تسجيل الدخول

المحاضرة 4 - شَرحُ حديث (الإيمان بِضع وستون شُعبة ...) (1)

موفق كدسة الغامديد. موفق كدسة الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

ينمو العلم ويتقدم بتقنياته ومجالاته معنا مطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي. أكاديمية زاد، والسنة الغراء شارحة له، فهماً لنا من ربنا، وأحياناً بالعلم كالأزهار في البستان.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وأسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته أن يرزقنا جميعاً علماً نافعاً، ورزقاً واسعاً، وشفاءً من كل داء. حياكم الله وبياكم وجعل الجنة مثوانا ومثواكم.

وما زلنا مع الحديث، ومع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. اليوم بإذن الله تعالى نأخذ الحديث الرابع، ألا وهو عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة، أعلاها لا إله أو شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان». متفق عليه.

الراوي أبو هريرة رضي الله عنه وأرضاه، وهل يخفى القمر؟ هذا الرجل عبدالرحمن بن صخر الدوسي رحمة الله عليه، الزهراني، وهو من دوس من قبيلة زهران رحمة الله عليه. أسلم عام خيبر متأخراً، لكن روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة، أكثر من روى عن النبي صلى الله عليه وسلم من الأحاديث هذا الرجل أبو هريرة رضي الله عنه وأرضاه.

وكان من أهل الصفة، وكان يلازم النبي صلى الله عليه وسلم وأخذ عنه الكثير، ووقعت له عدة مواقف وحوادث مع النبي صلى الله عليه وسلم، الوقت لا يتسع إلى ذكرها أو إلى الكلام عنه. لكن هذا الرجل رضي الله عنه وأرضاه عن صحابة رسولنا صلى الله عليه وسلم، كما قلت، روى أكثر من خمسة آلاف حديث، ولذلك حاول أعداء الإسلام الطعن في هذا الرجل.

وحاول المستشرقون الطعن في هذا الرجل؛ لأن الطعن في هذا الرجل سيكون سبباً في الطعن في خمسة آلاف حديث أو أكثر، في أغلب الدين يا إخواني، ولذلك حاول أعداء الإسلام أن يطعنوا في عبدالرحمن بن صخر الدوسي رضي الله عنه وأرضاه، لكن هيهات هيهات، وهل يضر الجبل نطح الكلاب أو الخراف!

ولكن هذا رجل مهما قلت فيه رضي الله عنه وأرضاه فلن أوفيه حقه. لعل يكون لنا وقفات أخرى إن شاء الله في أحاديث أخرى مع هذه الشخصية الكريمة، أبو هريرة رضي الله عنه وأرضاه. الحديث متفق عليه، متفق عليه يعني رواه البخاري ومسلم.

دعونا الحديث يقول صلى الله عليه وسلم: يقول صلى الله عليه وسلم: «الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون».

الإيمان مر معنا أيها الأحبة الكلام على الإيمان في حديث عمر، لما جاء جبريل فسأل عن الإسلام وسأل عن الإيمان وسأل عن الإحسان. الإيمان كما قلنا هو التصديق الجازم، التصديق الجازم بما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم الذي لا يخالطه شك ولا ريب أبداً. وهو كما مر معنا قول باللسان، تصديق بالجنان، عمل بالأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان.

فهنا هذا الحديث يبين أن الإيمان شعب، إما بضع وستون وإاما بضع وسبعون شعبة. هذه الشعب أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق. يعني يا إخواني يا أحبابي في الله، الإسلام وهذا الدين كُلٌّ لا يتجزأ، سواء كان في العقيدة، سواء كان في المعاملات، سواء كان في العبادات، سواء كان في الآداب العامة.

هذا الدين أيها الأحبة، لا يجوز لأي شخص أن يقول: هذه لب وهذه قشور، لا لا لا أبداً، بل ينبغي أن نتمسك بهذا الدين بكل ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم. ولذلك أعلى هذه الشعب لا إله إلا الله، ومر معنا أيها الأحبة أن لا إله إلا الله مفتاح الجنة.

والإنسان لا يدخل في هذا الدين إلا بهذه الكلمة. وأركان الإسلام: بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. وأعظم كلمة في الدنيا يذكر الله عز وجل بها هذه الكلمة: لا إله إلا الله. كما قال صلى الله عليه وسلم: «أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله». ولذلك مرت في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في مواطن كثيرة: «خير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير».

ومن قال إذا سمع المؤذن: وأنا أشهَدُ أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، رضيت بالله رباً وبمحمد رسولاً وبالإسلام ديناً، غفر له ما خلا من ذنبه، أو كما قال صلى الله عليه وسلم.

الشاهد أن هذه الكلمة أيها الأحبة من اعظم الكلمات، بل هي أعظم كلمات. قال صلى الله عليه وسلم: «أحب الكلام إلى الله أربع، لا يضرك بأيهن بدأت: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر».

«لأن أقول سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر أحب إلي مما طلعت عليه الشمس». ورد فيه أكثر من ثلاثين حديثاً في هذه الكلمات الأربع، وهذه الكلمة من ضمنها. ولذلك لما يقول صلى الله عليه وسلم أحب إلي من الدنيا وما فيها، يعني كأن الدنيا لو وضعت في كفة، وهذه في كفة، رجحت بالدنيا.

