بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد.
سلام الله عليكم ورحمته وبركاته. أسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته أن يرزقنا جميعاً علماً نافعاً، ورزقاً واسعاً، وشفاءً من كل داء. وما زلنا مع لقاءاتنا المتتابعة في مادة الحديث في أكاديمية زاد، نسأل الله أن يجعلنا جميعاً مفاتيح للخير مغاليق للشر.
ومعنا اليوم الحديث الثامن. يقول الحديث عن علي رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم في جنازة، فأخذ شيئاً فجعل ينكت به الأرض، فقال صلى الله عليه وسلم: «ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من النار ومقعده من الجنة». قالوا: يا رسول الله، أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ قال: «اعملوا فكل ميسر لما خلق له؛ أما من كان من أهل السعادة فييسر لعمل أهل السعادة، وأاما من كان من أهل الشقاء فييسر لعمل أهل الشقاوة»، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ﴾ [الليل: 5-6] إلى آخر الآيات، متفق عليه.
أحبتي في الله، حديث عظيم، حديث كريم، يرويه طالب مدرسة النبوة، الذي تربى في بيت النبوة، الذي تولى النبي صلى الله عليه وسلم تربيته وتنشئته؛ علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه، الخليفة الرابع، علي بن أبي طالب رابع الخلفاء الراشدين بإجماع الأمة. زوجه النبي صلى الله عليه وسلم بفاطمة، وما أدراك ما فاطمة، إنها بنت رسولنا صلى الله عليه وسلم. ولي الخلافة بعد مقتل أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه وأرضاه، وحدثت له عدة مشاكل كثيرة مع الخوارج ومع غلاتهم، ومع الروافض كذلك والشيعة، وكفره الخوارج، وغلا فيه الشيعة حتى قدموه على الخلفاء الذين قبله، بل بعضهم غلا فيه حتى وصله والعياذ بالله إلى مرتبة عظيمة من الألوهية، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
طبعا أيها الأحبة، لا يهمنا تلك الفرق وما وقفت من موقف سلبي، لكن هذا الرجل هو ابن عم رسولنا صلى الله عليه وسلم، وهو من العشرة المبشرين بالجنة، وله مكانة عظيمة. أما يكفينا فيه وفي فضله قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أما ترضى أنت أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي». أي كرامة هذه لأبي الحسن رضي الله عنه وأرضاه! ولذلك لما استأُسد خيبر قال صلى الله عليه وسلم: «لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله». اليوم الثاني كان الناس يتطاولون، حتى عمر يقول: ما أحببت الرئاسة إلا في ذلك اليوم حتى أنال هذا الوصف. فلما صلى صلى الله عليه وسلم الفجر التفت، فأخذ الناس يرفعون رؤوسهم لعلهم أن يظفروا بهذه الميزة وبهذه الخلة وبهذه المكانة، فقال صلى الله عليه وسلم: «أين علي بن ابي طالب؟». قالوا: إن به رمداً يا رسول الله، ذهب بصره بسبب الرمد. قال: «هاتوه». فلما جيء به بصق في عينيه فكأن لم يكن به شيء، ثم أعطاه الراية وقال: «امضي على بركة الله». مهما تكلمنا في هذه الشخصية لن نوفيها حقها، رضي الله عن أبي الحسن وأرضاه، وجمعنا واياكم واياه في الفردوس الأعلى.
تعالوا بنا أيها الأحبة نقف مع مفردات الحديث. يقول صلى الله عليه وسلم: «ينكت بها الأرض»، أي يضرب بها الأرض ويؤثر، يعني أخذ النبي صلى الله عليه وسلم عصاه فأخذ ينكت بها الأرض. قال: «إلا وقد كتب مقعده»، أي موضع قعوده في الجنة أو في غيرها. «أفلا نتكل على كتابنا»، أي المكتوب في الأزل، هكذا يقول الصحابة. «وندع العمل»، أي نتركه إذ لا فائدة فيه، مع ظنهم خلاص ما دام أن كل انسان كتب مكانه فلماذا نعمل؟ «فكل ميسر لما خلق له»، يقول: أي موفق وممهد لما خلق له، وفسر بما بعده؛ فإن كان من أهل السعادة فسيسر لعمل أهل السعادة ولدار أهل السعادة، وإن كان من أهل الشقاوة فيسر لمكان اهل الشقاوة.
أيها الأحبة، دعونا نمضي الآن مع هذا الحديث ومع هذه الدرة ومع هذه الجوهره ومع هذا القبس العظيم من قبس النبوة. كان النبي صلى الله عليه وسلم في جنازة فأخذ شيئاً فجعل ينكت به الأرض فقال إلى ذلك. أيها الأحبة، كان صلى الله عليه وسلم يغتنم المواقف والأحداث في نصح الأمة وتربية الأمة، وهكذا الداعية ينبغي؛ ولذلك كان صلى الله عليه وسلم أيها الأحبة الافاضل مثل هذه المواقف لا يتركها صلى الله عليه وسلم دون أن تمر، دون أن يستفيد منها وأن يفيد منها الآخرين. ولذلك له مواقف كثيرة، النبي صلى الله عليه وسلم يغتنم مثل هذه المواقف والأحداث ثم ينصح الأمة من ذلك.
