فهما في الأجر سواء». وهذا معنى قول بعض العلماء: إن المسلم أو المؤمن يبلغ بنيته ربما أكثر ما يبلغ بعمله. فإذا جاءت النية والعمل، فهذا هو المطلوب أيها الأحبة.
طيب، الثالث قال: «ورجل آتاه الله مالا ولم يؤته علما، فهو يخبط فيه خبط عشواء؛ لا يعرف لله فيه حقا ولا لذوي أو شيئا من هذا، بل يخبط فيه خبط عشواء؛ لا يصل رحما ولا يعرف لله حقا». قال: «فهذا في أخبث المنازل».
طيب، الرابع قال: «ورجل لم يؤته الله لا مالا ولا علما، فيقول: لو أن لي مثل فلان من المال لفعلت مثله». فعل شيء لا؟ ماذا قال صلى الله عليه وسلم؟ قال: «فهما في الوزر سواء». ما سوى شيء! لم يزنِ، لم يسرق، لم يشرب الخمر، لم ولم ولم، ومع ذلك يقول: «فهما في الوزر سواء». ليش؟ لأن هو نوى صادقا أن يفعل مثل الأول. قال: «فهما في الأجر سواء»، والرابع مثل الثالث فقال: «فهما في الوزر سواء». إذاً أحبتي في الله، مهم جدا أعمال القلوب أن تهتم بها، أن تنوي الخير دائما، أن تكون إيجابيا في حياتك، ما تكون سلبي، ما تكون دائما تفكر في أذية الناس، لا لا لا. ولذلك يقول صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، لما مضى -ما خرج في غزوة تبوك إلا قلة من المسلمين الذين عندهم- جاء بعض الصحابة: يا رسول الله احملني، أنا ما عندي شيء، احملني. قال: «لا أجد ما أحملكم عليه»، تولوا وأعينهم تفيض من الدم حزنا ألا يجدوا ما ينفقون. ماذا قال الله عنهم؟
ماذا قال عنهم صلى الله عليه وسلم؟ «إن لكم إخوانا بالمدينة؛ ما قطعتم واديا ولا صعدتم جبلا ولا مسيرا إلا كانوا معكم، إلا شاركوكم في الأجر، منعهم العذر». منعهم العذر! شوف الإخلاص، مخلصين جاءوا يبكون: يا رسول الله ما نجد احملنا. أرايتم أيها الأحبة؟ هل خرجوا إلى تبوك؟ هل شاركوا النبي في هذه الغزوة؟ هل تحملوا ما تحمل الصحابة؟ ومع ذلك بكل بساطة: «كانوا معكم، شاركوكم في الأجر». إذاً أيها الأحبة، الإخلاص مهم جدا في حياتنا في كل شيء، في كل صغيرة وفي كل كبيرة. استشعر الإخلاص يا عبد الله دائما، حتى كما قلت قبل قليل، عاداتك، أعمالك التي أنت دائما تعملها يا إخواني، كل واحد فينا ينام وياكل ويشرب وينبسط ويطلع يتمشى ويطلع يتنزه ويطلع كذا، انوي بها، انوي بها دائما، استشعر النية، انوي بها وجه الله، أنها تكون دافع وحافز لعمل صالح آخر، كل حياتك ستكون لله سبحانه وتعالى، ستكون لله. إذاً مهم جدا أحبتي في الله استشعار الإخلاص لله في كل أحوالنا وفي كل أمورنا الظاهرة والباطنة.