جاء في بعض الآثار أن الله سبحانه وتعالى قال له موسى: يا رب علمني دعاء أدعوك به. فقال: يا موسى قل: لا إله إلا الله. فقال موسى: يا ربي كل عبادك يقولون لا إله إلا الله. فقال الله سبحانه وتعالى: يا موسى لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري والارضين في كفة، ولا إله إلا الله في كفة، لرجحت بهن لا إله إلا الله، لرجحت بهن لا إله إلا الله.

إذاً، كلمة عظيمة جداً جداً جداً. في حديث نوح عليه السلام وهو صحيح، أنه لما حضرته الوفاة دعا أبناءه وقال علمهم، قال: «أحذركم من الشرك ومن الكبر، ثم قال: وامركم بلا إله إلا الله، وبسبحان الله وبحمده. لماذا؟ قال: فإن لا إله إلا الله لو وضعت في كفة والارض في كفة لرجحت بها لا إله إلا الله، وسبحان الله وبحمده قال: فإنها دعاء كل شيء وبها يرزق كل شيء». حديث صحيح.

الشاهد أن هذه الكلمة عظيمة جداً يا إخواني، هذه الكلمة عظيمة جداً جداً جداً، بها تدخل الدين، وبها تدخل الجنة، وبغيرها لا تدخل الدين ولا تدخل الجنة. ولذلك لو قل سبحان الله والحمد لله والله أكبر، ولم تذكر لا إله إلا الله في حياتك، ولا إيماناً ولا اعتقاداً، ما تنفعك الكلمات. لو تصلي وتصوم وبدون لا إله إلا الله ما ينفع، كما مر معنا أيها الأحبة في الأحاديث السابقة: بني الاسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، إقام الصلاة.

فقلنا دائماً: التوحيد هو الأساس، فأعلى شعب الإيمان أيها الأحبة كلمة الإخلاص، كلمة لا إله إلا الله. ولذلك أحبتي في الله، علينا دائماً وأبداً دائماً وأبداً أن نذكر الله بها. كل الأذكار التي مرت علينا من النبي صلى الله عليه وسلم نادراً ما تجده ذكراً يخلو من هذه الكلمة، ولذلك لا إله إلا حتى أن فمك لا ينطبق، لا إله إلا الله، وتجد أنها تخرج من صدرك، من قلبك، ها لا إله إلا الله، احتوت على أعظم الأسماء الحسنى.

جمهور العلماء أيها الأحبة جمهور العلماء على أن اسم الله الأعظم هو الله. لا إله إلا الله، والإله مشتق له، مشتق من الله هو المألوه سبحانه جل في علاه، لا معبود بحق إلا الله. ما معنى هذه الكلمة؟ لا معبود بحق إلا الله. لا تقول لا معبود إلا الله، لا، لا معبود بحق إلا الله؛ لأنك حينما تقول لا معبود بحق إلا الله أخرجت كل الآلهة المزعومة التي يعبدها الناس.

والعياذ بالله زوراً وظلما وبغير حق، لكن لما تقول لا معبود بحق، خلاص هنا الله عز وجل هو الوحيد سبحانه يستحق العبادة والمستحق للألوهية سبحانه جل في علاه. إذا أعلى شعب الإيمان لا إله إلا الله محمد رسول الله، ثم قال: وأدناها إماطة الأذى عن الطريق.

كان بعض السلف أيها الأحبة إذا أراد أن يزيل شيئا من الأرض، إما أذى وإما شيء يضر بالناس، ماذا يصنع؟ يزيله ويقول لا إله إلا الله. هذا قذى أو أذى أزاله من طريق الناس، ايش؟ ويقول لا إله إلا الله. تعرفون لماذا؟ لما سئل عن ذلك قال: أحببت أن أجمع بين أعلى شعب الإيمان وأدنى شعب الإيمان، فأعلى شعب الإيمان لا إله إلا الله، وأدنى شعب الإيمان إماطة الأذى عن الطريق، فجمع في وقت واحد بين الأعلى والادنى. لا إله إلا الله، جربوها أيها الأحبة ستجدون لها حلاوة أنك حينما تجمع بين أعلى شعب الإيمان وأدنى شعب الإيمان في وقت واحد، والله هذا فضل من الله سبحانه وتعالى وهذا من فقه الرجل.

إماطة الأذى عن الطريق أيها الأحبة كم فيه من الأجر! حتى لا يجيني واحد ويقول لك يا أخي الإسلام اهتم بس بالعقائد، لا يا أخي، الإسلام اهتم بالعقائد وبالمعاملات وبالعقوبات وبالآداب وبالسنن وبالمستحبات وبالمكروهات، الإسلام يا إخواني فعلاً كما قال الله سبحانه وتعالى ما فرطنا في الكتاب من شيء.