لما راى امرأة في السبي قد فقدت طفلها الصغير، فكانت كالمجنونة كلما رأت طفلا أخذته ورفعته تظن أنه ابنها، فإذا هو ليس بابنها فتضعه، فلما وجدت ابنها أخذته وضمته إلى صدرها وألقمت ثديها، والصحابة ينظرون والرسول ينظر، ثم نظر إليهم فقال: «أترون هذه طارحة ولدها في النار؟». قالوا: لا يا رسول الله، وهي تقدر على ألا تطرحه. فقال صلى الله عليه وسلم: «لله أرحم بنا من هذه بوليدها». الشاهد هناك أحاديث كثيرة ومواقف كثيرة الوقت لا يتسع له، لكن كذلك أنا أقول الدعاة والمربون وطلبة العلم ينبغي أن يغتنموا مثل هذه المواقف؛ لأن الإنسان في مثل هذه المواقف أمامه منظر، يعني كما يقولون فيه درس نظري واقعي، فهو ينظر إليه فيكون أجدر وأفضل لأخذ العبرة والدرس. وهكذا ينبغي أن يكون العلماء وطلبة العلم والمربون في تربية الناس اغتناماً لهذه الحوادث والمواقف.
قال: «ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من النار ومقعده من الجنة». إذاً أحبتي في الله، ليس هناك طريق ثالث؛ فريق في الجنة وفريق في السعير. ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَىٰ * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ﴾ [الليل: 5-10]. إذاً ما في طريق ثالث أيها الأحبة، ما في طريق ثالث أبداً، لابد للإنسان دائماً وأبداً أن يعرف أنهما طريقان لا ثالث لهما؛ إما جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين، وإما نار ترضى والعياذ بالله، نسأل الله أن يعافينا وإياكم. وهذه قضية مهمة جداً جداً جداً.
طبعا الموقف كان في جنازة، والجنازة عادة الناس مقبلة، الناس وجلة، الناس خائفة، الناس في المقابر، ولذلك يستحب في مثل هذه الأماكن تذكير الناس؛ ألا نغفل بالدنيا، ألا ننشغل بالدنيا وشهواتها وملاهيها وأموالها ونساءها وعماراتها وستاراتها وأسهمها، ونسنسى القضية الكبرى قضية الدار الآخرة. أنك مهما طال بك العمر لابد من دخول القبر. لذلك أيها الأحبة هذه قضية مهمة جداً. كان النبي صلى الله عليه وسلم يحث الأمة: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها فإنها تذكركم الآخرة». الإنسان يغفل أيها الأحبة في زخم الحياة ومجريات الحياة، ننسى هذه القضية. يجيني واحد يقول لي يا اخي احنا نروح المقابر؟ طيب سؤال: هل تذهب إلى المقبرة لأداء واجب أم لعلاج قلبك ونفسك؟ فرق بين أن تذهب إلى المقابر لأداء واجب فلان أو فلان مات فأذهب وأعزي، لا، هذا واجب. الذي أريده أيها الأحبة أننا نعالج قلوبنا بالذهاب إلى المقابر. كان صلى الله عليه وسلم يزور المقابر حتى في الليل، ولذلك أحبتي في الله زيارة المقابر من أسباب الخشوع ومحاسبة النفس والتعلق بالله سبحانه جل في علاه.
الحسن البصري رحمه الله يوم من الأيام كان في المقبرة، وكان هناك رجل يدفن، وكان بجانبه رجل مسرف على نفسه في الذنوب المعاصي، فأراد أن يؤدبه وأن ينصحه فنظر إليه قال: لو أن صاحب هذا القبر بعث ماذا...
يصنع قال: كان يتوب ويعمل صالحاً ويتقي الله ويسارع في الأعمال الصالحة. فقال الحسن: إن لم يكن هو فكن أنت. نظر الرجل الحسن البصري قال: يا أبا سعيد! طيب، وأعمالنا السابقة ماذا نصنع فيها؟ قال: أمر هين؛ أحسن فيما بقي يغفر لك ما مضى ويبارك لك فيما بقي، وإن لم تحسن فيما بقي أُخذت بما مضى وبما بقي. لذلك أيها الأحبة، مثل هذه المواقف مهمة؛ إذا حضر الإنسان الجنازة حضر المقبرة، ابدأ عالج قلبك، انظر كم من منعم، كم من معذب، كم من سعيد، كم من شقي، وهكذا أيها الأحبة، الانسان دائماً وأبداً يحاول دائماً أن يستفيد فيما يقربه من الله سبحانه جل في علاه.
ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من النار ومقعده من الجنة. النبي صلى الله عليه وسلم في حديث آخر يقول عليه الصلاة والسلام: «اعملوا، اعملوا، واعلموا أنكم لن تدخلوا الجنة بأعمالكم». قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته». إذاً هو طالبنا بالعمل، ترى ثمن الجنة عظيم يا إخواني، والله ما يستطيع بشر أن يقدم ثمن الجنة أبداً، ما يستطيع، حتى الانبياء والله ما يستطيعون. هكذا يقول صلى الله عليه وسلم: «ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته». فعملنا أيها الأحبة سبب للجنة، وليست ثمناً للجنة، انتبه! عملي وعملك هي أسباب للجنة ليس الثمن، لذلك أيها الأحبة ترى دخول الجنة ليس نحن لنا فيه تحكم، أو ثمن، لا، أعمالنا سبب، وأما دخول الجنة فهو من رحمة الله بنا، فإن أدخلنا الله النار نسال الله أن يعافينا جميعاً فبعدل، وإن أدخلنا الجنة فبرحمته.
لذلك أيها الأحبة، لا بد أن ننتبه لهذه القضية وأن نحاسب أنفسنا وأن نعمل، ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7-8]، وهذه قضية مهمة جداً. لذلك أيها الأحبة، نحرص قدر ما نستطيع المواصلة والهمة العالية والعمل حتى نلقى الله سبحانه وتعالى. أيها الأحبة، نقف عند هذا الفاصل ثم نعود إليكم باذن الله تعالى، وصلى الله على محمد.
الحمد لله، قال ابن القيم رحمه الله: أنفع الناس لك رجل مكنك من نفسه حتى تزرع فيه خيراً أو تصنع إليه معروفاً، فانه نعم العون لك على منفعتك وكمالك، فانتفع به في الحقيقة مثل انتفاعه بك أو أكثر. ربما تحب أحد الابناء أو البنات أكثر من اخوته إما لبره أو أدبها أو غير ذلك، ولكن هل يجوز أن تفضل من تحب في العطية وتخصصه بالهدايا دون الاخرين؟ لنستمع إلى هذه القصة التي جرت للصحابي الجليل النعمان بن بشير يقول رضي الله عنه: سألت أمي أبي بعض الموهبة لي من ماله فوهبها لي، فقالت: لا أرضى حتى تشهد النبي صلى الله عليه وسلم. فاخذ بيدي وانا غلام، فاتى بي النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: يا بشير، ألك ولد سوى هذا؟ قال: نعم. فقال: أكلهم وهبت له مثل هذا؟ قال: لا. قال: فلا تشهدني إذاً فاني لا اشهد على جور.
ففي هذا الحديث تحذير من تففضيل احد الابناء على اخوته وانه من الجور والظلم، ولم يفرق بين الذكر والانثى، وذلك لما يؤدي اليه من الكراهية والنفور بينهم. ولا حرج في الميل القلبي لاحد الاولاد دون غيره لأن ذلك أمر ليس في مقدور العبد، وإنما الذي يحرم أن يفضل المحبوب على غيره بالعطايا دون سبب شرعي. فان حصل مثل هذا التفضيل وجب رد العطية أو إعطاء الاخرين مثل أخيهم. ويجوز التفضيل بين الاولاد إذا كانت هناك اسباب وجيهة تدعو إلى ذلك؛ كان يخص احد اولاده لمرض أصابه، أو فقر وحاجة ألمت به، أو لاشتغاله بطلب العلم ونحوه من الفضائل. وللوالد أن يمنع العطية عمن يستعين بها على معصية الله تعالى ويعطيها لمن يستحقها، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: 2].
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على اشرف المرسلين، نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. نعود أيها الأحبة إلى حديثنا وإلى الفوائد المستقاه من هذا الحديث. أيها الأحبة، من الامور المهمة التي ينبغي أن ناخذها من هذا الحديث أهمية الأخذ بالأسباب. بمعنى أن الإنسان ينبغي أن يعمل وأن يأخذ بالأسباب في هذه الحياة، يعني الصحابة رضي الله عنهم قالوا: ألا نتكل على كتابنا؟ طيب ما أدراك أنك من أهل الجنة؟ ما أدراك أنك من أهل النار؟
تأتيني بعض الاسئلة من بعض الشباب وبعض الناس يقول: خلاص أنا ما حساوي شيئاً. طيب ما أدراك؟ هل تعلم الغيب؟ هل تظن أنك يا عبد الله إذا جاهدت في الله حق الجهاد، جاهدت نفسك وشهواتك، وجاهدت دنياك، وجاهدت شيطانك، أن هذا عند الله غير مثمن؟ يا إخواني، نحن كبشر ما نقبلها من بعضنا فكيف بالعظيم سبحانه الحكيم سبحانه اللطيف سبحانه؟ يا احبابي، الله عز وجل ارحم بنا من أنفسنا ومن امهاتنا، ولذلك لا تظن أن جهدك سيذهب سدى أو أن عملك سيمحى، لا يا اخي، بل خذ الأسباب، اعمل واعمل واعمل. يقول بعض السلف: والله لأعملن ثم لأعملن ثم لأعملن، فإن دخلت الجنة فذلك فضل الله، وإن كانت الأخرى فقد أعذرت إلى ربي.
الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: 69]. ولذلك، هذه دعوة إلى أن نعمل ما ننام ونكسل، بعض الناس عنده غبش في التصور، ضعف في العقل، لا يا اخي خذ الأسباب، خذ الأسباب وتوكل على المسبب سبحانه جل في علاه، خذ الأسباب واستعن بالله سبحانه جل في علاه. يقول ابن تيمية رحمه الله: الاعتماد على الأسباب قدح في التوحيد، وترك الأسباب قدح في العقل. قدح في العقل! طيب ماذا اصنع؟ تصنع يا عبد الله أنك تأخذ الأسباب وتعلق قلبك بمسبب الأسباب سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك: 15].
لذلك أحبتي في الله، نحن مطالبون بالأسباب، خذ السبب. انسان يريد أن يتزوج ويريد أن يولد له ولد وهو في المسجد من الصباح إلى المغرب: اللهم ارزقني ولداً، اللهم ارزقني ولداً، وهو غير متزوج؛ هل يمكن أن يرزق بولد؟ أين عقولنا؟ لا يا اخي، تريد ولداً تزوج خذ السبب. قد تتزوج وما يأتيك اولاد، إذاً تزوج وادع الله مسبب الأسباب أن يرزقك بالولد. تريد رزقاً؟ اخرج من بيتك، اضرب في الأرض يمنة ويسرى، وادع الله أن يعينك وأن يسددك. هكذا لا تترك الأسباب أبداً، فهو قدح في العقل، لأن بعض الناس عنده غبش، غبش في التصور، في الفقه، في النظر، لا يا اخي خذ الأسباب واستعن بمسبب الأسباب.
من الابيات الجميلة التي مرت علي وصف مريم عليها السلام، تلك المرأة الضعيفة التي يعني فعلا مرت بموقف مو سهل جداً ومع ذلك لما جاعت أمرها الله سبحانه وتعالى أن تهز النخلة. من منا يستطيع أن يهز النخلة؟ الرجال ما يستطيعون أن يحركوا النخلة لكنه سبب. فلما هزت النخلة تساقط عليها الرطب، ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ [مريم: 25]. يقول احد الشعراء: توكل على الله في كل حاجة ولا تؤثر العجز يوماً على الطلب ألم تر أن الله قال لمريم: وهز إليك الجذع يساقط الرطب ولو شاء أن تجنيه من غير هزَّة جنته ولكن كل شيء له سبب. كل شيء له سبب يا عبد الله، لذلك ناخذ الأسباب أيها الأحبة.
ترى ديننا يعني يأمرنا بهذا، الله عز وجل قادر ما قلنا شيء، قادر، لكن هناك سنن كونية وضعها الله عز وجل. لكن إذا ضاق بك الحال، إذا ما استطعت بالأسباب هنا يأتي التدخل الالهي. الرسول صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة اخذ الأسباب، تخفى، ذهب إلى غار ثور، اختبأ في ثلاثة أيام، سلك طريقاً مختلفاً، سلك ذهب إلى الجنوب ثم إلى الساحل.
إذا، كل هذه أسباب، لكن لما جاءت الإسراء والمعراج أيها الأحبه، جاء الإسراء والمعراج في لحظات، أُسري به إلى بيت المقدس إلى السماء السابعة ثم عاد في نفس الليلة، حتى إن رأسه كان دافئا لم يبرد؛ لأن هذا تدخل إلهي.
لكن لما كان الموضوع قضية أسباب بشرية، الإنسان لابد أن يأخذها؛ ألا أسبوعان النبي صلى الله عليه وسلم في الطريق إلى المدينة يتخفى، هذه أشياء أمرنا بها. ولذلك أيها الأحبه نريد الجنة، نأخذ أسبابها، ننام عن تلك الأسباب ندخل النار والعياذ بالله. ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها، إن السفينة لا تمشي على اليبس.
يعني أحد السلف، أظنه عمر رضي الله عنه وأرضاه، رأى رجلا صلى ركعتين سريعتين، ثم قال: اللهم إني أسألك أن ترزقني من الحور العين. قال: أسأت العمل وعظمت الطلب. تبغى الحور العين، تبغى الجنة؟ قدم لها مهرها، تقدم العمل الصالح، أكثر من الأعمال. أنت الآن تريد جنة عرضها السماوات والأرض، تريد حور عين بهذه الطريقة؟ ترى في الدنيا ما نقبل ذلك.