أحبتي في الله، ملمح مهم آخر: أنت مشيت في طريق، وجدت ذلك المسجد الكبير ووجدت تلك اللوح العظيمة -يعني مشروع جبار- طيب، أنت ما دورك في مثل هذا الأمر؟ أولا، تحمد الله أن في الأمة مثل هؤلاء من ينفق. الأمر الثاني -ما أقول أحسده دينا، ما في حسد، هذا الحسد عند اليهود وعند ضعاف الإيمان- القضية الثانية، تمنى لو أن عندك مالا فتفعل مثله. يا سلام! يا إخواني، حندخل في الصنف الثاني الحديث الذي ذكرناه قبل قليل، ما قلنا عنده مال علم؟ عنده علم بدون مال.ها، خلونا نتكلم عن الصنفين الأولين. فانت الآن لما ترى مشروع مبارك، ترى قناة مباركة، ترى مشروع جبار رفع الله به الإسلام والمسلمين، أولا احمد الله أنه موجود، ادعوا الله لصاحبه، ثم قل: لو أن عندي مالا لفعلت مثله، لو كان عندي مال لبنيت مسجدا، لأنشأت قناة، لكفلت أيتاما، لكفلت دعاة، لطبعت كتبا، لأنقذت المسلمين، لفعلت لفعلت، وأنت صادق، بالتالي أنت ستنال أجرا عظيما جدا جدا جدا بقدر صدقك مع الله عز وجل، لأن الله يعلم السر وأخفى.
الأمر الثاني أو الرابع الذي أود أن أؤكد عليه: النبي صلى الله عليه وسلم ماذا يقول؟ «إذا تمنى أحدكم فليكثر، فانما يدعو ربه». حديث صحيح: «إذا تمنى أحدكم فليكثر، فانما يدعو ربه». ولذلك يا عبد الله، إذا تمنيت شيئا تمنى، تمنى: أتمنى يكون عندي مليارات ليش؟ أبني المساجد، أكفل الأيتام، أغيث المسلمين، لا أترك مجالا من مجالات الخير إلا ضربت فيه بسهم. يا أخي، يا أخي، إذا احنا ما قدرنا بأفعالنا، دعونا نفعل بنياتنا، بنياتنا! النية مطية أيها الأحبة، وكما سمعنا في الحديث: النية مطية. ولذلك أيها الأحبة، انوي الخير دائما، انوي الخير، ابذر الخير، لا يعني إذا ما استطعت أن تفعل بنفسك يا أخي افعل بنيتك.
خذ القصة الجميلة هذه: كان ابن المبارك رحمه الله -عبد الله بن المبارك أمير المؤمنين في الحديث- يحج كل سنة، فيأخذ أهل مرو معه في قافلة وينفق عليهم من مرو في بلاد فارس إلى المدينه إلى مكة ويعيدهم. كان يطعم قافلته الفالوذج وجميع الطيبات وهو يبقى صائما أمير المؤمنين في الحديث. يوم من الأيام خرج من مرو في قافلته، فمروا على قرية، لما دخلوا القرية رأى منظر شدة، ما هو المنظر؟ رأى جارية صغيرة -بنت صغيرة- جاءت إلى مزبلة -أكرمكم الله والملائكة- فوجدت غرابا ميتا، أخذت غرابا، ثم رفعت خمارها ووضعته، ثم مشت، أخذت ميتة غراب -حتى لو كان حي ما يؤكل- فاتبعها حتى دخلت البيت فطرقت الباب، فخرجت: ما الذي ألجأك إلى هذه الميتة؟ قالت: نحن أيتام، وقد أحلت لنا الميتة من ثلاثة أيام، ليس لنا طعام إلا ما يلقى في هذه المزبلة. فقال: أنا لله وانا اليه راجعون، يا ابن المبارك تأكل الفالوذج أنت وأصحابك، وأموات وأبناء المسلمين يأكلون الميتة! فامر بتلك القافلة كامله فوزعها في تلك المنطقة، ثم نادى على أهل مرو: عودوا إلى بلادكم، لا حج لكم هذه السنة، ووزعت القافلة كاملة، ثم عاد إلى مرو، وصل إلى مرو وبات في تلك الليلة في بيته. ما الذي حدث؟ وإذا به يرى في المنام يسمع هاتفا يهتف: حجا مبرورا، وسعيا مشكورا، وذنبا مغفورا! لا إله إلا الله، حجا مبرورا، وسعيا مشكورا، وذنبا مغفورا. طبعا أيها الأحبة، المنامات نحن لا نعلق عليها أحكام شرعية، لكن هذا مما يستانس به، هو خرج للحج، ومع ذلك لما أنفق هذه القافلة كاملة في تلك القرية وعاد لله عز وجل، فهو خرج قد خرج خلاص نوى وخرج، لذلك الله عز وجل لا يمكن أن يضيع عباده أبدا فجاءت البشارة: حجا مبرورا، وسعيا مشكورا، وذنبا مغفورا. أسال الله سبحانه وتعالى أن يوفق الجميع، نتوقف في هذا الفاصل ثم نعود إليكم، وصلى الله على محمد والحمد لله رب العالمين.