أحبتي في الله، هذا الدين العظيم هو الدين الخاتم، ولذلك ما من شيء ينفع الناس إلا جاء به محمد صلى الله عليه وسلم في هذا الدين، ولا شيء يضر الناس إلا حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم. ما في قضية في حياتنا يا إخواني وأحبابي في الله، ما هناك قضية يحتاجها الناس إلا والاسلام له فيها مقال، له فيها أمر ونهي وندب وكراهة وتحريم، أبدا، تجد سبحان الله الأحكام الخمسة كلها تشريعية موجودة أبدا. ولذلك أحبتي في الله هذا من عظمة هذا الدين. تخيلوا النبي صلى الله عليه وسلم هذا النبي الأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب ولا دخل مدارس ولا جامعات، وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى. هذا من عظمة هذا الدين ومن إعجاز النبي صلى الله عليه وسلم، نبي رسول من رب العالمين. ولذلك تخيل هذا القرآن أكثر من ستة آلاف آية ومع ذلك لا تجد هناك تناقظ، لا تجد هناك تصادم، لا تجد هناك تباين في المعاني، لا أبداً، كله من أوله إلى آخره مسبوك محبوك، تنزيل من رب العالمين سبحانه جل في علاه.

ولذلك أيها الأحبة، لابد الإنسان أن يعتز بهذا الدين، لابد أن نحترم شرعنا وأن نعتز بقيمنا، وكما قال عمر رضي الله عنه وأرضاه: نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فإذا ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله. إذاً هذا الدين عظيم جداً أيها الأحبة، كما جلس بعض الصحابة مع أحد اليهود، قال حتى إن علمكم، كيف حاجتكم؟ قال: نعم، حتى الإنسان إذا دخل الخلاء ماذا يفعل؟ يستقبل القبلة ولا يستدبرها، لا ينحرف عنها، ثم يتكئ على أحد قدميه، وكيف يستجمر؟ وكيف يستنجي؟ وكيف يجلس؟ وكيف يخرج؟ وكيف يدخل؟ أبدا، هذا الدين عظيم أحبتي في الله.

ولذلك انظروا إلى شعب الإيمان، هذه بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة، هناك من علماء البيهقي وغيرهم من ألفوا فيها مجلدات كثيرة، كلها شرح لهذه الشعب، التبويب حسب اختلاف أولئك العلماء، منهم من عددها، ومنهم من رتبها، لكن كثير من العلماء تكلموا في شعب الإيمان وبينوها وشرحوها وأفردوها، تكلموا عن أركان الإسلام وعن أركان الإيمان وعن العبادات وعن المعاملات. كل هذا حتى المسلم يفرح بهذا الدين، يعرف دينه، ويعرف شعب الإيمان: الصلاة، الصيام، الحج، الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، كل هذه الشعب مدونة في كتب السلف الصالح رضوان الله عليهم.

إذاً، لا إله إلا الله أعلى شعب الإيمان، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق. طيب، الآن هذه أعلى شعبة وهذه أدنى شعبة، وما بينها شعب كثيرة جداً. بعد الفاصل إن شاء الله أيها الأحبة أتكلم عن هذه الشعب أو عن بعضها بما يسمح به الوقت، وإن شاء الله فاصل بإذن الله تعالى ثم نعود إليكم، وصلى الله على محمد.

مليار وثلاثمائة مليون طن من الأطعمة تتحول إلى صناديق القمامة سنوياً، وهو ما يعادل ثلث إنتاج العالم من الطعام، ويتسبب هذا في خسارة مادية تقدر بسبعمائة وخمسين مليار دولار في كل عام. هذا ما أكدته منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة.

يحدث كل هذا في ظل وجود ثمانمائة وسبعين مليوناً من الجائعين يومياً، وصدق من قال: ما رأيت إسرافاً إلا وبجانبه حق مضيع. ففي الوقت الذي يموت فيه عشرات الآلاف من الأطفال جوعاً بسبب نقص الغذاء، نجد أن دولة غربية ترمي وحدها أطعمة تبلغ قيمتها تسعة عشر ملياراً من الدولارات في كل عام، ودولة أوروبية أخرى تهدر مائة طن من الطماطم في مهرجان سنوي يعرف بمهرجان التراشق بالطماطم. وفي دراسة لإحدى الشركات المتخصصة، وجد أن ثمانين بالمئة من قمامة إحدى الدول العربية كانت عبارة عن طعام. قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31]. فلنتدارك الأمر قبل أن يؤول بنا الحال إلى مصير المسرفين، فثمة دول معاصرة اشتهرت بشدة النعيم والإسراف، ثم دارت الأيام واشتهرت بالمجاعة والقحط.

فلنحرص جميعاً على الاقتصاد في الطعام، وأن نأتي به على قدر الاحتياج، وإذا تبقى منه شيء فلنحتفظ به للوجبة التالية، أو لنعطه للمحتاجين بعد أن نغلفه. وإذا كان الطعام لا يصلح للإنسان فلن أجمعه في صندوق، ولنجعله غذاء للطيور والحيوان، ففي كل كبد رطبة أجر. ولنتذكر دوماً قول الله تعالى.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. أيها الأحبة الأفاضل، ما زلنا مع هذا الحديث العظيم، حديث أبي هريرة، قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة، أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان». أقول أيها الأحبة: هذا الحديث يجمع الدين كله، وكل ما جاء من شعب في الإيمان تدخل ضمن هذا الكلام، ولذلك العقائد تدخل. إذاً، الإيمان هو قول وعمل واعتقاد، فكل الأعمال الاعتقادية تدخل في هذا الحديث، وكل الأعمال الجسدية تدخل في هذا الحديث، وكل الأعمال القولية أو الأقوال تدخل في هذا الحديث؛ لأنه قول وعمل واعتقاد. إذاً، هذا الحديث على صغر حجمه إلا أنه يحوي الدين كله، وهذا من إعجاز النبي صلى الله عليه وسلم الذي أوتي جوامع الكلم بابي وامي هو صلى الله عليه وسلم.