طبعا أعود فأقول، رحمة الله واسعة، ولكن لو نظرت إلى هدي رسولنا صلى الله عليه وسلم، الذي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، سيد البشر صلى الله عليه وسلم، اعظم الخلق صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك كان يقوم من الليل حتى تتورم قدماه الشريفتان. أتفعل ذلك يا رسول الله وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فيقول: «أفلا أحب أن أكون عبدا شكورا». الله أكبر.
الصحابة رضوان الله عليهم أيها الأحبه، أبو بكر، عمر، عثمان، علي، العشرة، يعني مع أنهم مبشرون بالجنة، ومع ذلك الأعمال متتابعة، كثرة الذنوب قليلة، يعني شيء عجيب جدا، ومع أنهم بشروا بالجنة. هذا عثمان رضي الله عنه وأرضاه يبشر بالجنة مرتين؛ يقول صلى الله عليه وسلم: «من يجهز جيش تبوك وله الجنة». فيجهزه عثمان رضي الله عنه وأرضاه. ثم يقول صلى الله عليه وسلم: «ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم، ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم، ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم».
وسبحان الله، يأتي موقف آخر ويقول: «من يشتري بئر روما وله الجنة؟». فينبري عثمان مرة ثانية، ويشتريها من اليهود الذي غالى في سعرها، ثم يسبلها للمسلمين. ما قال: خلاص، أنا قد اشتريت الجنة، خلاص، لا لا لا، مسارعة مسارعة مسارعة مسارعة. ولذلك أيها الأحبه، الإنسان عليه فعلا أن لا يكتفي بالأعمال الصالحة، بل عليه دائما وأبدا أن يكثر ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: 99].
هكذا يقول الله سبحانه وتعالى: اعبد ربك حتى ياتيك اليقين. إذا، الذي يريد جنة عرضها السماوات والأرض لا يجيني يعمل عمل بسيط يقول: خلاص. لا لا لا لا لا لا. نحن إذا اردنا، نحن إذا أرادنا عمل دنيوي وفيه ربح كبير، أتعبنا أنفسنا، أسهرنا ليلنا، وأظمأنا نهارنا، وشددنا المئزر، وأخذنا بالاسباب من أجل امور دنيوية تافهة، فكيف بجنة عرضها السماوات والأرض؟ اين العقول؟
ولذلك هنا الحديث: اعملوا فكل ميسر لما خلق له. لكن قال لك: اعمل، اعمل، لا تنام، لا تكسل، لا تاخذك الدنيا في طرقها وشعابها. اعمل يا عبد الله، ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات: 56-57]. الرزق بيد الله، الفضل بيد الله، لكن انت اعمل، ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 97].
يا اخي عمل، وايان سيحيي الله حياة طيبة في الدنيا؟ واذا قال الله سبحانه وتعالى: طيبة، اعرف انها طيبة. ما هو بمقياسنا نحن، على مقياس رب العالمين، لأن الله هو الغني، هو الملك، هو الحكيم، هو اللطيف، هو السميع، هو البصير، هو القادر. ولذلك ستكون حياتك طيبة على قدر رحمة الله وفضل الله وكرم الله، ليس على قدر عقولنا، ترى عقولنا مهما بلغت فهي قاصرة قاصرة.
أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، هذا في الجنة، فكيف الدنيا؟ ولذلك حياة طيبة بمقياس الرحمن سبحانه جل في علاه؛ لأن مقاييسنا أيها الأحبه مقاييس بشرية ناقصة، أما مقياس الله سبحانه وتعالى فلا يمكن لعقولنا أن تحده، أو أن تعرف، أو أن تصل إلى مستواه؛ لأنه فضل الله وعطاء الله، ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾ [الحجر: 21].
لذلك قال: اعملوا، اعمل يا عبد الله، اعمل، اعمل، لا تتوانى، لا تكسل، لا تنام، اعمل. فالعمل يا عبد الله، يا من بدنياه اشتغل وغره طول الأمل، الموت يأتي بغته والقبر صندوق العمل. أنت ما دمت في الدنيا تعيش فإن أنت تستطيع أن تعمل، لكن المشكلة إذا ختم عليك، إذا ذهبت الروح، ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [سبأ: 54].
مر رجل على مقبرة في الليل فنام بجانبها، فرى أن أهل القبور قد خرجوا عليه في المنام، فقالوا: يا هذا، انتبه، ما أشد ما أنتم فيه من غفلة، وما أشد ما نحن فيه من ندامة! إنكم تعملون ولا تعلمون، ونحن نعلم ولا نعمل. والله أن تسبيحة أو تسبيحة، أو ركعة أو ركعتان، أحب إلينا من الدنيا وما فيها. من يقول هذا إخواني؟ أهل القبور، أهل البرزخ. تسبيحة واحدة، ركعة واحدة، خير من الدنيا وما عليها. ولذلك بدأ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «اعملوا فكل ميسر لما خلق له».