هل أنت حريص على تصحيح عباداتك؟ هل ترجو أن يتقبلها الله؟ اطلب العلم، إذ لا تصح العبادة إلا به. قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: 19]. وشرط قبول طلب العلم الإخلاص فيه؛ بألا تريد به إلا وجه الله. قال تعالى: ﴿قُلِ...﴾
إني أمرت أن أعبد الله مخلصاً له الدين، وبالأخص ترزق صحة الفهم وقوة الاستنباط. قال صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين». وبالأخص يذعن المتعلم للحق ويقبل النقد. قال الذهبي: علامة المخلص أنه إذا عوتب لا يبرئ نفسه، بل يعترف ويقول: رحم الله من أهدى إلي عيوبي. ويجب أن يتوفر الإخلاص في التعلم والتعليم والتأليف. قال أبو داود الطيالسي: ينبغي للعالم إذا حرر كتابه أن يكون قصده بذلك نصرة الدين لا مدحه بين الأقران لحسن التفاته.
فاخلص النية واحذر من فسادها كطلب العلم لأجل المال والثروة أو الجاه والشهرة أو المراء والجدل؛ فإن ذلك يفسد العمل. قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾ [الفرقان: 23].
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. وعمرة أخرى أحبتي في الله، هذا الحديث كما قلنا واتفقنا على أنه من أعظم الأحاديث وعليه مدار الدين، وأنه أي عمل لابد أن يكون محتوياً على الإخلاص لله سبحانه وتعالى وعلى المتابعة لهدي النبي صلى الله عليه وسلم. وكما قال بعض السلف: العمل لا يقبل إلا إذا كان صواباً خالصاً لوجه الله سبحانه جل في علاه. ولذلك أيها الاحبة نحرص أيما حرص على تحقيق النية الصادقة لوجه الله سبحانه وتعالى؛ لا رياء، لا سمعة، لا حب الثناء، لا حب الإطراء. ومن رياء راء الله به، ومن سمع سمع الله به.
أحبتي في الله، تعالوا بنا نتكلم لم عن حديث من أعظم الأحاديث التي تبين أهمية الإخلاص في العمل، وأن القضية ليست قضية المظهر، إنما القضية قضية الجوهر، قضية هل العمل لله خالصاً أم تشوبه شوائب. هذا الحديث يرويه الصحابي الجليل أبو هريرة رضي الله عنه وأرضاه، وكان إذا حدث بهذا الحديث ربما أغمي عليه مرة واثنتين وثلاثة، نشغ مرة واثنتين وثلاثاً كما جاء اللفظ. ما هو الحديث؟
يقول صلى الله عليه وسلم: «أول من تسعر بهم النار ثلاثة»، أي ثلاث أصناف. لن أترك لك المجال حتى تتفكر من هم هؤلاء الثلاثة؛ لأن بعض الناس أول من تسعر بهم النار يمكن اليهود، النصارى، يمكن الملاحدة، يمكن يمكن، لا لا لا. مع الأسف، أول من تسعر بهم النار هم من أمة محمد، مع الأسف، مع الأسف. لكن ايش المشكلة، ايش القضية، ما هي الكارثة؟ النية. صور مشرق لكن المآل مخيف، المآل نار والعياذ بالله. ما هي أو من هم هؤلاء الثلاثة الأصناف؟ اسمع يا رعاك الله.
رجل قتل في سبيل الله! الله أكبر، قتل في سبيل الله نعم، وأول من تسعر بهم النار نعم. طيب، ما المشكلة؟ المشكلة لأن النية ما هي خالصة لوجه الله الكريم، إنما الرجل ما كان يريد وجه الله. اسمع نكمل الحديث، يقول صلى الله عليه وسلم: فياتي الله به عز وجل فيعرفه نعمته فيعرفها، فيقول: عبدي، ماذا صنعت؟ فيقول: يا رب، قاتلت فيك حتى استشهدت. قال: كذبت، تكذب على رب العالمين! قال: كذبت، إنما فعلت ذلك ليقال جريء، فقد قيل. يذهب به إلى النار والعياذ بالله، فتسحب الملائكة على وجهه ويلقى في نار جهنم، نعوذ بالله.