أعلى هذه الشعب كما قلنا لا إله إلا الله. واسمحوا لي قليلاً أيها الأحبة أن نركز على قضية لا إله إلا الله، لأنه بصراحة لا نهتم بباقي الشعب وننسى العمود الفقري لهذا الدين، إلا وهو التوحيد. يا إخواني، التوحيد، كل الانبياء رضوان الله عليهم وصلوات الله عليهم جميعا جاءوا بقضية تحقيق التوحيد: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّن إِلَٰهٍ غَيْرُهُ﴾ [المؤمنون: 32]. ولذلك قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر: 65-66].

إذاً قضية ايش؟ التوحيد، لا إله إلا الله، لا معبود بحق إلا الله. ولذلك يا إخواني في الله، النبي صلى الله عليه وسلم حرص على أبي طالب أن يقول هذه الكلمة، كان يقول: يا عماه قل كلمة أحاج لك بها عندي ربي، قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند ربي. ما زال به لما في مرض موته وقف عنده صلى الله عليه وسلم وجاء كبار قريش وعتاولة قريش وكفار قريش، فالنبي صلى الله عليه وسلم ما زال يصر على عمه في آخر اللحظات آخر المحاولات.

فكفار قريش يثيرون النعرة عند أبي طالب، تترك دينك ودين آبائك وأجدادك؟ ماذا يقول عنك العرب؟ يريد أن يقولها، فيبدأ يثيرون النعرة العصبية ها، ماذا يقول عنك العرب؟ ابن عبد المطلب أترك دينه؟ فما زالوا به حتى قال: على دين عبد المطلب. كم تأثرنا يعني فعلاً لا يمكن أن أصف حال النبي صلى الله عليه وسلم ونفسية النبي صلى الله عليه وسلم وهو يرى أقرب الناس إليه الذي هو في مقام والده يخرج من هذه الدنيا بغير التوحيد.

ثالثاً، كم تألم صلى الله عليه وسلم؟ ولذلك لما أسلم والد أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه يعني كان يقول: كم كنت أتمنى أنه عمك أبو طالب الذي أسلم يا رسول الله. انظر أيها الأحبة كيف الحب بين هذين الرجلين بين رسولنا صلى الله عليه وسلم وبين أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه.

كان صلى الله عليه وسلم يقول لكفار قريش لقريش يقول: قولوا كلمة، كلمة قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، بس الفلاح كله مع هذه الكلمة. إذاً، لا يظن إنسان أيها الإخوة أن هذه الكلمة كلمة يسيرة أبداً، كلمة عظيمة جداً، هي دلالة على أن الإنسان موحد لله عز وجل مؤمن بالله سبحانه وتعالى الإيمان الحقيقي، فهو يوحد الله ولا يشرك به شيئاً، لا معبود بحق إلا الله.

هذه الكلمة أحبتي في الله عظيمة عظيمة، ولها لوازم، لها لوازم كثيرة. لذلك مر معنا سابقاً أن أسامة رضي الله عنه وأرضاه كان في القتال في الجهاد، وكان هناك أحد الكفار يقاتله، فلما تمكن منه أسامة قال: لا إله إلا الله، فعاجله فقتله. أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الموقف، النبي غضب: يا أسامة أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله؟ قال: يا رسول الله والله ما قال إلا خوفاً من السيف. أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله؟ قال: يا رسول الله الآن موطن قتال بين المسلمين والكفار، واضح الوضع يعني ما يحتاج الاجتهاد.

لكن النبي صلى الله عليه وسلم لعظم هذه الكلمة: أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله؟ هلا شققت عن قلبه؟ كيف بك يوم القيامة إذا جاءت لا إله إلا الله تحجج عنه، كما قال صلى الله عليه وسلم. أسامة رضي الله عنه وأرضاه وهو من هو في قلب النبي صلى الله عليه وسلم، وهو من أقرب الناس إلى قلب النبي صلى الله عليه وسلم، قال: تمنيت أني لم أسلم إلا في ذلك اليوم، لشدة غضب النبي صلى الله عليه وسلم من هذا الموقف.

إذاً، كلمة عظيمة يا إخوان، كلمة عظيمة جداً جداً جداً. ولذلك يقول صلى الله عليه وسلم: «من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة». الله أكبر، اللهم ارزقنا إياها، من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة. لذلك لا يوفق لها إلا من وفقه الله، بعض الناس قد يكون متعلم وكذا، لكنه تخونه ذاكرته ويخونه لسانه في ذلك الموقف، وأما أهل الإيمان فيثبتهم الله سبحانه وتعالى.

قيل لبعض الناس في سكرات الموت: قل لا إله إلا الله، فيقول: والله إنها عندي أثقل من جبال الدنيا، ما يقدر يقولها، ما يقدر يقول خلاص الله عز وجل لم يرد له ذلك. وبعض الناس أبداً يقع له حادث أو يقع في كذا فتجده مبتسم: لا إله إلا الله، لا إله إلا الله. إذاً، هذه كلمة عظيمة، يعني هذا الذي ختمت له بهذه الكلمة هنيئا له البشارة من النبي صلى الله عليه وسلم. إذاً، لا إله إلا الله لا معبود بحق إلا الله.