وهذا من فضل الله سبحانه وتعالى، ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمَحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: 69]، ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى * وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى * إِنَّ عَلَيْنَا لِلْهُدَى * وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى * فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى * لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى * وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [الليل: 5-21].
أيها الأحبه، فاصل آخر ثم نعود إليكم باذن الله، وصلى الله على محمد، والحمد لله رب العالمين.
مليار و300 مليون طن من الأطعمة تحول إلى صناديق القمامة سنويا، وهو ما يعادل ثلث إنتاج العالم من الطعام، ويتسبب هذا في خسارة مادية تقدر بـ 750 مليار دولار في كل عام. هذا ما أكدته منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة. يحدث كل هذا في ظل وجود 870 مليونا من الجائعين يوميا. وصدق من قال: ما رأيت إسرافا إلا وبجانه حق مضيع.
ففي الوقت الذي يموت فيه عشرات الآلاف من الأطفال جوعا بسبب نقص الغذاء، نجد أن دولة غربية ترمي وحدها أطعمة تبلغ قيمتها 19 مليار من الدولارات في كل عام، ودولة أوروبية أخرى تهدر 100 طن من الطماطم في مهرجان سنوي يعرف بمهرجان التراشق بالطماطم. وفي دراسة لإحدى الشركات المتخصصة، وجد أن 80% من قمامة إحدى الدول العربية كانت عبارة عن طعام. قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْـمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31].
فلنتدبر قبل أن يؤول بنا الحال إلى مصير المسرفين. ثمة دول معاصرة اشتهرت بشدة النعيم والإسراف ثم دارت الأيام واشتهرت بالمداد. فلنحرص جميعا على الاقتصاد في الطعام وأن ناتي به على قدر الاحتياج، وإذا تبقى منه شيء فلنحتفظ به للوجبة التالية، أو لنعطيه من يحتاج بعد أن نغلفه، وإذا كان الطعام لا يصلح للإنسان فلنجعله في صندوق، ولنجعله غذاء للطيور والحياة، ففي كل كبد رطبة أجر. ولنتذكر دوما قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: 8].
قناة زاد العلمية. أشهْدُ ألا إله إلا هو، والعلم شريك لهيه في كل وقت.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على اشرف المرسلين، نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما كثيرا، أما بعد. سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
أيها الأحبه الافاضل، لعلي أن أقف وقفة سريعة مع راوي الحديث من باب التجديد. احبتي في الله، راوي الحديث علي بن أبي طالب، وهذا الرجل مدرسة في ذاته؛ لانه تربى في مدرسة النبوة. من كلامه الجميل: إن للنفس إقبالا وإدبارا، فإذا أقبلت فعليكم بالفرائض، وإذا أدبرت فعليكم.
بالنوافل، أسف؛ إذا أقبلت فعليكم بالنوافل، وإذا أدبرت فعليكم بالفرائض. بعض الأوقات النفوس -أيها الأحبة- تجمح، يصيبها شدة ضيق كذا؛ فإذا وجدت من نفسك ضيقاً لا تحملها ما لا تطيق، عليك بالفرائض لا تكثر عليها. لكن إذا رأيت نفسك مقبلة على الخير ها؛ فأعطها الفرائض ثم النوافل أكثر عليها لا. لذلك النفس -أيها الأحبة- لا بد لها من مداراة حتى لا تجمح.
ومن كلامه الجميل -رضي الله عنه وأرضاه-: إن الدنيا قد ارتحلت مدبرةً، وإن الآخرة قد ارتحلت مقبلةً، وإن لكل منهما بنين، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل، اليوم عمل ولا حساب وغدا حساب ولا عمل. رضي الله عن أبي الحسن رضي وأرضاه وحشرنا معه في الفردوس الأعلى إنه برفقة نبينا صلى الله عليه وسلم، إنه على كل شيء قدير.
أعود إلى الحديث -أيها الأحبة الافاضل-، أعود إلى الحديث؛ من الأمور المهمة التي ينبغي أن نعرفها -أيها الأحبة- أن الله سبحانه وتعالى لا يظلم الناس شيئاً، إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤتي من لدنه أجراً عظيماً. لذلك -أيها الأحبة- ينبغي للإنسان أن يبعد عن فكره كل الأفكار التي تتناقض مع العقل أو تتناقض مع حسن الظن بالله سبحانه جل في علاه، لأن الله عظيم كريم عليم حليم سبحانه لطيف خبير بصير حي قيوم، وبالتالي هذه الصفات هذه الأسماء لها أثرها العظيم في حسن ظننا بالله سبحانه وتعالى وفي رحمة الله بخلقه.