الصورة جميلة عند الناس، ما شاء الله، هنيئاً له الشهادة، هنيئاً له كذا، هنيئاً له كذا. لا لا لا، انتبه، أنا ممكن أضحك على الناس لكن على رب الناس لا، لا يمكن. ولذلك كان رجل اسمه قزمان قاتل مع النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يقاتل قتالاً شديداً جداً جداً ما فعله واحد من الصحابة، فقال الصحابة: هنيئاً له الجنة! فقال صلى الله عليه وسلم: «بل هو في النار، هو في النار». يقاتل معك يا رسول الله، يجاهد دونك يا رسول الله؟ فقال أحد الصحابة: أنا صاحبه. فاخذ يتابعه، الرجل كان شجاعاً وكان قوياً مقداماً، لكن الجراح أثخنته فما صبر، فذهب تحت أحد الأشجار فوضع صدره أو نص صدره بين ثدييه فاتكأ عليه فقتل نفسه. فقال الرجل: أشهد ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ثم ذهب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فأخبره بالخبر. قال: «أخبر الناس»؛ وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.
فإذاً أيها الأحبة، ينبغي الإنسان دائماً يستشعر الإخلاص في عمله، ليست القضية قضية الناس: امدحوني، طيب ثم ماذا، ثم ماذا؟ لا شيء. ياتي الله عز وجل بالثاني فيعرفه نعمته فيعرفها، فيقول: ماذا صنعت؟ فيقول: يا رب، حفظت فيك القرآن وعلمته للناس. قال: كذبت. كارثة والله حينما رب العالمين يكذب الإنسان على رؤوس الخلائق وهذا رب العالمين سبحانه جل في علاه! إنما فعلت ذلك ليقال عالم، فقد قيل؛ يعني اخذت ثوابك في الدنيا، تريد الأجر من الناس؟ اخذت ثوابك في الدنيا فقط، قد قيل. أما عند رب العالمين لا، ما لك شيء، العمل ما كان لوجه الله، كان مشوباً بحب الثناء والإطراء، فقد قيل. اذهبوا به إلى النار، فتاتي الملائكة والعياذ بالله فتسحبه على وجهه ويلقى في نار جهنم. هذا العلم ما نفع، حفظ القرآن ما نفع، تعليم الناس ما نفع، لماذا؟ لم يكن خالصاً لوجه الله سبحانه جل في علاه.
لذلك أيها الأحبة نحرص، لابد أن نحرص على قضية استشعار الإخلاص، وأن هذا العمل لله خالص، لا لدنيا ولا لغرض ولا لشبهة ولا أبداً، أنا اريد بعملي وجه الله سبحانه جل في علاه.
طيب، ناتي على الثالث: فياتي به الله عز وجل فيعرفه نعمته فيعرفه، ماذا صنعت يا عبدي؟ قال: يا رب، ما تركت سبيلاً يبتغى فيه وجهك إلا أنفقت وتصدقت واعطيت وبذلت. قال الله سبحانه وتعالى: كذبت، كذبت! إنما فعلت ذلك ليقال جواد، فقد قيل. اذهب به إلى النار. لا حول ولا قوة إلا بالله، فتاتي الملائكة فتسحب فيرمى على وجهه في نار جهنم. هذه مشكلة أن الإنسان يعطي ماله ويتصدق وبذل حتى يققال المحسن الفلاني، الكريم الفلاني، يعني التاجر الفلاني الكريم. ماذا سينفعك الناس بكلامهم لك وبشكر إياك؟ هب أنهم رفعوك إلى أعلى شيء، ثم مات، هل رفعك الله ولا لا؟ هنا السؤال، هل هنا السؤال؟
لذلك أيها الأحبة، بعض الناس يحب يعني تاتيه في مثلاً في مكان خاص تطلبه شيء ما يعطيك، فإذا جئت أمام وسائل الاعلام وسائل الصحافه كذا مهما تطلب يعطيك! فهو لا يريد بذلك وجه الله، إنما يريد أن يثنى عليه وأن يذكر بخير وأن الناس يشكرونه على فعله، وهذا مرض والعياذ بالله، مرض داخلي، مرض قلبي، يعني كارثة بكل ما تعنيه الكلمة أيها الأحبة. فإذاً هؤلاء الثلاثة والعياذ بالله مع أن الصور ظاهرة لهم صور جميلة جداً، صور يعني يتمناها كل انسان، كل انسان يتمنى أن يكون أن يموت شهيداً، أن يحفظ القرآن، أن يعلم العلم للناس، أن يكون ذا مال فينفق في سبيل الله، هذه صور مشرق لكن لأن النية كانت فاسدة كان كانت النهاية فاسدة، كان المآل والعياذ بالله يعني كارثة، نار جهنم. يعني كيف ماذا نفعل بها نار جهنم؟ أسال الله أن يجيرنا وأن يكينا من نار جهنم.