اسمحوا لنا أنا أتكلم في هذه الكلمة؛ لأنه إخواني هم الدين، أساس لا إله إلا الله كل الدين أيها الأحبة إنما هو تعبيد لنا أن نعبد الله سبحانه وتعالى بهذه الكلمة. فنوحده سبحانه جل في علاه، ونطيعه سبحانه جل في علاه، ونعبده سبحانه جل في علاه، ونلوذ بجنابه سبحانه جل في علاه. هذه الأوامر، هذه النواهي، هذه العبادات، هذه المعاملات، هذه العقوبات كلها لتحقيق كلمة لا إله إلا الله.

إذاً، كلمة عظيمة جداً، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: «من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه دخل الجنة». لكن ينبغي أيها الأحبة أن نعرف أن لا إله إلا الله لها نواقض، لها نواقض ولها شروط، وبالتالي لابد أن نعرف نواقض لا إله إلا الله فنبتعد عنها، وشروط لا إله إلا الله فنطبقها؛ من اليقين، من الإخلاص، من المتابعة، الصدق. ولذلك الإنسان لابد أيها الأحبة، كما قال بعض السلف، لا إله إلا الله لها أسنان، يقول مثل المفتاح المفتاح له أسنان، وكذلك لا إله إلا الله لها أسنان، الإخلاص، المحبة، المتابعة، وكل هذه من شروط لا إله إلا الله.

طبعاً كلمة لا إله إلا الله تعني التوحيد، والإنسان الموحد بإذن الله سبحانه وتعالى يدخل الجنة، قد يدخل النار الموحد نعم، قد يدخل النار ينقى، لكن لا يخلد تحت المشيئة. فصاحب التوحيد إذا شاء بذنوب ومعاصي وكذا وكذا ها فهو ما زال تحت المشيئة، إن شاء ربنا عذبه وإن شاء عفا عنه، لكن الذي لا يأتي بغير التوحيد قولا واحدا لا ثالث له أو لا ثاني له إلى النار مباشرة.

قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 48]. وقال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ ۖ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [المائدة: 72].

يقول عليه الصلاة والسلام يقول الله سبحانه وتعالى: «يا ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي. يا ابن آدم، لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك. يا ابن آدم، لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة». لا تشرك بي شيئاً. إذاً، أحبتي في الله هذه الكلمة تعني التوحيد، والذي يلقى الله موحداً فإن شاء الله أنه تحت المشيئة.

إنسان قد يأتي بكبائر، قد يأتي بذنوب غير مستحلاً لها، هذا كما قلت لكم تحت المشيئة، لكن أن الإنسان والعياذ بالله يكفر بالله أو يستحيل أمراً حرمه الله أو يحرم أمراً أحله الله، لا هذه من نواقض لا إله إلا الله.

طيب، لا إله إلا الله هذه الكلمة العظيمة، هذه الكلمة تعني أن الإنسان لابد أن يوحد الله سبحانه وتعالى في كل أموره. إذاً، والاعتراف بربوبية الله سبحانه وتعالى، والاعتراف بألوهية الله سبحانه وتعالى، والاعتراف بأسمائه وصفاته، فتوحيد الربوبية مشتق من هذه الكلمة، توحيد الألوهية مشتق من هذه الكلمة، توحيد الأسماء والصفات مشتق من هذه الكلمة لا إله إلا الله.

فتوحيد الربوبية إفراد الله بأفعاله مر معنا سابقاً، توحيد الألوهية إفراد الله بأفعال العباد، توحيد الأسماء والصفات إثبات ما أثبته الله عز وجل لنفسه في كتابه وفي سنة نبيه صلى الله عليه وسلم من غير تحريف ولا تعطيل ولا تمثيل ولا تشبيه ولا تكييف. هذه كلها تقوم عليها لا إله إلا الله أحبتي في الله.

قال صلى الله عليه وسلم: «أعلاها لا إله إلا الله» توحيد العبادة والربوبية والأسماء والصفات، «وأدناها إماطة الأذى عن الطريق». اسمحوا لي أن أتكلم عن إماطة الأذى عن الطريق. كما قلت لكم أيها الأحبة، الإسلام كل لا يتجزأ، كل لا يتجزأ، ولذلك حتى قضية الطريق لابد لنا كمسلمين أن نهتم به، ألا نعبث به، ألا نضع فيه شيئاً قد يؤدي إلى أذية الناس أو أذية المخلوقات.