من الفوائد المهمة التي نستفيدها ونستقيها: الإيمان بالقضاء والقدر، واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، رفعت الأقلام وجفت الصحف. وهذا الإيمان -أيها الأحبة- يعطينا مزية أخرى، أن الإنسان يعيش في هدوء، في ططمأنينة، في سعادة، في ثقة بالله سبحانه وتعالى، يعطينا قوة والله! يعطينا قوة في ردود أفعالنا، طبعاً قوة مع حسن الظن بالله، وعدم أن الإنسان يعمل أعمالاً غير سوية، لا، تعطيك قوة في حياتنا. رأينا الصحابة والسلف الصالح فعلاً لما يتمكن القضاء والقدر في نفس الواحد منهم يواجه الجيوش الجرارة، يواجه السلاطين الظلمة، يواجه الأعداء الكفرة بكل قوة.
يعني من الابيات الجميلة لعلي بن ابي طالب رضي الله عنه في هذا الباب أهمية الإيمان بالقضاء والقدر وأن الإنسان لابد أن يكون شجاعاً ويعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، يقول علي رضي الله عنه وأرضاه: أي يومي من الموت أفر؟ يوم لا قدر أم يوم قدر؟ يوم لا قدر لا أرهب، وإذا قدر لا يغني الحذر. يقول: الحياة يومين، إما يوم أموت فيه أو يوم لا أموت فيه، فاليوم الذي أموت فيه ليش أخاف؟ ساموت ساموت، واليوم الذي لن أموت فيه ليش أخاف؟ لن أموت. قمة التوكل على الله وحسن الظن بالله سبحانه جل في علاه.
لذلك -أيها الأحبة- فعلاً الإنسان يؤمن بالقضاء والقدر، لكن الإنسان يأخذ الأسباب لأنها من القضاء والقدر، ولذلك القضاء والقدر يعطيك طمأنينة: أخذت الأسباب، فعلت الأسباب، توكلت على الله، استعنت بالله. مما تخشى يا عبد الله؟ مما تحذر يا عبد الله؟ كن مع الله ولا تبالي. لذلك -أحبتي في الله- مهم جداً إذا آمنا بالقضاء والقدر وعلمنا أن الأمور مقدرة ومسجلة، علينا أننا أيضاً ناخذ الأسباب التي هي من القضاء والقدر، الأسباب من القضاء والقدر: إن فعلت كذا كتب وقع لك كذا، وإن لم تفعل كذا لم يحدث لك كذا.
ولذلك كان كثير من العلماء يقول: القدر سر الله في خلقه، عقلك ما يتحمل هذا الموضوع إلا أن تسلم. ولذلك كان الإيمان بالقضاء والقدر -أيها الأحبة- ركن من أركان الإيمان الستة: تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره. هذه قضية والله -أيها الأحبة- أن الإنسان إذا رزق هذا الأمر استقامت حياته. يعني نقول لكم حتى أهل الجاهلية في جاهليتهم كانوا يؤمنون بالقضاء والقدر، يعني الأعرابي كان يموت بعيره يقول: قضاء وقدر، يذهب ماله يقول: قضاء وقدر، يموت ابنه قضاء وقدر. حتى عنترة بن شداد له بيت مشهور وشعراء كثر: يا عبل أني من المنية مهربي إن كان ربي في السماء قضاها، وهو جاهلي لا يعرف الإسلام، فكيف بأهل لا إله إلا الله، كيف بأهل القرآن والسنة، كيف بأهل اتباع النبي صلى الله عليه وسلم؟
لذلك -أيها الأحبة- الإيمان بالقضاء والقدر يزيدك ثباتاً وطمأنينة وسعادة وحسن ظن بالله سبحانه جل في علاه. واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، رفعت الأقلام وجفت الصحف. وفي الحديث الآخر وفي الرواية الثانية: واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعت الأمة على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد قدره الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف.
أيها الأحبة الأفاضل، أعود فأقول: هما طريقان لا ثالث لهما، ولا بد للإنسان أن يعي؛ فريق في الجنة وفريق في السعير. ولذلك يقول صلى الله عليه وسلم: «ما رأيت كالجنة نام طالبها، وما رأيت كالنار نام هاربها». ما رأيت كالجنة نام طالبها! الذي يعرف الجنة وما فيها وينام! أين عقلك؟ أين تفكيرك؟ أين فطنتك؟ أين لبك؟ أين جهدك؟ تعرف الجنة وما أعده الله لأهلها ثم تنام عن طلبها! لو كان عرضاً من الدنيا ما نمنا، فكيف بجنة عرضها السماوات والأرض؟ كيف بجنة أقل واحد فيها من يملك عشرة أضعاف الدنيا؟ كيف بجنة هي دار السعادة ودار السلام؟ يا أهل الجنة، إن لكم أن تحيوا فلا تموتوا فيها أبداً، إن لكم أن تشبوا فلا تهرموا فيها أبداً، إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا فيها أبداً، إن لكم أن تسعدوا فلا تشقوا فيها أبداً، يا أهل الجنة خلود فلا موت، يا أهل النار خلود فلا موت! أين عقولنا؟ أين عقولنا؟
وما رأيت كالنار نام هاربها! نار تلظى، لا يصلاها إلا الأشقى، وننام عن الفرار منها! أين العقول؟ أين العقول؟ إذا كان مجلس الكافر في جهنم -أيها الأحبة- مجلس الكافر في جهنم كما بين مكة إلى المدينة أربعمائة كيلو، ما بين منكبيه مسيرة ثلاثة أيام، ضرس الكافر في جهنم كجبل أحد، سبعة كيلو ونص سبعة كيلو ونص، جلده أربعون ذراعاً، كُلَّمَا نَضِجَت جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُم جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ. سعير، سعير اسمها سعير، مخيف، جهنم نار تلظى. ومع الأسف مع الأسف كثير من الناس يسمع الآيات والعبر والمواعظ ولا ينتبه، سكر بحب الدنيا!