يقول صلى الله عليه وسلم: «ما رايت كالجنة نائم طالبها، وما رايت كالنار نائم هاربها». اللي يعرف الجنة وما فيها ثم ينام عن طلبها يقول وين عقله؟ والذي يعرف النار وما أعده الله عز وجل لأهلها ثم لا يفر منها، أين عقله؟ لذلك يعني اخواني يعني موقف أو وقفة كده سريعة، يعني أين طلب الجنة والحذر من النار في حياتنا؟ لابد أيها الأحبة دائماً أن نستشعر هاتين القضيتين، لذلك النبي صلى الله عليه وسلم سن لنا ذلك: من سأل الله الجنة في يوم ثلاثة مرات قالت الجنة: اللهم اجعله من أهلي، ومن استجار بالله من النار في يوم ثلاثة مرات قالت النار: اللهم لا تجعله من أهلي.
هل استشعرنا هذا؟ مع الأسف بعض الناس يمكن يمر عليه اليوم، الأسبوع، والشهر وهو ما سأل الله الجنة وما استجار بالله من النار، ليش؟ هل الدنيا وأفعال الدنيا ومشاغل الدنيا وشركات الدنيا ومؤسسات الدنيا وبيوت الدنيا ونساء الدنيا تمنعنا عن أهم قضيتين في حياتنا، كيف نظفر بالجنة ونفر من النار؟ وهذا لا يكون إلا إذا رضي الله.
ولا يرضى الله عنا إلا إذا عبدنا الله وحققنا التوحيد. لذلك أحبتي في الله، هاتان القضيتان ينبغي دائما وأبدا أن نستشعرهما في ليلنا وفي نهارنا. إخواني، الكلام عن الجنة والنار يأخذ وقتا طويلا جدا، لكن ما فيها من وصف في الجنة هذا يرغب أقل واحد في الجنة. يا إخواني، من يملك عشرة أضعاف الدنيا؟ هل سمعنا بأن أحدا ملك الدنيا؟ أقل واحد في الجنة يملك عشر أضعاف الدنيا.
والنار أيها الأحبه، يكفي أن مجلس الكافر في جهنم والعياذ بالله كما بين مكة إلى المدينة أربع مائة كيلو، حجمه مجلسه ما بين منكبيه مسيرة ثلاثة أيام للراكب، ضرسه كجبل أحد، سمك جلده أربعون ذراعا: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء: 56].
أحبتي في الله، إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه. أحبتي في الله، دائما استشعروا الإخلاص في أعمالكم والمتابعة لسنة نبيكم صلى الله عليه وسلم.
أسأل الله أن يرزقنا جميعا علما نافعا ورزقا واسعا وشفاء من كل داء، وصل اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.
يا راغبا في كل علم نافع متطلعا زيادة الإيمان وتريد سهل النوال ميسرا ياتيك ميسورا بأي مكان.
زاد، زاد أكاديمية ينبوعها صاف، صاف ليروي غلة الظمآن، والسنة الغراء شارحة له فهما لنا من ربنا وأحياني.
بشرى لنا، زاد أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان.
د. موفق كدسة الغامدي