حتى إذا مشيت في الطريق تعطي الطريق حقها؛ من كف البصر، من عدم إلقاء شيء في هذه الطرقات، من عدم أذية الناس في هذه الطرقات. هذه كلها مهمة جداً أيها الأحبة أن نفهمها، أن نعرفها، وأن نطبقها في حياة الأمة. لكن ما نراه من بعض الأفعال المشينة؛ هذا يلقي شيئاً من نافذة السيارة، وهذا يلقي شيئاً من نافذة بيت، وهذا بدون احترام للناس، لماذا؟ هل ديننا يسمح بهذا؟

ما يصلح بهذا فاصل أيها الأحبة، ثم نعود إليكم بعد ذلك إن شاء الله. لقد شرع الله الدين للناس رجالاً ونساءً، ووعد الجميع الجنة والحياة الطيبة إذا قام بواجبه، فقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 97]. وقد جاء الإسلام فأكرم المرأة وحملها مع الرجل مسؤولية النهوض بالمجتمع وحسن الرعاية له، فقال عليه الصلاة والسلام: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته». وقد شغلت المرأة في العهد النبوي وما بعده مكاناً رفيعاً بمشاركاتها العلمية والاجتماعية والتربوية، وتصدر اسمها في قائمة المساهمين في بناء المجتمع وصياغة هوية الأمة والمحافظة على ثوابت الدين. ولا زال التاريخ يذكر أم المؤمنين خديجة، وأم المؤمنين عائشة، ونسيبة بنت كعب، وأم حرام بنت ملحان، وحفصة بنت سيرين، وفاطمة بنت عبد الملك، وزبيدة بنت جعفر وغيرهن رضي الله عنهن ورحمهن.

ومن هنا كان للمرأة المسلمة دورها المهم والخطير في صياغة المجتمع، مما أكسبها قيمة واعتباراً واحتراماً لا مثيل له في المجتمعات الأخرى. كما اعترف بذلك المنصفون من الغربيين، وبأنهم إنما تعلموا احترام المرأة من مسلمي الأندلس. يقول المفكر الفرنسي مارسيل بويزارد: إن الشعراء من المسلمين هم الذين علموا مسيحي أوروبا عبر إسبانيا احترام المرأة. فللمرأة على ثغر الحياة الزوجية أثر خطير، وفي التربية على الدين والخلق دور كبير، وفي التعليم والدعوة والطب والرعاية مكانة سنية ومسؤوليات. وقيام المرأة المسلمة بهذا وغيره له أثره الإيجابي في إصلاح المجتمع كله أُسراً وأفراداً، وصدق عليه الصلاة والسلام حين قال: «إنما النساء شقائق الرجال».

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. توقفنا أيها الأحبة عند أهمية قضية المحافظة على الطرقات، وأن قضية إماطة الأذى عن الطريق من شعب الإيمان. يا ناس، يا إخواني، يا أحبابي في الله، ننتبه لشعب الإيمان! أما إنسان يرمي زجاجة في الشارع، قمامة في الشارع، مسامير في الشارع، أوراق ومناديل؟ ليش يا أخي؟ بعض الناس يقول: يا أخي الغرب ما شاء الله تبارك الله، نظافة عندهم وكذا. هم بالقانون ما يمكن يرمي ورقة أو كأس أو زجاجة والعياذ بالله، عقب سيجارة؛ أبدا، كل شيء فيه غرامات. لكن نحن كمؤمنين كل شيء فيه أجر، وبالتالي لما نحافظ على هذه القضية، صدقوني يمكن أن نظفر بالجنة من خلال المحافظة على طرقات المسلمين! كيف ذلك؟ اسمع يرعاك الله. أخبر صلى الله عليه وسلم أن رجلاً رأى غصن شوك في الطريق، قال: فأزاله حتى لا يؤذي المسلمين. ما النتيجة؟ شكر الله له، وغفر له، وأدخله الجنة. بماذا يا أحبابي؟ إزالة غصن شوك من طريق المسلمين. ثم يقول صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده إني لأراه الآن ينغمس في أنهار الجنة». لا إاله إلا الله! «إني لأراه الآن ينغمس في أنهار الجنة». ماذا فعل الرجل؟ ما زال شيئاً من طريق المسلمين خشية أن يؤذيهم. طيب، ما بالكم بهذا الذي يتعمد أذية الناس بما يقوم به من مخالفات؟ سيعاقبه الله سبحانه وتعالى.

إذاً أحبتي في الله، هذا الأمر ترى يعني ينبغي أن ننتبه له وأن نقدره قدره. يعني حتى هؤلاء عمال النظافة الذين يعملون على النظافة، يا إخواني ترى هؤلاء يعملون في شعبة من شعب الإيمان، أن نحترمهم، أن نثني عليهم، أن نشكرهم، أن نساعدهم، أن نعينهم. إخواني، ترى هذا الدين عظيم جداً، إذاً لابد أن نعطي الطريق حقها، أن نجمع بين شعب الإيمان كلها. يعني الدين يا إخواني ما هو بس خلاص توحيد وصلاة وصيام وحج وزكاة وبقية الشعب لا؛ الدين كل لا يتجزأ. الذي أمرك بـ«لا إله إلا الله» أمرك بأن تنظف بيتك ودارك وشارعك وطريقك وطريق المسلمين، انتبه!