لا يا إخواني، ما رأيت كالجنة نام طالبها وما رأيت كالنار نام هاربها. أين نحن من هذا الحديث -أيها الأحبة-؟ لذلك النبي صلى الله عليه وسلم سن لنا في كل يوم وليلة، كل يوم وليلة أدعية تربطك بهذا الأمر العظيم، يقول صلى الله عليه وسلم: «من سأل الله الجنة في يوم ثلاث مرات قالت الجنة: اللهم اجعله من أهلي، ومن استعاذ بالله من النار في يوم ثلاث مرات قالت النار: اللهم لا تجعله من أهلي». حتى تكون القضية حاضرة دائماً في تفكر فيها، تفكر فيها، تفكر فيها في الليل، في النهار، في كل الأحوال وأنت تفكر كيف تظفر بالجنة وكيف تنجو من النار.
أما قضية الإنسان دائماً يعني سائح مع هذه الدنيا، مشغول بهذه الدنيا، بهذه الشهوات، الملاهي، الأموال، النساء، العمارات، إلى متى؟ إلى متى؟ والله مات الملوك والسلاطين والأمراء والكبار والعلماء والجهال والرجال والنساء والأعاجم والعرب، كله كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ. ما عندنا عبرة في هذا -أيها الأحبة-؟ سنلقى الله سبحانه وتعالى، كيف نلقى الله سبحانه وتعالى؟ هذه قضية مهمة جداً.
إذاً فكل ميسر لما خلق له. بالمناسبه يعني تلميح أخرى بالنسبة للقضاء والقدر، عندنا في هذه القضية طرفين.
ووسط الطرف الأيمن الذين غلوا في قضية القضاء والقدر فقالوا الإنسان مجبر مجبر، وفريق آخر قالوا لا الإنسان غير مجبر بل القدر هو عبارة القدر لا تحكم له فيه أبداً. فعندنا الجبرية وعندنا القدرية، الجبرية قالوا الإنسان مجبر في كل شيء، والقدرية نفوا القدر قالوا ما في قدر.
فأهل السنة فقالوا لا وسط؛ الإنسان مسير في أشياء ومخير في أشياء، وهذا هو المنهج الوسط، هذا لا ينافي علم الله سبحانه وتعالى. لأنه يا أيها الأحبه لا نقيس صفات الله عز وجل بصفات المخلوقين، انتبهوا لا تقس صفات المولى سبحانه جل في علاه بصفاتنا. نحن كبشر ترى صفاتنا ناقصة، ترى صفات المخلوق ناقصة، أما صفات الله ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
ولذلك يا عبد الله دائما فوض أمرك إلى الله، خذ الأسباب، استعن بالله، توكل على الله، ادع الله. لماذا الله عز وجل أعطانا الدعاء كسلاح لنا في هذه الحياة لو كانت الأمور خلاص منتهية ما فيها لا تقديم ولا تأخير لماذا الدعاء؟ وقال ربكم ادعوني استجب لكم.
الله عز وجل يقول في محكم التنزيل لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتاخر. يعني أنت بإمكانك أن تتقدم بإذن الله وتتأخر بإذن الله، خذ الأسباب يا عبد الله، اعملوا واعلموا أنكم لن تدخلوا الجنة بأعمالكم قالوا حتى أنت يا رسول الله؟ قال: حتى أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته.
أكتفي بهذا أيها الأحبة، وأسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته أن ثبتنا في الدنيا والاخرة وأن يستعملنا في طاعته وأن يغفر ذنوبنا وأن يستر عيوبنا وأن يرحم ضعفنا وأن يستر عيبنا وأن يصلح نياتنا وذرياتنا وأن يشفي مرضانا ومرضى المسلمين وأن يرحم موتانا وموتى المسلمين، وصل اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.
يا راغبا في كل علم نافع متطلعا لزيادة الإيمان، وتريد سهلا النوال ميسرا ياتيك ميسورا بأي مكان. زاد زاد أكاديمية ينبوعها صاف صاف ليروي غلة الظمآن، والسنة الغراء شارحة له فهما لنا من ربنا وأحياني. بشرى لنا زاد أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان.
د. موفق كدسة الغامدي