وهذا يقودنا إلى قضية الأخلاق أحبابي في الله، الإسلام كتلة من الأخلاق: أخلاق مع رب العالمين لا إله إلا الله، أخلاق مع الرسول الكريم محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخلاق مع الآخرين يعني إماطة الأذى عن الطريق، الأخلاق، التعامل، الصدق، الوفاء، المحبة، الإيثار، الأخوة، كلها أخلاق عظيمة جداً. إذاً الإسلام كتلة من الأخلاق أحبتي في الله، ولذلك اهتم النبي صلى الله عليه وسلم وقبل ذلك القرآن بالأخلاق. الله يشهد لرسوله الكريم: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من شيء أثقل في ميزان العبد المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق، وإن الله يبغض الفاحش البذيء». إذاً الأخلاق لها مكان عظيم جداً في ديننا في شرعنا. بعض الناس إذا ذهب إلى الغرب وكذا ورأى التعامل قال: يا اخي والله الإسلام هناك مو بهذا؛ هم يتعاملون معنا تعامل النفعية فقط. ما أقول إن ما عندهم أشياء نافعة، عندهم أشياء نافعة، وعندهم عدل، وعندهم، وعندهم؛ لكن كل هذا لا ينفع إذا ما كان فيه توحيد لله سبحانه وتعالى ونبذ الشرك.

تخيل أن ماذا تفيدني ما عندهم من تقنية ومن تقدم علمي وتكنولوجي وكذا وكذا وكذا بدون «لا إله إلا الله»؟ لا يعني هذا أنني لا أهتم بها، بل أهتم بها، أهتم بها؛ لكن لابد أن نعتز أننا عندنا ما ليس عندهم، أن عندنا التوحيد، أن عندنا القرآن، أن عندنا السنة، أن عندنا هدي السلف الصالح، أن عندنا حياة الدنيا وحياة الآخرة. ولذلك أحبتي في الله، يعني بعض الذين ذهبوا إلى هناك وأثنوا على الحياة في الغرب وكذا وكذا وكذا، طبعا نحن لابد أن نكون منصفين، لا شك أن عندهم عدل، عندهم إنصاف، ونتمنى أن نكون مثلهم أو أحسن منهم؛ لكن يكون أساسنا هذا الدين الذي هو مفتاح لكل خير، مفتاح لكل خير، لا أن نشوه ديننا بسلوك بعضنا. بعض الناس فعلا يذهب إلى هناك قد يشوه صورة الإسلام، وأعجبني أحدهم حينما قال: الإسلام قضية ناجحة لكنها بيد الفاشل. قضية ناجحة بكل ما تعنيه الكلمة، لكن المحامي فاشل. فالاسلام ليس فيه نقص أبدا، إنما المسلمون الذين عندهم النقص، الأفراد، الناس، عدم تمسكهم بالإسلام الحقيقي.

ولذلك كما قلت، الإسلام اهتم بالأخلاق، بل والله يا إخواني إن الإسلام لما انتشر في شرق آسيا، كيف انتشر؟ بالجهاد؟ أبدا! الإسلام انتشر في شرق آسيا بالأخلاق، بالأخلاق، تعامل الناس معهم، فوجدوا العدل، ووجدوا الوفاء، ووجدوا النصح، ووجدوا الأخلاق العظيمة جداً، فدخل الناس في الإسلام زرافات ووحداناً. يعني هذه الفلبين يوم من الأيام كان الإسلام فيها مئة في المئة، نعم الفلبين مئة في المئة، كانت مانيلا هذه كان اسمها (أمان الله)، وكان الإسلام فيها بنسبة مئة في المئة. ولذلك لا نعجب الآن حينما نشاهد كثرة الإخوة الفلبينيين الذين يدخلون في الإسلام، أكثر شعب في العالم للدخول في الإسلام الشعب الفلبيني، ولو رجعنا إلى أصولهم، الجد الثاني أو الأول أو الثالث لابد أن يكون مسلما. أقول أيها الأحبة، الأخلاق تصنع في الرجال، تصنع في الناس ما لا يصنعه شيء آخر، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من شيء أثقل في ميزان العبد المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق، وإن الله يبغض الفاحش البذيء». حسن الخلق، الإسلام يهتم بالأخلاق، يعني لماذا لم يقل التوحيد؟ «ما من شيء أثقل في ميزان العبد المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق»، ليش ما قال التوحيد؟ لأن الأخلاق الحسنة أيها الأحبة تجتمع على التوحيد. الآن أخلاقنا مع رب العالمين، لابد أن نتعامل مع رب العالمين بالأخلاق، ومن الأخلاق أن نوحد الله سبحانه وتعالى، هذا الذي خلقك، وشق سمعك وبصرك، وأعطاك، وحماك، وأعطاك هذا الدين وهذا القرآن، أما يستحق أن تعبده وتوحده؟ نحن يا إخوان إذا فعل معنا إنسان معروفاً أو فعلاً لنا أمراً نظل نشكره دائماً: فلان جزاه الله عني كل خير، ما قصر، وقف معي، فعل لي كذا؛ فعل فعل بسيط جداً، أما الله عز وجل فهو الذي خلقك، فمن لوازم الأخلاق أن توحد الرحمن الخلاق سبحانه جل في علاه، من لوازم الأخلاق أن توحد الخلاق سبحانه جل في علاه.

فإذا لما يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من شيء أثقل في ميزان العبد المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق». إذاً لا بد أن نهتم بالأخلاق. واسمع يرعاك الله لما يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وخيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي». أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً. بمعنى ترابط بين إيش؟ الإيمان والأخلاق، ما ينفكان أبداً، ما ينفكان. وإن المؤمن ليدرك درجة القائم الصائم.

ها يا إخواني، من منا يستطيع؟ من منا يستطيع أن يصوم الدهر ولا يفطر، وأن يقوم الدهر ولا يفتر؟ لا أحد، لا أحد، لكن أنا وأنت ونحن جميعاً بأخلاقنا، بأخلاقنا نصل هذه الدرجة. نصل درجة القائم الصائم! صعبة؟ ما هي صعبة، سهلة؟ ما هي سهلة، لكن بتوفيق الله تصل. ما هو تناقض؟ لا أبداً، إنما أقول حينما الإنسان يضع هذا في نفسه. انظروا إلى الصحابة رضوان الله عليهم، ماذا كانوا قبل الإسلام؟ وماذا صاروا بعد الإسلام؟

قبل الإسلام أمة متناحرة، يعني قانون الغابة، بعد الإسلام لا أبداً، الرجل يقدم روحه سهلة في سبيل الله سبحانه جل في علاه. لذلك يقول صلى الله عليه وسلم: «أنا زعيم ببيت في ربض الجنة، لمن يا رسول الله؟ قال: لمن ترك المراء وإن كان محقاً -الجدال-. وأنا زعيم ببيت في وسط الجنة، لمن يا رسول الله؟ قال: لمن ترك الكذب وإن كان مازحاً. وأنا زعيم ببيت في أعلى الجنة، لمن يا رسول الله؟ قال: لمن حسن خلقه». بمن حسن خلقه!

هذا الإسلام يا إخواني، والله الإسلام أخلاق، والله ما من خلق حسن إلا والاسلام يدعو إليه، ولا خلق سيء إلا والاسلام يحذر منه. لما أنزل الله قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199]، يقول صلى الله عليه وسلم: «يا جبريل، ماذا أراد الله بهذا؟» قال: إن الله يأمرك أن تصل من قطعك، وأن تعطي من حرمك، وأن تعفو عمن ظلمك. هذه أخلاق النبوة، هذه أخلاق محمد صلى الله عليه وسلم.

لذلك لا بد أن ننتبه لهذه القضية؛ الأخلاق، الأخلاق، الأخلاق، وسننشد عليها كثيراً في هذا البرنامج، في هذا الدرس أيها الأحبة، الأخلاق مهمة جداً. فأكثر ما يدخل الناس الجنة: تقوى الله حسن الخلق، وأكثر ما يدخل الناس النار: الأجوفان، الفم والفرج. لذلك أيها الأحبة، نجد أن الإسلام منظومة أخلاق؛ مع الله أخلاق. وأنظروا العلماء كم كتبوا في الأخلاق مع رب العالمين؟ انظروا إلى شيخ الاسلام ابن تيمية وابن القيم هم أبرز من كتب في هذا الجانب؛ مدارج السالكين، التحفة العراقية، أعمال القلوب، أو غيرها.

لذلك الأخلاق مع النبي صلى الله عليه وسلم وتكلم فيها العلماء بشكل كبير جداً، الأخلاق مع الناس وتكلم فيها العلماء كثيراً، الأخلاق مع الذات ومع النفس تكلم فيها العلماء كثيراً. بل والله يا إخواني حتى الأخلاق مع العجماوات والبهائم ومع الجمados فاز بذلك صلى الله عليه وسلم، أعطانا رسول الله صلى الله عليه وسلم يا إخواني أسوة عظيمة جداً في هذا الجانب. لما نبحث في أخلاق النبي مع رب العالمين شيء عجيب، مع الناس شيء عجيب، مع الآخرين مع البشر شيء عجيب، والله حتى مع العجماوات!

أيضاً النبي صلى الله عليه وسلم أخلاقه حتى وصلت إلى العجماوات، وصلت إلى الجمادات، تخيلوا اخلاق المصطفى صلى الله عليه وسلم، أحسن الأخلاق حتى مع الجماد! لما رأى جبل أحد ايش قال؟ «أحد جبل يحبنا ونحبه». لا إاله إلا الله، يحبنا ونحبه! هذا الكلام لجماد يا إخواني. فلما صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على أحد، اهتز أحد، قال: «اثبت أحد، فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان» فثبت. وكذلك وقع في جبل حراء الذي في غار حراء، لما صعد عليه النبي صلى الله عليه وسلم اهتز، قال: «اثبت»، فثبت.

لماذا اهتز الجبل؟ حباً، شوقاً، سمّه ما شئت. الحديث صح أنه اهتز، وأنا كأنني أشاهد إنساناً لما يرى محبوباً له فجأة ماذا؟ يهب واقفا. لعل الجبل هكذا وقع له، أبداً وهذا ليس فيه والعياذ بالله تصوف ولا زندقة، الحديث صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن أحداً اهتز لما صعد عليه النبي صلى الله عليه وسلم.

أيها الأحبة، نصل إلى نهاية لقائنا اليوم في هذا اللقاء الماتع، وإن شاء الله يكون لنا في لقاء قادم استكمالاً لهذا الموضوع. ونحن هنا في هذا البرنامج الجميل أكاديمية زاد، أسأل الله أن يرزقنا جميعاً علماً نافعاً ورزقاً واسعاً وشفاء من كل داء، استودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.

العلم النافع متطلع لزيادة الإيمان، وتريد ميسراً يأتيك ميسوراً بأي مكان، هذه عقيدتنا الصحيحة فطرة، تنفي الشكوك بواضح البرهان، بشرى لنا زاد الاكاديمية.